التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٤٨

(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُون). سورة البقرة، الآية: ٤٨

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَطَفَ التَّحْذِيرَ عَلى التَّذْكِيرِ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ وخاصَّةً تَفْضِيلُهم عَلى العالَمِينَ في زَمانِهِمْ وكانَ ذَلِكَ مَنشَأ غُرُورِهِمْ بِأنَّهُ تَفْضِيلٌ ذاتِيٌّ فَتَوَهَّمُوا أنَّ التَّقْصِيرَ في العَمَلِ الصّالِحِ لا يَضُرُّهم فَعَقَّبَ بِالتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ في اللُّغَةِ لا المَعْنى الشَّرْعِيُّ، وانْتِصابُ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ ولَيْسَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ.
والمُرادُ بِاتِّقائِهِ اتِّقاؤُهُ مِن حَيْثُ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ الزَّمانِ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ كَما تَقُولُ مَكانٌ مَخُوفٌ.
وتُجْزى مُضارِعُ جَزى بِمَعْنى قَضى حَقًّا عَنْ غَيْرِهِ وهو مُتَعَدٍّ بِعَنْ إلى أحَدِ مَفْعُولَيْهِ فَيَكُونُ شَيْئًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا إذا أُرِيدَ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا.
وجُمْلَةُ لا تَجْزِي نَفْسٌ صِفَةٌ لِيَوْمًا وكانَ حَقُّ الجُمْلَةِ إذا كانَتْ خَبَرًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا أوْ صِلَةً أنْ تَشْتَمِلَ عَلى ضَمِيرِ ما أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ، ويَكْثُرُ حَذْفُهُ إذا كانَ مَنصُوبًا أوْ ضَمِيرًا مَجْرُورًا فَيُحْذَفُ مَعَ جارِّهِ ولا سِيَّما إذا كانَ الجارُّ مَعْلُومًا لِكَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ لا يَتَعَدّى إلّا بِجارٍّ مُعَيَّنٍ كَما هُنا تَقْدِيرُهُ فِيهِ وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُحْذَفُ لِقَرِينَةٍ كَما في حَذْفِ ضَمِيرِ المَوْصُولِ إذا جُرَّ بِما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ. ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ قَوْلُ العُرْيانِ الجَرْمِيِّ مِن جِرْمِ طَيِّئٍ:
فَقُلْتُ لَها لا والَّذِي حَجَّ حاتِمٌ أخُونُكِ عَهْدًا إنَّنِي غَيْرُ خَوّانِ

تَقْدِيرُهُ حَجَّ حاتِمٌ إلَيْهِ.
وتَنْكِيرُ النَّفْسِ في المَوْضِعَيْنِ وهو في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ النُّفُوسِ أيْ لا يَعْنِي أحَدًا كائِنًا مَن كانَ فَلا تُغْنِي عَنِ الكُفّارِ آلِهَتُهم ولا صُلَحاؤُهم عَلى اخْتِلافِ عَقائِدِهِمْ في غَناءِ أُولَئِكَ عَنْهم. فالمَقْصُودُ نَفْيُ غَنائِهِمْ عَنْهم بِأنْ يَحُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ نَفْيُ أنْ يَجْزُوا عَنْهم جَزاءً يَمْنَعُ اللَّهَ عَنْ نَوالِهِمْ بِسُوءٍ رَعْيًا لِأوْلِيائِهِمْ. فالمُرادُ هُنا الغَناءُ بِحُرْمَةِ الشَّخْصِ وتَوَقُّعُ غَضَبِهِ وهو غَناءُ كُفْءِ العَدُوِّ الَّذِي يَخافُهُ العَدُوُّ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأُمَمِ يَوْمَئِذٍ مِنَ اتِّقائِهِمْ بَطْشَ مَوْلى أعْدائِهِمْ وإحْجامِهِمْ عَمّا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَقِيَّةً مِن مَكْرِهِ أوْ ضُرِّهِ أوْ حِرْمانِ نَفْعِهِ قالَ السَّمَوْءَلُ:
وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

