التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٧٨

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ). سورة البقرة، الآية: ٧٨

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ، ومِنهم خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَقْدِيمُهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] . والمَعْنى كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم مُحَرِّفِينَ، وفَرِيقٌ جَهَلَةً وإذا انْتَفى إيمانُ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ تَطَلُّبُ الحَقِّ المُنْجِي والِاهْتِداءُ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ فَكانُوا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ ويُكابِرُونَ فِيما يَسْمَعُونَ مِن مُعْجِزَةِ القُرْآنِ في الإخْبارِ عَنْ أسْرارِ دِينِهِمْ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ أيْضًا في إيمانِ الفَرِيقِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ هم أبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وألْهى عَنْ تَطَلُّبِهِ وأضَلُّ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأجْدَرُ بِالِاقْتِداءِ بِأئِمَّتِهِمْ وعُلَمائِهِمْ فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الماضُونَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] إلَخْ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُعادِلًا لَها مِن جِهَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنِها حالَةَ فَرِيقٍ مِنهم وهَذِهِ حالَةُ فَرِيقٍ آخَرَ. وأمّا قَوْلُهُ وإذا لَقُوا وقَوْلُهُ وإذا خَلا فَتِلْكَ مَعْطُوفاتٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن قَوْلِهِ يَسْمَعُونَ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِ اليَهُودِ وبِهَذا لا يَجِيءُ في جُمْلَةِ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ التَّخْيِيرُ المَبْنِيُّ عَلى الخِلافِ في عَطْفِ الأشْياءِ المُتَعَدِّدَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ هَلْ يُجْعَلُ الأخِيرُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مَنِ المَعْطُوفاتِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى المَعْمُولِ الأوَّلِ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَرْجِعُ العَطْفِ جِهَةً واحِدَةً وهُنا قَدِ اخْتَلَفَتِ الجِهَةُ.
والأُمِّيُّ مَن لا يَعْرِفُ القِراءَةَ والكِتابَةَ والأظْهَرُ أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ بِمَعْنى عامَّةِ النّاسِ فَهو يُرادِفُ العامِّيَّ، وقِيلَ مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ وهي الوالِدَةُ أيْ أنَّهُ بَقِيَ عَلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُدَّةَ حَضانَةِ أُمِّهِ إيّاهُ فَلَمْ يَكْتَسِبْ عِلْمًا جَدِيدًا ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الوَجْهُ في النَّسَبِ أنْ يَقُولُوا أُمَّهِيٌّ بِناءً عَلى أنَّ النَّسَبَ يَرُدُّ الكَلِماتِ إلى أُصُولِها. وقَدْ قالُوا في جَمْعِ الأُمِّ أُمَّهاتٌ فَرَدُّوا المُفْرَدَ إلى أصْلِهِ فَدَلُّوا عَلى أنَّ أصْلَ أُمٍّ أُمَّهَةٌ لِأنَّ الأسْماءَ إذا نُقِلَتْ مِن حالَةِ الِاشْتِقاقِ إلى جَعْلِها أعْلامًا قَدْ يَقَعُ فِيها تَغْيِيرٌ لِأصْلِها.
وقَدِ اشْتُهِرَ اليَهُودُ عِنْدَ العَرَبِ بِوَصْفِ أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ أيْ لَيْسَ جَمِيعُهم أهْلَ كِتابٍ.
ولَمْ تَكُنِ الأُمِّيَّةُ في العَرَبِ وصْفَ ذَمٍّ لَكِنَّها عِنْدَ اليَهُودِ وصْفُ ذَمٍّ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وقالَ ابْنُ صَيّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ («أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ» ) وذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ الأُمِّيَّةُ مِن قِلَّةِ المَعْرِفَةِ ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَتِ الأُمِّيَّةُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كانَ أعْلَمَ النّاسِ مَعَ كَوْنِهِ نَشَأ أُمِّيًّا قَبْلَ النُّبُوءَةِ. وقَدْ قالَ أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ: إنَّ اللَّهَ عَلَّمَ نَبِيَّهُ القِراءَةَ والكِتابَةَ بَعْدَ تَحَقُّقِ مُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِأنْ يُطْلِعَهُ عَلى ما يَعْرِفُ بِهِ ذَلِكَ عِنْدَ الحاجَةِ اسْتِنادًا لِحَدِيثِ البُخارِيِّ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأيَّدَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ في هَذا، وأنْكَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُهم مِمّا هو مَبْسُوطٌ في تَرْجَمَتِهِ مِن كِتابِ المَدارِكِ لِعِياضٍ، وما أرادَ إلّا إظْهارَ رَأْيِهِ.
