(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ). سورة البقرة، الآية: ٦٩
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنَها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾
سَألُوا بِما عَنْ ماهِيَّةِ اللَّوْنِ وجِنْسِهِ لِأنَّهُ ثانِي شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ أغْراضُ الرّاغِبِينَ في الحَيَوانِ. والقَوْلُ في جَزْمِ يُبَيِّنُ وفي تَأْكِيدِ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ كالقَوْلِ في الَّذِي تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها احْتِيجَ إلى تَأْكِيدِ الصُّفْرَةِ بِالفُقُوعِ وهو شِدَّةُ الصُّفْرَةِ لِأنَّ صُفْرَةَ البَقَرِ تُقَرِّبُ مِنَ الحُمْرَةِ غالِبًا فَأكَّدَهُ بِفاقِعٍ والفُقُوعُ خاصٌّ بِالصُّفْرَةِ، كَما اخْتَصَّ الأحْمَرُ بِقانٍ والأسْوَدُ بِحالِكٍ، والأبْيَضُ بَيْقَقٌ، والأخْضَرُ بِمُدْهامٍّ، والأوْرَقُ بِخُطْبانِيٍّ نِسْبَةً إلى الخُطْبانِ بِضَمِّ الخاءِ وهو نَبْتٌ كالهِلْيُونِ، والأُرْمَكُ وهو الَّذِي لَوْنُهُ لَوْنُ الرَّمادِ بِرَدّانِيٍّ بَراءٍ في أوَّلِهِ، والرَّدّانُ الزَّعْفَرانُ كَذا في الطِّيبِيِّ ووَقَعَ في الكَشّافِ والطِّيبِيِّ بِألِفٍ بَعْدَ الدّالِ ووَقَعَ في القامُوسِ أنَّهُ بِوَزْنِ صاحِبٍ وضَبْطِ الرّاءِ في نُسْخَةٍ مِنَ الكَشّافِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ القُطْبِ عَلَيْهِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ الهَمْدانِيِّ عَلَيْهِ بِشَكْلِ ضَمَّةٍ عَلى الرّاءِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ.
والنُّصُوعُ يَعُمُّ جَمِيعَ الألْوانِ وهو خُلُوصُ اللَّوْنِ مِن أنْ يُخالِطَهُ لَوْنٌ آخَرُ.
ولَوْنُها إمّا فاعِلٌ بِ (فاقِعٌ) أوْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وإضافَتُهُ لِضَمِيرِ البَقَرَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ اللَّوْنُ الأصْفَرُ فَكانَ وصْفُهُ بِفاقِعٍ وصْفًا حَقِيقِيًّا ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ صَفْراءُ فاقِعَةٌ إلى صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها لِيَحْصُلَ وصْفُها بِالفُقُوعِ مَرَّتَيْنِ إذْ وصَفَ اللَّوْنَ بِالفُقُوعِ، ثُمَّ لَمّا كانَ اللَّوْنُ مُضافًا لِضَمِيرِ الصَّفْراءِ كانَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ جارِيًا عَلى سَبَبَيْهِ عَلى نَحْوِ ما قالَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في كَوْنِ المُسْنَدِ فِعْلًا مِن أنَّ الفِعْلَ يَسْتَنِدُ إلى الضَّمِيرِ ابْتِداءً ثُمَّ بِواسِطَةِ عَوْدِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى المُبْتَدَأِ يَسْتَنِدُ إلى المُبْتَدَأِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ.
