التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٩٠

(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ). سورة البقرة، الآية: ٩٠

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
اسْتِئْنافٌ لِذَمِّهِمْ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ إذْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ الوَعْدِ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، إرْضاءً لِداعِيَةِ الحَسَدِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدِ اسْتَبْقَوْا أنْفُسَهم عَلى الحَقِّ إذْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ فَهَذا إيقاظٌ لَهم نَحْوَ مَعْرِفَةِ داعِيهِمْ إلى الكُفْرِ وإشْهارٌ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.
و(بِئْسَما) مُرَكَّبٌ مِن (بِئْسَ) و(ما) الزّائِدَةِ. وفي (بِئْسَ) وضِدِّها (نِعْمَ) خِلافٌ في كَوْنِهِما فِعْلَيْنِ أوِ اسْمَيْنِ والأصَحُّ أنَّهُما فِعْلانِ وفي (ما) المُتَّصِلَةِ بِهِما مَذاهِبُ أحَدُها أنَّها مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ أيْ تُفَسَّرُ بِاسْمٍ مُعَرَّفٍ بِلامِ التَّعْرِيفِ وغَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى صِلَةٍ احْتِرازًا عَنْ ما المَوْصُولَةِ فَقَوْلُهُ (بِئْسَما) يُفَسَّرُ بِبِئْسَ الشَّيْءِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ. والآخَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ وهَذانِ هُما أوْضَحُ الوُجُوهِ فَإذا وقَعَتْ بَعْدَها ما وحْدَها كانَتْ ما مَعْرِفَةً تامَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] أيْ نِعْمَ الشَّيْءُ هي، وإنْ وقَعَتْ بَعْدَ (ما) جُمْلَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ صِلَةً كانَتْ ما مَعْرِفَةً ناقِصَةً أيْ مَوْصُولَةً نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ و(ما) فاعِلُ بِئْسَ.
وقَدْ يُذْكَرُ بَعْدَ بِئْسَ ونِعْمَ اسْمٌ يُفِيدُ تَعْيِينَ المَقْصُودِ بِالذَّمِّ أوِ المَدْحِ ويُسَمّى في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ المَخْصُوصَ وقَدْ لا يُذْكَرُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ أوْ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَقَوْلُهُ (أنْ يَكْفُرُوا) هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ والتَّقْدِيرُ كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ خَبَرًا مَحْذُوفَ المُبْتَدَأِ أوْ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن (ما) وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى (اشْتَرَوْا) إمّا صِفَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ أوْ صِلَةٌ لِلْمَوْصُولَةِ و”أنْ يَكْفُرُوا“ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ نِعْمَ الرَّجُلُ فُلانٌ.
والِاشْتِراءُ الِابْتِياعُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ مُجازٌ أُطْلِقَ فِيهِ الِاشْتِراءُ عَلى اسْتِبْقاءِ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ تَشْبِيهًا لِاسْتِبْقائِهِ بِابْتِياعِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَهم قَدْ آثَرُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَأبْقَوْا عَلَيْها بِأنْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ حَسَدًا. فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالتَّوْراةِ وأنَّ قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] بِمَعْنى جاءَهم ما عَرَفُوا صِفَتَهُ وإنْ فَرَّطُوا في تَطْبِيقِها عَلى المَوْصُوفِ. فَمَعْنى اشْتِراءِ أنْفُسِهِمْ جارٍ عَلى اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم نَجَّوْها مِنَ العَذابِ في اعْتِقادِهِمْ فَقَوْلُهُ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ بِئْسَما هو في الواقِعِ وأمّا كَوْنُهُ اشْتِراءً فَبِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو أيْضًا بِحَسَبِ الواقِعِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ وهي أنَّهم كَفَرُوا بِرَسُولٍ مُرْسَلٍ إلَيْهِمْ لِلدَّوامِ عَلى شَرِيعَةٍ نُسِخَتْ.
