التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية:٨٨

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ). سورة البقرة، الآية:٨٨

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾
إمّا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (اسْتَكْبَرْتُمْ) أوْ عَلى (كَذَّبْتُمْ) فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ أيْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى كَذَّبْتُمْ مِن جُمْلَةِ تَفْصِيلِ الِاسْتِكْبارِ بِأنْ أُشِيرَ إلى أنَّ اسْتِكْبارَهم أنْواعٌ: تَكْذِيبٌ وتَقْتِيلٌ وإعْراضٌ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإبْعادٌ لَهم عَنْ مَقامِ الحُضُورِ فَهو مِنَ الِالتِفاتِ الَّذِي نُكْتَتُهُ أنَّ ما أُجْرِيَ عَلى المُخاطَبِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ والفَظاعَةِ قَدْ أوْجَبَ إبْعادَهُ عَنِ البالِ وإعْراضَ البالِ عَنْهُ فَيُشارُ إلى هَذا الإبْعادِ بِخِطابِهِ بِخِطابِ البُعْدِ فَهو كِنايَةٌ.
وقَدْ حَسَّنَ الِالتِفاتَ أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِانْتِقالِ الكَلامِ إلى سُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهو غَرَضٌ جَدِيدٌ فَإنَّهم لَمّا تَحَدَّثَ عَنْهم بِما هو مِن شُئُونِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ. ولَمّا أُرِيدَ الحَدِيثُ عَنْهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ صارَ الخِطابُ جارِيًا مَعَ المُؤْمِنِينَ وأجْرى عَلى اليَهُودِ ضَمِيرَ الغَيْبَةِ.
عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ عَلَنًا ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أُسْلُوبَ الخِطابِ جَرى عَلى الغَيْبَةِ مِن مَبْدَأِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] . والقُلُوبُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الأذْهانِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ العَرَبِ في إطْلاقِ القَلْبِ عَلى العَقْلِ.
والغُلْفُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أغْلَفٍ وهو الشَّدِيدُ، الغِلافُ مُشْتَقٌّ مِن غَلَّفَهُ إذا جَعَلَ لَهُ غِلافًا وهو الوِعاءُ الحافِظُ لِلشَّيْءِ والسّاتِرُ لَهُ مِن وُصُولِ ما يُكْرَهُ لَهُ. وهَذا كَلامٌ كانُوا يَقُولُونَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَدْعُوهم لِلْإسْلامِ قَصَدُوا بِهِ التَّهَكُّمَ وقَطْعَ طَمَعِهِ في إسْلامِهِمْ وهو كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي الكَلامِ تَوْجِيهٌ لِأنَّ أصْلَ الأغْلَفِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا عَمّا لا يُلائِمُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَعْنى الغِلافِ فَهم يُخَيِّلُونَ أنَّ قُلُوبَهم مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ ويُرِيدُونَ أنَّها مَحْفُوظَةٌ مِن فَهْمِ الضَّلالاتِ؛ ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ إنَّهُ مُؤْذِنٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَعِي ما تَقُولُ ولَوْ كانَ لَوَعَتْهُ وهَذانِ المَعْنَيانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَهُما لِتَوْجِيهٍ يُلاقِيهِما الرَّدُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ عَدَمُ إيمانِهِمْ لِقُصُورٍ في أفْهامِهِمْ ولا لِرَبْوِها عَنْ قَبُولِ مِثْلِ ما دُعُوا إلَيْهِ ولَكِنْ لِأنَّهم كَفَرُوا فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكَفْرِهِمْ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ وأسْبابِهِ.
وبِهَذا حَصَلَ المَعْنَيانِ المُرادانِ لَهم مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ غُلْفٌ جَمْعَ غِلافٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ في حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ حَتّى يُقَدِّرَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والحَقِّ فَلا يَتَسَرَّبُ إلَيْها الباطِلُ. وقَوْلُهُ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ وفَضْحٌ لَهم بِأنَّهم صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ مِن غَيْرِ التِفاتٍ لِحُجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلَمّا صَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِاللَّعْنِ والإبْعادِ عَنِ الرَّحْمَةِ والخَيْرِ فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ والتَّبَصُّرَ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ، فاللَّعْنَةُ حَصَلَتْ لَهم عِقابًا عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ وعَلى الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِما أُوهِمُوهُ مِن أنَّ قُلُوبَهم خُلِقَتْ بَعِيدَةً عَنِ الفَهْمِ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم كَسائِرِ العُقَلاءِ مُسْتَطِيعِينَ لِإدْراكِ الحَقِّ لَوْ تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالنَّظَرِ وتَرْكِ المُكابَرَةِ وهَذا مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَدا الجَبْرِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى (لَعَنَهم) و(قَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ والتَّقْدِيرُ فَإيمانًا قَلِيلًا وما زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْلِيلِ والضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَلِيلًا) صِفَةً لِلزَّمانِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ الفِعْلُ أيْ فَحِينًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ.
وقَلِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ مُشارًا بِهِ إلى إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكِتابِ أوْ إلى إيمانِهِمْ بِبَعْضِ ما يَدْعُو لَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِمّا يُوافِقُ دِينَهُمُ القَدِيمَ كالتَّوْحِيدِ ونُبُوَّةِ مُوسى أوْ إلى إيمانِ أفْرادٍ مِنهم في بَعْضِ الأيّامِ فَإنَّ إيمانَ أفْرادٍ قَلِيلَةٍ مِنهم يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ إيمانٍ مِن مَجْمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ في أزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ أوْ حُصُولَ إيماناتٍ قَلِيلَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَلِيلًا) هُنا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى العَدَمِ فَإنَّ القِلَّةَ تُسْتَعْمَلُ في العَدَمِ في كَلامِ العَرَبِ قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ

أرادَ أنَّهُ لا يَتَشَكّى، وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ في أرْضِ نَصِيبِينَ كَثِيرَةُ العَقارِبِ قَلِيلَةُ الأقارِبِ؛ أرادَ عَدِيمَةَ الأقارِبِ ويَقُولُونَ فُلانٌ قَلِيلُ الحَياءِ وذَلِكَ كُلُّهُ إمّا مَجازٌ لِأنَّ القَلِيلَ شُبِّهَ بِالعَدَمِ وإمّا كِنايَةٌ وهو أظْهَرُ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا قَلَّ آلَ إلى الِاضْمِحْلالِ فَكانَ الِانْعِدامُ لازِمًا عُرْفِيًّا لِلْقِلَّةِ ادِّعائِيًّا فَتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً والوَجْهانِ أشارَ إلَيْهِما في الكَشّافِ بِاخْتِصارٍ واقْتَصَرَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنهُما في تَفْسِيرِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] في سُورَةِ النَّمْلِ فَقالَ: والمَعْنى نَفْيُ التَّذْكِيرِ. والقِلَّةُ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى النَّفْيِ وكَأنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنَّ التَّذَكُّرَ مِن شَأْنِهِ تَحْصِيلُ العِلْمِ فَلَوْ تَذَكَّرَ المُشْرِكُونَ المُخاطَبُونَ بِالآيَةِ لَحَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ كَيْفَ وخِطابُهم بِقَوْلِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] المَقْصُودُ مِنهُ الإنْكارُ بِناءً عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} . . مبتدأٌ وخبر، والجملةُ في محلِّ نصبِ بالقول قبلَه، وقرأ الجمهورُ: «غُلْفٌ» بسكون اللام، وفيها وجهان، أحدهما وهو الأظهرُ: أن يكونَ جمع «أَغْلَف» كأحمر وحُمْر وأصفر وصُفْر، والمعنى على هذا: أنها خُلِقَتْ وجُبِلت مُغَشَّاةً لا يَصِلُ إليها الحقُّ استعارةً من الأغلف الذي لم يُخْتَتَنْ. والثاني: أن يكونَ جمعَ « غِلاف» ، ويكونُ أصلُ اللامِ الضمَّ فخُفِّفَ نحو: حِمار وحُمُر وكتاب وكُتُب، إلاَّ أنَّ تخفيفَ فُعُل إنما يكون في المفرد غالباً نحو عُنْق في عُنُق، وأمَّا فُعُل الجمع فقال ابن عطية: «لا يجوز تخفيفُه إلا في ضرورةٍ» ، وليس كذلك، بل هو قليل، وقد نصّ غيرُه على جوازه، وقرأ ابن عباس ويُروى عن أبي عمرو بضمِّ اللامِ وهو جمع «غِلاف» ، ولا يجوز أن يكون فُعُل في هذه القراءة جمعَ «أَغْلف» لأنَّ تثقيلَ فُعُل الصحيحِ العينِ لا يجوز إلاَّ في شِعْر، والمعنى على هذه القراءة أنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلمِ فهي غيرُ محتاجةٍ إلى علمٍ آخر، والتغليفُ كالتغشِيَة في المعنى.
