(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ). سورة البقرة، الآية: ٦٧
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
تَعَرَّضَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقِصَّةٍ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ ظَهَرَ فِيها مِن قِلَّةِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِمْ ومِنَ الإعْناتِ في المَسْألَةِ والإلْحاحِ فِيها إمّا لِلتَّفَصِّي مِنَ الِامْتِثالِ وإمّا لِبُعْدِ أفْهامِهِمْ عَنْ مَقْصِدِ الشّارِعِ ورَوْمِهِمُ التَّوْقِيفَ عَلى ما لا قَصْدَ إلَيْهِ.
قِيلَ إنَّ أوَّلَ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] الآياتِ وإنَّ قَوْلَ مُوسى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشِيءٌ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ، وإنَّ قَوْلَ مُوسى قُدِّمَ هُنا لِأنَّ خِطابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم قَدْ نَشَأ عَنْهُ ضَرْبٌ مِن مَذامِّهِمْ في تَلَقِّي التَّشْرِيعِ وهو الِاسْتِخْفافُ بِالأمْرِ - حِينَ ظَنُّوهُ هُزُؤًا - والإعْناتُ في المَسْألَةِ فَأُرِيدَ مِن تَقْدِيمِ جُزْءِ القِصَّةِ تَعَدُّدُ تَقْرِيعِهِمْ هَكَذا ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ والمُوَجِّهُونَ لِكَلامِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما وجَّهُوا بِهِ تَقْدِيمَ جُزْءِ القِصَّةِ لا يَقْتَضِي إلّا تَفْكِيكَ القِصَّةِ إلى قِصَّتَيْنِ تُعَنْوَنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِقَوْلِهِ وإذْ مَعَ بَقاءِ التَّرْتِيبِ، عَلى أنِ المَذامَّ قَدْ تُعْرَفُ بِحِكايَتِها والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِنَحْوِ قَوْلِهِ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ وقَوْلِهِ وما كادُوا يَفْعَلُونَ فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُما قِصَّتانِ أشارَتِ الأُولى وهي المَحْكِيَّةُ هُنا إلى أمْرِ مُوسى إيّاهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وهَذِهِ هي القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها التَّوْراةُ في السِّفْرِ الرّابِعِ وهو سِفْرُ التَّشْرِيعِ الثّانِي (تَثْنِيَةٌ) في الإصْحاحِ ٢١ أنَّهُ إذا وُجِدَ قَتِيلٌ لا يُعْلَمُ قاتِلُهُ فَإنَّ أقْرَبَ القُرى إلى مَوْقِعِ القَتِيلِ يَخْرُجُ شُيُوخُها ويُخْرِجُونَ عِجْلَةً مِنَ البَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْها ولَمْ تَنْجُرْ بِالنِّيرِ فَيَأْتُونَ بِها إلى وادٍ دائِمٍ السَّيَلانِ لَمْ يُحْرَثْ ولَمْ يُزْرَعْ ويَقْطَعُونَ عُنُقَها هُنالِكَ ويَتَقَدَّمُ الكَهَنَةُ مَن بَنِي لاوِي فَيَغْسِلُ شُيُوخُ تِلْكَ القَرْيَةِ أيْدِيَهم عَلى العِجْلَةِ في الوادِي ويَقُولُونَ لِمَ تَسْفِكْ أيْدِينا هَذا الدَّمَ ولَمْ تُبْصِرْ أعْيُنُنا سافِكَهُ فَيَغْفِرُ لَهُمُ الدَّمُ اهـ. هَكَذا ذُكِرَتِ القِصَّةُ بِإجْمالٍ أضاعَ المَقْصُودَ وأبْهَمَ الغَرَضَ مِن هَذا الذَّبْحِ أهْوَ إضاعَةُ ذَلِكَ الدَّمِ باطِلًا أمْ هو عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ المُتَّهَمِ بِالقَتْلِ وكَيْفَما كانَ فَهَذِهِ بَقَرَةٌ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ قَتْلِ نَفْسٍ جُهِلَ قاتِلُها وهي المُشارُ إلَيْها هُنا، ثُمَّ كانَ ما حَدَثَ مِن