وإنْ كانُوا مُعْتَقِدِينَ صِدْقَ الرَّسُولِ وكانَ إعْراضُهم لِمُجَرَّدِ المُكابَرَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ فالِاشْتِراءُ بِمَعْنى الِاسْتِبْقاءِ الدُّنْيَوِيِّ أيْ بِئْسَ العِوَضُ بِذْلُهُمُ الكُفْرَ ورِضاهم بِهِ لِبَقاءِ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ وعَدَمُ الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ الصّادِقِ؛ فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦] وقِيلَ إنَّ اشْتَرَوْا بِمَعْنى باعُوا أيْ بَذَلُوا أنْفُسَهم والمُرادُ بَذْلُها لِلْعَذابِ في مُقابَلَةِ إرْضاءِ مُكابَرَتِهِمْ وحَسَدِهِمْ وهَذا الوَجْهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وهو بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ لِأنَّ اسْتِعْمالَ الِاشْتِراءِ بِمَعْنى البَيْعِ مَجازٌ بَعِيدٌ إذْ هو يُفْضِي إلى إدْخالِ الغَلَطِ عَلى السّامِعِ، وإفْسادِ ما أحْكَمَتْهُ اللُّغَةُ مِنَ التَّفْرِقَةِ وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَصْدُ قائِلِهِ إلى بَيانِ حاصِلِ المَعْنى. عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ إمْكانَ الجَمْعِ بَيْنَ مُقْتَضى قَوْلِهِ ما عَرَفُوا وقَوْلِهِ هُنا ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ فَأنْتَ في غِنًى عَنِ التَّكَلُّفِ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ يَكُونُ اشْتَرَوْا مَعَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن حاوَلَ تِجارَةً لِيَرْبَحَ فَأصابَهُ خُسْرانٌ وهو تَمْثِيلٌ يَقْبَلُ بَعْضُ أجْزائِهِ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (أنْ يَكْفُرُوا) ولَمْ يُؤْتَ بِهِ عَلى ما يُناسِبُ المُبَيَّنَ وهو (ما اشْتَرَوْا) المُقْتَضِي أنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ مَضى لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم صَرَّحُوا بِالكُفْرِ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ اشْتِراءَ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ عَمَلٌ اسْتَقَرَّ ومَضى. ثُمَّ لَمّا أُرِيدَ بَيانُ ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم نُبِّهَ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا يَكْفُرُونَ ويُعْلَمُ أنَّهم كَفَرُوا فِيما مَضى أيْضًا إذْ كانَ المُبَيَّنُ بِأنْ يَكْفُرُوا مُعَبَّرًا عَنْهُ بِالماضِي بِقَوْلِهِ (ما اشْتَرَوْا) . وقَوْلُهُ (بَغْيًا) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أنْ يَكْفُرُوا لِأنَّهُ الأقْرَبُ إلَيْهِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِاشْتَرَوْا لِأنَّ الِاشْتِراءَ هَنا صادِقٌ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ المَخْصُوصُ بِحُكْمِ الذَّمِّ وهو عَيْنُ المَذْمُومِ، والبَغْيُ هُنا مَصْدَرُ بَغى يَبْغِي إذا ظَلَمَ وأرادَ بِهِ هُنا ظُلْمًا خاصًّا وهو الحَسَدُ. وإنَّما جُعِلَ الحَسَدُ ظُلْمًا لِأنَّ الظُّلْمَ هو المُعامَلَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ. والحَسَدَ تَمَنِّي زَوالَ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ ولا حَقَّ لِلْحاسِدِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَنالُهُ مِن زَوالِها نَفْعٌ، ولا مِن بَقائِها ضُرٌّ، ولَقَدْ أجادَ أبُو الطَّيِّبِ إذْ أخَذَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ:
وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ

وقَوْلُهُ ”أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ”بَغْيًا“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَأْوِيلِ بَغْيًا بِمَعْنى حَسَدًا.