والكِتابُ إمّا بِمَعْنى التَّوْراةِ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ وإمّا مَصْدَرُ كَتَبَ أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَةَ ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أثَرًا مِن آثارِ الأُمِّيَّةِ أيْ لا يَعْلَمُونَ التَّوْراةَ إلّا عِلْمًا مُخْتَلِطًا حاصِلًا مِمّا يَسْمَعُونَهُ ولا يُتْقِنُونَهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ الجُمْلَةُ وصْفًا كاشِفًا لِمَعْنى الأُمِّيِّينَ كَقَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّ نَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا

والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ عَلى وزْنِ أفاعِيلَ وقَدْ جاءَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو جَمْعٌ عَلى وزْنِ أفاعِلَ عِنْدَ الأخْفَشِ كَما جُمِعَ مِفْتاحٌ عَلى مَفاتِحَ ومَفاتِيحَ. والأُمْنِيَةُ كَأُثْفِيَةٍ وأُضْحِيَةٍ أُفْعُولَةٌ كالأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ والأُكْذُوبَةِ والأُغْلُوطَةِ، والأمانِيُّ كالأعاجِيبِ والأضاحِيكِ والأكاذِيبِ والأغالِيطِ، مُشْتَقَّةٌ مِن مَنى كَرَمى بِمَعْنى قَدَّرَ الأمْرَ ولِذَلِكَ قِيلَ تَمَنّى بِمَعْنى تَكَلَّفِ تَقْدِيرَ حُصُولِ شَيْءٍ مُتَعَذِّرٍ أوْ مُتَعَسِّرٍ، ومَنّاهُ أيْ جَعَلَهُ مانِيًا أيْ مُقَدَّرًا كِنايَةً عَنِ الوَعْدِ الكاذِبِ لِأنَّهُ يَنْقُلُ المَوْعُودَ مِن تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّيْءِ اليَوْمَ إلى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ غَدًا، وهَكَذا كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ∗∗∗ إنَّ الأمانِيَّ والأحْلامَ تَضْلِيلُ

ولِأنَّ الكاذِبَ ما كَذَبَ إلّا لِأنَّهُ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ ما في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقًا لِخَبَرِهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ حَدَثَتِ العَلاقَةُ بَيْنَ الكَذِبِ والتَّمَنِّي فاسْتُعْمِلَتِ الأُمْنِيَةُ في الأُكْذُوبَةِ، فالأمانِيُّ هي التَّقادِيرُ النَّفْسِيَّةُ أيِ الِاعْتِقاداتُ الَّتِي يَحْسَبُها صاحِبُها حَقًّا ولَيْسَتْ بِحَقٍّ أوْ هي الفِعالُ الَّتِي يَحْسَبُها العامَّةُ مِنَ الدِّينِ ولَيْسَتْ مِنهُ؛ بَلْ يَنْسَوْنَ الدِّينَ ويَحْفَظُونَها، وهَذا دَأْبُ الأُمَمِ الضّالَّةِ عَنْ شَرْعِها أنْ تَعْتَقِدَ مالَها مِنَ العَوائِدِ والرُّسُومِ والمَواسِمِ شَرْعًا، أوْ هي التَّقادِيرُ الَّتِي وضَعَها الأحْبارُ مَوْضِعَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ إمّا زِيادَةً عَلَيْهِ حَتّى أنْسَتْهُمُ الأصْلَ وإمّا تَضْلِيلًا وهَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ. وقِيلَ الأمانِيُّ هُنا الأكاذِيبُ أيْ ما وضَعَهُ لَهُمُ الَّذِينَ حَرَّفُوا الدِّينَ. وقَدْ قِيلَ الأمانِيُّ القِراءَةُ أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا كَلِماتٍ يَحْفَظُونَها ويَدْرُسُونَها لا يَفْقَهُونَ مِنها مَعْنًى كَما هو عادَةُ الأُمَمِ الضّالَّةِ إذْ تَقْتَصِرُ مِنَ الكُتُبِ عَلى السَّرْدِ دُونَ فَهْمٍ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ حَسّانٍ في رِثاءِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ

