(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ٤٩
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ نِعْمَتِيَ فَيُجْعَلُ إذْ مَفْعُولًا بِهِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَهو هُنا اسْمُ زَمانٍ غَيْرُ ظَرْفٍ لِفِعْلٍ والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ نَجَّيْناكم، ولَمّا غَلَبَتْ إضافَةُ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ وكانَ مَعْنى الجُمْلَةِ بَعْدَها في مَعْنى المَصْدَرِ وكانَ التَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكم. وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِأنَّ في الإتْيانِ بِإذِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجُمْلَةِ اسْتِحْضارًا لِلتَّكْوِينِ العَجِيبِ المُسْتَفادِ مِن هَيْئَةِ الفِعْلِ لِأنَّ الذِّهْنَ إذا تَصَوَّرَ المَصْدَرَ لَمْ يَتَصَوَّرْ إلّا مَعْنى الحَدَثِ وإذا سَمِعَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ تَصَوَّرَ حُدُوثَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ومُتَعَلِّقاتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً فَنَشَأتْ مِن ذَلِكَ صُورَةٌ عَجِيبَةٌ. فَوِزانُ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ المُفْرِدَةِ، ووِزانُ الإتْيانِ بِالفِعْلِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ولَيْسَ هو عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ اذْكُرُوا كَما وقَعَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ إذْ ظَرْفًا فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا وهو لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ولا يُفِيدُهُ حَرْفُ العَطْفِ لِأنَّ العاطِفَ في عَطْفِ الجُمَلِ لا يُفِيدُ سِوى التَّشْرِيكِ في حُكْمِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَ نائِبًا مَنابَ عامِلٍ، ولا يُرِيبُكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي وإذْ نَجَّيْناكم بِجُمْلَةِ واتَّقُوا يَوْمًا فَتَظُنُّهُ مَلْجَأً لِاعْتِبارِ العَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ لَمّا عَلِمْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ قَوْلَهُ واتَّقُوا ناشِئٌ عَنِ التَّذْكِيرِ فَهو مِن عَلائِقِ الكَلامِ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ النُّحاةِ ما يَقْتَضِي امْتِناعَ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنَ لَيْسا بِمَرْتَبَةِ الِاتِّصالِ كالعامِلِ والمَعْمُولِ، وعَدّى فِعْلَ أنْجَيْنا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ التَّنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ تَنْجِيَةٌ لِلْخَلَفِ فَإنَّهُ لَوْ بَقِيَ أسْلافُهم في عَذابِ فِرْعَوْنَ لَكانَ ذَلِكَ لاحِقًا لِأخْلافِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَتْ مِنَّةُ التَّنْجِيَةِ مِنَّتَيْنِ: مِنَّةٌ عَلى السَّلَفِ ومِنَّةٌ عَلى الخَلَفِ فَوَجَبَ شُكْرُها عَلى كُلِّ جِيلٍ مِنهم ولِذَلِكَ أوْجَبَتْ عَلَيْهِمْ شَرِيعَتُهُمُ الِاحْتِفالَ بِما يُقابِلُ أيّامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ مِن أيّامِ كُلِّ سَنَةٍ وهي أعْيادُهم وقَدْ قالَ اللَّهُ لِمُوسى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وآلُ الرَّجُلِ أهْلُهُ. وأصِلُ آلٍ أهْلٌ، قُلِبَتْ هاؤُهُ هَمْزَةً تَخْفِيفًا لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مَدًّا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أهْلٌ رُجُوعُ الهاءِ في التَّصْغِيرِ إذْ قالُوا أُهَيْلٌ ولَمْ يُسْمَعْ أُوَيْلٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ.
والأهْلُ والآلُ يُرادُ بِهِ الأقارِبُ والعَشِيرَةُ والمَوالِي وخاصَّةً الإنْسانُ وأتْباعُهُ. والمُرادُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وزَعَتُهُ ووُكَلاؤُهُ، ويَخْتَصُّ الآلُ بِالإضافَةِ إلى ذِي شَأْنٍ وشَرَفٍ دُنْيَوِيٍّ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَلا يُقالُ آلُ الجانِي ولا آلُ مَكَّةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في الدُّنْيا عَظِيمًا وكانَ الخِطابُ مُتَعَلِّقًا بِنَجاةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مِن عَظِيمٍ في الدُّنْيا أُطْلِقَ عَلى أتْباعِهِ آلٌ فَلا تَوَقُّفَ في ذَلِكَ حَتّى يُحْتاجَ لِتَأْوِيلِهِ بِقَصْدِ التَّهَكُّمِ كَمّا أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] لِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِكَلامٍ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ وفِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ مُحَقَّرٌ، هَلَكَ عَنْهُ سُلْطانُهُ.