فاليَهُودُ كَفَرُوا حَسَدًا عَلى خُرُوجِ النُّبُوءَةِ مِنهم إلى العَرَبِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ أيْ فَرَجَعُوا مِن تِلْكَ الصَّفْقَةِ وهي اشْتِراءُ أنْفُسِهِمْ بِالخُسْرانِ المُبِينِ وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ الخارِجِ بِسِلْعَتِهِ لِتِجارَةٍ فَأصابَتْهُ خَسارَةٌ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ خاسِرًا. شَبَّهَ مَصِيرَهم إلى الخُسْرانِ بِرُجُوعِ التّاجِرِ الخاسِرِ بَعْدَ ضَمِيمَةِ قَوْلِهِ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ”بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ“ الغَضَبُ الشَّدِيدُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] أيْ نُورٌ عَظِيمٌ. وقَوْلِهِ ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠] وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ
أرَقٌ عَلى أرَقٍ ومِثْلِيَ يَأْرَقُ

وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ التَّكْرِيرِ بِاخْتِلافِ صِيغَةٍ في مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
أتَتْ آلُ شَمّاسِ بْنِ لَأْيٍ وإنَّما ∗∗∗ أتاهم بِها الأحْلامُ والحَسَبُ العَدُّ

أيِ الكَثِيرُ العَدَدِ أيِ العَظِيمُ وقالَ المَعَرِّيُّ
بَنِي الحَسَبِ الوَضّاحِ والمَفْخَرِ الجَمِّ

أيِ العَظِيمِ. قالَ القُرْطُبِيُّ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ شِدَّةُ الحالِ لا أنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ وهُما غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِلْكُفْرِ ولِلْحَسَدِ أوْ لِلْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ هو كَقَوْلِهِ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] أيْ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ لِأنَّهم مِنَ الكافِرِينَ. والمَهِينُ المُذِلُّ أيْ فِيهِ كَيْفِيَّةُ احْتِقارِهِمْ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قولُه تعالى: {بِئْسَمَا اشتروا} . . بئسَ: فعلٌ ماض غيرُ متصرفٍ، معناه الذمُّ، فلا يَعْمُل إلا في معرَّفٍ بأل، أو فيما أُضيف إلى ما هما فيه، أو في مضمرٍ مفسَّرٍ بنكرةٍ، أو في «ما» على قول سيبويه. وفيه لغاتٍ: بَئِسَ بكسر العينِ وتخفيفٍ، هذا الأصلُ، وبِئِس بكسرِ الفاء إتباعاً للعينِ وتخفيفٍ، هذا الإِتباعُ، وهو أشهرُ الاستعمالاتِ، ومثلُها «نِعْمَ» في جميع ما تقدَّم من الأحكام واللغات. وزعم الكوفيون أنهما اسمان، مستدلِّين بدخول حرف الجر عليهما في قولهم: «ما هي بِنِعْمَ الولد نصرُها بكاءٌ وبِرُّها سَرِقة» ، «ونِعْمَ السيرُ على بِئس العَيْر» وقولِه:
609 - صَبَّحَكَ اللهُ بخيرٍ باكرِ ... بنِعْمَ طيرٍ وشبابٍ فاخِرِ
وقد خَرَّجه البصريون على حَذْفِ موصوف، قامَتْ صفتُه مَقَامَه تقديرُه: ما هي بولدٍ مقولٍ فيه نِعْم الولد، ولها أحكامٌ كثيرة، ولا بُدَّ بعدَها من مخصوصٍ بالمدحِ أو الذمِّ، وقد يُحْذَفُ لقرينةٍ، هذا حكمُ بِئْسَ.
أمَّا، «ما» الواقعةُ بعدَها كهذه الآيةِ: فاختلف النحويون فيها اختلافاً كثيراً، واضطربت النقولُ عنهم اضطراباً شديداً، فاختلفوا: هَلْ لها محلٌّ من الإِعراب أم لا؟ فذهبَ الفراء إلى أنها مع «بِئْسَ» شيءٌ واحد رُكِّبَ تركيبَ « حَبَّذا» نَقَلَه ابنُ عطية، ونَقَلَ عنه المهدوي أنه يُجَوِّز أن تكونَ «ما» مع بئسَ بمنزلة كُلَّما، فظاهرُ هذين النقلين أنها لا محلَّ لها. وذهب الجمهورُ إلى أنَّ لها مَحَلاً، ثم اختلفوا: / محَلُّها رفعٌ أو نصبٌ؟ فذهب الأخفشُ إلى أنها في محلِّ نصبٍ على التمييزِ والجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ صفةً لها، وفاعلُ بئس مضمرٌ تُفَسِّرُه «ما» ، والمخصوصُ بالذمِّ هو قولُه: {أَن يَكْفُرُواْ} لأنه في تأويلِ مصدرٍ، والتقدير: بِئْسَ هو شيئاً اشتَروا به كفرُهم، وبه قال الفارسي في أحدِ قوليه، واختاره الزمخشري، ويجوزُ على هذا أن يكونَ المخصوصُ بالذمِّ محذوفاًَ، و «اشتَرَوا» صفةً له في محلِّ رفعٍ تقديرُه: بئس شيئاً شيءٌ أو كفرٌ اشتروا به، كقولِه.