قوله: {بَل لَّعَنَهُمُ الله} «بل» حرفُ إضرابٍ، والإِضرابُ راجعٌ إلى ما تَضَمَّنه قولُهم من أن قلوبَهم غُلْف، فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سببَه لَعْنُهم بكفرهم السابق. والإِضرابُ على قسمين: إبطالٍ وانتقالٍ، فالأول نحو: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، ولا تَعْطِفُ «بل» إلا المفردات، وتكونُ في الإِيجاب والنفي والنهي، ويُزاد قبلها «لا» تأكيداً. واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والبُعْدُ، ومنه: شَأْوٌ لعين أي بعيد: قال الشمَّاخ.
607 - ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ عنه ... مقامَ الذئبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ
أي: البعيد، وكان وجهُ الكلام أن يقول: «مقام الذئب اللعين كالرجل» . والباءُ في «بكفرهم» للسببِ، وهي متعلِّقَةٌ بلَعَنَهُمْ. وقال الفارسي: «النية به التقديمُ أي: وقالوا: قُلوبنا غلفٌ بسببِ كفرهم، فتكونُ الباءُ متعلقةً بقالوا وتكونُ» بل لعنهم «جملةً معترضةً» ، وفيه بُعْدٌ، ويجوز أن تكونَ حالاً من المفعولِ في «لَعَنهم» أي لعَنهم كافرين أي: مُلتبسين بالكفرِ كقوله: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر} [المائدة: 61] .
قوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} في نصبِ «قليلاً» ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالِ قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله: {آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ} [آل عمران: 72] . الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى لأبي عبيدة.
الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل «يؤمنون» ، أي فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: «ذهب قتادة إلى أنَّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفعُ» قليل «. قلت: لا يلزمَ الرفعُ مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبَه على الحالِ وافٍ بهذا المعنى: و» ما «على هذه الأقوالِ كلها مزيدةٌ للتأكيد. السادس: أن تكونَ» ما «نافيةً أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] ، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] ، وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء:» ولا يَجُوز أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً، لأن «قليلاً» يبقى بلا ناصبٍ «. يعني أنَّك إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتَها، ويكون المصدرُ مرفوعاً ب» قليلاً «على أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قولِه {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] فإنَّ» ما «هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ» قليلاً «منصوبٌ ب كان. وقال الزمخشري:» ويجوز أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم «. قال الشيخ:» وما ذهبَ إليه من أنَّ «قليلاً» يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ هذا التركيب، أعني قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} لأنَّ «قليلاً» انتصبَ بالفعلِ المثبتِ فصار نظيرَ «قُمْتُ قليلاً» أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ «قليلاً» منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نَقَل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُ المَحْضُ في قولهم: «أقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد» ، وإذا تقرَّر هذا فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْضِ هنا ليس بصحيحٍ «. انتهى. / قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري رحمه الله من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال:» أَيْ: لا قليلاُ ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ كذا، أي: ما يفعله أصلاً «.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
غلف
قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة : 88] ، قيل: هو جمع أَغْلَفَ، كقولهم: سيف أَغْلَفُ.
أي: هو في غِلَافٍ، ويكون ذلك كقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت : 5] ، ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ [ق : 22] . وقيل: معناه قلوبنا أوعية للعلم(١) . وقيل: معناه قلوبنا مغطّاة، وغلام أَغْلَفُ كناية عن الأقلف، والغُلْفَةُ كالقلفة، وغَلَّفْتُ السّيفَ، والقارورة، والرّحل، والسّرج: جعلت لها غِلَافاً، وغَلَّفْتُ لحيته بالحنّاء، وتَغَلَّفَ نحو تخضّب، وقيل: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة : 88] ، هي جمع غِلَافٍ، والأصل: غُلُفٌ بضمّ اللام، وقد قرئ به(٢) ، نحو: كتب، أي: هي أوعية للعلم تنبيها أنّا لا نحتاج أن نتعلّم منك، فلنا غنية بما عندنا.

(١) انظر: الدر المنثور 1/ 214، وتفسير المشكل لمكي ص 31، ومعاني القرآن للزجاج 1/ 169.
(٢) وهي قراءة شاذة قرأ بها ابن عباس والأعرج وابن محيصن. انظر: البحر 1/ 301.