أيْ قَرَأ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي قُتِلَ في آخِرِهِ، وعِنْدِي أنَّ الأمانِيَّ هُنا التَّمَنِّيّاتُ وذَلِكَ نِهايَةٌ في وصْفِهِمْ بِالجَهْلِ المُرَكَّبِ أيْ هم يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الكِتابَ وهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَهُ ولَكِنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا عُلَماءَ فَلَمّا لَمْ يَنالُوا العِلْمَ ادَّعَوْهُ باطِلًا فَإنَّ غَيْرَ العالِمِ إذا اتُّهِمَ بِمِيسَمِ العُلَماءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَتَمَنّى لَوْ كانَ عالِمًا. وكَيْفَما كانَ المُرادُ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ واحِدًا مِن هاتِهِ المَعانِي لَيْسَ مِن عِلْمِ الكِتابِ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} . . «منهم» خبرٌ مقدَّمٌ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و «أمِّيُّون» مبتدأٌ مؤخر، ويجوزُ على رأي الأخفشِ أن يكونَ فاعلاً بالظرف قبلَه وإنْ لم يَعتمدْ، وقد بَيَّنْتُ على ماذا يعتمد فيما تقدَّم. «وأمِّيُّون جمع أُمّيّ وهو مَنْ لا يكتب ولا يقرأ، واختُلف في نسبته، فقيل: إلى الأُم وفيه معنيان: أحدُهما: أنه بحال أمِّه التي وَلَدَتْه مِنْ عَدَمِ معرفةِ الكتابة وليس مثلَ أبيه، لأن النساءَ ليس منْ شُغْلِهِنَّ الكتابةُ. والثاني: أنَّه بحاله التي وَلَدَتْهُ أمُّه عليها لم يتغيَّرْ عنها ولم يَنْتَقِلْ. وقيل: نُسِبَ إلى الأُمَّة وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، بمعنى أنه ليس له من الناسِ إلا ذلك. وقيل: نسب إلى الأُمَّة على سَذاجَتِها قبل أن تَعْرِفَ الأشياء كقولهم: عامِّي أي: على عادة العامَّة. وعن ابن عباس:» قيل لهم أمِّيُّون لأنهم لم يُصَدِّقوا بأم الكتاب «وقال أبو عبيدة:» قيل لهم أُمِّيُّون لإِنزالِ الكتابِ عليهم كأنهم نُسبوا لأُمِّ الكتاب «.
وقرأ ابن أبي عبلة:» أُمِّيُون «بتخفيف الياء، كأنه اسْتُثْقَلَ تواليَ تضعيفين.
قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ} جملةٌ فعلية في محلِّ رفعٍ صفةً لأمِّيُّونُ، كأنه قيل: أُمِّيُّون غيرُ عالمين.
قوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} هذا استثناءٌ منقطعُ، لأن الأمانيَّ ليست من جنسِ الكتابِ، ولا مندرجةٌ تحتَ مدلولِه، وهذا هو المنقطعُ، ولكنَّ شرطه أن يُتَوَهَّمَ دخولُه بوجهٍ ما كقولِه: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} [النساء: 157] / وقولِ النابغة:
556 - حَلَفْتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ ... ولا عِلْمَ إلا حُسْنُ ظنٍّ بصاحبِ
لأنَّ بِذِكْرِ العلم استُحْضِرَ الظنُّ، ولهذا لا يَجُوز: صَهَلَت الخيلُ إلا حماراً.