فَإنْ قُلْتَ: إنْ كَلِمَةَ أهْلٍ تُطْلَقُ أيْضًا عَلى قَرابَةِ ذِي الشَّرَفِ لِأنَّها الِاسْمُ المُطْلَقُ فَلِماذا لَمْ يُؤْتَ بِها هُنا حَتّى لا يُطْلَقَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ ما فِيهِ تَنْوِيهٌ بِهِمْ ؟ قُلْتُ: خُصُوصِيَّةُ لَفْظِ آلٍ هَنا أنَّ المَقامَ لِتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ وتَوْفِيرِ حَقِّ الشُّكْرِ، والنِّعْمَةُ تَعْظُمُ بِما يَخِفُّ بِها فالنَّجاةُ مِنَ العَذابِ وإنْ كانَتْ نِعْمَةً مُطْلَقًا إلّا أنَّ كَوْنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ ذِي قُدْرَةٍ ومَكانَةٍ أعْظَمُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَنْفَلِتُ مِنهُ أحَدٌ
ولا قَرارَ عَلى زَأْرٍ مِنَ الأسَدِ
وإنَّما جُعِلَتِ النَّجاةُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ولَمْ تُجْعَلْ مِن فِرْعَوْنَ مَعَ أنَّهُ الآمِرُ بِتَعْذِيبِ بَنِي إسْرائِيلَ تَعْلِيقًا لِلْفِعْلِ بِمَن هو مِن مُتَعَلِّقاتِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَقِيقَةِ العَقْلِيَّةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الوَزَعَةَ والمُكَلَّفِينَ بِبَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ المَأْمُورَ بِهِ في الإعْناتِ عَلى عادَةِ المُنَفِّذِينَ فَإنَّهم أقَلُّ رَحْمَةً وأضْيَقُ نُفُوسًا مِن وُلاةِ الأُمُورِ كَما قالَ الرّاعِي يُخاطِبُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
إنَّ الَّذِينَ أمَرْتَهم أنْ يَعْدِلُوا
لَمْ يَفْعَلُوا مِمّا أمَرْتَ فَتِيلا. جاءَ في التّارِيخِ أنَّ مَبْدَأ اسْتِقْرارِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ كانَ سَبَبُهُ دُخُولَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي تَرْبِيَةِ العَزِيزِ طِيفارَ كَبِيرِ شُرَطِ فِرْعَوْنَ، وكانَتْ مِصْرُ مُنْقَسِمَةً إلى قِسْمَيْنِ مِصْرُ العُلْيا الجَنُوبِيَّةُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالصَّعِيدِ لِحُكْمِ فَراعِنَةٍ مِنَ القِبْطِ وقاعِدَتُها طِيوَةُ، ومِصْرُ السُّفْلى وهي الشَّمالِيَّةُ وقاعِدَتُها مَنفِيسُ وهي القاعِدَةُ الكُبْرى الَّتِي هي مَقَرُّ الفَراعِنَةِ وهَذِهِ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْها العَمالِقَةُ مِنَ السّامِيِّينَ أبْناءِ عَمِّ ثَمُودَ وهُمُ الَّذِينَ يُلَقَّبُونَ في التّارِيخِ المِصْرِيِّ بِالرُّعاةِ الرَّحّالِينَ وبِالهِكْصُوصِ في سَنَةِ ٣٣٠٠ أوْ سَنَةِ ١٩٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ عَلى خِلافٍ ناشِئٍ عَنِ الِاخْتِلافِ في مُدَّةِ بَقائِهِمْ بِمِصْرَ الَّذِي انْتَهى سَنَةَ ١٧٠٠ ق م، عِنْدَ ظُهُورِ العائِلَةِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
فَكانَ يُوسُفُ عِنْدَ رَئِيسِ شُرَطِ فِرْعَوْنَ العِمْلِيقِيِّ، واسْمُ فِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ أبُوفِيسَ أوْ أُبَيْبِي وأهْلُ القَصَصِ ومَن تَلَقَّفَ كَلامَهم مِنَ المُفَسِّرِينَ سَمَّوْهُ رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ وهَذا مِن أوْهامِهِمْ وكانَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ ١٧٣٩ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ثُمَّ كانَتْ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ مِصْرَ بِسَبَبِ تَنَقُّلِ يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ إلى مِصْرَ حِينَ ظَهَرَ أمْرُ يُوسُفَ وصارَ بِيَدِهِ حُكْمُ المَمْلَكَةِ المِصْرِيَّةِ السُّفْلى.
