(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ). سورة البقرة، الآية: ٨٧
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الإنْحاءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في فِعالِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما قابَلُوهُ بِهِ مِنِ العِصْيانِ والتَّبَرُّمِ والتَّعَلُّلِ في قَبُولِ الشَّرِيعَةِ وبِما خالَفُوا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى قُرْبِ مَجِيءِ الإسْلامِ إلى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ أتَوْا بَعْدَ مُوسى مِثْلَ يُوشَعَ وإلْياسَ وأرْمِياءَ وداوُدَ مُؤَيِّدِينَ لِشَرِيعَتِهِ ومُفَسِّرِينَ وباعِثِينَ لِلْأُمَّةِ عَلى تَجْدِيدِ العَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ مَعَ تَعَدُّدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ واخْتِلافِ مَشارِبِهِمْ في الدَّعْوَةِ لِذَلِكَ المَقْصِدِ مَن لِينٍ وشِدَّةٍ، ومِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، ثُمَّ جاءَ عِيسى مُؤَيِّدًا وناسِخًا ومُبَشِّرًا فَكانَتْ مُقابَلَتُهم لِأُولَئِكَ كُلِّهِمْ بِالإعْراضِ والِاسْتِكْبارِ وسُوءِ الصَّنِيعِ. وتِلْكَ أمارَةٌ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ لِأجْلِ مُخالَفَةِ الحَقِّ أهْواءَهم وإلّا فَكَيْفَ لَمْ يَجِدُوا في خِلالِ هاتِهِ العُصُورِ ومِن بَيْنِ تِلْكَ المَشارِبِ ما يُوافِقُ الحَقَّ ويَتَمَحَّضُ لِلنُّصْحِ.
وإنَّ قَوْمًا هَذا دَأْبُهم يَرِثُهُ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ لَجَدِيرُونَ بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لِيَكُونَ هَذا حُجَّةً عَلَيْهِمْ في أنَّ تَكْذِيبَهم لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُكابَرَةٌ وحَسَدٌ حَتّى تَنْقَطِعَ حُجَّتُهم إذْ لَوْ كانَتْ مُعانَدَتُهم لِلْإسْلامِ هي أُولى فِعْلاتِهِمْ لَأوْهَمُوا النّاسَ أنَّهم ما أعْرَضُوا إلّا لِما تَبَيَّنَ لَهم مِن بُطْلانٍ؛ فَكانَ هَذا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٤١] ومُقَدِّمَةً لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ في مُقابَلَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الآتِي ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] فَقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ الَّذِي هو المَبْنِيُّ عَلَيْهِ التَّعَجُّبُ في قَوْلِهِ ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ تَمْهِيدُ التَّمْهِيدِ وإلّا فَهو قَدْ عُلِمَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ فَلا مُقْتَضى لِلْإعْلامِ بِهِ اسْتِقْلالًا هُنا ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ تَحْصِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ ولَقَدْ كانَ ما كانَ مِمّا تَقَدَّمَ وهو إيتاءُ مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا أيْضًا بَعْدَهُ بِالرُّسُلِ فَهو كالعِلاوَةِ أوْ كَقَوْلِ القائِلِ هَذا وقَدْ كانَ كَذا.
وقَفّى مُضاعَفُ قَفا تَقُولُ قَفَوْتُ فُلانًا إذا جِئْتُ في إثْرِهِ لِأنَّكَ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ تَقْصِدُ جِهَةَ قَفاهُ فَهو مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الجَوامِدِ مِثْلَ جَبَهَهُ. فَصارَ المُضاعَفُ قَفّاهُ بِفُلانٍ تَقْفِيَةً وذَلِكَ أنَّكَ جَعَلْتَهُ مَأْمُورًا بِأنْ يَقْفُوَ بِجَعْلٍ مِنكَ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أيْ جَعَلْتَهُ يَقْفُوهُ غَيْرُهُ ولِكَوْنِ المَفْعُولِ واحِدًا جَعَلُوا المَفْعُولَ الثّانِيَ عِنْدَ التَّضْعِيفِ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ بِباءِ التَّعْدِيَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ التّابِعُ بِالمَتْبُوعِ فَقالُوا قَفّى زَيْدًا بِعَمْرٍو عِوَضَ أنْ يَقُولُوا قَفّى زَيْدًا عَمْرًا.
فَمَعْنى ﴿قَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أرْسَلْنا رُسُلًا وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُ قَفَّيْنا لِلْعِلْمِ بِهِ وهو ضَمِيرُ مُوسى. وقَوْلُهُ مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ أيْ مَوْتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى التَّسْجِيلِ عَلى اليَهُودِ بِأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ بَعْدَ مُوسى لَيْسَ بِبِدْعٍ.
والجَمْعُ في الرُّسُلِ لِلْعَدَدِ والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ وهو مُرادٌ بِهِ تَكْثِيرٌ قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أيْ لِأنَّ شَأْنَ لَفْظِ الجِنْسِ المُعَرَّفِ إذا لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ أنْ يَدُلَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ فَلَمّا كانَ الِاسْتِغْراقُ هُنا مُتَعَذِّرًا دَلَّ عَلى التَّكْثِيرِ مَجازًا لِمُشابِهَةِ الكَثِيرِ بِجَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ كَقَوْلِكَ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ في البَلَدِ لَمْ يَشْهَدِ الهِلالَ إذا شَهِدَهُ جَماعاتٌ كَثِيرَةٌ وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ.
وسُمِّيَ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِ مُوسى رُسُلًا مَعَ أنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ اعْتِبارًا بِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِإقامَةِ التَّوْراةِ وتَفْسِيرِها والتَّفْرِيعِ مِنها فَقَدْ جَعَلَ لَهم تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا وبِذَلِكَ كانُوا زائِدِينَ عَلى مُطْلَقِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّشْرِيعِ لا تَأْصِيلًا ولا تَفْرِيعًا. وقالَ الباقِلّانِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الفَخْرُ: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ جاءُوا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ ولَوْ مَعَ المُحافَظَةِ عَلى الشَّرْعِ الأوَّلِ أوْ تَجْدِيدِ ما انْدَرَسَ مِنهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ قالَ تَعالى ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣]، وقالَ ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] وما كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا مِثْلَهم في أنَّهُ ما أتى بِأحْكامٍ جَدِيدَةٍ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا وخَصَّ عِيسى بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى زِيادَةً في التَّنْكِيلِ عَلى اليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ ولِذَلِكَ أيْضًا خَصَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾، ولِأنَّ مَن جاءَ بَعْدَ مُوسى مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُخْبِرُوا أنَّ جِبْرِيلَ جاءَهم بِوَحْيٍ وعِيسى كانَ أوْسَعَ مِنهم في الرِّسالَةِ.
