(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٢٢
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
أُعِيدَ نِداءُ بَنِي إسْرائِيلَ نِداءَ التَّنْبِيهِ والإنْذارِ والتَّذْكِيرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ الماضِي لِأجْلِهِ فَإنَّهُ ابْتَدَأ نِداءَهم أوَّلًا بِمِثْلِ هاتِهِ المَوْعِظَةِ في ابْتِداءِ التَّذْكِيرِ بِأحْوالِهِمُ الكَثِيرَةِ خَيْرِها وشَرِّها عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هاتِهِ الجُمْلَةِ هُناكَ كَذِكْرِ المَطْلُوبِ في صِناعَةِ المَنطِقِ قَبْلَ إقامَةِ البُرْهانِ، وذِكْرُها هُنا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ في المَنطِقِ عَقِبَ البُرْهانِ تَأْيِيدًا لِما تَقَدَّمَ وفَذْلَكَةً لَهُ وهو مِن ضُرُوبِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالألْفاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِها هُنالِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ، ولَمْ يُخالِفْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا في التَّرْتِيبِ بَيْنَ العَدْلِ والشَّفاعَةِ، فَهُنالِكَ قَدَّمَ (﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وأخَّرَ (﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وهُنا قَدَّمَ ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ وأخَّرَ لَفْظَ الشَّفاعَةِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَنْفَعُها وهو تَفَنُّنٌ، والتَّفَنُّنُ في الكَلامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الإعادَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ، وقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إذْ جاءَتِ الشَّفاعَةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مُسْنَدًا إلَيْها المَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلى العَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِها، ونَفْيُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أخْذِ الفِداءِ، فَعَطَفَ نَفْيَ أخَذِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدَّمَ الفِداءَ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ المَقْبُولِيَّةُ، ونَفْيُ قَبُولِ الفِداءِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ، فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ عَلى نَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ أيْضًا. والحاصِلُ أنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ في الآيَتَيْنِ أوَّلًا وذُكِرَ الآخَرُ بَعْدَهُ. وأمّا نَفْيُ القَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفاعَةِ ومَرَّةً عَنِ العَدْلِ فَلِأنَّ أحْوالَ الأقْوامِ في طَلَبِ الفِكاكِ عَنِ الجُناةِ تَخْتَلِفُ فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الفِداءَ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعاءَ. ومَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعاءَ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهم عَرَضُوا الفِداءَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ مُرادٌ مِنهُ أنَّهُ لا عَدْلَ فَيُقْبَلُ ولا شَفاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِأنَّ دَفْعَ الفِداءِ مُتَعَذِّرٌ وتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إذْ لا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ
عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
يُرِيدُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ المُلازِمَةِ لَهُ كَقَوْلِهِمْ
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
. وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المَناطِقَةُ بِأنَّ السّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ المَوْضُوعِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالًا في أصْلِ العَرَبِيَّةِ فَلا والمَناطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أسالِيبَ اليُونانِ.
والقَوْلُ في بَقِيَّةِ الآياتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ في نَظِيرَتِها.