واعلمْ أنَّ المنقطعَ على ضَرْبَيْن: ضربٍ يَصِحُّ تَوَجُّهُ العاملِ عليه نحو:» جاء القومُ إلا حماراً «وضربٍ لا يتوجَّهُ نحو ما مَثَّل به النحويون:» ما زاد إلا ما نَقَصَ، وما نَفَعَ إلا ما ضَرَّ «فالأول فيه لغتان: لغةُ الحجازِ وجوبُ نصبهِ ولغةُ تميمٍ أنه كالمتصل، فيجوزُ فيه بعد النفي وشِبْهِهِ النصبُ والإِتباعُ، والآيةُ الكريمة من الضَرْب الأول، فيَحْتملُ نصبُها وجهين، أَحَدُهُما: على الاستثناء المنقطع، والثاني: أنه بدلٌ من الكتاب، و» إلا «في المنقطع تُقَدَّر عند البصريين ب» لكن «وعند الكوفيين ب» بل «. وظاهرُ كلام أبي البقاء أن نَصْبَه على المصدرِ بفعلِ محذوفٍ، فإنَّه قال: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} استثناء منقطع، لأنَّ الأمانيَّ ليس من جنسِ العلم، وتقديرُ» إلاَّ «في مثلِ هذا ب» لكنْ «، أي: لكنْ يتَمنَّونه أمانيَّ، فيكونُ عندَه من بابِ الاستثناء المفَرَّغِ المنقطعِ، فيصيرُ نظيرَ:» ما علمتُ إلا ظناً «وفيه نظرٌ.
والأمانيُّ جمع أُمْنِيَّة بتشديد الياء فيهما.
وقال أبو البقاء: «يجوز تخفيفُها فيهما» . وقرأ أبو جعفر بتخفيفها، حَذَفَ إحدى الياءَين، تخفيفاً، قال الأخفش: «هذا كما يُقال في جمعِ مفتاح: مفاتح ومفاتيح» ، قال النحاس: «الحَذْفُ في المعتلِّ أكثرُ» وأنشد قول النابغة:
557 - وهل يُرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العمى ... ثلاثُ الأَثافي والرسومُ البلاقِعُ
وقال أبو حاتم: «كلُّ ما جاء واحدُه مشدَّداً من هذا النوع فلك في الجمعِ الوجهان» وأصلُه يَرْجِعُ إلى ما قال الأخفش. ووزن أُمْنِيَّة: أُفْعُولة من منَّى يُمَنِّي إذا تلا وقرأ، قال:
558 - تَمَنَّى كتابَ اللهِ آخرَ ليلِهِ ... تَمَنِّىِ داودَ الزبورَ على رِسْلِ
وقال كعب بن مالِك:
559 - تَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيلهِ ... وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ
وقال تعالى: «إلا إذا تَمَنَّى ألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ» ، أيَ: قَرَأَ وتَلا، فالأصلُ على هذا: أُمْنُوية، فاعتلَّت اعتلالَ ميِّت وسيِّد، وقد تقدَّم. وقيل: الأمنيَّةُ الكذبُ والاختلاقُ. وقيل ما يتمنَّاه الإِنسان ويَشْتهيه. وقيل: ما يُقَدِّرُه وَيَحْزِرُه مِنْ مَنَّى إذا كَذَبَ أو تمنَّى أو قدَّر، كقوله:
560 - لا تأْمَنَنَّ وأنْ أمْسَيْت في حَرَمٍ ... حتى تُلاقِي ما يَمْني لكَ الماني
أي: يقدِّر لك المقدِّرُ. وقال الراغب: «والمَنْيُ القَدْرُ، ومنه» المَنا «الذي يُوزَنُ به، ومنه: المَنِيَّة وهو الأجَل المقدَّرُ للحيوان، والتمنِّي: تقديرُ شيءٍ في النفسِ وتصويرُه فيها، وذلك قد يكونُ عن ظَنٍّ وتخمين، وقد يكونُ بناءً على رَوِيَّةٍ وأصلٍ، لكنْ لمَّا كان أكثرُه عن تَخْمينٍ كان الكذبُ أَمْلَكَ له، فأكثرُ التمنِّي تصوُّرُ ما لا حقيقةَ له، والأُمْنِيَةُ: الصورةُ الحاصلةُ في النفسِ مِنْ تمنِّي الشيءِ، ولمَّا كان الكذبُ تَصَوُّرَ ما لا حقيقة له وإيرادَه باللفظِ صار التَمنِّي كالمبدأ للكذبِ [فعُبِّر به عنه، ومنه قولُ عثمانَ رضي اللهُ عنه:» ما تَغَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ منذ أَسلمْتُ «] . وقال الزمخشري:» والاشتقاقُ من مَنَّى إذا قدَّر، أن المتمنِّي يُقَدِّر في نفسِه ويَحْزِرُ ما يتمنَّاه، وكذلك المختلقُ، والقارئُ يقدِّر أنَّ كلمةَ كذا بعد كذا «فجَعَلَ بين هذه المعاني قَدْراً مشتركاً وهو واضحٌ.