وعِيسى اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِن يَشُوعَ أوْ يَسُوعَ وهو اسْمُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قَلَبُوهُ في تَعْرِيبِهِ قَلْبًا مَكانِيًّا لِيَجْرِيَ عَلى وزْنٍ خَفِيفٍ كَراهِيَةَ اجْتِماعِ ثِقَلِ العُجْمَةِ وثِقَلِ تَرْتِيبِ حُرُوفِ الكَلِمَةِ فَإنَّ حَرْفَيْ عِلَّةٍ في الكَلِمَةِ وشِينًا والخَتْمَ بِحَرْفِ حَلْقٍ لا يُجْرِي هَذا التَّنْظِيمَ عَلى طَبِيعَةِ تَرْتِيبِ الحُرُوفِ مَعَ التَّنَفُّسِ عِنْدَ النُّطْقِ بِها فَقَدَّمُوا العَيْنَ لِأنَّها حَلْقِيَّةٌ فَهي مَبْدَأُ النُّطْقِ ثُمَّ حَرَّكُوا حُرُوفَهُ بِحَرَكاتٍ مُتَناسِبَةٍ وجَعَلُوا شِينَهُ المُعْجَمَةَ الثَّقِيلَةَ سِينا مُهْمَلَةً فَلِلَّهِ فَصاحَةُ العَرَبِيَّةِ. ومَعْنى يَشُوعُ بِالعِبْرانِيَّةِ السَّيِّدُ أوِ المُبارَكُ، ومَرْيَمُ هي أُمُّ عِيسى وهَذا اسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ نُقِلَ لِلْعَرَبِيَّةِ عَلى حالِهِ لِخِفَّتِهِ ولا مَعْنى لِمَرْيَمَ في العَرَبِيَّةِ غَيْرَ العَلَمِيَّةِ؛ إلّا أنَّ العَرَبَ المُتَنَصِّرَةَ عامَلُوهُ مُعامَلَةَ الصِّفَةِ في مَعْنى المَرْأةِ المُتَباعِدَةِ عَنْ مُشاهَدَةِ النِّساءِ لِأنَّ هاتِهِ الصِّفَةَ اشْتُهِرَتْ بِها مَرْيَمُ إذْ هي أوَّلُ امْرَأةٍ عِبْرانِيَّةٍ خَدَمَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ امْرَأةٌ مَرْيَمٌ أيْ مُعْرِضَةٌ عَنْ صِفاتِ النِّساءِ، كَما يَقُولُونَ رَجُلٌ حاتِمٌ بِمَعْنى جَوادٌ وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنهم في الأعْلامِ المُشْتَهِرَةِ بِالأوْصافِ؛ ولِذَلِكَ قالَ رُؤْبَةُ: ”
قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَزِرْهُ مَرْيَمَهْ
“
فَلَيْسَ هو مُشْتَقًّا مَن رامَ يَرِيمُ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وزْنُها فَعْيِلَ بِفَتْحِ الفاءِ وإنْ كانَ نادِرًا.
وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو ابْنُ مَرْيَمَ كَوَّنَهُ اللَّهُ في بَطْنِها بِدُونِ مَسِّ رَجُلٍ. وأُمُّهُ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ مِن سِبْطِ يَهُوذا.
وُلِدَ عِيسى في مُدَّةِ سَلْطَنَةِ أغُسْطُسَ مَلِكِ رُومِيَّةَ وفي مُدَّةِ حُكْمِ هِيرُدُوسَ عَلى القُدْسِ مِن جِهَةِ سُلْطانِ الرُّومانِ وذَلِكَ في سَنَةِ ٤٣٠ عِشْرِينَ وسِتِّمِائَةٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وكانَتْ وِلادَتُهُ بِقَرْيَةٍ تُعْرَفُ بِبَيْتِ لَحْمٍ اليَهُودِيَّةِ، ولَمّا بَلَغَ ثَلاثِينَ سَنَةً بُعِثَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ وبَقِيَ في الدُّنْيا إلى أنْ بَلَغَ سِنُّهُ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ سَنَةً. وأمّا مَرْيَمُ أُمُّهُ فَهي مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ مِن سِبْطِ يَهُوذا ولَدَتْ عِيسى وهي ابْنَةُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَتَكُونُ وِلادَتُها في سَنَةِ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَتْ بَعْدَ أنْ شاخَتْ ولا تُعْرَفُ سَنَةُ وفاتِها، وكانَ أبُوها ماتَ قَبْلَ وِلادَتِها فَكَفَلَها زَكَرِيّاءُ مِن بَنِي أبْيا وهو زَوْجُ اليَصاباتِ خالَةِ مَرْيَمَ وكانَ كاهِنًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والبَيِّناتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيِ الآياتُ والمُعْجِزاتُ الواضِحاتُ، وأيَّدْناهُ قَوَّيْناهُ وشَدَدْنا عَضُدَهُ ونَصَرْناهُ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اليَدُ فَأيَّدَ بِمَعْنى جَعَلَهُ ذا يَدٍ واليَدُ مَجازٌ في القُوَّةِ والقُدْرَةِ فَوَزْنُ أيَّدَ أفْعَلَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ فَوَزْنُهُ فَعَّلَ.