وقالَ العَنْبَرِيُّ:
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو الشَّقِيقَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا

وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ مَفادَ قَوْلِهِ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ مُغايِرٌ لِمَفادِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ إلَخْ فَقَوْلُهُ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ هو بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ الضَّمِيرانِ عائِدانِ لِلنَّفْسِ الثّانِيَةِ المَجْرُورَةِ بِعْنَ أيْ لا يُقْبَلُ مِن نَفْسٍ شَفاعَةٌ تَأْتِي بِها ولا عَدْلٌ تَعْتاضُ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إبْطالُ عَقِيدَةٍ تُنَصِّلُ المُجْرِمَ مِن عِقابِ اللَّهِ ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ؛ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْصَرُونَ راجِعًا إلى مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مِن قَبْلِهِ. وهَذا التَّأْيِيسُ يَسْتَتْبِعُ تَحْقِيرَ مَن تَوَهَّمَهُمُ الكَفَرَةُ شُفَعاءَ وإبْطالَ ما زَعَمُوهُ مُغْنِيًا عَنْهم مِن غَضَبِ اللَّهِ مِن قَرابِينَ قَرَّبُوها ومُجادَلاتٍ أعَدُّوها وقالُوا هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ بِما يَعُمُّ الإجْزاءَ فَجَعَلَ ما هو مَذْكُورٌ بَعْدَهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ ولِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ حَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَ بِها بَنُو آدَمَ في الدُّنْيا فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يُشْفَعَ لَهُ أوْ يُفْتَدى أوْ يُنْصَرَ اهـ. وألْغى جَمْعُها لِحالَةِ أنْ يَتَجَنَّبَ النّاسُ إيقاعَهُ في شِدَّةٍ اتِّقاءً لِمَوالِيهِ، وما فَسَّرْنا بِهِ أرْشَقُ.
وقَدْ جُمِعَ كَلامُ شُيُوخِ بَنِي أسَدٍ مَعَ امْرِئِ القَيْسِ حِينَ كَلَّمُوهُ في دَمِ أبِيهِ فَقالُوا: فَأحْمَدُ الحالاتِ في ذَلِكَ أنْ تَعْرِفَ الواجِبَ عَلَيْكَ في إحْدى خِلالٍ ثَلاثٍ: إمّا إنِ اخْتَرْتَ مِن بَنِي أسَدٍ أشْرَفَها بَيْتًا فَقُدْناهُ إلَيْكَ بِنِسْعَةٍ تَذْهَبُ مَعَ شَفَراتِ حُسامِكَ بِباقِي قَصْرَتِهِ. أوْ فِداءً بِما يَرُوحُ عَلى بَنِي أسَدٍ مِن نِعَمِها فَهي أُلُوفٌ. وإمّا وادَعْتَنا إلى أنْ تَضَعَ الحَوامِلُ فَتُسْدَلَ الأُزُرُ وتُعْقَدَ الخُمُرُ فَوْقَ الرّاياتِ اهـ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا يُقْبَلُ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ، ياءُ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى مُذَكَّرٍ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾، ويَجُوزُ في كُلِّ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ المُذَكَّرِ لِأنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ هي الأصْلُ في الكَلامِ فَلا تَحْتاجُ إلى سَبَبٍ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ رَعْيًا لِتَأْنِيثِ لَفْظِ شَفاعَةٍ.
والشَّفاعَةُ: السَّعْيُ والوَساطَةُ في حُصُولِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ سَواءٌ كانَتِ الوَساطَةُ بِطَلَبٍ مِنَ المُنْتَفِعِ بِها أمْ كانَتْ بِمُجَرَّدِ سَعْيِ المُتَوَسِّطِ ويُقالُ لِطالِبِ الشَّفاعَةِ مُسْتَشْفِعٌ.
وهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ لِأنَّ الطّالِبَ أوِ التّائِبَ يَأْتِي وحْدَهُ فَإذا لَمْ يَجِدْ قَبُولًا ذَهَبَ فَأتى بِمَن يَتَوَسَّلُ بِهِ فَصارَ ذَلِكَ الثّانِي شافِعًا لِلْأوَّلِ أيْ مَصِيرُهُ شَفْعًا. والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ العِوَضُ والفِداءُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِأنَّ الفادِيَ يَعْدِلُ المَفْدِيَّ بِمِثْلِهِ في القِيمَةِ أوِ العَيْنِ ويُسَوِّيهِ بِهِ، يُقالُ عَدَلَ كَذا بِكَذا أيْ سَوّاهُ بِهِ. والنَّصْرُ هو إعانَةُ الخَصْمِ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ بِقُوَّةِ النّاصِرِ وغَلَبَتِهِ. وإنَّما قُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ المُفِيدِ أنَّ انْتِفاءَ نَصْرِهِمْ مُحَقَّقٌ زِيادَةً عَلى ما اسْتُفِيدَ مِن نَفْيِ الفِعْلِ مَعَ إسْنادِهِ لِلْمَجْهُولِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
وقَدْ كانَتِ اليَهُودُ تَتَوَهَّمُ أوْ تَعْتَقِدُ أنَّ نِسْبَتَهم إلى الأنْبِياءِ وكَرامَةَ أجْدادِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَجْعَلُهم في أمْنٍ مِن عِقابِهِ عَلى العِصْيانِ والتَّمَرُّدِ كَما هو شَأْنُ الأُمَمِ في إبّانِ جَهالَتِها وانْحِطاطِها وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلِاحْتِجاجِ لِقَوْلِهِمْ بِنَفْيِ الشَّفاعَةِ في أهْلِ الكَبائِرِ يَوْمَ القِيامَةِ لِعُمُومِ نَفْسٍ في سِياقِ النَّفْيِ المُقْتَضِي أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لا يُقْبَلُ مِنها الشَّفاعَةُ وهو عُمُومٌ لَمْ يَرِدْ ما يُخَصِّصُهُ عِنْدَهم. والمَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ وأصْحابِ الأشْعَرِيِّ.
واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلطّائِعِينَ والتّائِبِينَ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ في ذَلِكَ الأشاعِرَةُ والمُعْتَزِلَةُ فَهَذا اتِّفاقٌ عَلى تَخْصِيصِ العُمُومِ ابْتِداءً. والخِلافُ في الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ فَعِنْدَنا تَقَعُ الشَّفاعَةُ لَهم في حَظِّ السَّيِّئاتِ وقْتَ الحِسابِ أوْ بَعْدَ دُخُولِ جَهَنَّمَ لِما اشْتُهِرَ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ؛ قَوْلُهُ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ وقَدِ ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي» وغَيْرَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: إنَّ الأحادِيثَ في ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ كَما أشارَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ في نَقْلِ كَلامِهِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا شَفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِوُجُوهٍ مِنها الآياتُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ نَفْعِ الشَّفاعَةِ كَهاتِهِ الآيَةِ. وقَوْلِهِ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] قالُوا والمَعْصِيَةُ ظُلْمٌ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُرْتَضًى. ومِنها قَوْلُهُ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ [غافر: ٧] والجَوابُ عَنِ الجَمِيعِ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كُلِّهِ في الكافِرِينَ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ وأنَّ قَوْلَهُ ﴿لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] يَدُلُّ عَلى أنَّ هُنالِكَ إذْنًا في الشَّفاعَةِ كَما قالَ ﴿إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وإلّا لَكانَ الإسْلامُ مَعَ ارْتِكابِ بَعْضِ المَعاصِي مُساوِيًا لِلْكُفْرِ وهَذا لا تَرْضى بِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ وأمّا قَوْلُهُ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ [غافر: ٧] فَدُعاءٌ لا شَفاعَةٌ.