610 - لنِعْمَ الفتى أَضْحَى بأَكْنافِ حَائِل ... . . . . . . . 
أي: فتىً أَضْحى، و {أَن يَكْفُرُواْ} بدلٌ من ذلك المحذوفِ، أو خبرٌ مبتدأ محذوفٍ أي: هو أَنْ يكفروا. وذهبَ الكسائي إلى أنَّ «ما» منصوبةُ المحلِّ أيضاً، لكنه قَدَّر بعدها «ما» أخرى موصولةً بمعنى الذي، وجعل الجملةَ مِنْ قولِه «اشتَرَوا» صلتها، و «ما» هذه الموصولةُ هي المخصوصُ بالذمِّ، والتقديرُ: بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلَّ ل «اشتروا» على هذا، ويكونُ {أَن يَكْفُرُواْ} على هذا القولِ خبراً لمبتدأ محذوفٍ كما تقدَّم، فتلخَّص في الجملة الواقعةِ بعد «ما» على القولِ بنصبِها ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها صفةٌ لها فتكونُ في محلِّ نصبٍ أو صلةٌ ل «ما» المحذوفةِ فلا محلَّ لها أو صفةٌ للمخصوصِ بالذم فتكونُ في محلِّ رفعٍ.
وذهب سيبويه إلى أَنَّ موضعَها رفعٌ على أنَّها فاعلُ بئس، فقال سيبويه: هي معرفةٌ تامةٌ، التقديرُ: بئس الشيء، ُ والمخصوصُ بالذمِّ على هذا محذوفٌ أي شيءٌ اشتَرَوا به أنفَسَهم، وعُزي هذا القولُ أيضاً للكسائي. وذهب الفراء والكسائي أيضاً إلى أنَّ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي والجملةُ بعْدَها صلتُها، ونقلَه ابن عطية عن سيبويه، وهو أحدُ قَوْلَيْ الفارسي، والتقدير: بئسَ الذي اشتروا به أنفسَهم أَنْ يكفُروا، فأَنْ يكفروا هو المخصوصُ بالذمِّ. قال الشيخ: «وما نَقَلَه ابنُ عطية عن سيبويه وَهْمٌ عليه» . ونقل المهدوي وابن عطية عن الكسائي أيضاً أن «ما» يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، والتقديرُ: بئسَ اشتراؤُهم، فتكونُ «ما» وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ. قال ابنُ عطية: «وهذا معترضٌ بأنَّ» بِئْسَ «لا تَدْخُل على اسمٍ معيَّنٍ يتعرَّفُ بالإِضافةِ للضمير» . قال الشيخ: «وهذا لا يَلْزَم إلا إذا نَصَّ أنه مرفوعُ بئس، أمَّا إذا جعله المخصوصَ بالذمِّ وجعل فاعلَ» بئس «مضمراً والتمييزُ محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: بئسَ اشتراءً اشتراؤُهم فلا يَلْزَمُ الاعتراضُ» قلت: وبهذا أَعْني بجَعْلِ فاعلِ بئسَ مضمراً فيها جَوَّز أبو البقاء في «ما» أَنْ تكونَ مصدريةً، فإنه قال: «والرابعُ أن تكونَ مصدريةً أي: بئسَ شِراؤُهم، وفاعلُ بئسَ على هذا مضمرٌ لأنَّ المصدر ههنا مخصوصٌ ليس بجنسٍ» يعني فلا يكونُ فاعلاً، لكن يُبْطِلُ هذا القولَ عَوْدُ الضمير في «به» على «ما» والمصدريةُ لا يعودُ عليها، لأنها حرفٌ عند الجمهور، وتقديرُ أَدِلَّةِ كلِّ فريق مذكورٍ في المُطَوَّلات. فهذه نهايةُ القولِ في «بئسما» و «نِعِمَّا» واللهُ أعلم.