والتَّأْيِيدُ التَّقْوِيَةُ والإقْدارُ عَلى العَمَلِ النَّفْسِيِّ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] والأيْدُ مُشْتَقٌّ مِنَ اليَدِ لِأنَّها آلَةُ القُدْرَةِ والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ اليَدِ أيْ جَعَلَهُ ذا يَدٍ أيْ قُوَّةٍ، والمُرادُ هُنا قُوَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وهي قُوَّةُ الرِّسالَةِ وقُوَّةُ الصَّبْرِ عَلى أذى قَوْمِهِ وسَيَأْتِي في الأنْفالِ قَوْلُهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنْصِرِهِ. والرُّوحُ جَوْهَرٌ نُورانِيٌّ لَطِيفٌ أيْ غَيْرُ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ فَيُطْلَقُ عَلى النَّفْسِ الإنْسانِيِّ الَّذِي بِهِ حَياةُ الإنْسِ، ولا يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ حَياةُ العَجْماواتِ إلّا لَفْظُ نَفْسٍ، قالَ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ويُطْلَقُ عَلى قُوَّةٍ مِن لَدُنِ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِها عَمَلٌ عَجِيبٌ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] ويُطْلَقُ عَلى جِبْرِيلَ كَما في قَوْلِهِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ﴾ [النبإ: ٣٨] والقُدُسُ بِضَمَّتَيْنِ وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى النَّزاهَةِ والطَّهارَةِ. والمُقَدَّسُ المُطَهَّرُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ورُوحُ القُدُسِ رُوحٌ مُضافٌ إلى النَّزاهَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الرُّوحُ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ في بَطْنِ مَرْيَمَ فَتَكُونُ مِنهُ عِيسى وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَأْيِيدًا لَهُ لِأنَّ تَكْوِينَهُ في ذَلِكَ الرُّوحِ اللَّدُنِّيِّ المُطَهَّرِ هو الَّذِي هَيَّأهُ لِأنْ يَأْتِيَ بِالمُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جِبْرِيلَ والتَّأْيِيدُ بِهِ ظاهِرٌ لِأنَّهُ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالوَحْيِ ويَنْطِقُ عَلى لِسانِهِ في المَهْدِ وحِينَ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ وهَذا الإطْلاقُ أظْهَرُ هُنا، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثٌ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» .
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ رُوحٍ إلى القُدُسِ إمّا مِن إضافَةِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا إلى ما حَقُّهُ أنْ تُشْتَقَّ مِنهُ الصِّفَةُ ولَكِنِ اعْتَبَرَ طَرِيقَ الإضافَةِ إلى ما مِنهُ اشْتِقاقُ الصِّفَةِ لِأنَّ الإضافَةَ أدَلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالجِنْسِ المُضافِ إلَيْهِ لِاقْتِضاءِ الإضافَةِ مُلابَسَةَ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ وتِلْكَ المُلابَسَةُ هُنا تَئُولُ إلى التَّوْصِيفِ وإلى هَذا قالالتَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ المُضافُ إلَيْهِ في مِثْلِهِ صِفَةً حَقِيقَةً حَتّى يَكُونَ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، وما قَبْلُهُ مِن قَوْلِهِ ولَقَدْ آتَيْنا تَمْهِيدٌ لَهُ كَما تَقَدَّمَ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ مِن طُغْيانِهِمْ ومُقابَلَتِهِمْ جَمِيعَ الرُّسُلِ في جَمِيعِ الأزْمانِ بِمُقابَلَةٍ واحِدَةٍ ساوى فِيها الخَلَفُ السَّلَفَ مِمّا دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَجِيَّةٌ في الجَمِيعِ.
وتَقْدِيمُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ المُفِيدِ لِلتَّشْرِيكِ في الحُكْمِ اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في كَلامِ العَرَبِ وظاهِرُهُ غَرِيبٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُتَسَلِّطًا عَلى العاطِفِ والمَعْطُوفِ، وتَسَلُّطُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ غَرِيبٌ فَلِذَلِكَ صَرَفَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ عَنْ ظاهِرِهِ ولَهم في ذَلِكَ طَرِيقَتانِ: إحْداهُما طَرِيقَةُ الجُمْهُورِ قالُوا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ وقَدْ كانَ مَوْقِعُها بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقاقِ الِاسْتِفْهامِ التَّصْدِيرَ في جُمْلَتِهِ، وإنَّما خَصُّوا التَّقْدِيمَ بِالهَمْزَةِ دُونَ غَيْرِها مِن كَلِماتِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ الهَمْزَةَ مُتَأصِّلَةٌ في الِاسْتِفْهامِ إذْ هي الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِلِاسْتِفْهامِ الأكْثَرِ اسْتِعْمالًا فِيهِ، وأمّا غَيْرُها فَكَلِماتٌ أُشْرِبَتْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مِنها ما هو اسْمٌ مِثْلَ (أيْنَ)، ومِنها حَرْفُ تَحْقِيقٍ وهو (هَلْ) فَإنَّهُ بِمَعْنى قَدْ فَلَمّا كَثُرَ دُخُولُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ حَذَفُوا الهَمْزَةَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَأصْلُ ”هَلْ فَعَلْتَ“ ”أهَلْ فَعَلْتَ“ فالتَّقْدِيرُ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ فَقُلِبَ، وقِيلَ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ فَعَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَعْطُوفًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها أوْ مَعْطُوفَةً عَلى مَحْذُوفٍ بِحَسَبِ ما يَسْمَحُ بِهِ المَقامُ.
الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ طَرِيقَةُ صاحِبِ الكَشّافِ وفي مُغْنِي اللَّبِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أوَّلُ القائِلِينَ بِها وادَّعى الدَّمامِينِيُّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مَسْبُوقٌ في هَذا ولَمْ يُعَيِّنْ مَن سَبَقَهُ فَإنَّهُ قَدْ جَوَّزَ طَرِيقَةَ الجُمْهُورِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ هي مَبْدَأ الجُمْلَةِ وأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِحَرْفِ العَطْفِ والتَّقْدِيرُ في مِثْلِهِ أتُكَذِّبُونَهم فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ إلَخْ.
وعَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِفْهامِيَّةً مُسْتَأْنَفَةً مَحْذُوفًا بَقِيَّتُها ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْها ما عُطِفَ. ولا أثَرَ لِهَذا إلّا في اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ والتَّقْدِيرُ فَأمّا مَعْنى الكَلامِ فَلا يَتَغَيَّرُ عَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ لِأنَّ العَطْفَ والِاسْتِفْهامَ كِلَيْهِما مُتَوَجِّهانِ إلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَهُما. والظّاهِرُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥] أنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ جائِزَتانِ في جَمِيعِ مَواقِعِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ وهو الحَقُّ وأمّا عَدَمُ تَعَرُّضِهِ لِذَلِكَ عِنْدَ آياتِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ٨٥] فِيما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَذَلِكَ ذُهُولٌ مِنهُ وقَدْ تَدارَكَهُ هُنا. وعِنْدِي جَوازُ طَرِيقَةٍ ثالِثَةٍ وهي أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ العَطْفِ والمَعْنى أتَزِيدُونَ عَلى مُخالَفاتِكُمُ اسْتِكْبارَكم كُلَّما جاءَكم رَسُولٌ إلَخْ وهَذا مُتَأتٍّ في حُرُوفِ التَّشْرِيكِ الثَّلاثَةِ كَما تَقَدَّمَ مِن أمْثِلَةِ الواوِ والفاءِ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
أثَمَّ تَعَذَّرانِ إلَيَّ مِنها ∗∗∗ فَإنِّي قَدْ سَمِعْتُ وقَدْ رَأيْتُ
وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ هَذا الِاسْتِعْمالَ فَوَجَدْتُ مَواقِعَهُ خاصَّةً بِالِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ كَما رَأيْتُ مِنَ الأمْثِلَةِ.
ومَعْنى الفاءِ هُنا تَسَبُّبُ الِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ الإنْكارِيِّ عَلى ما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن تَقْفِيَةِ مُوسى بِالرُّسُلِ أيْ قَفَّيْنا مُوسى بِالرُّسُلِ فَمِن عَجِيبِ أمْرِكم أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ كَوْنَ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ إلَخْ فَفَعَلْتُمْ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ أفَكُلَّما، فالهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والفاءُ حِينَئِذٍ عاطِفَةٌ مُقَدَّرًا مَعْطُوفًا عَلى المُقَدَّرِ المُؤَهَّلِ لِلتَّوْبِيخِ، وهو وجْهٌ بَعِيدٌ، ومَرْمى الوَجْهَيْنِ إلى أنَّ جُمْلَةَ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ إلَخْ. غَيْرُ مُرادٍ مِنها الإخْبارُ بِمَدْلُولِها. وانْتَصَبَ كُلَّما بِالنِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ما الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ اسْتَكْبَرْتُمْ وقُدِّمَ الظَّرْفُ لِيَكُونَ مُوالِيًا لِلِاسْتِفْهامِ المُرادِ مِنهُ التَّعْجِيبُ لِيَظْهَرَ أنَّ مَحَلَّ العَجَبِ هو اسْتِمْرارُ ذَلِكَ مِنهُمُ الدّالُّ عَلى أنَّهُ سَجِيَّةٌ لَهم ولَيْسَ ذَلِكَ لِعارِضٍ عَرَضَ في بَعْضِ الرُّسُلِ وفي بَعْضِ الأزْمِنَةِ، والتَّقْدِيرُ أفاسْتَكْبَرْتُمْ كُلَّما جاءَكم رَسُولٌ فَقَدَّمَ الظَّرْفَ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّهُ مَحَلُّ العَجَبِ، وقَدْ دَلَّ العُمُومُ الَّذِي في كُلَّما عَلى شُمُولِ التَّكْذِيبِ أوِ القَتْلِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ لِأنَّ عُمُومَ الأزْمانِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأفْرادِ المَظْرُوفَةِ فِيها.
وتَهْوى مُضارِعُ هَوِيَ بِكَسْرِ الواوِ إذا أحَبَّ والمُرادُ بِهِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِنَ الِانْخِلاعِ عَنِ القُيُودِ الشَّرْعِيَّةِ والِانْغِماسِ في أنْواعِ المَلَذّاتِ والتَّصْمِيمِ عَلى العَقائِدِ الضّالَّةِ.
والِاسْتِكْبارُ الِاتِّصافُ بِالكِبْرِ وهو هُنا التَّرَفُّعُ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وإعْجابُ المُتَكَبِّرِينَ بِأنْفُسِهِمْ واعْتِقادُ أنَّهم أعْلى مِن أنْ يُطِيعُوا الرُّسُلَ ويَكُونُوا أتْباعًا لَهم؛ فالسِّينُ والتّاءُ في اسْتَكْبَرْتُمْ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] وقَوْلُهُ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مُسَبَّبٌ عَنِ الِاسْتِكْبارِ فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّهم لَمّا اسْتَكْبَرُوا بَلَغَ بِهِمُ العِصْيانُ إلى حَدِّ أنْ كَذَّبُوا فَرِيقًا أيْ صَرَّحُوا بِتَكْذِيبِهِمْ أوْ عامَلُوهم مُعامَلَةَ الكاذِبِ وقَتَلُوا فَرِيقًا وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ أهْلِ مَدْيَنَ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ [هود: ٩١] وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى التَّفْصِيلِ فَناسَبَ أنْ يُقَدَّمَ لِيَدُلَّ عَلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وهَذا اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ كَثِيرٌ في لَفْظِ فَرِيقٍ وما في مَعْناهُ نَحْوَ طائِفَةٍ إذا وقَعَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ في مَقامِ التَّقْسِيمِ نَحْوَ ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] والتَّفْصِيلُ راجِعٌ إلى ما في قَوْلِهِ (رَسُولٌ) مِنَ الإجْمالِ لِأنَّ كُلَّما جاءَكم رَسُولٌ أفادَ عُمُومَ الرَّسُولِ وشَمِلَ هَذا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهم وإنْ لَمْ يُكَذِّبُوهُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ لَكِنَّهم عامَلُوهُ مُعامَلَةَ المُكَذِّبِينَ بِهِ إذْ شَكُّوا غَيْرَ مَرَّةٍ فِيما يُخْبِرُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى وأساءُوا الظَّنَّ بِهِ مِرارًا في أوامِرِهِ الِاجْتِهادِيَّةِ وحَمَلُوهُ عَلى قَصْدِ التَّغْرِيرِ بِهِمْ والسَّعْيِ لِإهْلاكِهِمْ كَما قالُوا حِينَ بَلَغُوا البَحْرَ الأحْمَرَ. وحِينَ أمَرَهم بِالحُضُورِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَ أمَرَهم بِدُخُولِ أرِيحا، وغَيْرِ ذَلِكَ وأمّا بَقِيَّةُ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم بِصَرِيحِ القَوْلِ مِثْلَ عِيسى وقَتَلُوا بَعْضَ الرُّسُلِ مِثْلَ أشْعِياءَ وزَكَرِيّاءَ ويَحْيى ابْنِهِ. وأرْمِياءَ. وجاءَ في تَقْتُلُونَ بِالمُضارِعِ عِوَضًا عَنِ الماضِي لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ وهي حالَةُ قَتْلِهِمْ رُسُلَهم كَقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ [فاطر: ٩] مَعَ ما في صِيغَةِ تَقْتُلُونَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ فاكْتَمَلَ بِذَلِكَ بَلاغَةُ المَعْنى وحُسْنُ النَّظْمِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل} . . التضعيفُ في «قَفَّيْنا» ليس للتعديةِ، إذ لو كانَ كذلك لتعدَّى إلى اثنينِ لأنه قبلَ التضعيفِ يتعدَّى لواحدٍ، نحو: قَفَوْت زيداً، ولكنه ضُمِّن معنى «جِئْنا» كأنه قيل: وجئنا من بعده بالرسلِ. فإنْ قيل: يجوزُ أن يكونَ متعدِّياً لاثنين على معنى أنَّ الأولَ محذوفٌ والثاني «بالرسل» والباءُ فيه زائدةٌ تقريرُه: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل} .