والظّاهِرُ أنِ الَّذِي دَعا المُعْتَزِلَةَ إلى إنْكارِ الشَّفاعَةِ مُنافاتُها لِخُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ في العَذابِ الَّذِي هو مَذْهَبُ جُمْهُورِهِمُ الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ واصِلِ بْنِ عَطاءٍ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بِمَعْنى إعْطاءِ العاصِي حُكْمَ المُسْلِمِ في الدُّنْيا وحُكْمَ الكافِرِ في الآخِرَةِ ولا شَكَّ أنَّ الشَّفاعَةَ تُنافِي هَذا الأصْلَ فَما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الآياتِ إنَّما هو لِقَصْدِ التَّأْبِيدِ ومُقابَلَةِ أدِلَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ بِأمْثالِها.
ولَمْ نَرَ جَوابَهم عَنْ حَدِيثِ الشَّفاعَةِ وأحْسَبُ أنَّهم يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ أخْبارَ الآحادِ لا تَنْقُضُ أُصُولَ الدِّينِ ولِذَلِكَ احْتاجَ القاضِي أبُو بَكْرٍ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ. والحَقُّ أنَّ المَسْألَةَ أعْلَقُ بِالفُرُوعِ مِنها بِالأُصُولِ لِأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ ولا بِصِفاتِهِ ولَوْ جارَيْناهم في القَوْلِ بِوُجُوبِ إثابَةِ المُطِيعِ وتَعْذِيبِ العاصِي، فَإنَّ الحِكْمَةَ تَظْهَرُ بِدُونِ الخُلُودِ وبِحُصُولِ الشَّفاعَةِ بَعْدَ المُكْثِ في العَذابِ، فَلَمّا لَمْ نَجِدْ في إثْباتِ الشَّفاعَةِ ما يَنْقُضُ أُصُولَهم فَنَحْنُ نَقُولُ لَهم: إلّا أنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ في تَقْدِيرِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ غَيْرِ التّائِبِ وهو يَتَلَقّى مِن قِبَلِ الشّارِعِ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ تَحْدِيدُ العَذابِ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ إلى حُصُولِ عَفْوِ اللَّهِ أوْ مَعَ الشَّفاعَةِ، ولَعَلَّ الشَّفاعَةَ تَحْصُلُ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى إنْهاءَ مُدَّةِ التَّعْذِيبِ.
وبَعْدُ فَمِن حَقِّ الحِكْمَةِ أنْ لا يَسْتَوِي الكافِرُونَ والعُصاةُ في مُدَّةِ العَذابِ ولا في مِقْدارِهِ، فَهَذِهِ قَوْلَةٌ ضَعِيفَةٌ مِن أقْوالِهِمْ حَتّى عَلى مُراعاةِ أُصُولِهِمْ، وقَدْ حَكى القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ إجْماعَ الأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ البِدَعِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في الآخِرَةِ، وهو حُقٌّ قالَ سَوادُ بْنُ قارِبٍ يُخاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
فَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوادِ بْنِ قارِبٍ

وأمّا الشَّفاعَةُ الكُبْرى العامَّةُ لِجَمِيعِ أهْلِ مَوْقِفِ الحِسابِ الوارِدِ فِيها الحَدِيثُ الصَّحِيحُ المَشْهُورُ؛ فَإنَّ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ لا تَأْباها.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ يُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا والمُماثِلِ لَهُ؛ ولِذَلِكَ جُعِلَ ما يُفْتَدى بِهِ عَنْ شَيْءٍ عَدْلًا وهو المُرادُ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فالمَعْنى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها﴾ ما تَفْتَدِي بِهِ عِوَضًا عَنْ جُرْمِها.