وكانَتْ مُعاشَرَةُ الإسْرائِيلِيِّينَ لِلْمِصْرِيِّينَ حَسَنَةً زَمَنًا طَوِيلًا غَيْرَ أنَّ الإسْرائِيلِيِّينَ قَدْ حافَظُوا عَلى دِينِهِمْ ولُغَتِهِمْ وعاداتِهِمْ فَلَمْ يَعْبُدُوا آلِهَةَ المِصْرِيِّينَ وسَكَنُوا جَمِيعًا بِجِهَةٍ يُقالُ لَها أرْضُ جاسانَ ومَكَثَ الإسْرائِيلِيُّونَ عَلى ذَلِكَ نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ تَغَلَّبَ في خِلالِها مُلُوكُ المِصْرِيِّينَ عَلى مُلُوكِ العَمالِقَةِ وطَرَدُوهم مِن مِصْرَ حَتّى ظَهَرَتْ في مِصْرَ العائِلَةُ التّاسِعَةُ عَشْرَةَ ومَلَكَ مُلُوكُها جَمِيعَ البِلادِ المِصْرِيَّةِ ونَبَغَ فِيهِمْ رَمْسِيسُ الثّانِي المُلَقَّبُ بِالأكْبَرِ في حُدُودِ سَنَةِ ١٣١١ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ مُحارِبًا باسِلًا وثارَتْ في وجْهِهِ المَمالِكُ الَّتِي أخْضَعَها أبُوهُ ومِنهُمُ الأُمَمُ الكائِنَةُ بِأطْرافِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَحَدَثَتْ أسْبابٌ أوْ سُوءُ ظُنُونٍ أوْجَبَتْ تَنَكُّرَ القِبْطِ عَلى الإسْرائِيلِيِّينَ وكَلَّفُوهم أشَقَّ الأعْمالِ وسَخَّرُوهم في خِدْمَةِ المَزارِعِ والمَبانِي وصُنْعِ الآجُرِّ. وتَقُولُ التَّوْراةُ إنَّهم بَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَةَ مَخازِنَ (فِيثُومَ) ومَدِينَةَ رَعْمِسِيسَ ثُمَّ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ الإسْرائِيلِيُّونَ أعْوانًا لِأعْدائِهِ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِاسْتِئْصالِهِمْ وكَأنَّهُ اطَّلَعَ عَلى مُساعَدَةٍ مِنهم لِأبْناءِ نَسَبِهِمْ مِنَ العَمالِقَةِ والعَرَبِ فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ أبْنائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وتَسْخِيرِ كِبارِهِمْ ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِما رَأى مِنهم مِنَ التَّنَكُّرِ، أوْ لِأنَّ القِبْطَ لَمّا أفْرَطُوا في اسْتِخْدامِ العِبْرانِيِّينَ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ إنِ اخْتَلَطَتْ جُيُوشُهُ في حَرْبٍ لا يَسْلَمُ مِن ثَوْرَةِ الإسْرائِيلِيِّينَ فَأمَرَ بِاسْتِئْصالِهِمْ. وأمّا ما يَحْكِيهِ القَصّاصُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ أخْبَرَهُ كاهِنٌ أنَّ ذَهابَ مُلْكِهِ يَكُونُ عَلى يَدِ فَتًى مِن إسْرائِيلَ فَلا أحْسَبُهُ صَحِيحًا إذْ يَبْعُدُ أنْ يُرَوَّجَ مِثْلُ هَذا عَلى رَئِيسِ مَمْلَكَةٍ فَيُفْنِي بِهِ فَرِيقًا مِن رَعاياهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الكَهَنَةُ قَدْ أغْرَوْا فِرْعَوْنَ بِاليَهُودِ قَصْدًا لِتَخْلِيصِ المَمْلَكَةِ مِنَ الغُرَباءِ أوْ تَفَرَّسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ سُوءَ النَّوايا فابْتَكَرُوا ذَلِكَ الإنْباءَ الكَهَنُوتِيَّ لِإقْناعِ فِرْعَوْنَ، بِوُجُوبِ الحَذَرِ مِنَ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَعَلَّ ذَبْحَ الأبْناءِ كانَ مِن فِعْلِ المِصْرِيِّينَ اسْتِخْفافًا بِاليَهُودِ، فَكانُوا يَقْتُلُونَ اليَهُودِيَّ في الخِصامِ القَلِيلِ كَما أنْبَأتْ بِذَلِكَ آيَةُ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] والحاصِلُ أنَّ التّارِيخَ يُفِيدُ عَلى الإجْمالِ أنَّ عَداوَةً عَظِيمَةً نَشَأتْ بَيْنَ القِبْطِ واليَهُودِ آلَتْ إلى أنِ اسْتَأْصَلَ القِبْطُ الإسْرائِيلِيِّينَ.
ولَقَدْ أبْدَعَ القُرْآنُ في إجْمالِها إذْ كانَتْ تَفاصِيلُ إجْمالِها كَثِيرَةً لا يَتَعَلَّقُ غَرَضُ التَّذْكِيرِ بِبَيانِها.
وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَحْصُلُ بِها بَيانُ ما وقَعَ الإنْجاءُ مِنهُ وهو العَذابُ الشَّدِيدُ الَّذِي كانَ الإسْرائِيلِيُّونَ يُلاقُونَهُ مِن مُعامَلَةِ القِبْطِ لَهم.