قَتْلِ القَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ أبْناءُ عَمِّهِ وجاءُوا مُظْهِرِينَ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ وكانَتْ تِلْكَ النّازِلَةُ نَزَلَتْ في يَوْمِ ذَبْحِ البَقَرَةِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُذْبَحَ عِنْدَ جَهْلِ قاتِلِ نَفْسٍ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ ذَكَرِهِما قِصَّتَيْنِ وقَدْ أجْمَلَ القُرْآنُ ذِكْرَ القِصَّتَيْنِ لِأنَّ مَوْضِعَ التَّذْكِيرِ والعِبْرَةِ مِنهُما هو ما حَدَثَ في خِلالِهِما لا تَفْصِيلُ الوَقائِعِ فَكانَتِ القِصَّةُ الأوْلى تَشْرِيعًا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِما قارَنَهُ مِن تَلَقِّيهِمُ الأمْرَ بِكَثْرَةِ السُّؤالِ الدّالِّ عَلى ضَعْفِ الفَهْمِ لِلشَّرِيعَةِ وعَلى تَطَلُّبِ أشْياءَ لا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ اهْتِمامُ التَّشْرِيعِ بِها، وكانَتِ القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَّةً عَلَيْهِمْ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِهِمْ بَيَّنَها اللَّهُ لَهم لِيَزْدادُوا إيمانًا ولِذَلِكَ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ ﴿ويُرِيكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] وأُتْبِعَتْ بِقَوْلِهِ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم حِكايَةٌ لِما عَبَّرَ بِهِ مُوسى مِنَ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الَّذِي لَوْ وقَعَ في العَرَبِيَّةِ لَوَقَعَ مُؤَكَّدًا بِإنَّ.
وقَوْلُهم أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ لِظَنِّهِمْ أنَّ الأمْرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ لِلِاسْتِبْراءِ مِن دَمِ قَتِيلٍ كاللَّعِبِ وتَتَّخِذُنا بِمَعْنى تَجْعَلُنا وسَيَأْتِي بَيانُ أصْلِ فِعْلِ اتَّخَذَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في سُورَةِ الأنْعامِ والهُزُؤُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والزّايِ وبِسُكُونِ الزّايِ مَصْدَرُ اهْزَأْ بِهِ هَزْءًا وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالصَّيْدِ والخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هُزُؤًا) بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزٍ بَعْدَ الزّايِ وصْلًا ووَقْفًا وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الزّايِ وبِالهَمْزِ وصْلًا، ووَقَفَ عَلَيْهِ بِتَخْفِيفِ الهَمْزِ واوًا وقَدْ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ واوًا، وقَرَأ حَفْصٌ بِضَمِّ الزّايِ وتَخْفِيفِ الهَمْزِ واوًا في الوَصْلِ والوَقْفِ.
وقَوْلُ مُوسى أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ تَبَرُّؤٌ وتَنَزُّهٌ عَنِ الهُزْءِ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ الأفاضِلِ فَإنَّهُ أخَصُّ مِنَ المَزْحِ لِأنَّ في الهُزْءِ مَزْحًا مَعَ اسْتِخْفافٍ واحْتِقارٍ لِلْمَمْزُوحِ مَعَهُ عَلى أنَّ المَزْحَ لا يَلِيقُ في المَجامِعِ العامَّةِ والخَطابَةِ، عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَقامِ الرَّسُولِ ولِذا تَبَرَّأ مِنهُ مُوسى بِأنْ نَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المَزْحِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ، وبالَغَ في