والنَّصْرُ هو إعانَةُ العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ ومُحارِبِهِ إمّا بِالدِّفاعِ مَعَهُ أوِ الهُجُومِ مَعَهُ فَهو في العُرْفِ مُرادٌ مِنهُ الدِّفاعُ بِالقُوَّةِ الذّاتِيَّةِ وأمّا إطْلاقُهُ عَلى الدِّفاعِ بِالحُجَّةِ نَحْوَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وعَلى التَّشَيُّعِ والِاتِّباعِ نَحْوَ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فَهو اسْتِعارَةٌ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {واتقوا يَوْماً} : «يوماً» مفعولٌ به، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: عذابَ يوم أو هولَ يوم، وأُجيز أن يكونَ منصوباً على الظرف، والمفعولُ محذوفٌ تقديره: واتقوا العذابَ في يومٍ صفتُه كَيْتَ وكَيْتَ، ومَنَع أبو البقاء كونَه ظرفاً، قال: «لأنَّ الأمر بالتقوى لا يقع في يوم القيامة» ، والجوابُ عَمَّا قاله: أن الأمرَ بالحَذَرِ من الأسبابِ المؤدِّيةِ إلى العذابِ في يومِ القيامةِ. وأصلُ اتَّقُوا: اوْتَقُوا، ففُعِل به ما تقدَّم في {تَتَّقُونَ} [البقرة: 22] .
قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} التنكيرُ في «نفسٌ» و «شيئاً» معناه أنَّ نفساً من الأنفس لا تَجْزي عن نفس مثلِها شيئاً من الأشياء، وكذلك في «شفاعةٌ» و «عدلٌ» ، والجملةُ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «يوماً» والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: لا تَجْزي فيه، ثم حُذِفَ الجارُّ والمجرورُ لأنَّ الظروفَ يُتَّسَعُ فيها ما لا يُتَّسَعُ في غيرِها، وهذا مذهبُ سيبويه. وقيل: بل حُذِفَ بعد حرفِ الجرِّ ووصولِ الفعل إليه فصار: «لا تَجْزيه» كقوله: 435 - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامِراً ... قليلٌ سوى الطَّعْنِ النِّهالِ نوافِلُهْ
ويُعْزى للأخفش، إلا أن المهدويَّ نَقَل أنَّ الوجهين المتقدمين جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج. ويَدُلُّ على حَذْفِ عائدِ الموصوفِ إذا كان منصوباً قولُه:
436 - وما أَدْري: أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءِ ... وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا
أي: أصابوه، ويجوز عند الكوفيين أن يكونَ التقديرُ: يوماً يومَ لا تَجْزي نفسٌ، فيصيرُ كقولهِ تعالى: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ} [الانفطار: 19] ، ويكونُ اليومُ الثاني بدلاً من «يوماً» الأولِ، ثم حُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه كقوله تعالى: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] ، وعلى هذا لا يُحتاج إلى تقديرِ عائدٍ لأنَّ الظرف متى أُضيف في الجملةِ بعدَه لم يُؤْتَ له فيها بضمير إلا في ضرورةٍ، كقوله:
437 - مَضَتْ مِئَةٌ لِعامَ وُلِدْتُ فيه ... وعَشْرٌ بعدَ ذاكَ وحِجَّتانِ
و {عَن نَّفْسٍ} متعلِّقٌ بتَجْزي، فهو في محلِّ نَصْب به، قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ نصباً على الحال» .
والجزاء: القضاءُ والمكافأةُ، قال الشاعر:
438 - يَجْزِيه ربُّ العرشِ عَنِّي إذْ جَزَى ... جناتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلَى
والإِجزاءُ: الإِغْناء والكِفاية، أَجْزَأَني كذا: كفاني، قال:
439 - وأجْزَأْتَ أمرَ العالمينَ ولم يكُنْ ... لِيُجْزَأَ إلا كاملٌ وابنُ كاملِ
قيل: وأَجْزَأْتُ وجَزَأْتُ متقاربان. وقيل: إنَّ الجزاء والإِجزاء بمعنى، تقول منه: جَزَيْتُه وأَجْزَيْته، وقد قُرئ: «تُجْزِئُ» بضمِّ حرفِ المضارعة من أَجْزَأ، وَجَزَأْتُ بكذا أي: اجتزَأْتُ به، قال الشاعر:
440 - فإنَّ الغَدْرَ في الأقوام عارٌ ... وإنَّ الحُرَّ يَجْزَأُ بالكُراعِ
أي: يَجْتَزِئ به.