قوله: {أَن يَكْفُرُواْ} قد تقدَّم فيه أنه يجوزُ أن يكونَ هو المخصوصَ بالذمِّ فتكونُ الأوجهُ الثلاثة: إمَّا مبتدأ وخبرُه الجملةُ قبلَه، ولا حاجةَ إلى الرابطِ، لأنَّ العمومَ قائمٌ مَقامَه إذ الألفُ واللامُ في فاعلِ نِعْم وبئسَ للجنسِ، أو لأنَّ الجملةَ نفسُ المبتدأ، وإمّا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وإمَّا مبتدأٌ وخبره محذوف، وتقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ بدلاً أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ حَسْبما تقرَّر وتحرَّر. وأجاز الفراء أن يكونَ في محلِّ جَرِّ بدلاً من الضميرِ في «به» إذا جَعَلْتَ «ما» تامَّة.
قوله: {بِمَآ أنَزَلَ الله} متعلِّق بيكفُروا، وقد تقدَّم أنَّ «كفر» يتعدَّى بنفسِه تارةً وبحرفِ الجرِّ أخرى، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: أَنْزله، ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفةً، وكذلك جَعْلُها مصدريةً والمصدرُ قائمٌ مقامَ المفعولِ أي بإنزالِه يعني بالمُنَزَّل.
قوله: {بَغْيَاً} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مفعولٌ مِنْ أَجْله وهو مستوفٍ لشروطِ النصبِ، وفي الناصبِ له قولان، أحدُهما وهو الظاهر أنه «يكفروا» أي علةُ كفرِهم البغيُ. والثاني أنه {اشتروا} ، وإليه يَنْحو كلامُ الزمخشري، فإنه قال: «وهو علةُ {اشتروا} . والثاني من الأوجهِ الثلاثة: أنه منصوبٌ على المصدرِ بفعلٍ يَدُلُّ عليه ما تَقَدَّم أي بَغَوْا بَغْيَاً. والثالث: أنه في موضعِ حالٍ، وفي صاحِبها القولان المتقدَّمان: إمَّا فاعلُ {اشتروا} وإمَّا فاعلُ {يَكْفُرُواْ} ، تقديرُه: اشْتَرَوا باغِين، أو يَكْفُروا باغِين.
والبَغْيُ: أصلُه الفَسادُ مِنْ قَوْلِهم: بَغَى الجُرْحُ أي فَسَدَ قاله الأصمعيْ وقيل: هو شِدَّةُ الطلبِ، ومنه قولُه تعالى: {مَا نَبْغِي} [يوسف: 65] ، وقال الراجز:
611 - أُنْشِدُ والباغي يُحِبُّ الوِجْدانْ ... قلائِصاً مختلفاتِ الألْوانْ
ومنه» البَغِيُّ «لشدة طلبها له.
قوله {أَن يُنَزِّلُ الله} فيه قولان، أحدُهما: أنَّه مفعولٌ من أجلِه والناصبُ له» بَغْياً «أي: عِلَّةُ البغيِ إنزالُ الله فَضْلَه على محمدٍ عليه السلامُ. والثاني أنَّه على إسقاطِ الخافضِ والتقديرُ: بَغْياً على أَنْ يُنَزِّلَ، أي: حَسَدَاً على أَنْ يُنَزِّلَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ: أهي في موضعِ نصبٍ أو في موضعِ جرِ؟ والثالثُ: أنَّه في محلِّ جرٍّ بدلاً من» ما «في قوله: {بِمَآ أنَزَلَ الله} بدلَ اشتمال، أي: بإنزال الله فيكونُ مثلَ قولِ امرئ القيس:
612 - أَمِنْ ذِكْر سلمى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... . . . . . . . . . 