التَّنَزُّهِ بِقَوْلِهِ أعُوذُ بِاللَّهِ أيْ مِنهُ لِأنَّ العِياذَ بِاللَّهِ أبْلَغُ كَلِماتِ النَّفْيِ فَإنَّ المَرْءَ لا يَعُوذُ بِاللَّهِ إلّا إذا أرادَ التَّغَلُّبَ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ لا يَغْلِبُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وصِيغَةُ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ أبْلَغُ في انْتِفاءِ الجَهالَةِ مِن أنْ لَوْ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أجْهَلَ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ والجَهْلُ ضِدُّ العِلْمِ وضِدُّ الحِلْمِ وقَدْ ورَدَ لَهُما في كَلامِ العَرَبِ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
ومِنَ الثّانِي قَوْلُ الحَماسِيِّ فَلَيْسَ سَواءٌ عالِمٌ وجَهُولُ وقَوْلُ النّابِغَةِ:
ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦۤ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُوا۟ بَقَرَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوࣰاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ﴾ [البقرة ٦٧]
قوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ} . . الجمهور على ضمِّ الراء لأنه مضارعٌ مُعْرَبٌ مجرَّدٌ من ناصبٍ وجازمٍ. ورُوِيَ عن أبي عمرو سكونُها سكوناً مَحْضاً واختلاسُ الحركةِ، وذلك لتوالي الحركات، ولأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فكأنها حرفان، وحركتُها حركتان، وقيل: شبَّهها بعَضْد، فسُكِّن أَوْسَطُه إجراءً للمنفصلِ مجرى المتصلِ، وهذا كما تَقَدَّم في قراءة «بارِئْكم» ، وقد تقدَّم ذِكْرُ من اسْتَضْعَفها من النحويين، وتقدَّم ذكرُ الأجوبةِ عنه بما أَغْنَى عن إعادتِه هنا، ويجوز في همز «يَأْمركم» إبدالُه ألفاً وهذا مطَّرِدٌ. و «يَأْمركم» هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وإنَّ وما في حَيِّزها في مَحلِّ نصب مفعولاً بالقول، والقولُ وما في حَيِّزِه في محلِّ جرٍّ بإضافة الظرف إليه، والظرفُ معمولٌ لفعل محذوفٍ أي: اذكُرْ.
قوله: {أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} «أَنْ» وما في حَيِّزِها مفعولٌ ثانٍ ليَأْمركم، فموضِعُها يجوزُ أن يكونَ نصباً وإن يكونَ جرَّاً حَسْبَما مضى من ذِكْرِ الخلافِ، لأنَّ الأصلَ على إسقاطِ حرفِ الجرّ أي: بأَنْ تَذْبَحوا، ويجوزُ أن يُوافِقَ الخليلُ هنا على أَنَّ موضِعَها نَصبٌ لأنَّ هذا الفعلَ يجوز حذفُ الباءِ معه، ولو لم تكنِ الباءُ في «أَنْ» نحو: أمرتُكَ الخيرَ.
والبقرةُ واحدة البَقَر، تقعُ على الذكَرِ والأنثى نحو حَمامة، والصفةُ تُمَيِّزُ الذكر من الأنثى، تقول: بقرةٌ ذكرٌ وبقرةٌ أنثى، وقيل: بقرةٌ اسمٌ للأنثى خاصةً من هذا الجِنس مقابلةً لثور، نحو: ناقةٌ وجَمَل، وأَتان وحمار، وسُمِّي هذا الجنسُ بذلك لأنه يَبْقُر الأرض أي يَِشُقُّها بالحرث، ومنه: بَقَر بطنَه، والباقر أبو جعفر لشَقِّه العلمَ، والجمع: بَقَر وباقِر وبَيْقُور وبَقِيرِ.
قوله: {هُزُواً} مفعول ثان ل « {أَتَتَّخِذُنَا} . وفي وقوعِ» هُزُوا «مفعولاً ثانياً ثلاثةُ أقوالٍ. أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ أي ذوي هُزْء. الثاني: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي مَهْزُوءاً بنا. الثالث: أنهم جُعِلوا نفس الهُزْءِ مبالغةً. وهذا أولى، وقال الزمخشري وبدأ به:» أَتَجْعَلُنا مكانَ هُزْءٍ «وهو قريبٌ من هذا.
