(وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). سورة البقرة، الآية: ١١١
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.
فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.
وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى الِاسْتِعْمالُ في النَّفْيِ الإجْمالِيِّ أنْ يُذْكَرَ نَشْرُهُ بِكَلِمَةِ (أوْ) .
والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ أيْ مُتَّبِعِ اليَهُودِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرُ كَثِيرٍ وهو سَماعِيٌّ مِنهُ قَوْلُهم عَوَّذَ جَمْعُ عائِذٍ وهي الحَدِيثَةُ النِّتاجِ مِنَ الظِّباءِ والخَيْلِ والإبِلِ ومِنهُ أيْضًا عائِطٌ وعَوْطٌ لِلْمَرْأةِ الَّتِي بَقِيَتْ سِنِينَ لَمْ تَلِدْ. وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبازِلٌ وبَزْلٌ، وفارِهٌ وفُرْهٌ، وإنَّما جاءَ هُودًا جَمْعًا مَعَ أنَّهُ خَبَّرَ عَنْ ضَمِيرِهِ كانَ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ مِن مُفْرَدًا لَفَظًا ومُرادُ بِهِ الجَماعَةُ فَجَرى ضَمِيرُهُ عَلى مُراعاةِ لَفْظِهِ وجَرى خَبَرًا وضَمِيرًا عَلى مُراعاةِ المَعْنى. والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى القَوْلَةِ الصّادِرَةِ مِنهم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى كَما هو الظّاهِرُ فالإخْبارُ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّها لَمّا كانَتْ أُمْنِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم صارَتْ إلى أمانِيَّ كَثِيرَةٍ وإمّا إرادَةُ أنَّ كُلَّ أمانِيهِمْ كَهَذِهِ ومُعْتادِهِمْ فِيها فَيَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
والأمانِيُّ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وجُمْلَةُ تِلْكَ أمانِيُّهم مُعْتَرِضَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُجابُّوا بِهَذا ولِذَلِكَ فَصَلَهُ لِأنَّهُ في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ قالُوا“ أتَجْعَلُ فِيها ”الآيَةَ وأتى بِإنَّ المُفِيدَةَ لِلشَّكِّ في صِدْقِهِمْ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الصِّدْقِ لِاسْتِدْراجِهِمْ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم غَيْرُ صادِقِينَ حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ البُرْهانِ لِأنَّ كُلَّ اعْتِقادٍ لا يُقِيمُ مُعْتَقِدِهِ دَلِيلَ اعْتِقادِهِ فَهو اعْتِقادٌ كاذِبٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ دَلِيلٌ لاسْتَطاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ ومِن بابِ أوْلى لا يَكُونُ صادِقًا عِنْدَ مَن يُرِيدُ أنْ يُرَوِّجَ عَلَيْهِ اعْتِقادَهُ.
و“ بَلى ”إبْطالٌ لِدَعْواهُما. و“ بَلى ”كَلِمَةٌ يُجابُ بِها المَنفِيُّ لِإثْباتِ نَقِيضِ النَّفْيِ وهو الإثْباتُ سَواءٌ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ عَنْ نَفْيِ وهو الغالِبُ أوْ بَعْدَ خَبَرٍ مَنفِيٍّ نَحْوَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى﴾ [القيامة: ٣]، وقَوْلُ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
يُخْبِرُكَ الواشُونَ أنْ لَنْ أُحِبُّكم بَلى وسُتُورُ اللَّهِ ذاتُ المَحارِمِ
وقَوْلُهُ“ مَن أسْلَمَ ”جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ عَنْ بَلى لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَتَطَلَّبُ كَيْفَ نَقَضَ نَفْيَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ أُرِيدَ بِها بَيانُ أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَتْ حِكْرَةً لِأحَدٍ ولَكِنْ إنَّما يَسْتَحِقُّها مَن أسْلَمَ إلَخْ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَهُ أجْرُهُ هو في مَعْنى لَهُ دُخُولُ الجَنَّةِ وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَحالَةَ. ومَن قُدِّرَ هُنا فِعْلًا بَعْدَ بَلى أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ فَإنَّما أرادَ تَقْدِيرَ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ إذْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرٍ هُنا.
وإسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ هو تَسْلِيمُ الذّاتِ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى أيْ شِدَّةُ الِامْتِثالِ لِأنَّ أسْلَمَ بِمَعْنى ألْقى السِّلاحَ وتَرَكَ المُقاوَمَةَ قالَ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والوَجْهُ هُنا الذّاتُ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ البَعْضُ الأشْرَفُ مِنَ الذّاتِ كَما قالَ الشَّنْفَرِيُّ:
إذا قَطَعُوا رَأْسِي وفي الرَّأْسِ أكْثَرِيُّ
ومِن إطْلاقِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى الحَقِيقَةِ تَقُولُ: جاءَ بِالأمْرِ عَلى وجْهِهِ أيْ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ الأعْشى:
وأوَّلُ الحُكْمِ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضاءٌ بِالهَوى الجائِرِ
ووُجُوهُ النّاسِ أشْرافُهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْلَمَ بِمَعْنى أخْلَصَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّلامَةِ أيْ جَعْلِهِ سالِمًا ومِنهُ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] .
وقَوْلُهُ“ وهو مُحْسِنٌ " جِيءَ بِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِإظْهارِ أنَّهُ لا يُغْنِي إسْلامُ القَلْبِ وحْدَهُ ولا العَمَلُ بِدُونِ إخْلاصٍ بَلْ لا نَجاةَ إلّا بِهِما ورَحْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ ذَلِكَ إذْ لا يَخْلُو امْرِؤٌ عَنْ تَقْصِيرٍ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْتِبارًا بِعُمُومِ مَن، كَما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ اعْتِبارًا بِإفْرادِ اللَّفْظِ وهَذا مِن تَفَنُّنِ العَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ سَآمَةِ التَّكْرارِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً} : «مَنْ» فاعلٌ بقوله «يَدْخُلَ» وهو استثناءٌ مفرغٌ، فإنَّ ما قبل «إلاَّ» مفتقرٌ لِما بعدَها، والتقديرُ: لن يدخلَ الجنةَ أحدٌ، وعلى مذهبِ الفراء يجوزُ في «مَنْ» وجهان آخران، وهما النصبُ على الاستثناءِ والرفعُ على البدلِ من «أحد» المحذوفِ، فإن الفراء يراعي المحذوفَ، وهو لو صُرِّح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران فكذلك مع تقدِيره عندَه، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين.
والجملةُ من قولِه: {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن} في محل نصبٍ بالقول، وحُمِلَ أولاً على لفظِ «مَنْ» فَأُفْرِدَ الضمير في قوله: «كان» ، وعلى معناها ثانياً فجُمِع في خَبَرِها وهو «هوداً» ، وفي مثلِ هذين الحَمْلين خلافٌ، أعني أن يكونَ الخبرُ غيرَ فعل، بل وصفاً يَفْصِلُ بين مذكرِه ومؤنثِه تاءُ التأنيثِ، فمذهَبُ جمهورِ البصريين والكوفيين جوازُه، ومذهبُ غيرِهم مَنْعُه، منهم أبو العباس، وهو مَحْجوجون بسماعِه من العربِ كهذه الآيةِ، فإنَّ هوداً جمعُ هائد على أظهر القولين، نحو: بازِل وبُزْل وعائِد وعُود وحائل وحُول وبائِر وبُور و «هائد» من الأوصافِ الفارقِ بين مذكرِها ومؤنثِها تاءُ التأنيثِ، وقال الشاعر: 678 - وأَيْقَظَ مَنْ كان مِنْكم نِياما ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «نيام» جمعُ نائمٍ وهو كالأول، وفي «هُود» ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه جمعُ هائِدٍ كما تقدَّم. والثاني: أنه مصدرٌ على فُعْل نحو حُزْن وشُرْب، يوصف به الواحدُ وغيرُه نحو: عَدْل وصَوْم. والثالث: - وهو قَوْلُ الفراء - أنَّ أصلَه «يَهود» فحُذِفَتِ الياء من أوله، وهذا بعيدٌ جداً.