قوله: «شيئاً» نصبٌ على المصدرِ، أي: شيئاً من الجزاء؛ لأن الجزاءَ شيءٌ، فَوُضِع العامُّ موضعَ الخاصِّ، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً به على أنَّ «تَجْزِي» بمعنى «تَقْضي» ، أي: لا تَقْضي [نفسٌ] من غيرِها شيئاً من الحقوقِ، والأولُ أظهَرُ.
قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} هذه الجملةُ عَطْفٌ على ما قبلها فهي صفةٌ أيضاً ل «يوماً» ، والعائدُ منها عليه محذوفٌ كما تقدَّم، أي: ولا يُقبل منها فيه شفاعةٌ. و «شفاعةٌ» مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه، فلذلك رُفِعَتْ، وقُرئ: «يُقْبَل» بالتذكير والتأنيثِ، فالتأنيثُ لِلَّفْظِ، والتذكيرُ لأنه مؤنثٌ مجازيٌّ، وحَسَّنَهُ الفصلُ. وقُرئ: «ولا يَقْبل» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى. و «شفاعةً» نصباً مفعولاً به. و {لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} صفةٌ أيضاً، والكلامُ فيه واضحٌ. و «منها» متعلِّقٌ ب «يُقْبل» و «يُؤْخذ» ، وأجاز أبو البقاء أن يكونَ نصباً على الحال، لأنه في الأصلِ صفةٌ لشفاعة وعدل، فلمَّا قُدِّم عليهما نُصِبَ على الحالِ، ويتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، وهذا غيرُ واضحٍ، فإنَّ المعنى مُنْصَبٌّ على تعلُّقِهِ بالفعلِ، والضميرُ في «منها» يعودُ على «نفس» الثانيةِ، لأنها أقربُ مذكور، ويجوز أن يعودَ على الأولى لأنها هي المُحَدَّث عنها، ويجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ الأول على الأولى وهي النفسُ الجازية، والثاني يعودُ على الثانية وهي المَجْزِيُّ عنها، وهذا مناسِبٌ.
والشفاعةُ مشتقةٌ من الشَّفْع، وهو الزوجُ، ومنه: الشُّفْعَةُ، لأنها ضَمُّ مِلْكٍ إلى غيره، والشافعُ والمشفوعُ له، لأنَّ كلاًّ منهما يُزَوِّجُ نفسَه بالآخر، وناقةٌ شَفُوع: تَجْمَع بين مَحْلَبَيْنِ في حَلْبةٍ واحدةٍ، وناقةٌ شافِع إذا اجتمع لها حَمْلٌ وولدٌ يَتْبَعُها، والعَدْل بالفتح الفِداء، وبالكسر المِثْل، يقال: عَدْل وعَدِيل. وقيل: «عَدْل» بالفتح المساوي للشيء قيمةً وقَدْراً، وإنْ لم يكنْ جنسه، وبالكسر: المساوي له في جنسهِ وجِرْمه، وحكى الطبري أنَّ من العرب مَنْ يكسِر الذي بمعنى الفِداء، والأولُ أشهرُ، وأمّا عِدْل واحد الأَعْدال فهو بالكسر لا غيرُ.
قوله: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} جملةٌ من مبتدأ وخبر، معطوفةٌ على ما قبلَها وإنما أُتي هنا بالجملةِ مصدرةً بالمبتدأ مُخْبَراً عنه بالمضارعِ تنبيهاً على المبالغةِ والتأكيدِ في عَدَمِ النُّصْرة. والضميرُ في قوله «ولا هُمْ» يعود على النفس؛ لأنَّ المرادَ بها جنسُ الأنفس، وإنما عادَ الضميرُ مذكَّراً وإن كانَتِ النفسُ مؤنثةً لأنَّ المراد بها العِبادُ والأناسيُّ. قال الزمخشري: «كما تقول ثلاثةُ أنفسٍ» يعني: إذا قُصِد بها الذكورُ، كقوله:
441 - ثلاثةُ أَنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولكنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه ضرورةٌ، فالأَوْلى أن يعودَ على الكفارِ الذين اقتضَتْهُمُ الآيةُ كما قال ابنُ عطية.