وهُنا خَتَمَ الحِجاجَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَلِكَ مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
للل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
نعم
النِّعْمَةُ: الحالةُ الحسنةُ، وبِنَاء النِّعْمَة بِناء الحالةِ التي يكون عليها الإنسان كالجِلْسَة والرِّكْبَة، والنَّعْمَةُ: التَّنَعُّمُ، وبِنَاؤُها بِنَاءُ المَرَّة من الفِعْلِ كالضَّرْبَة والشَّتْمَة، والنِّعْمَةُ للجِنْسِ تقال للقليلِ والكثيرِ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل : 18] ، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة : 40] ، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة : 3] ، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 174] إلى غير ذلك من الآيات. والإِنْعَامُ: إيصالُ الإحسانِ إلى الغَيْرِ، ولا يقال إلّا إذا كان المُوصَلُ إليه من جِنْسِ النَّاطِقِينَ، فإنه لا يقال أَنْعَمَ فلانٌ على فَرَسِهِ. قال تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة : 7] ، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : 37] والنَّعْمَاءُ بإِزَاءِ الضَّرَّاءِ. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [هود : 10] والنُّعْمَى نقيضُ البُؤْسَى، قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف : 59] والنَّعِيمُ: النِّعْمَةُ الكثيرةُ، قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس : 9] ، وقال: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [لقمان : 8] وَتَنَعَّمَ: تَنَاوَلَ ما فيه النِّعْمَةُ وطِيبُ العَيْشِ، يقال: نَعَّمَهُ تَنْعِيماً فَتَنَعَّمَ. أي: جَعَلَهُ في نِعْمَةٍ. أي: لِينِ عَيْشٍ وخَصْبٍ، قال: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر : 15] وطعامٌ نَاعِمٌ، وجارية نَاعِمَةٌ. [والنَّعَمُ مختصٌّ بالإبل] ، وجمْعُه: أَنْعَامٌ، [وتسميتُهُ بذلك لكون الإبل عندهم أَعْظَمَ نِعْمةٍ، لكِنِ الأَنْعَامُ تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أَنْعَامٌ حتى يكون في جملتها الإبل](١) . قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف : 12] ، ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام : 142] ، وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ [يونس : 24] فَالْأَنْعَامُ هاهنا عامٌّ في الإبل وغيرها. والنُّعَامَى: الرِّيحُ الجَنُوبُ النَّاعِمَةُ الهبُوبِ، والنَّعَامَةُ: سُمِّيَتْ تشبيهاٍ بِالنَّعَمِ في الخِلْقة، والنَّعَامَةُ: المَظَلَّةُ في الجَبَلِ، وعلى رأس البئر تشبيهاً بالنَّعَامَةِ في الهَيْئَة مِنَ البُعْدِ، والنَّعَائِمُ: من مَنَازِلِ القَمَرِ تشبيهاً بِالنَّعَامَةِ وقول الشاعر:
449- وابْنُ النَّعَامَةِ عِنْدَ ذَلِكَ مَرْكَبِي(٢)
فقد قيل: أراد رِجْلَهُ، وجعلها ابنَ النَّعَامَةِ تشبيهاً بها في السُّرْعَة. وقيل: النَّعَامَةُ بَاطِنُ القَدَمِ، وما أرَى قال ذلك من قال إلّا من قولهم: ابْنُ النَّعَامَةِ. وقولهم تَنَعَّمَ فُلَانٌ: إذا مَشَى مشياً خَفِيفاً فَمِنَ النِّعْمَةِ.
و «نِعْمَ» كلمةٌ تُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ بإِزَاءِ بِئْسَ في الذَّمّ، قال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص : 44] ، ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر : 74] ، ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال : 40] ، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات : 48] ، ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة : 271] وتقول: إن فَعَلْتَ كَذَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ. أي: نِعْمَتِ الخَصْلَةُ هِيَ، وغَسَّلْتُهُ غَسْلًا نِعمَّا، يقال: فَعَلَ كذا وأَنْعَمَ. أي: زَادَ، وأصله من الإِنْعَامِ، ونَعَّمَ اللَّهُ بِكَ عَيْناً.
و «نَعَمْ» كلمةٌ للإيجابِ من لفظ النِّعْمَة، تقول: نَعَمْ ونُعْمَةُ عَيْنٍ ونُعْمَى عَيْنٍ ونُعَامُ عَيْنٍ، ويصحُّ أن يكون من لفظ أَنْعَمَ منه، أي: أَلْيَنَ وأَسْهَلَ.
(١) ما بين [] نقله البغدادي في الخزانة 1/ 408.
(٢) هذا عجز بيت، وشطره: ويكون مركبك القعود ورحله
وهو لعنترة في ديوانه ص 33، والمجمل 3/ 874. وقيل: هو لخرز بن لوذان.