و «أو» هنا للتفصيلِ والتنويعِ لأنه لمَّا لَفَّ الضميرَ في قوله: «وقالوا» فَصَّل القائلين، وذلك لِفَهْمِ المعنى وأَمْنِ الإلباس، والتقديرُ: وقالَ اليهودُ لًَنْ يدخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً، وقال النصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كان نصارى؛ لأنَّ مِن المعلومِ أنَّ اليهودَ لا تقول: لَنْ يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كان نصرانياً وكذلك النَّصارى، ونظيرُه: {قَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 135] إذ معلومُ أنَّ اليهودَ لا تَقُول: كونوا نصارى، ولا النصارى تقول: كونوا هوداً، وصُدِّرَت الجملةُ بالنفي ب «لن» لأنها تُخَلِّصُ للاستقبالِ ودخولُ الجنة مستقبلٌ. وقُدَّمَتِ اليهودُ على النصارى لفظاً لتقدُّمِهِم زماناً.
قوله: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} «تلك» مبتدأ، و «أمانِيُّهم» خبرُه، ولا محلَّ لهذه الجملةِ لكونها اعتراضاً بين قولِه: «وقالوا» وبين: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} فهي اعتراضٌ بين الدعوى ودليلها. والمشارُ إليه ب «تلك» فيه ثلاثةُ احتمالات أحدُها: أنه المقالةُ المفهومةُ مِنْ: «َقَالُواْ لَن يَدْخُلَ» ، أي: تلك المقالةُ أمانيُّهم، فإنْ قيل: فكيف أَفْرَدَ المبتدأ وجَمَعَ الخبرَ؟ فالجوابُ أن تلك كنايةً عن المقالةِ، والمقالةُ في الأصلِ مصدرٌ، والمصدرُ يقع بلفظِ الإِفرادِ للمفردِ والمثنَّى والمجموعِ، فالمرادُ ب «تلك» الجمعُ من حيث المعنى.
والثاني: - قاله الزمخشري - وهو أَنْ يُشار بها إلى الأماني المذكورة وهي أمْنُيَّتُهُم ألاَّ يُنَزَّلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأمنَّيتُهم أَنْ يَرُدُّوهم كفاراً، وأُمْنِيَّتُهم ألاَّ يَدْخُلَ الجنةَ غيرُهم. قال الشيخ: «وهذا ليس بظاهرٍ لأنّ كلَّ جملةٍ ذُكِرَ فيها وُدُّهم لشيء قد كَمَلَتْ وانفَصَلَتْ واستقلَّت بالنزولِ، فَيَبْعُد أنْ يشارَ إليها» . والثالث - وإليه ذهب الزمخشري أيضاً - أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: أمثالُ تلك الأُمْنِيَّة أمانِيُّهم، يريد أن أمانيَّهم جميعاً في البُطْلان مثلُ أمنِيَّتِهم هذه. انتهى ما قاله، يعني أنه أُشير بها إلى واحدٍ. قال الشيخُ في هذا الوجهِ، «وفيه قَلْبُ الوَضْعِ، إذ الأصلُ أن يكونَ» تلك «مبتدأ، و» أمانيُّهم «خبرٌ، فَقَلبَ هذا الوضعِ، إذ قال: إن أمانيَّهم في البُطْلان مثلُ أمنيَّتِهم هذه، وفيه أنَّه متى كان الخبرُ مُشَبَّهاً به المبتدأُ فلا يتقدَّمُ الخبرُ نحو: زيدٌ زهيرٌ، فإنْ تقدَّمَ كان ذلك من عكسِ التشبيهِ كقولك: الأسدُ زيدٌ شجاعةً» .
قوله: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ. واختُلِفَ في «هاتِ» على ثلاثة أقوال، أحدُها: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيحُ لاتصالِه بالضمائرِ المرفوعةِ البارزةِ نحو: هاتُوا، هاتي، هاتِيا، هاتِين. الثاني: أنه اسمُ فعلٍ بمعنى أحْضِرْ. والثالث - وبه قال الزمخشري -: أنه اسمُ صوتٍ بمعنى ها التي بمعنى أحْضِرْ.