فالجوابُ أن كثرةَ مجيئِه في القرآن كذلك يُبْعِدُ هذا التقديرَ، وسيأتي لذلك مزيدُ بيانٍ في المائدةِ إن شاء الله تعالى.
وقَفَّينا أصله: قَفَّوْنا، ولكنْ لَمَّا وقعتِ الواوُ رابعةً قَلِبَتْ ياءً، واشتقاقُه من قَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتَ قَفاه، ثم اتُّسع فيه، فَاُطْلِقَ على كلِّ تابع، وإن بَعُدَ زمانُ التابعِ من زمانِ المَتْبوع، وقال أمية:
601 - قالَتْ لأختٍ له قُصِّيه عن جُنُبٍ ... وكيفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَبَلُ
والقَفا مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال له: القافية أيضاً، ومنه قافيةُ الشِّعْر، لأنها تَتلُو بناءَ الكلام وآخرَه، ومعنى قَفَّيْنا أي: أَتْبَعْنا كقولِه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] .
و {مِن بَعْدِهِ} متعلِّقٌ به، وكذلك «بالرُسل» ، وهو جمعُ رسول بمعنى مُرْسَل، وفُعُل غيرُ مَقيسٍ في فَعُول بمعنى مَفْعول، وسكونُ العين لغةُ الحجازِ وبها قرأ يحيى والحسن، والضمُّ لغةُ تميم، وقد قرأَ السبعةُ بلغةِ تميم إلا أبا عمرو فيما أُضيف إلى «ن» أو «كم» أو «هم» فإنه قرأ بالسكونِ لتوالي الحركاتِ.
قوله: «عيسى» عَلَمٌ أعجمي فلذلك لم يَنْصَرِفْ، وقد تكلَّم النحويون في وزنِه واشتقاقِه على تقدير كونِه عربيَّ الوضع، فقال سيبويه: «وزنُه فِعْلى والياءُ فيه ملحقةٌ ببناتِ الأربعةِ كياءِ مِعْزَى» يَعْني بالياءِ الألفَ، سَمَّاها ياء لكتابتِها بالياءِ. وقال الفارسي: «أَلفُه ليست للتأنيثِ كذِكْرى، بدلالةِ صَرْفهم له في النكرةِ» . وقال عثمانُ بن سعيد الصَّيْرَفي: «وزنه فِعْلَل» فالألفُ عنده أصليةٌ بمعنى أنها منقلبةٌ عن أصل. ورَدَّ ذلك عليه ابنُ الباذِشِ بأنَّ الياءَ والواوَ لا يكونان أصلَيْن في بناتِ الأربعةِ، فمَنْ قال إنَّ «عِيسى» مشتقٌّ من العَيْس وهو بياضٌ تخالطُه شُقْرةٌ كأبي البقاء وغيره ليس بمصيبٍ لأنَّ الأعجميَّ لا يَدْخُلُه اشتقاقٌُ ولا تصريفٌ. وقال الزمخشري: «وقيل: عيسى بالسُّريانية: أَيْسوع» .
قوله: «ابنَ مريم» عطفُ بيان أو بدلٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً إلا أنَّ الأولَ أَوْلَى لأنَّ «ابن مريم» جرى مَجْرَى العلم له. وللوصفِ بابن أحكامٌ تَخُصُّه سَتَأْتِي مبينةً إن شاء الله تعالى، وتقدَّم اشتقاقُ «ابن» وأصلُه.
ومَرْيم أصلُه بالسريانية صفةٌ بمعنى الخادِم ثم سُمِّي به فلذلك لم ينصرِفْ، وفي لسانِ العرب هي المرأةُ التي تُكْثِرُ مخالطَة الرجال كالزِّير من الرجال وهو الذي يُكْثِرُ مخالطَتَهُنَّ، قال رؤبة:
602 - قلتُ لِزِيرٍ لم تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وياءُ «الزير» عن واو لأنه من زار يَزُور فَقُلِبَتِ للكسرة قبلَها كالرِّيح، فصار لفظُ مريم مشتركاً بين اللسانينِ، ووزنُه عند النحويين مَفْعَل لا فَعْيَل، قال الزمخشري: «لأن فَعْيَلاً بفتح الفاء لم يَثْبُتْ في الأبينة كما ثَبَتَ في نحو: عِثْيَر وعِلْيَب» وقد أثبت بعضهم فَعْيَلاً وجَعَلَ منه نحو: «ضَمْيَد» اسمَ مكان و «مَدْيَن» على القولِ بأصالة ميمهِ و «ضَهْيَا» بالقصر وهي المرأةُ التي لا تَحِيضُ، أو لا ثَدْيَ لها، لأنها مشتقةٌ من ضاهَأَتْ أي شابَهَتْ، لأنها شابَهَتِ الرجال في ذلك، ويجوزُ مَدُّها قاله الزجاج. وقال ابن جني: «وأما ضَمْيدَ وعَثْيَر فمصنوعان» فلا دَلالة فيهما على ثبوت فَعْيَل، وصحةُ الياءِ في مريم على خلافِ القياس، إذ كان من حقِّها الإِعلالُ بنَقْلِ حركةِ الياء إلى الراءِ ثم قَلْبِ الياءِ ألفاً نحو: مَباع من البَيْع، ولكنه شَذَّ مَزْيَد ومَدْيَن، وقال أبو البقاء: «ومَرْيَم عَلَمٌ أعجمي ولو كان مشتقاً من رامَ يريم لكان مَرِيماً بسكونِ الياء، وقد جاءَ في الأعلامِ بفتح الياء نحوَ مَزْيَد وهو على خلافِ القياس» .
قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ} معطوفٌ على قوله: {وَآتَيْنَا عِيسَى} . وقرأ الجمهور/ أيَّدْناه على فَعَّلْناه، وقرأ مجاهد وابن محيصن ويروي عن أبي عمرو «آيَدْنَاه» على: أَفْعَلْناه، والأصلُ في أَاْيَدَ بهمزتين، ثانيتُهما ساكنةٌ فوجَبَ إبدالُ الثانيةِ ألفاً نحو: أَأْمَنَ وبابِه، وصححت العينُ وهي الياءُ كما صَحَّتْ في «أَغْيَلَت» و «أَغْيَمَت» ، وهو تصحيحٌ شاذٌّ إلا في فِعْل التعجب نحو: ما أَبْيَنَ وأَطْوَل. وحُكي عن أبي زيد أن تصحيحَ «أَغْيَلَت» مقيسٌ. فإنْ قيل: لِم لا أُعِلَّ آيَدْناه كما أُعِلَّ نحو: أَبَعْناه حتى لا يَلْزَم حَمْلُه على الشاذ؟ فالجواب أنه لو أُعِلَّ بأنْ أُلْقِيَتْ حركةُ العينِ على الفاءِ فيلتقي ساكنانِ العينُ واللامُ فتُحْذَفُ العَيْنُ لالتقاء الساكنين، فتجتمعُ همزتان مفتوحتان فيجبُ قَلْبُ الثانيةِ واواً نحو «أَوادِم» ، فتتحرَّكُ الواوُ بعدَ فتحةٍ فتقلبُ أَلفاً فيصيرُ اللفظُ: أَادْناه، لأدَّى ذلك إلى إعلالِ الفاءِ والعينِ، فلمَّا كانَ إعلالُه يؤدِّي إلى ذلك رُفِضَ بخلاف أَبَعْناه وأَقَمْناه، فإنه ليسَ فيه إلا إعلالُ العينِ فقط. قال أبو البقاء: «فإنْ قلتَ: فَلِمَ لَمْ تُحْذَفِ الياءُ التي هي عينٌ كما حُذِفَتْ من نحو: أَسَلْناه منْ سالَ يَسالُ؟ قيل: لو فَعَلوا ذلك لتوالى إعلالان: أحدُهما قَلْبُ الهمزةِ الثانيةِ ألفاً ثم حَذْفُ الألفِ المبدلة من الياءِ لسكونِها وسكونِ الألفِ قبلَها، فكان يصيرُ اللفظُ آدْناه فكانَتْ تُحْذَفُ الفاءُ والعينُ وليس» أسلناه «كذلك، لأنَّ هناك حَذْفَ العينِ وحدَها.
وقال الزمخشري في المائدة: «آيَدْتُك على أَفْعَلْتُك» وقال ابن عطية: «على فاعَلْتُك» ثم قال: «ويَظْهَرُ أن الأصلَ في القراءتين: أَفْعَلْتُك ثم اختَلَفَ الإِعلالُ» . انتهى.
والذي يظهر أن «أيَّد» فَعَّل لمجيء مضارِعِه على يُؤَيِّدُ بالتشديدِ، ولو كان أَيَّد بالتشديد بزنة أَفْعَلَ لكان مضارعُه يُؤْيِدُ كيُؤْمِنُ من آمَنَ، وأمَّا آيَدَ يعني بالمَدِّ فيُحتاج في نَقْلِ مضارعه إلى سَماعٍ، فإنْ سُمِعَ يُؤايِدُ كيُقاتِل فهو فاعَل، فإنْ سُمع يُؤْيِدُ كيُكْرِمُ فآيد أَفْعَل، ذكر ذلك جميعَه الشيخُ في المائدة. ثم قال: «إنه لم يَظْهر كلامُ ابن عطية في قوله:» اختلف الإِعلالُ «وهو صحيحٌ، إلاَّ أنَّ قوله: الذي يظهر أن أيَّد في قراءةِ الجمهورِ فَعَّل لا أَفْعَل إلى أخرِه» فيه نظرٌ لأنه يُشْعِرُ بجوازِ شيءٍ آخَر وذلك متعذَّرٌ، كيف يُتَوَهَّمُ أن أيَّدَ بالتشديدِ في قراءةِ الجمهورِ بزنة أَفْعَل، هذا ما لا يَقَعْ.
والأَيْدُ: القوَّةُ، قال عبد المطلب:
603 - الحمدُ للهِ الأَعزِّ الأكرمِ ... أَيَّدَنا يومَ زُحوفِ الأشْرَمِ
والصحيحُ أن فَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى واحد وهو قَوَّيْناه. وقد فَرَّق بعضُهم بينهما فقال: «أمَّا المدُّ فمعناه القوةُ، وأمَّا القصرُ فمعناه التأييدُ والنَّصْرُ» ، وهذا في الحقيقةِ ليس بفرقٍ، وقد أبدلتِ العربُ في آيَدَ على أَفْعَل الياءَ جيماً فقالت: آجَدَهُ أي قوَّاه، قال الزمخشري: «يقال:» الحمدُ لله الذي آجَدَني بعد ضَعْفٍ وأَوْجَدني بعد فَقْر «، وهذا كما أَبْدلوا من يائِه جيماً فقالوا: لا أَفْعَل ذلك جَدَ الدهرِ أي: يدَ الدهر، وهو إبدالٌ لا يَطَّرِدُ.