ومَعْنى يَسُومُونَكم يُعامِلُونَكم مُعامَلَةَ المَحْقُوقِ بِما عُومِلَ بِهِ. يُقالُ سامَهُ خَسْفًا إذا أذَلَّهُ واحْتَقَرَهُ فاسْتَعْمَلَ سامَ في مَعْنى أنالَ وأعْطى ولِذَلِكَ يُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ لَيْسَ أصْلَهُما المُبْتَدَأ والخَبَرَ. وحَقِيقَةُ سامَ عَرَضَ السَّوْمَ أيِ الثَّمَنَ.
وسُوءَ العَذابِ أشَدَّهُ وأفْظَعَهُ وهو عَذابُ التَّسْخِيرِ والإرْهاقِ وتَسْلِيطِ العِقابِ الشَّدِيدِ بِتَذْبِيحِ الأبْناءِ وسَبْيِ النِّساءِ والمَعْنى يُذَبِّحُونَ أبْناءَ آبائِكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَ قَوْمِكُمُ الأوَّلِينَ.
والمُرادُ مِنَ الأبْناءِ قِيلَ أطْفالُ اليَهُودِ وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ الرِّجالُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِالنِّساءِ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِأحْوالِ الأُمَمِ إذِ المَظْنُونُ أنَّ المَحْقَ والِاسْتِئْصالَ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ الكِبارُ، ولِأنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ الآيَةُ سَكَتَتْ عَنِ الرِّجالِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهم كانُوا يُذَبِّحُونَ الصِّغارَ قَطْعًا لِلنَّسْلِ ويَسْبُونَ الأُمَّهاتِ اسْتِعْبادًا لَهُنَّ ويُبْقُونَ الرِّجالَ لِلْخِدْمَةِ حَتّى يَنْقَرِضُوا عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.
وإبْقاءُ الرِّجالِ في مِثْلِ هاتِهِ الحالَةِ أشَدُّ مِن قَتْلِهِمْ. أوْ لَعَلَّ تَقْصِيرًا ظَهَرَ مِن نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ مُرْضِعاتِ الأطْفالِ ومُرَبِّياتِ الصِّغارِ وكانَ سَبَبُهُ شَغْلَهُنَّ بِشُئُونِ أبْنائِهِنَّ فَكانَ المُسْتَعْبِدُونَ لَهم إذا غَضِبُوا مِن ذَلِكَ قَتَلُوا الطِّفْلَ.
والِاسْتِحْياءُ اسْتِفْعالٌ يَدُلُّ عَلى الطَّلَبِ لِلْحَياةِ أيْ يُبْقُونَهُنَّ أحْياءً أوْ يَطْلُبُونَ حَياتَهُنَّ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ هُنا في مَعْرِضِ التَّذْكِيرِ بِما نالَهم مِنَ المَصائِبِ أنَّ هَذا الِاسْتِحْياءَ لِلْإناثِ كانَ المَقْصِدُ مِنهُ خَبِيثًا وهو أنْ يَعْتَدُوا عَلى أعْراضِهِنَّ ولا يَجِدْنَ بُدًّا مِنَ الإجابَةِ بِحُكْمِ الأسْرِ والِاسْتِرْقاقِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم كِنايَةً عَنِ اسْتِحْياءٍ خاصٍّ ولِذَلِكَ أُدْخِلَ في الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِحْياءِ ظاهِرَهُ لَما كانَ وجْهٌ لِعَطْفِهِ عَلى تِلْكَ المُصِيبَةِ.
وقِيلَ إنَّ الِاسْتِحْياءَ مِنَ الحَياءِ وهو الفَرْجُ أيْ يُفَتِّشُونَ النِّساءَ في أرْحامِهِنَّ لِيَعْرِفُوا هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وأحْسَنُ مِنهُ أنْ لَوْ قالَ إنَّهُ كِنايَةٌ كَما ذَكَرْنا آنِفًا.
وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ أنَّ فِرْعَوْنَ أوْصى القَوابِلَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ. وجُمْلَةُ ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ فَيَكُونُ المُرادُ مِن سُوءِ العَذابِ هُنا خُصُوصَ التَّذْبِيحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وهو ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم لِما عَرَفْتَ فَكِلاهُما بَيانٌ لِسُوءِ العَذابِ فَكانَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ لا يُعْتَدُّ بِهِ تُجاهَ هَذا. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ بَدَلِ البَعْضِ تَخْصِيصًا لِأعْظَمِ أحْوالِ سُوءِ العَذابِ بِالذِّكْرِ وهَذا هو الَّذِي يُطابِقُ آيَةَ سُورَةِ إبْراهِيمَ الَّتِي ذُكِرَ فِيها ﴿ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] بِالعَطْفِ عَلى سُوءَ العَذابِ ولَيْسَ قَوْلُهُ ويَسْتَحْيُونَ مُسْتَأْنِفًا لِإتْمامِ تَفْصِيلِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بَلْ هو مِن جُمْلَةِ البَيانِ أوِ البَدَلِ لِلْعَذابِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] فَعَقَّبَ الفِعْلَيْنِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ.
