التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٥٣

(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). سورة البقرة، الآية: ٥٣

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ 
﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بِها صَلاحُ أُمُورِهِمْ وانْتِظامُ حَياتِهِمْ وتَأْلِيفُ جَماعَتِهِمْ مَعَ الإشارَةِ إلى تَمامِ النِّعْمَةِ وهم يَعُدُّونَها شِعارَ مَجْدِهِمْ وشَرَفِهِمْ لِسِعَةِ الشَّرِيعَةِ المُنَزَّلَةِ لَهم حَتّى كانَتْ كِتابًا فَكانُوا بِهِ أهْلَ كِتابٍ أيْ أهْلَ عِلْمِ تَشْرِيعٍ. والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ الَّتِي أُوتِيَها مُوسى فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويُعْتَبَرُ مَعَها ما أُلْحِقَ بِها عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ والفَرْقانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعْلانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَرْقِ وهو الفَصْلُ اسْتُعِيرَ لِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ فَهو وصْفٌ لُغَوِيٌّ لِلتَّفْرِقَةِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى كِتابِ الشَّرِيعَةِ وعَلى المُعْجِزَةِ وعَلى نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ وعَلى الحُجَّةِ القائِمَةِ عَلى الحَقِّ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ آياتُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَلَعَلَّهُ أرادَ المُعْجِزاتِ لِأنَّ هارُونَ لَمْ يُؤْتَ وحْيًا وقالَ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَطْفًا عَلى نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُعْجِزَةُ أوِ الحُجَّةُ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها إنْ أُرِيدَ بِالفُرْقانِ الكِتابُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّفَةُ لا يَجُوزُ أنْ تَتْبَعَ مَوْصُوفَها بِالعَطْفِ ومِن نَظَرِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ فَقَدَّسَها
لِأنَّ ذَلِكَ مِن عَطْفِ بَعْضِ الصِّفاتِ عَلى بَعْضٍ لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.
وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ هو مَحَلُّ المِنَّةِ لِأنَّ إتْيانَ الشَّرِيعَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِاهْتِدائِهِمْ وكانَ قاصِرًا عَلى عَمَلِ مُوسى بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ. والقَوْلُ في لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ كالقَوْلِ في لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ السّابِقِ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
﴿وَإِذۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة ٥٣]
قوله تعالى: {الكتاب والفرقان} . . مفعولٌ ثانٍ لآتينا، وهل المرادُ بالكتاب والفرقانِ شيءٌ واحدٌ وهو التوراةُ؟ كأنه قيل: الجامعُ بينَ كونِه كتاباً مُنَزَّلاً وفرقاناً يَفْرُق بين الحقِّ والباطلِ، نحو: رأيت الغيثَ والليثَ، وهو من باب قولِه:
464 - إلى المَلِك القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... .  . .
أو لأنه لمَّا اختَلَفَ اللفظُ جازَ ذلك كقوله:
465 - فَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لراهِشَيْهِ ... وأَلْفَى قولَها كَذِباً وَمَيْنَا
وقوله:
466 - . . . . . ... وهندٌ أتى مِنْ دَوْنِها النَّأْيُ والبُعْدُ وقولهِ:
467 -. . . . . . ... أَقْوَى وأَفْقَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
قال النحاس: «هذا إنما يجوزُ في الشِّعْر، فالأحسنُ أن يُرادَ بالفرقان ما علَّمه اللهُ موسى من الفَرْق بين الحق والباطل» . وقيل: الواوُ زائدة، و «الفرقان» نعتٌ للكتاب أو «الكتابُ» التوراةُ، و «الفرقانُ» ما فُرِّقَ به بين الكُفْر والإِيمانِ، كالآياتِ من نحو العَصا واليد، أو ما فُرِّقَ به بين الحلالِ والحَرام من الشرائعِ.