قوله: {بِرُوحِ القدس} متعلِّق بأيَّدْناه. وقرأ ابن كثير:» القُدْس «بإسكانِ الدال، والباقون بضمِّها، وهما لغتان: الضمُّ للحجاز، والإِسكانُ لتميم، وقد تقدَّم ذلك، وقرأ أبو حَيْوة:» القُدُوس «بواوٍ، وفيه لغةُ فتحِ القاف والدال ومعناه الطهارةُ أو البركةُ كما تقدَّم عند قولِه:» ونقدِّسُ لك «. والروح في الأصل: اسمٌ للجزءِ الذي تَحْصُلُ به الحياةُ في الحيوان قاله الراغب، والمرادُ به جبريلُ عليه السلام لقولِ حَسَّان:
604 - وجبريلٌ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْسِ ليس له كِفَاءُ
سُمِّي بذلك لأنَّ بسببه حياةَ القلوب.
قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ} الهمزةُ هنا للتوضيحِ والتقريعِ، والفاءُ للعطفِ عَطَفَتْ هذه الجملةَ على ما قبلَها، واعتُنِيَ بحرفِ الاستفهام فقُدِّمَ، وقد مَرَّ تحقيقُ ذلك، وأنَّ الزمخشري يُقَدِّر بين الهمزةِ وحرفِ العطْفِ جملةً ليَعْطِفَ عليها. وهذه الجملةُ يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلها من غيرِ حَذْفِ شيء، كأنه قال: ولقد آتَيْنا يا بني إسرائيلَ أنبياءَكم ما آتيناهُمْ فكلما جاءَكم رسُولٌ. ويجوز أَنْ يُقَدَّر قبلَها محذوفٌ أي: فَفَعَلْتُم ما فَعَلْتُم فكلما جاءَكم رسولٌ. وقد تقدَّم الكلام في» كلما «عند قولِه:
{كُلَّمَا أَضَآءَ} [البقرة: 20] . والناصبُ لها هنا «استكبرتم» ، و «رسول» فَعُول بمعنى مَفْعُول أي مُرْسَل، وكونُ فَعُول بمعنى المَفْعُول قليلٌ، جاء منه الرَّكُوب والحَلُّوب أي: المَرْكُوب والمَحْلُوب، ويكون مصدراً بمعنى الرسالة قاله الزمخشري. وأنشد:
605 - لقد كَذَبَ الواشون ما فُهْتُ عندَهم ... بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برَسول
أي: برسالة، ومنه عنده: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين} [الشعراء: 16] .
قوله: {بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ} متعلِّق بقوله «جاءكم» ، و «جاء» يتعدى بنفسِه تارةً كَهذِه الآية، وبحرفِ الجرِّ أُخْرى نحو: جِئْتُ إليه، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروط، والتقديرُ: بما لا تهواه، و «تهوى» مضارعُ هَوِي بكسر العين ولامُه من ياءٍ لأنَّ عينَه واوٌ، وباب طَوَيْتُ وشَوَيْتُ أكثرُ من بابُ قوَّة وحُوَّة. ولا دليلَ في «هَوِيَ» لانكسار العين وهو مثل «شَقِي» من الشَّقاوة، وقولُهم في تثنيةِ مصدرِه هَوَيان أدلُّ دليلٍ على ذلك، ومعنى تَهْوَى: تُحِبُّ وتختار. وأصل الهَوَى: المَيْلُ، سُمِّي بذلك لأنه يَهْوي بصاحبِه في النار ولذلك لا يُسْتعمل غالباً إلا فيما لا خَيْرَ فيه، وقد يُستعمل فيما هو خيرٌ، ففي الحديث الصحيح قولُ عمرَ في أُسارى بدر: «فَهَوِي رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قالَ أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وعن عائشة رضي الله عنها:» واللهِ ما أَرى ربَّك إلا يُسارع في هَوَاك «وجمعُه أَهْواء، قال تعالى: {بِأَهْوَائِهِم} [الأنعام: 119] ولا تُجْمع على أَهْوِية وإنْ كان قد جاء: نَدَى وأَنْدِية قال الشاعر:
606 - في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أَنْدِيَةٍ ... لا يُبْصِرُ الكلبُ في ظَلْمائها الطُّنُبا
وأمَّا» هوى يَهْوي «بفتحها في الماضي وكسرِها في المضارع فمعناهُ السقوطُ، والهَوِيُّ بفتح الهاءُ ذهابٌ في انحدارِ، والهُوِيُّ ذهابٌ في صعود، وسيأتي تحقيقُ كلِّ ذلك، وأسندَ الفعلَ إلى الأنفس دونَ المخاطبِ فلم يَقُلْ:» بما لا تَهْوون «تنبيهاً أنَّ النفسَ يُسْنَدُ إليها الفعلُ السَّيِّء غالباً نحو: { إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء} [يوسف: 53] {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} [يوسف: 18] {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} [المائدة: 30] واستكبر بمعنى تَكَبَّرَ.