والبَلاءُ: الِاخْتِبارُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ حَقِيقَتُهُ بَلاءُ التَّوْبِ بِفَتْحِ الباءِ مَعَ المَدِّ وبِكَسْرِها مَعَ القَصْرِ وهو تَخَلُّقُهُ وتَرَهُّلُهُ ولَمّا كانَ الِاخْتِبارُ يُوجِبُ الضَّجَرَ والتَّعَبَ سُمِّيَ بَلاءً كَأنَّهُ يَخْلُقُ النَّفْسَ، ثُمَّ شاعَ في اخْتِبارِ الشَّرِّ لِأنَّهُ أكْثَرُ إعْناتًا لِلنَّفْسِ، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ إذا أُطْلِقَ أنْ يَكُونَ لِلشَّرِّ فَإذا أرادُوا بِهِ الخَيْرَ احْتاجُوا إلى قَرِينَةٍ أوْ تَصْرِيحٍ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم ∗∗∗ وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
فَيُطْلَقُ غالِبًا عَلى المُصِيبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالعَبْدِ لِأنَّ بِها يُخْتَبَرُ مِقْدارُ الصَّبْرِ والأناةِ والمُرادُ هُنا المُصِيبَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (عَظِيمٌ) . وقِيلَ أرادَ بِهِ الإنْجاءَ والبَلاءَ بِمَعْنى اخْتِبارِ الشُّكْرِ وهو بَعِيدٌ هُنا.
وتَعَلَّقَ الإنْجاءُ بِالمُخاطَبِينَ لِأنَّ إنْجاءَ سَلَفِهِمْ إنْجاءٌ لَهم فَإنَّهُ لَوْ أبْقى سَلَفَهم هُنالِكَ لَلَحِقَ المُخاطَبِينَ سُوءُ العَذابِ وتَذْبِيحُ الأبْناءِ. أوْ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ نَجَّيْنا آباءَكم، أوْ هو تَعْبِيرٌ عَنِ الغائِبِ بِضَمِيرِ الخِطابِ إمّا لِنُكْتَةِ اسْتِحْضارِ حالِهِ وإمّا لِكَوْنِ المُخاطَبِينَ مِثالَهم وصُورَتَهم فَإنَّ ما يَثْبُتُ مِنَ الفَضائِلِ لِآباءِ القَبِيلَةِ يَثْبُتُ لِأعْقابِهِمْ فالإتْيانُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى حَدِّ ما يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] فالخِطابُ لَيْسَ بِالتِفاتٍ لِأنَّ اعْتِبارَ أحْوالِ القَبائِلِ يُعْتَبَرُ لِلْخَلَفِ ما ثَبَتَ مِنهُ لِلسَّلَفِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} : «إذْ» في موضعِ نصبٍ عطفاً على «نعمتي» ، وكذلك الظروفُ التي بعده نحو: « وإذا واعَدْنا» «وإذا قُلتم» . وقُرئ: «أَنْجَيْتُكُم» على التوحيدِ، وهذا خطابٌ للموجودين في زمن الرسول عليه السلام، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: أَنْجَيْنا آباءكم، نحو: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية} [الحاقة: 11] أو لأنَّ إنجاءَ الآباء سببٌ في وجودِ الأبناءِ. وأصلُ الإِنجاءِ والنجاةِ الإِلقاءُ على نَجْوَةٍ من الأرضِ، وهي المُرتفعُ منها لِيَسْلَمَ من الآفات، ثم أُطلِقَ الإِنجاء على كل فائزٍ وخارجٍ من ضيق إلى سَعَة وإن لم يُلْقَ على نَجْوة.
و «من آلِ» متعلِّقٌ به، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ. و «آل» اختُلِف فيه على ثلاثةِ أقوال، قال سيبويه وأتباعُه: إنَّ أصلَه أَهْلٌ، فأُبْدِلَتِ الهاءُ همزةً لقُربها منها، كما قالوا: ماء وأصلُه: ماه، ثم أُبْدِلَتِ الهمزةُ ألفاً، لسكونِها بعد همزةٍ مفتوحةٍ نحو: آمَنَ وآدَم، ولذلك إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصله فتقول: أُهَيْل. قال أبو البقاء: «وقال بعضُهم: أُوَيْل، فأُبدلت الألفُ واواً، ولَم يَرُدَّه إلى أصله، كما لَم يَرُدُّّوا» عُيَيَدْ «إلى أصله في التصغير» . يعني فلم يقولوا «عُوَيد» لأنه من عاد يعود، قالوا: لئلا يلتبسَ بعُود الخَشَب. وفي هذا نظر، لأنَّ النحْويين قالوا: مَنِ اعتقد كونَه من «أهل» صَغَّره على