وإذا قيل بأنه فعلٌ فاختُلِفَ فيه على ثلاثةِ أقوالٍ أيضاً، أصحُّها: أن هاءَه أصلٌ بنفسها، وأنَّ أصلَه هاتَي يُهاتي مُهاتاةً مثل: رامَى يُرامي مُراماة، فوزنه فاعَلَ فنقول: هاتِ يا زيدُ وهاتي يا هندُ وهاتوا وهاتِين يا هندات، كما تقولُ: رامِ رامي راميا رامُوا رامِينَ. وزعم ابن عطية أن تصريفَه مهجورٌ لا يُقال فيه إلا الأمرُ، وليس كذلك.
الثاني: أنَّ الهاءَ بَدَلٌ من الهمزةِ وأنَّ الأصلَ: أَأْتى وزنُه: أَفْعَل مثل أَكْرم. وهذا ليس بجيدٍ لوجهين، أحدهما: أنَّ آتى يتعدَّى لاثنينِ وهاتى يتعدَّى لواحدٍ فقط. والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أَنْ تعود الألفُ المُبْدَلةُ من الهمزةِ إلى أصلِها لزوالِ موجِبِ قَلْبِها وهو الهَمْزةُ الأولى ولم يُسْمع ذلك الثالث: أن هذه «ها» التي للتنبيه دَخَلَتْ على «أتى» ولَزِمَتْها، وحُذِفَتْ همزةُ أتى لُزوماً وهذا مردودٌ، فإنَّ معنى هاتِ أحْضِرْ كذا ومعنى ائتِ: احضَرْ أنت، فاختلافُ المعنى يَدُلُّ على اختلافِ المادة. فتحصَّل في «هاتُوا» سبعةُ أقوالٍ، فعلٌ أو اسمُ فعلٍ أو اسمُ صوتٍ، والفعلُ هل يَتصرَّفُ أو لا يتصرفُ، وهل هاؤُه أصلية أو بَدَلٌ من همزةٍ أو هي هاءُ التنبيه زِيدت وحُذِفَتْ همزتُه؟ وأصلُ هاتوا: هاتِيُوا، فاستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياء فحُذِفَت، فالتقى ساكنان فَحُذِفَ أوَّلُهما وضُمَّ ما قبلَه لمجانسة الواو فصار هاتوا.
قوله: {بُرْهَانَكُمْ} مفعولٌ به، واختُلِفَ فيه على قَوْلَيْن، أحدُهما: أنه مشتقٌّ من البُرْهِ وهو القَطْعُ، وذلك أنه دليلٌ يفيدُ العلمَ القطعيَّ، ومنه: بُرْهَةُ الزمان أي: القِطْعَةُ منه فوزنه فُعْلان. والثاني: أن نونَه أصليةٌ لثبوتِها في بَرْهَنَ يُبَرْهِنُ بَرْهَنَةً، والبَرْهَنَةُ البيانُ، فَبَرْهَنَ فَعْلَلَ لا فَعْلَنَ، لأنَّ فعلنَ غيرُ موجود في أبنيتهم فوزنه فُعْلال، وعلى هذين القولين يترتَّب الخلافُ في صَرْفِ «بُرهان» وعدمِه مُسَمَّى به.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بره
البُرْهَان: بيان للحجة، وهو فعلان مثل: الرّجحان والثنيان، وقال بعضهم: هو مصدر بَرِهَ يَبْرَهُ: إذا ابيضّ، ورجل أَبْرَهُ وامرأة بَرْهَاءُ، وقوم بُرْهٌ، وبَرَهْرَهَة(١) : شابة بيضاء.
والبُرْهَة: مدة من الزمان، فالبُرْهَان أوكد الأدلّة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدا لا محالة، وذلك أنّ الأدلة خمسة أضرب:
- دلالة تقتضي الصدق أبدا.
- ودلالة تقتضي الكذب أبدا.
- ودلالة إلى الصدق أقرب.
- ودلالة إلى الكذب أقرب.
- ودلالة هي إليهما سواء.
قال تعالى: قُلْ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة : 111] ، قُلْ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء : 24] ، ﴿قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء : 174] .
(١) انظر: المجموع المغيث 1/ 153.