التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ٤٦

(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون). سورة البقرة، الآية: ٤٦

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ) 
وقَدْ وصَفَ تَعالى الخاشِعِينَ بِأنَّهم ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وهي صِلَةٌ لَها مَزِيدُ اتِّصالٍ بِمَعْنى الخُشُوعِ فَفِيها مَعْنى التَّفْسِيرِ لِلْخاشِعِينَ ومَعْنى بَيانِ مَنشَأِ خُشُوعِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هُنا الِاعْتِقادُ الجازِمُ وإطْلاقُ الظَّنِّ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ جِدًّا، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَصِفُ صَيّادًا رَمى حِمارَ وحْشٍ بِسَهْمٍ:
فَأرْسَلَهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ ∗∗∗ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ. 
وقالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: 
فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ ∗∗∗ سَراتُهم بِالفارِسِيِّ المُسَرَّجِ.
 فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاعْتِقادِ الجازِمِ وبَيْنَ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ والمُلاقاةُ والرُّجُوعُ هُنا مَجازانِ عَنِ الحِسابِ والحَشْرِ أوْ عَنِ الرُّؤْيَةِ والثَّوابِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللِّقاءِ وهو تَقارِبُ الجِسْمَيْنِ، وحَقِيقَةَ الرُّجُوعِ وهو الِانْتِهاءُ إلى مَكانٍ خَرَجَ مِنهُ المُنْتَهِي مُسْتَحِيلَةٌ هُنا. 
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ إلَخِ التَّعْرِيضُ بِالثَّناءِ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَحْرِيضُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّهَمُّمِ بِالِاقْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ وعَلى جَعْلِ الخِطابِ في قَوْلِهِ (﴿واسْتَعِينُوا﴾) لِلْمُسْلِمِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ. 
والمُلاقاةُ مُفاعَلَةٌ مَن لَقِيَ، واللِّقاءُ الحُضُورُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] والمُرادُ هُنا الحُضُورُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسابِ أيِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ). 
قوله تعالى: {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} : «الذين» يَحتملُ موضعُه الحركاتِ الثلاثَ، فالجرُّ على أنه تابعٌ لِما قَبْلَه نعتاً، وهو الظاهرُ، والرفعُ والنصبُ على القَطْع، وقد تقدَّم معناه. وأصلُ الظنِّ: رُجْحانُ أحدِ الطرفينِ وأمَّا هذه الآيةُ ففيها قولانِ، أحدُهما وعليه الأكثرُ أنَّ الظنَّ ههنا بمعنى اليقين ومثلُه: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20] ، وقوله:
431 - فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ
وقال أبو دُؤاد:
432 - رُبَّ همٍّ فَرَّجْتُه بعَزيمٍ ... وغُيوبٍ كَشَّفْتُها بظُنونِ
فاستُعْمِلَ الظنَّ استعمالَ اليقينِ مجازاً، كما استُعْمِل العِلْمُ استعمالَ الظنِّ كقولِه: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] ولكنَّ العربَ لا تَسْتَعْمِلُ الظنَّ استعمالَ اليقين إلا فيما لم يَخْرُجْ إلى الحِسِّ والمشاهدةِ كالآيتين والبيت، ولا تَجِدُهم يقولون في رجل مَرْئيٍّ حاضراً: أظنُّ هذا إنساناً.
والقولُ الثاني: أنَّ الظنَّ على بابِه وفيه حينئذٍ تأويلان، أحدُهما ذَكَره المهدوي والماوَرْدي وغيرُهما: أن يُضْمَر في الكلام «بذنوبهم» فكأنهم يتوقَّعون لقاءَه مُذْنِبين. قال ابن عطية: «وهذا تعسُّفٌ» والثاني من التأويلين: أنهم يظنُّون ملاقاةَ ثوابِ ربهم لأنهم ليسوا قاطِعين بالثوابِ دونَ العقاب، والتقديرُ: يَظُنُّون أنهم ملاقُو ثوابِ ربِّهم، ولكن يُشْكِلُ على هذا عَطْفُ {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فإنه لا يَكْفي فيه الظنُّ، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ في «إليه» على الربِّ سبحانه وتعالى، أمَّا إذا أَعَدْناه على الثوابِ المقدَّر فيزولُ الإِشكالُ أو يُقالُ: إنه بالنسبةِ إلى الأول بمعنى الظنِّ على بابه، وبالنسبةِ إلى الثاني بمعنى اليقينِ، ويكونُ قد جَمَعَ في الكلمةِ الواحدةِ بين الحقيقةِ والمجازِ، وهي مسألةُ خلافٍ و «أن» وما في حَيِّزها سادَّةٌ [مَسَدَّ] المفعولَيْنِ عندَ الجمهورِ، ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ عند الأخفش، وقد تقدَّم تحقيقُه.