وقرأ أبو عمرو وابن كثير جميعَ المضارع من» أَنْزَل «مخففاً إلا ما وقع الإِجماع على تشديدِه في الحجرِ {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ} [الحجر: 21] ، وقد خالفا هذا الأصلَ: أمَّا أبو عمرو فإنه شدَّد {على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً} [الآية: 37] / في الأنعام، وأمَّا ابن كثير فإنه شَدَّد في الإِسراء، {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن} [الإسراء: 82] {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً} [الإسراء: 93] والباقون بالتشديد في جميع المضارع إلا حمزة والكسائيَّ فإنهما خالفا هذا الأصلَ فخَفَّفا: {وَيُنَزِّلُ الغيث} [الآية: 34] آخر لقمان، {وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث} [الآية: 28] في الشورى. والهمزةُ والتضعيفُ للتعديَةِ، وقد تقدَّم: هل بينهما فرقٌ؟ وتحقيقُ كلٍّ من القولين، وقد ذَكَر القُرَّاءُ مناسباتٍ للإِجماعِ على التشديد في ذلك الموضعِ ومخالفةِ كلِّ واحدٍ أصلَه لماذا؟ بما يطول ذكره، والأظهرُ من ذلك كلِّه أنه جَمْعٌ بين اللغات.
قوله: {مِن فَضْلِهِ} :» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ، وفيه قولان، أحدُهما: أنه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولُ» يُنَزِّل «أي: أَنْ يُنَزِّل الله شيئاً كائناً من فضلِه فيكونُ في محلِّ نصب. والثاني: أنَّ» مِنْ «زائدةٌ، وهو رأيُ الأخفش، وحينئذٍ فلا تَعَلُّقَ له، والمجرورُ بها هو المفعولُ أي: أَنْ يُنَزِّلُ الله فضله.
قوله {على مَن يَشَآءُ} متعلقٌ بيُنَزِّلَ. و» مَنْ «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ المجوِّزةِ للحَذْفِ، والتقديرُ: على الذي يشاؤُه أو على رجلٍ يشاؤه، وقَدَّره أبو البقاء مجروراً فإنه قال بعد تجويزِه في» مَنْ «أن تكونَ موصوفةً أو موصولةً» ومفعولُ «يشاء» محذوفٌ أي: يَشَاءُ نزولَه عليه، ويجوزُ أَنْ يكونَ يشاءُ يختارُ ويصطفي «انتهى.
وقد عَرَفْت أن العائدَ المجرورَ لا يُحْذَفُ إلا بشروطٍ وليسَتْ موجودةٌ هنا فلا حاجةَ إلى هذا التقديرِ.
قوله: {مِنْ عِبَادِهِ} فيه قولان: أحدُهما: أنَّه حالٌ من الضميرِ المحذوفِ الذي هو عائدٌ على الموصولِ أو الموصوفِ، والإِضافةُ تقتضي التشريفَ. والثاني: أَنْ يكونَ صفةً ل «مَنْ» بعدَ صفةٍ على القولِ بكونِها نكرةً، قاله أبو البقاء. وهو ضعيفٌ لأنَّ البداءة بالجارِّ والمجرورِ على الجملةِ في باب النعتِ عند اجتماعهما أَوْلَى لكونِه أقربَ إلى المفردِ، فهو في محلِّ نصبٍ على الأولِ وجَرٍّ على الثاني، وفي كِلا القولين يتعلَّق بمحذوفٍ وجوباً لِما عَرَفْتَ.
قوله: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ} الباءُ للحال، أي: رَجَعوا ملتبسين بغضبٍ أي مغضوباً عليهم وقد تقدم ذلك. قوله {على غَضَبٍ} في محل جر لأنه صفة لقوله «بغضب» أي: كائن على غضب أي بغضبٍ مترادفٍ. وهل الغضبانِ مختلفانِ لاختلافِ سببهما، فالأولُ لعبادةِ أسلافِهم العجلَ والثاني لكفرِهم بمحمدٍ السلام، أو الأولُ لكفرِهم بعيسى والثاني لكفرِهم بمحمدٍ صلى الله وسلم عليهما، أو هما شيءٌ واحدٌ وذُكِرا تشديداً للحال وتأكيداً؟ خلافٌ مشهور.