وفي {هُزُواً} قراءاتٌ سِتٌّ، المشهورُ منها ثلاثٌ: هُزُؤاً بضمتين مع الهمز، وهُزْءاً بسكونِ العين/ مع الهمز وَصْلاً وهي قراءة حمزة رحمه الله، فإذا وَقَفَ أبدلَها واواً، وليس قياسَ تخفيفها، وإنما قياسُه إلقاءُ حركتِها على الساكنِ قبلَها. وإنما اتَّبع رسمَ المصحف فإنها رُسِمَتْ فيه واواً، ولذلك لم يُبْدلها في» جزءاً «واواً وقفاً، لأنها لم تُرْسَمْ فيه واواً كما سيأتي عن قريب، وقراءتُه أصلُها الضمُّ كقراءةِ الجماعةِ إلا أنه خُفِّفَ كقولِهم في عُنُق: عُنْق. وقيل: بل هي أصلٌ بنفسِها، ليست مخففةً من ضم، حَكَى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر:» كلُّ اسمٍ ثلاثي أولُه مضمومٌ يجوزُ فيه لغتان: التثقيل والتخفيفُ «.
و «هُزُواً» بضمتين مع الواوِ وَصْلاً وَوَقْفاً وهي قراءةُ حَفْص عن عاصم، كأنه أَبْدَلَ الهمزةَ واواً تخفيفاً، وهو قياسٌ مطَّرد في كلِّ همزة مفتوحةٍ مضمومٍ ما قبلَها نحو جُوَن في جُؤَن، و {السفهآء ولا إِنَّهُمْ} [البقرة: 13] وحكمُ «كُفُواً» في قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] حكمُ «هُزُواً» في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. و «هُزَاً» بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها وهو أيضاً قياسٌ مطرد، وهُزْواً بسكون العين مع الواو، وهُزَّاً بتشديد الزاي من غيرِ همزةٍ، ويروى عن أبي جعفر، وتقدَّم معنى الهُزْء أول السورة.
قوله: {أَعُوذُ بالله} تقدَّم إعرابُه في الاستعاذَةِ، وهذا جوابٌ لاستفهامِهم في المعنى كأنه قال: لا أَهْزَأُ مستعيذاً باللهِ من ذلك فإنَّ الهازِئَ جاهِلٌ. وقوله {أَنْ أَكُونَ} أي: مِن أَنْ أكونَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المعروف. و «مِن الجاهلين» خبرُها، وهو أَبْلَغُ من قولِك: «أن أكونَ جاهِلاً، فإنَّ المعنى: أن أنتظمَ في سلكِ قَوْمٍ اتَّصفوا بالجهل.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
هزؤ
الهُزْءُ: مزح في خفية، وقد يقال لما هو كالمزح، فممّا قصد به المزح قوله: ﴿اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة : 58] ، ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً﴾ [الجاثية : 9] ، ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الفرقان : 41] ، ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الأنبياء : 36] ، ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ [البقرة : 67] ، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ [البقرة : 231] ، فقد عظّم تبكيتهم، ونبّه على خبثهم من حيث إنه وصفهم بعد العلم بها، والوقوف على صحّتها بأنهم يَهْزَءُونَ بها، يقال: هَزِئْتُ به، واسْتَهْزَأْتُ، والاسْتِهْزَاءُ: ارتياد الْهُزُؤِ وإن كان قد يعبّر به عن تعاطي الهزؤ، كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة، وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [التوبة : 65] ، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [هود : 8] ، ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الحجر : 11] ، ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ [النساء : 140] ، ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام : 10] والِاسْتِهْزَاءُ من الله في الحقيقة لا يصحّ، كما لا يصحّ من الله اللهو واللّعب، تعالى الله عنه. وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة : 15] أي: يجازيهم جزاء الهزؤ.
ومعناه: أنه أمهلهم مدّة ثمّ أخذهم مغافصة(١) ، فسمّى إمهاله إيّاهم استهزاء من حيث إنهم اغترّوا به اغترارهم بالهزؤ، فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون، أو لأنهم استهزءوا فعرف ذلك منهم، فصار كأنه يهزأ بهم كما قيل: من خدعك وفطنت له ولم تعرّفه فاحترزت منه فقد خدعته. وقد روي: [أنّ الْمُسْتَهْزِئِينَ في الدّنيا يفتح لهم باب من الجنّة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سدّ عليهم فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين : 34](٢) وعلى هذه الوجوه قوله عزّ وجلّ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة : 79] .
(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصا: أخذه على غرّة بمساءة. اللسان (غفص) .
(٢) عن ابن عباس في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في الآخرة، يفتح لهم باب في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عنهم فيضحك المؤمنون منهم. أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 616.