وقَدْ ظَنَّ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ أنَّ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ مُشِيرٌ إلى أنَّ إسْنادَ فاقِعٍ لِلَوْنِها مَجازٌ عَقْلِيٌّ وهو وهْمٌ إذْ لَيْسَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ. وأمّا تَمْثِيلُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ جَدُّ جَدِّهِ فَهو تَنْظِيرٌ في مُجَرَّدِ إفادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَوْلُهُ تَسُرُّ النّاظِرِينَ أيْ تُدْخِلُ رُؤْيَتُها عَلَيْهِمْ مَسَرَّةً في نُفُوسِهِمْ. والمَسَرَّةُ لَذَّةٌ نَفْسِيَّةٌ تَنْشَأُ عَنِ الإحْساسِ بِالمُلائِمِ أوْ عَنِ اعْتِقادِ حُصُولِهِ ومِمّا يُوجِبُها التَّعَجُّبُ مِنَ الشَّيْءِ والإعْجابُ بِهِ. وهَذا اللَّوْنُ مِن أحْسَنِ ألْوانِ البَقَرِ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ فِعْلُ تَسُرُّ إلى ضَمِيرِ البَقَرَةِ لا إلى ضَمِيرِ اللَّوْنِ فَلا يَقْتَضِي أنَّ لَوْنَ الأصْفَرِ مِمّا يَسُرُّ النّاظِرِينَ مُطْلَقًا. والتَّعْبِيرُ بِالنّاظِرِينَ دُونَ النّاسِ ونَحْوِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَسَرَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها مِن بابِ اسْتِفادَةِ التَّعْلِيلِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {مَا لَوْنُهَا} : كقولِه «هي» ؟ وقال أبو البقاء: «ولو قُرئ» لونَها «بالنصب لكان له وجهٌ، وهو أن تكونَ» ما «زائدة كهي في قوله: {أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ} [القصص: 28] ويكون التقديرُ: يبين لنا لونَها، وأمَّا» ما هي «فابتداءٌ وخبرٌ لا غيرُ إذ لا يُمْكِنُ جَعْلُ» ما «زائدةً لأنَّ» هي «لا يَصِحُّ أن تكونَ مفعولَ يبيِّن» يعني أنها بصيغةِ الرفع، وهذا ليس من مواضعِ زيادةِ «ما» فلا حاجةَ إلى هذا. واللونُ عبارةٌ عن الحمرةِ والسوادِ ونحوِهما. واللونُ أيضاً النوعُ وهو الدَّقَل نوعٌ من النحل، قال الأخفش: «هو جَماعةٌ واحدها: لِينة» وسيأتي. وفلان يَتَلَوَّن أي: لا يثبُتُ على حالٍ، قال الشاعر:
540 - كلَّ يومٍ تتلوَّنْ ... غيرُ هذا بك أَجْمَلْ
قوله: {صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} بجوز أن يكونَ «فاقعٌ» صفةً و «لونُها» فاعلٌ به، وأن يكونَ خبراً مقدماً، و «لونُها» مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ صفةٌ، ذكرها أبو البقاء. وفي الوجهِ الأول نظرٌ، وذلك أن بعضَهم نقلَ أن هذه التوابعَ للألوانِ لا تعملُ عَمَلَ الأفعال. فإنْ قيل: يكونُ العملُ لصفراء لا لفاقع كما تقول: مررتُ برجلٍ أبيضَ ناصعٍ لونُه، فلونُه مرفوعٌ بأبيض لا بناصع، فالجوابُ: أنَّ ذلك ههنا ممنوعٌ من جهةٍ أخرى، وهو أنَّ صفراء مؤنثٌ اللفظِ، ولو كانَ رافعاً ل «لونُها» لقيل: أصفرُ لونُها، كما تقول: مررت بامرأةٍ أصفرَ لونُها، ولا يجوز: صفراءَ لونُها، لأنَّ الصفةَ كالفِعْل، إلا أن يُقال: إنه لمَّا أُضيف إلى مؤنثٍ اكتسَب منه التأنيثَ فعُومِل معاملتَه كما سيأتي ذِكْرُه. ويجوز أن يكونَ «لونُها» مبتدأً، و «تَسُرُّ» خبرَه، وإنما أَنَّث الفعلَ لاكتسابِه بالإِضافةِ معنى التأنيث: كقوله: 541 - مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أعاليهَا مَرُّ الرياحِ النَّواسِمِ
وقول الآخر:
542 - وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَه ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ
أنَّث فعلَ المَرِّ والصدرِ لَمَّا أُضيفا لمؤنثٍ، وقُرئ {تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة} [يوسف: 10] وقيل: لأنَّ المرادَ باللونِ هنا الصفرةُ، وهي مؤنثةٌ فَحُمِل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ ناصعٌ وَيَقِقٌ ولَهِقٌ، ولِهاقٌ وأخضرُ ناصعٌ، وأحمرُ قانئٌ وأسودُ حالِكٌ وحائِك وحَلَكُوك وحُلْكُوك ودَجُوجيّ وغِرْبيب وبهيم، وقيل: «البهيم الخالصُ من كل لون» . وبهذا يَظْهر أن صفراء على بابها من اللون المعروفِ لا سوداء كما قاله بعضهم، فإنَّ المفقوعَ من صفةِ الأصفرِ خاصةً، وأيضاً فإنه مجازٌ بعيدٌ، ولا يُسْتَعمل ذلك إلا في الإِبِلِ لقُرْب سوادها من الصفرةِ كقوله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [المرسلات: 33] . وقال:
543 - تلك خَيْلِيْ منه وتلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ
قوله: {تَسُرُّ الناظرين} جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «بقرة» أيضاً، وقد تقدَّم أنه يجوز أن تكونَ خبراً عن «لونها» بالتأويلين المذكورين. والسرورُ لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
فقع
يقال: أصفر فَاقِعٌ: إذا كان صادق الصّفرة، كقولهم: أسود حالك. قال تعالى: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ﴾ [البقرة : 69] ، والْفَقْعُ: ضرب من الكمأة، وبه يشبّه الذّليل، فيقال: أذلّ من فَقْعٍ بقاع، قال الخليل: سمّي الفُقَّاعُ لما يرتفع من زبده، وفَقَاقِيعُ الماء تشبيها به.