أُهَيْل، ومَنِ اعتقد كونَه من آل يَؤُولُ أي رَجَع صغَّره على أُوَيْل. وذهب النحاس إلى أنَّ أصلَه «أَهْلَ» أيضاً، إلا أنه قَلَب الهاءَ ألفاً من غير أَنْ يَقْلِبَها أولاً همزة، وتصغيرُه عنده على أُهَيْل. وقال الكسائي: أُوَيْل، قد تقدَّم ما فيه. ومنهم مَنْ قال: أصلُه مشتقٌّ من آل يَؤُول، أي: رَجَع، لأن الإِنسان يَرْجِع إلى آله، فتحرَّكَتِ الواوُ وانفَتَح ما قبلَها فقُلِبَتْ ألفاً، وتصغيرُه على أُوَيْل نحو: مال ومُوَيل وباب وبُوَيْب، ويُعْزى هذا للكسائي. وجمعه آلون وآلين وهو شاذٌّ كأهلِين لأنه ليس بصفةٍ ولا عَلَمٍ. واختُلِف فيه: فقيل: «آلُ الرجل» قرابتُه كأهلِه، وقيل: مَنْ كان مِنْ شيعتِه، وإن لم قريباً منه وقيل: مَنْ كان تابعاً له وعلى دينِه وإنْ لم يكنْ قريباً منه، قال:
444 - فلاَ تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ ... عليٌّ وعَبَّاسٌ وآلُ أبي بَكْرِ
ولهذا قيل: [إن] آلَ النبي مَنْ آمَنَ به إلى آخرِ الدهرِ، ومَنْ لم يُؤْمِنْ به فليس بآلِه، وإن كان نسبياً له، كأبي لهب وأبي طالب. واختَلَفَ فيه النحاة: هل يُضاف إلى المضمر أم لا؟ فذهبَ الكسائي وأبو بكر الزبيدي والنحاس إلى أنَّ ذلك لا يجوزُ، فلا يجوز: اللهم صلِّ على محمدٍ وآلهِ، بل: وعلى آلِ محمد، وذهبَ جماعةٌ منهم [ابنُ] السِّيد إلى جوازه، واستدلَّ بقولِه عليه السلام، لمَّا سُئِل فقيل: يا رسولَ الله مَنْ آلُكَ؟ فقال:«آلي كلُّ تقيّ إلى يوم القيامة» وأنشدوا قولَ أبي طالب:
445 - لا هُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ ... نَعُ رَحْله فامنَعْ حَلالَكْ
وانصُرْ على آل الصَّلي ... ب وعابِديه اليومَ آلَكْ
وقول نُدْبة:
446 - أنا الفارسُ الحامي حقيقةَ والدي ... وآلي كما تَحْمي حقيقةَ آلِكا
واختلفوا أيضاً فيه: هل يُضافُ إلى غيرِ العقلاءِ فيُقال: آلُ المدينةِ وآلُ مكةَ؟ فمنعَه الجمهورُ، وقال الأخفش: قد سَمِعْنَاه في البلدان قالوا: أهلُ المدينةِ وآلُ المدينة، ولا يُضاف إلاَّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطَرٌ، فلا يُقال: آلُ الإِسكاف ولا آلُ الحَجَّام، وهو من الأسماءِ اللازمة للإِضافة معنى لا لفظاً، وقد عَرَفْتَ ما اختصَّ به من الأحكامِ دونَ أصلِه الذي هو «أَهْل» .
هذا كلُّه في «آل» مراداً به الأهلُ، أمَّا «آل» الذي هو السَّراب فليس مِمَّا نَحْنُ فيه في شيء، وجَمْعُه أَأْوال، وتصغيرُه أُوَيْل ليس إلاَّ، نحوُ: مال وأَمْوال ومُوَيْل.
قوله: «فِرْعَون» خفضٌ بالإِضافةِ، ولكنه لا يَنْصَرِفُ للعُجْمة والتعريف. واختُلِفَ فيه: هل هو علمُ شخصٍ أو علمُ جنسٍ، فإنه يُقال لكلِّ مَنْ مَلَك القِبْطَ ومصرَ: فرعون، مثلَ كِسْرى لَكَلِّ مَنْ مَلَك الفرس، وقيصرُ لكلِّ مَنْ مَلَك الروم، والقَيْلُ لكلِّ مَنْ مَلَكَ حميرَ، والنجاشي لكلِّ مَنْ مَلَكَ الحبشةَ، وَبَطْلَيْموس لكلِّ مَنْ مَلَكَ اليونان. قال الزمخشري: «وفرعونُ عَلَمٌ لِمَنْ مَلَك العمالقة كقيصر للروم، ولعُتُوِّ الفراعِنَة اشتقُّوا منه: تَفَرْعَنَ فلانٌ إذا عَتا وَتَجَبَّر، وفي مُلْحِ بعضم.
447 - قد جاءَهْ الموسى الكَلُومُ فَزَاد في ... أَقْصَى تَفَرْعُنِه وفَرْطِ عُرَامِه
وقال المسعودي:» لا يُعْرَفُ لِفرْعَوْنَ تفسيرٌ بالعربيةِ «، و [ظاهر] كلامِ الجَوْهري أنَّه مشتقٌّ مِنْ معنى العُتُوِّ، فإنه قال:» والعُتاة الفَرَاعِنة، وقد تَفَرْعَنَ وهو ذو فَرْعَنةٍ أي: دهاءٍ ومكرٍ «. وفي الحديث:» أَخَذْنا فِرْعونَ هذه الأمَّةِ «إلاَّ أنْ يريدَ معنى ما قاله الزمخشري المتقدم.