و {مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} من باب إضافةِ اسم الفاعل لمعموله إضافةً تخفيفٍ لأنه مستقبلٌ، وحُذِفَتِ النونُ للإِضافة، والأصلُ: مُلاقونَ ربِّهم. والمفاعلةُ هنا بمعنى الثلاثي نحو: عافاك الله، قاله المهدوي: قال ابن عطية: وهذا ضعيفٌ، لأنَّ «لَقِيَ» يتضمَّن معنى «لاقى» . كأنه يَعْني أن المادةَ لذاتها تقتضي المشاركةَ بخلافِ غيرِها من: عاقَبْت وطارقت وعافاك. وقد تقدَّم أن في الكلام حَذْفاً تقديرُه: ملاقو ثوابِ ربِّهم وعقابِه. قال ابن عطية: «ويَصِحُّ أن تكونَ الملاقاةُ هنا الرؤيةَ التي عليها أهلُ السُّنَّةِ وورد بها متواترُ الحديث» ، فعلى هذا الذي قاله لا يُحْتاج إلى حَذْفِ مضاف. {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} عَطْفٌ على «أَنَّهم» وما في حَيِّزها، و «إليه» متعلق ب «راجعون» ، والضميرُ: إمَّا للربِّ سبحانَه أو الثَّوابِ كما تقدَّم، أو اللقاءِ المفهوم من «مُلاقُو» .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
ظن
الظَّنُّ: اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدّت إلى العلم، ومتى ضعفت جدّا لم يتجاوز حدّ التّوهّم، ومتى قوي أو تصوّر تصوّر القويّ استعمل معه (أنّ) المشدّدة، و (أن) المخفّفة منها. ومتى ضعف استعمل أن المختصّة بالمعدومين من القول والفعل[[هذا النقل حرفيا في البصائر 3/ 545، وعمدة الحفاظ: ظنّ.]] ، فقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 46] ، وكذا: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ﴾ [البقرة : 249] ، فمن اليقين، ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ [القيامة : 28] ، وقوله: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ﴾ [المطففين : 4] ، وهو نهاية في ذمّهم. ومعناه: ألا يكون منهم ظَنٌّ لذلك تنبيها أنّ أمارات البعث ظاهرة. وقوله: ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ [يونس : 24] ، تنبيها أنهم صاروا في حكم العالمين لفرط طمعهم وأملهم، وقوله: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ [ص : 24] ، أي: علم، والفتنة هاهنا. كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه : 40] ، وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء : 87] ، فقد قيل: الأولى أن يكون من الظَّنِّ الذي هو التّوهّم، أي: ظَنَّ أن لن نضيّق عليه[[وهذا قول عطاء وسعيد بن جبير، وكثير من العلماء. انظر: تفسير القرطبي 11/ 331.]] . وقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص : 39] ، فإنّه استعمل فيه (أنّ) المستعمل مع الظَّنِّ الذي هو للعلم، تنبيها أنهم اعتقدوا ذلك اعتقادهم للشيء المتيقّن وإن لم يكن ذلك متيقنا، وقوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران : 154] ، أي: يَظُنُّونَ أنّ النبيّ ﷺ لم يصدقهم فيما أخبرهم به كما ظَنَّ الجاهليّة، تنبيها أنّ هؤلاء المنافقين هم في حيّز الكفار، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾ [الحشر : 2] ، أي: اعتقدوا اعتقادا كانوا منه في حكم المتيقّنين، وعلى هذا قوله: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت : 22] ، وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح : 6] ، هو مفسّر بما بعده، وهو قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ [الفتح : 12] ، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية : 32] ، والظَّنُّ في كثير من الأمور مذموم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ [يونس : 36] ، ﴿وَإِنَّ الظَّنَ﴾ [النجم : 28] ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ [الجن : 7] ، وقرئ: وما هو على الغيب بِظَنِينٍ[[سورة التكوير: آية 24، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس. انظر: إرشاد المبتدي ص 623.]] أي: بمتّهم.