والنَّصْرُ: العَوْنُ، والأنصار: الأعوان، ومنه: {مَنْ أنصاري إِلَى الله} [آل عمران: 52] والنصر أيضاً: الانتقامُ، انتصر زيد أي: انتقم. والنَّصْرُ أيضاً: الإِتيان نَصَرْتُ أرضَ بني فلان أتيتُها، قال الشاعر:
442 - إذا دَخَلَ الشهرُ الحرامُ فودِّعي ... بلاد تميمٍ وانصُري أرضَ عامرِ
وهو أيضاً: العَطاءُ، قال الراجز:
443 - إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْراً ... لَقائِلٌ يا نصرُ نَصْرٌ نَصْرا
ويتعَدَّى ب «على» ، قال: {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} [البقرة: 286] ، وأمَّا قولُه: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم} [الأنبياء: 77] فيحتَمِل التعدِّيَ ب «مِنْ» ويَحْتمل أن يكونَ من التضمين أي: نَصَرْناه بالانتقام له منهم.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
عدل
العَدَالَةُ والمُعَادَلَةُ: لفظٌ يقتضي معنى المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، والعَدْلُ والعِدْلُ يتقاربان، لكن العَدْلُ يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ [المائدة : 95] ، والعِدُل والعَدِيلُ فيما يدرك بالحاسّة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعَدْلُ هو التّقسيط على سواء، وعلى هذا روي: «بالعَدْلِ قامت السّموات والأرض» تنبيها أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدا على الآخر، أو ناقصا عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظما.
والعَدْلُ ضربان: مطلق: يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا، ولا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو: الإحسان إلى من أحسن إليك، وكفّ الأذيّة عمّن كفّ أذاه عنك.
وعَدْلٌ يُعرَف كونه عَدْلًا بالشّرع، ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأزمنة، كالقصاص وأروش الجنايات، وأصل مال المرتدّ. ولذلك قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة : 194] ، وقال: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى : 40] ، فسمّي اعتداء وسيئة، وهذا النحو هو المعنيّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل : 90] ، فإنّ العَدْلَ هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه، والشرّ بأقلّ منه، ورجلٌ عَدْلٌ: عَادِلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، يقال في الواحد والجمع، قال الشاعر:
311- فهم رضا وهم عَدْلٌ وأصله مصدر كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق : 2] ، أي: عَدَالَةٍ. قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى : 15] ، وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ [النساء : 129] ، فإشارة إلى ما عليه جبلّة النّاس من الميل، فالإنسان لا يقدر على أن يسوّي بينهنّ في المحبّة، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء : 3] ، فإشارة إلى العَدْلِ الذي هو القسم والنّفقة، وقال: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة : 8] ، وقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ [المائدة : 95] ، أي: ما يُعَادِلُ من الصّيام الطّعام، فيقال للغذاء: عَدْلٌ إذا اعتبر فيه معنى المساواة. وقولهم: «لا يقبل منه صرف ولا عَدْلٌ» فالعَدْلُ قيل: هو كناية عن الفريضة، وحقيقته ما تقدّم، والصّرف: النّافلة، وهو الزّيادة على ذلك فهما كالعَدْلِ والإحسان. ومعنى أنه لا يقبل منه أنه لا يكون له خير يقبل منه، وقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام : 1] ، أي: يجعلون له عَدِيلًا فصار كقوله: ﴿هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل : 100] ، وقيل: يَعْدِلُونَ بأفعاله عنه وينسبونها إلى غيره، وقيل: يَعْدِلُونَ بعبادتهم عنه تعالى، وقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل : 60] ، يصحّ أن يكون من قولهم: عَدَلَ عن الحقّ: إذا جار عُدُولًا، وأيّام مُعْتَدِلَاتٌ: طيّبات لِاعْتِدَالِهَا، وعَادَلَ بين الأمرين: إذا نظر أيّهما أرجح، وعَادَلَ الأمرَ: ارتبك فيه، فلا يميل برأيه إلى أحد طرفيه، وقولهم: (وضع على يدي عَدْلٍ) فمثل مشهور.