قولُه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} » إنْ «نافيةٌ بمعنى ما، وإذا كانت نافيةً فالمشهورُ أنها لا تعملُ عملَ» ما «الحجازيةِ، وأجاز بعضُهم ذلك ونَسَبه لسيبويهِ وأَنْشدوا:
561 - إنْ هُوَ مستولياً على أَحَدٍ ... إلاَّ على أَضْعَفِ المجانين
و» هو «اسمُها و» مستولياً «خبرُها، فقولُه» هم «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، لا اسم» إنْ «لأنها لم تَعْمَل على المشهور، و» إلاَّ «للاستثناء المفرغ، و» يَظُنُّونَ «في محلِّ الرفع خبراً لقولِه» هم «وحَذَفَ مفعوليَ الظنِّ للعلمِ بهما، أو اقتصاراً، وهي مسألةُ خلافِ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
منى
المَنَى: التّقدير. يقال: مَنَى لك الماني، أي: قدّر لك المقدّر، ومنه: المَنَا الذي يوزن به فيما قيل، والمَنِيُّ للذي قدّر به الحيوانات. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة : 37] ، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ [النجم : 46] أي: تقدّر بالعزّة الإلهية ما لم يكن منه، ومنه: المَنِيَّة، وهو الأجل المقدّر للحيوان، وجمعه: مَنَايا، والتَّمَنِّي: تقدير شيء في النّفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظنّ، ويكون عن رويّة وبناء على أصل، لكن لمّا كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التّمنّي تصوّر ما لا حقيقة له. قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى﴾ [النجم : 24] ، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة : 94] ، ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً﴾ [الجمعة : 7] والأُمْنِيَّةُ: الصّورة الحاصلة في النّفس من تمنّي الشيء، ولمّا كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التّمنّي كالمبدإ للكذب، فصحّ أن يعبّر عن الكذب بالتّمنّي، وعلى ذلك ما روي عن عثمان رضي الله عنه: (ما تغنّيت ولا تَمَنَّيْتُ منذ أسلمت)(١) ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة : 78] قال مجاهد: معناه: إلّا كذبا(٢) ، وقال غيره إلّا تلاوة مجرّدة عن المعرفة. من حيث إنّ التّلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيّة تمنيتها على التّخمين، وقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج : 52] أي: في تلاوته، فقد تقدم أنّ التّمنّي كما يكون عن تخمين وظنّ فقد يكون عن رويّة وبناء على أصل، ولمّا كان النبيّ ﷺ كثيرا ما كان يبادر إلى ما نزل به الرّوح الأمين على قلبه حتى قيل له: ﴿لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه : 114] ، و﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة : 16] سمّى تلاوته على ذلك تمنّيا، ونبّه أنّ للشيطان تسلّطا على مثله في أمنيّته، وذلك من حيث بيّن أنّ «العجلة من الشّيطان»(٣) . وَمَنَّيْتَني كذا: جعلت لي أُمْنِيَّةً بما شبّهت لي، قال تعالى مخبرا عنه: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء : 119] .

(١) في النهاية: وفي حديث عثمان: ما تغنّيت ولا تمنّيت، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام.
وفي رواية: ما تمنيت منذ أسلمت. أي: ما كذبت. التمني: التكذّب. انظر: النهاية لابن الأثير 4/ 367.
(٢) انظر: الدر المنثور 1/ 201، وغريب القرآن لليزيدي ص 74.
(٣) راجع: مادة (عجل) .