قولُه:» يَسُومونكم «سوءَ العذابِ» هذه الجملةُ في محلِّ نصب على الحالِ مِنْ «آل» حالَ كونِهم سائِمين. ويجوز أَنْ تكونَ مستأنفةً لمجردِ الإِخْبارِ بذلك، وتكون حكايةَ حالٍ ماضيةٍ، قال بمعناه ابن عطية، وليس بظاهر. وقيل: هي خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هم يَسُومونكم، ولا حاجةَ إليه أيضاً. و «كم» مفعولٌ أولُ، و «سوء» مفعولٌ ثانٍ، لأنَّ «سام» يتعدَّى لاثنين كأعطى ومعناه: أَوْلاهُ كذا وأَلْزمه إياه أو كلَّفه إياه، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم:
448 - إذا ما المَلْكُ سامَ الناسَ خَسْفاً ... أَبَيْنا أَنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا
قال الزمخشري: «وأصلُهُ مِنْ سَام السِّلْعَةَ إذا طَلَبها، كأنه بمعنى يَبْغُونكم سوءَ العذاب ويُريدُونَكم عليه» ، وقيل: أصلُ السَّوْمِ الدَّوامُ، ومنه: سائِمَةُ الغَنَم لمُداوَمَتِها الرَّعْيَ.
والمعنى: يُديمونَ تعذيبكم، وسوءُ العذابِ أشدُّهُ وأفظعهُ وإنْ كان كَلُّه سيئاً، كأنه أقبحُهُ بالإِضافة إلى سائرِه. والسوءُ: كلُّ ما يَعُمُّ الإِنسانَ من أمرٍ دنيوي وأُخْرَوي، وهو في الأصل مصدرٌ، ويؤنَّثُ بالألفِ، قال تعالى: {أَسَاءُواْ السواءى} [الروم: 10] . وأجاز بعضُهم أن يكونَ «سوء» نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديرُه: يَسُومونكم سَوْماً سيئاً كذا قدَّره، وقال أيضاً: «ويجوزُ أن يكونَ بمعنى سَوْم العذاب» ، كأنه يريد بذلك أنه منصوبٌ على نَوْعِ المصدرِ، نحو: «قَعَدَ جلوساً» ، لأن سُوء العذابِ نوعٌ من السَّوْمِ.
قولُه تعالى: «يُذَبِّحُون» هذه الجملةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ مفسِّرةً للجملة قبلَها، وتفسيرُها لها على وجهين: أحدُهما أن تكونَ مستأنفةً، فلا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعرابِ، كأنه قيل: كيف كان سَوْمُهم العذابَ؟ فقيل: يُذَبِّحُون. والثاني: أنْ تكونَ بدلاً منها كقولِه:
449 - متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في ديارنا ... . . . . . . . .
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان: 68] ، ولذلك تُرِكَ العاطفُ، ويُحْتمل أن تكونَ حالاً ثانيةً، لا على أنها بدلٌ من الأولى، وذلك على رَأْي مَنْ يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحال. وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجهَ محتجَّاً بأنَّ الحَالَ تُشْبِهُ المفعولَ به ولا يَعملُ العاملُ في مفعولَيْن على هذا الوصفِ، وهذا بناءً منه على أحد القولين، ويحتملُ أن يكونَ حالاً من فاعل «يَسُومونكم» . وقُرئ: «يَذْبَحُون» بالتخفيف، والأولى قراءةُ الجماعةِ لأنَّ الذبحَ متكرِّر.
فإنْ قيل: لِمَ لَم يُؤْتَ هنا بواو العَطْفِ، كما أُتِي بها في سورة إبراهيم؟ فالجوابُ أنه أُرِيدَ هنا التفسيرُ كما تقدَّم، وفي سورة إبراهيم معناه: يُعَذِّبونكم بالذَّبْح وبغيرِ الذبحِ. وقيل: يجوز أن تكونَ الواوُ زائدةً فتكونَ كآيةِ البقرة، واستدلَّ هذا القائلُ على زيادةِ الواوِ بقوله:
450 - فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الحِّي وانْتَحَى ... . . . . . . . . .
وقوله:
إلى المَلِكِ القَرْم وابنِ الهُمَامِ ... . . . . . . . . . . . . . .
والجوابُ الأول هو الأَصَحُّ.
والذَّبْحُ: أصلُه الشَّقُّ، ومنه: «المَذابحُ» لأخاديدِ السيول في الأرض. و «أبناء» جمع ابن، رَجَع به إلى أصله، فَرُدَّت لامُه، إمَّا الواوُ أو الياءُ حَسْبما تقدَّم. والأصلُ: «أَبْناو» أو «أبناي» ، فَأُبْدِل حرفُ العلةِ همزةً لتطرُّفِه بعد ألفٍ زائدةٍ، والمرادُ بهم الأطفالُ، وقيل: الرجالُ، وعَبَّر عنهم بالأبناءِ اعتباراً بما كانوا.