قوله: {مُّهِينٌ} صفة لعذاب، وأصلُه: «مُهْوِن» لأنه من الهَوان وهو اسمُ فاعلٍ من أَهان يُهين إهانةً، مثل أَقامَ يُقيم إقامةً، فنُقِلَتْ كسرةُ الواوِ على الساكن قبلَها، فَسَكَنَتِ الواوُ بعدَ كسرةٍ فَقُلِبَتْ ياءً. والإِهانةُ: الإِذلالُ والخِزْيُ، وقال: «وللكافرين» ولم يَقُلْ: «ولهم» تنبيهاً على العلةِ المقتضيةِ للعذابِ المُهينِ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
باء
أصل البَوَاء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النّبو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بَوَاء: إذا لم يكن نابيا بنازله، وبَوَّأْتُ له مكانا: سوّيته فَتَبَوَّأَ، وبَاءَ فلان بدم فلان يَبُوءُ به أي: ساواه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس : 87] ، ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس : 93] ، ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران : 121] ، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [يوسف : 56] ، وروي أنه: (كان عليه السلام يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله)(١) وبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكانا، ثم قصدت الطعن به، وقال عليه السلام: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار»(٢) ، وقال الراعي في صفة إبل:
77- لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا(٣)
أي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكانا موافقا للرعي طلب الراعي لنفسه متبوّأ لمضجعه. ويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله. ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله عزّ وجلّ: ﴿باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال : 16] ، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: بِغَضَبٍ في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] ، وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة : 29] أي: تقيم بهذه الحالة. قال:
78- أنكرت باطلها وبؤت بحقّها(٤)
وقول من قال: أقررت بحقها فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ(٥) . والبَاءَة كناية عن الجماع. وحكي عن خلف الأحمر(٦) أنه قال في قولهم: حيّاك الله وبيّاك: إنّ أصله: بوّأك منزلا، فغيّر لازدواج الكلمة، كما غيّر جمع الغداة في قولهم: آتيه الغدايا والعشايا(٧) .

(١) الحديث عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يتبوّأ لبوله كما يتبوأ لمنزله» أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو من رواية يحيى بن عبيد بن دجي عن أبيه. قال الهيثمي: ولم أر من ذكرهما، وبقية رجاله موثقون. انظر: مجمع الزوائد 1/ 209. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وانظر: المطالب العالية 1/ 15.
(٢) الحديث صحيح متفق على صحته وهو في فتح الباري 3/ 130 في الجنائز، ومسلم رقم 141 في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله. وقال جعفر الكتاني: لا يعرف حديث رواه أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، ولا حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هو. انظر: نظم المتناثر ص 23، وشرح السنة 1/ 253.
(٣) البيت في ديوانه ص 164، وغريب الحديث 4/ 444، والجمهرة 2/ 347، والفائق 1/ 655.
(٤) الشطر للبيد، وعجزه: عندي ولم يفخر عليّ كرامها
وهو في ديوانه ص 178، شرح المعلقات 1/ 170، والعباب الفاخر (بوء) 1/ 56.
(٥) قال الصاغاني: ويقال: باء بحقّه، أي: أقرّ، وذا يكون أبدا بما عليه لا له. انظر العباب: (بوء) ، واللسان (بوء) ، والمجمل (بوء) .
(٦) انظر ترجمته في إنباه الرواة 1/ 383، ومعجم الأدباء 11/ 66، وهذا خطأ من المؤلف فالأحمر المراد هنا ليس خلفا بل هو علي بن المبارك الأحمر، صاحب الكسائي، وقد نقل هذا عنه أبو عبيد في الغريب المصنف.
(٧) قال ابن منظور: وقالوا: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تجمع على الغدايا، ولكنهم كسروه على ذلك ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا، فإذا أفردوه لم يكسروه. وقال ابن السكيت: أرادوا جمع الغداة فأتبعوها العشايا للازدواج. راجع اللسان (غدا) 15/ 117.