قوله: {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} الفاءُ عاطفةٌ جملةَ» كَذَّبْتم «على» استكبرتم «و» فريقاً «مفعولٌ مقدَّم قُدِّم لتتفقَ رؤوسَ الآي، وكذا {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} ، ولا بُدَّ من محذوفٍ أي: فريقاً منهم، والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرةُ فَرِيقٍ من الرسلِ بالتكذيب ومبادَرَةُ آخرين بالقتلِ، وقَدَّم التكذيبَ لأنه/ أولُ ما يفعلونه من الشرِّ ولأنه مشتركٌ بين المقتولِ وغيره، فإنَّ المقتولِين قد كذَّبوهم أيضاً، وإنما لم يُصَرِّحْ به لأنه ذَكَرَ أقبحَ منه في الفعلِ. وجيء ب» تقتلون «مضارعاً: إمَّا لكونِه مستقبلاً لأنهم كانوا يَرُومون قَتْلَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولِما فيه من مناسبة رؤوسِ الآيِ والفواصِل، وإمَّا أن يُرادَ به الحالُ الماضيةُ أن الأمرَ فظيعٌ فأُريد استحضارُه في النفوس وتصويرُه في القلوب. وأجازَ الراغب أَنْ يكونَ {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} معطوفاً على قوله» وأَيَّدْناه «ويكونُ» أفكلما «مع ما بعده فَصْلاً بينهما على سبيلِ الإِنكار، والأظهرُ هو الأولُ، وإنْ كان ما قاله محتملاً.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
روح
الرَّوْحُ والرُّوحُ في الأصل واحد، وجعل الرّوح اسما للنّفس، قال الشاعر في صفة النار:
202- فقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واجعلها لها قيتة قدرا(١)
وذلك لكون النّفس بعض الرّوح كتسمية النوع باسم الجنس، نحو تسمية الإنسان بالحيوان، وجعل اسما للجزء الذي به تحصل الحياة والتّحرّك، واستجلاب المنافع واستدفاع المضارّ، وهو المذكور في قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء : 85] ، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر : 29] ، وإضافته إلى نفسه إضافة ملك، وتخصيصه بالإضافة تشريفا له وتعظيما، كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج : 26] ، و﴿يا عِبادِيَ﴾ [الزمر : 53] ، وسمّي أشراف الملائكة أَرْوَاحاً، نحو: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ : 38] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [المعارج : 4] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] ، سمّي به جبريل، وسمّاه بِرُوحِ القدس في قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل : 102] ، ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة : 253] ، وسمّي عيسى عليه السلام رُوحاً في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء : 171] ، وذلك لما كان له من إحياء الأموات، وسمّي القرآن رُوحاً في قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى : 52] ، وذلك لكون القرآن سببا للحياة الأخرويّة الموصوفة في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ [العنكبوت : 64] ، والرَّوْحُ التّنفّس، وقد أَرَاحَ الإنسان إذا تنفّس. وقوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ [الواقعة : 89] ، فالرَّيْحَانُ: ما له رائحة، وقيل: رزق، ثمّ يقال للحبّ المأكول رَيْحَانٌ في قوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ [الرحمن : 12] ، وقيل لأعرابيّ: إلى أين؟ فقال: أطلب من رَيْحَانِ الله، أي: من رزقه، والأصل ما ذكرنا. وروي: «الولد من رَيْحَانِ الله»(٢) وذلك كنحو ما قال الشاعر:
203- يا حبّذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد(٣)
أو لأنّ الولد من رزق الله تعالى. والرِّيحُ معروف، وهي فيما قيل الهواء المتحرّك. وعامّة المواضع الّتي ذكر الله تعالى فيها إرسال الرّيح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب، وكلّ موضع ذكر فيه بلفظ الجمع فعبارة عن الرّحمة، فمن الرِّيحِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ [القمر : 19] ، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً﴾ [الأحزاب : 9] ، ﴿مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران : 117] ، ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم : 18] . وقال في الجمع: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر : 22] ، ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم : 46] ، ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً﴾ [الأعراف : 57] . وأمّا قوله: يرسل الرّيح فتثير سحابا(٤) فالأظهر فيه الرّحمة، وقرئ بلفظ الجمع(٥) ، وهو أصحّ.
وقد يستعار الرّيح للغلبة في قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال : 46] ، وقيل: أَرْوَحَ الماءُ: تغيّرت ريحه، واختصّ ذلك بالنّتن. ورِيحَ الغديرُ يَرَاحُ: أصابته الرِّيحُ، وأَرَاحُوا: دخلوا في الرَّوَاحِ، ودهن مُرَوَّحٌ: مطيّب الرّيح. وروي: «لم يَرَحْ رَائِحَةَ الجنّة»(٦) أي: لم يجد ريحها، والمَرْوَحَةُ: مهبّ الرّيح، والمِرْوَحَةُ: الآلة التي بها تستجلب الرّيح، والرَّائِحَةُ: تَرَوُّحُ هواء.
ورَاحَ فلان إلى أهله إمّا أنه أتاهم في السّرعة كالرّيح، أو أنّه استفاد برجوعه إليهم روحا من المسرّة. والرَّاحةُ من الرَّوْح، ويقال: افعل ذلك في سراح ورَوَاحٍ، أي: سهولة. والمُرَاوَحَةُ في العمل: أن يعمل هذا مرّة، وذلك مرّة، واستعير الرَّوَاحُ للوقت الذي يراح الإنسان فيه من نصف النّهار، ومنه قيل: أَرَحْنَا إبلَنا، وأَرَحْتُ إليه حقّه مستعار من: أرحت الإبل، والْمُرَاحُ: حيث تُرَاحُ الإبل، وتَرَوَّحَ الشجر ورَاحَ يَراحُ: تفطّر. وتصوّر من الرّوح السّعة، فقيل: قصعة رَوْحَاءُ، وقوله: ﴿لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف : 87] ، أي: من فرجه ورحمته، وذلك بعض الرّوح.
(١) البيت لذي الرّمة من قصيدة له مطلعها: لقد جشأت نفسي عشية مشرف ... ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا
وتسمى هذه القصيدة أحجية العرب، والبيت في ديوانه ص 246، والبصائر 3/ 103، واللسان (حيا) .
(٢) الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الولد من ريحان الجنّة» . أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1467، وأخرجه الحكيم الترمذي من طريق آخر عن خولة بنت حكيم، وانظر: الفتح الكبير 3/ 308.
(٣) البيت لأعرابية ترقّص ولدها، وبعده: أهكذا كلّ ولد ... أم لم تلد قبلي أحد
وهو في ربيع الأبرار 3/ 521، وشرح نهج البلاغة 3/ 22.
(٤) سورة الروم: آية 48، وهذه قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف.
(٥) وبها قرأ نافع وأبو جعفر المدنيان، وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم الكوفي، ويعقوب البصري.
راجع: الإتحاف 348.
(٦) الحديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» .
أخرجه البخاري في كتاب الجزية 6/ 269، وأحمد في المسند 5/ 36، وأبو داود في الجهاد برقم (2760) ، وانظر: شرح السنة 10/ 152.