قوله: {وَيَسْتَحْيُونَ} عطفٌ على ما قبله، وأصلُه: يَسْتَحْيِيُون، فَأُعِلَّ بحَذْفِ الياءِ بعد حَذْفِ حركتها وقد تقدَّم بيانُه، فوزتُه يَسْتَفْعُون. والمراد بالنساءِ الأطفالُ، وإنما عَبَّر عنه بالنساءِ لمآلِهِنَّ إلى ذلك. وقيل: المرادُ غيرُ الأطفالِ، كما قيل في الأبناء. ولامُ النساءِ الظاهرُ أنَّها من واوٍ لظهورها في مرادِفِه وهو نِسْوَان ونِسْوَة، ويُحْتمل أن تكونَ ياءً اشتقاقاً من النِّسْيان، وهل نساء جمعُ نِسوةٍ أو جمعُ امرأةٍ مِنْ حيث المعنى؟ قولان.
قوله: {وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، و «بلاءٌ» مبتدأ. ولامُه واوٌ لظهورِها في الفعلِ نحو: بَلَوْتُه، أَبْلُوه، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} [البقرة: 155] ، فأُبْدِلَتْ همزةً. والبلاءُ يكون في الخيرِ والشرِّ، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] لأنَّ الابتلاءَ امتحانٌ فيمتحِنُ اللهُ عباده بالخيرِ ليشكُروا، وبالشرِّ ليصبِروا، وقال ابن كَيْسان: «أبلاهُ وبَلاه في الخير» وأنشد: 452 - جَزَى اللهُ بالخَيراتِ ما فَعَلا بكم ... وأَبْلاهُمَا خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو
فَجَمَع بين اللغتين، وقيل: الأكثرُ في الخيرِ أَبْلَيْتُه، وفي الشرِّ بَلَوْتُه، وفي الاختبارِ ابتلَيْتُه وبَلَوْتُه، قال النحاس: «فاسمُ الإِشارة من قوله:» وفي ذلكم «يجوزُ أن يكونَ إشارةً إلى الإِنجاءِ» وهو خيرٌ مَحْبوب، ويجوز أن يكونَ إشارةً إلى الذَّبْحِ، وهو شرٌّ مكروهٌ «. وقال الزمخشري:» والبلاءُ: المِحْنَةُ إنْ أشير ب «ذلك» إلى صنيع فرعون، والنعمةُ إن أُشير به إلى الإِنجاء «، وهو حسن. وقال ابن عطية:» ذلكم «إشارةٌ إلى جملةِ الأمر إذ هو خيرٌ فهو كمفردٍ حاضر» كأنه يريدُ أنه أُشير به إلى مجموعِ الأمرين من الإِنجاءِ والذبح، ولهذا قال بعدَه: «ويكونُ البلاءُ في الخيرِ والشر» وهذا غيرُ بعيدٍ، ومثله:
453 - إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مَدَى ... وكِلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ
و {مِّن رَّبِّكُمْ} متعلقٌ ب «بلاءٌ» ، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ مجازاً. وقال أبو البقاء: «هو رفعٌ صفةٌ ل» بلاء «فيتعلَّقُ بمحذوفٍ» وفي هذا نظرٌ، من حيث إنه إذا اجتمع صفتان، إحداهما صريحةٌ والأخرى مُؤَوَّلةٌ قُدِّمَتِ الصريحةُ، حتى إنَّ بعضَ الناسِ يَجْعلُ ما سِواه ضرورةً. و «عظيمٌ» صفة ل «بلاء» وقد تقدَّم معناه مستوفىً في أول السورة.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
سام
السَّوْمُ أصله: الذّهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركّب من الذّهاب والابتغاء، وأجري مجرى الذّهاب في قولهم: سَامَتِ الإبل، فهي سَائِمَةٌ، ومجرى الابتغاء في قولهم: سُمْتُ كذا، قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ [إبراهيم : 6] ، ومنه قيل: سِيمَ فلان الخسف، فهو يُسَامُ الخسف، ومنه: السَّوْمُ في البيع، فقيل: (صاحب السّلعة أحقّ بالسّوم)، ويقال: سُمْتُ الإبل في المرعى، وأَسَمْتُهَا، وسَوَّمْتُهَا، قال: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل : 10].
والسِّيمَاءُ والسِّيمِيَاءُ: العلامة، قال الشاعر:
254- له سيمياء لا تشق على البصر
وقال تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح : 29] ، وقد سَوَّمْتُهُ أي: أعلمته، وقوله عزّ وجلّ في الملائكة: مُسَوَّمِينَ أي: معلّمين، ومُسَوِّمِينَ معلّمين لأنفسهم أو لخيولهم، أو مرسلين لها، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «تَسَوَّمُوا فإن الملائكة قد تَسَوَّمَتْ».