والفُرْقُانُ في الأصلِ مصدرٌ مثلُ الغُفْران. وقد تقدَّمَ معناهُ في {فَرَقْنَا بِكُمُ البحر} [البقرة: 50] . وقيل: الفرقانُ هنا اسمُ للقرآنِ، قالوا: والتقديرُ: ولَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتابَ ومحمداً الفرقانَ. قال النحاس: «هذا خطأٌ في الإِعرابِ والمعنى، أمَّا الإِعرابُ فلأنَّ المعطوفَ على الشيءِ مثلُه، وهذا يخالِفُه، وأمَّا المعنى فلقولِه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان} [الأنبياء: 48] .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
فرق
الفَرْقُ يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتبارا بالانشقاق، والفرق يقال اعتبارا بالانفصال. قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة : 50] ، والفِرْقُ: القطعة المنفصلة، ومنه: الفِرْقَةُ للجماعة المتفرّدة من النّاس، وقيل: فَرَقُ الصّبح، وفلق الصّبح. قال: ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء : 63] ، والفَرِيقُ: الجماعة المتفرّقة عن آخرين، قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ [آل عمران : 78] ، ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة : 87] ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى : 7] ، ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي﴾ [المؤمنون : 109] ، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [مريم : 73] ، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [البقرة : 85] ، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة : 146] ، وفَرَقْتُ بين الشّيئين: فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. قال تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ [المائدة : 25] ، وقوله تعالى: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ [المرسلات : 4] ، يعني: الملائكة الّذين يفصلون بين الأشياء حسبما أمرهم الله، وعلى هذا قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان : 4] ، وقيل: عمر الفَارُوقُ رضي الله عنه لكونه فارقا بين الحقّ والباطل، وقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء : 106] ، أي: بيّنا فيه الأحكام وفصّلناه. وقيل: (فَرَقْنَاهُ) أي: أنزلناه مُفَرَّقاً، والتَّفْرِيقُ أصله للتّكثير، ويقال ذلك في تشتيت الشّمل والكلمة. نحو: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة : 102] ، ﴿رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [طه : 94] ، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة : 285] ، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة : 136] ، إنما جاز أن يجعل التّفريق منسوبا إلى (أحد) من حيث إنّ لفظ (أحد) يفيد في النّفي، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام : 159] ، وقرئ: فَارَقُوا(١) والفِراقُ والْمُفَارَقَةُ تكون بالأبدان أكثر. قال: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف : 78] ، وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ [القيامة : 28] ، أي: غلب على قلبه أنه حين مفارقته الدّنيا بالموت، وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء : 150] ، أي: يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرّسل خلاف ما أمرهم الله به. وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء : 152] ، أي: آمنوا برسل الله جميعا، والفُرْقَانُ أبلغ من الفرق، لأنه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل، وتقديره كتقدير: رجل قنعان: يقنع به في الحكم، وهو اسم لا مصدر فيما قيل، والفرق يستعمل في ذلك وفي غيره، وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ [الأنفال : 41] ، أي: اليوم الذي يفرق فيه بين الحقّ والباطل، والحجّة والشّبهة، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [الأنفال : 29] ، أي: نورا وتوفيقا على قلوبكم يفرق به بين الحق والباطل، فكان الفرقان هاهنا كالسّكينة والرّوح في غيره، وقوله: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ [الأنفال : 41] ، قيل: أريد به يوم بدر، فإنّه أوّل يوم فُرِقَ فيه بين الحقّ والباطل، والفُرْقَانُ: كلام الله تعالى، لفرقه بين الحقّ والباطل في الاعتقاد، والصّدق والكذب في المقال، والصالح والطّالح في الأعمال، وذلك في القرآن والتوراة والإنجيل، قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ [البقرة : 53] ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ [الأنبياء : 48] ، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ [الفرقان : 1] ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [البقرة : 185] .
والفَرَقُ: تَفَرُّقُ القلب من الخوف، واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصّدع والشّقّ فيه. قال تعالى: ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة : 56] ، ويقال: رجل فَرُوقٌ وفَرُوقَةٌ، وامرأة كذلك، ومنه قيل للناقة التي تذهب في الأرض نادّة من وجع المخاض: فَارِقٌ وفَارِقَةٌ، وبها شبّه السّحابة المنفردة فقيل: فَارِقٌ، والْأَفْرَقُ من الدّيك: ما عُرْفُهُ مَفْرُوقٌ، ومن الخيل: ما أحد وركيه أرفع من الآخر، والفَرِيقَةُ: تمر يطبخ بحلبة، والفَرُوقَةُ: شحم الكليتين.