التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٤٠

(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٤٠

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وهي إضْرابٌ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ وفِيها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ وهو اسْتِفْهامٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ وذَلِكَ لِمَبْلَغِهِمْ مِنَ الجَهْلِ بِتارِيخِ شَرائِعِهِمْ زَعَمُوا أنَّ إبْراهِيمَ وأبْناءَهُ كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ أوْ عَلى النَّصْرانِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قُلْ ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ ولِدَلالَةِ آياتٍ أُخْرى عَلَيْهِ مِثْلَ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] والأُمَّةُ إذا انْغَمَسَتْ في الجَهالَةِ وصارَتْ عَقائِدُها غُرُورًا ومِن دُونِ تَدَبُّرٍ اعْتَقَدَتْ ما لا يَنْتَظِمُ مَعَ الدَّلِيلِ واجْتَمَعَتْ في عَقائِدِها المُتَناقِضاتُ، وقَدْ «وجَدَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ في الكَعْبَةِ صُورَةَ إبْراهِيمَ يَسْتَقْسِمُ بِالأزْلامِ في الكَعْبَةِ فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وقالَ واللَّهِ إنِ اسْتَقْسَمَ بِها قَطُّ»، وقالَ تَعالى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] فَرَماهم بِفَقْدِ التَّعَقُّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّ أُمْ مُتَّصِلَةً مُعادِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أمْرًا ثانِيًا لاحِقًا لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] ولَيْسَ هَذا المَحْمَلُ بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّ في اعْتِبارِ الِالتِفاتِ مَناصًّا مِن ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ التَّقْدِيرُ، وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] وقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ التَّقْرِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أنَّهُ أعْلَمَهم بِأمْرٍ جَهِلَتْهُ عامَّتُهم وكَتَمَتْهُ خاصَّتُهم ولِذَلِكَ قالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُشِيرُ إلى خاصَّةِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ تَرَكُوا عامَّةَ أُمَّتِهِمْ مُسْتَرْسِلِينَ عَلى عَقائِدِ الخَطَأِ والغُرُورِ والضَّلالَةِ وهم ساكِتُونَ لا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِمْ إرْضاءً لَهم واسْتِجْلابًا لِمَحَبَّتِهِمْ وذَلِكَ أمُرُّ إذا طالَ عَلى الأُمَّةِ تَعَوَّدَتْهُ وظَنَّتْ جَهالَتُها عَلِمًا فَلَمْ يَنْجَحْ فِيها إصْلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّها تَرى المُصْلِحِينَ قَدْ أتَوْا بِما لَمْ يَأْتِ بِهِ الأوَّلُونَ فَقالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
* * *
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
هَذا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أمَرَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهم بِالعَهْدِ الَّذِي في كُتُبِهِمْ عَسى أنْ يُراجِعُوا أنْفُسَهم ويُعِيدُوا النَّظَرَ إنْ كانُوا مُتَرَدِّدِينَ أوْ أنْ يَفِيئُوا إلى الحَقِّ إنْ كانُوا مُتَعَمِّدِينَ المُكابَرَةَ. و”مِن“ في قَوْلِهِ مِنَ اللَّهِ ابْتِدائِيَّةٌ أيْ شَهادَةٌ عِنْدَهُ بَلَغَتْ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ. والواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عَلى جُمْلَةٍ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ اغْتِرارِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ إنَّ إبْراهِيمَ وأبْناءَهُ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى ولَيْسَ هَذا احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بَقِيَّةُ مَقُولِ القَوْلِ وهو تَهْدِيدٌ لِأنَّ القادِرَ إذا لَمْ يَكُنْ غافِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مانِعٌ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُ هَذا في مَواضِعَ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} : قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن عامر بتاءِ الخطابِ والباقون بالياء، فأمّا قراءةُ الخطابِ فتحتمل «أم» فيها وَجْهين «، أحدُهما: أن تكونَ المتصلةَ، والتعادلُ بين هذه الجملةِ وبين قوله:» أتحاجُّوننا، فالاستفهامُ عن وقوعِ أحدِ هذين الأمْرَيْن: المُحاجَّةِ في اللهِ او ادِّعاءٍ على إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه اليهوديَة والنصرانيةَ، وهو استفهامُ إنكارٍ وتويبخٍ كما تقدَّم فإنَّ كِلا الأمرين باطلٌ. والثاني: أن تكونَ المنقطعةَ فتتقدَّرَ ب «بل» والهمزةِ، على ما تقرَّر في المنقطعة على أصحِّ المذاهبِ، والتقدير: بل أتقولون: والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ أيضاً فيكونُ قد انتقل عن قولِه: أتحاجُّوننا وأَخَذَ في الاستفهام عن قضيةٍ أخرى، والمعنى على إنكارِ نسبةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ إلى إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه.
وأمَّا قراءةُ الغَيْبة فالظاهرُ أنَّ «أم» فيها منقطعةٌ على المعنى المتقدَّم. وحكى الطبري عن بعضِ النحويين أنها متصلةٌ لأنك إذا قلت: أتقومُ أم يقولم عمروٌ: أيكونُ هذا أم هذا. وردَّ ابنُ عطية هذا الوجهَ فقال: «هذا المثالُ غيرُ جيدٍ، لأنَّ القائلَ فيه واحدٌ والمخاطَبُ واحدٌ، والقولُ في الآيةِ من اثنين والمخاطَبُ اثنان غَيْرانِ، وإنّما تَتَّجِهُ معادَلةُ» أم «للألفِ على الحكم المعنوي، كأنَّ معنى قُلْ أتحاجُّوننا: أيُحاجُّون يا محمد أم يقولون» انتهى. وقال الزمخشري: «وفيمَنْ قَرَأَ بالياء لا تكونُ إلا منقطعةً» قال الشيخ: «ويمكن الاتصالُ مع قراءةِ الياءِ، ويكون ذلك من الالتفاتِ إذ صارَ فيه [ خروجٌ] من خطابٍ إلى غَيْبةِ، والضميرُ لناسٍ مخصوصين» . وقال أبو البقاء: «أم يقولونَ يُقْرأ بالياء ردَّاً على قوله:» فَسَيَكْفيكُهُم الله «فجَعَلَ هذه الجملةَ متعلقةً بقولِه:» فسيكفيكَهم «وحينئذٍ لا تكونُ إلا منقطعةً لِمَا عَرَفْتَ أنَّ من شرط المتصلةِ تقدُّمَ همزةِ استفهامٍ أو تسويةٍ مع أن المعنى ليس/ على أنَّ الانتقالَ مِن قولِه:» فَسَيَكْفيكهم «إلى قولِه» أم يقولون «حتى يَجْعَلَه ردَّاً عليه وهو بعيدٌ عنه لفظاً ومعنىً.
وقال الشيخ:» الأحسنُ في القراءتين أن تكونَ «أم» منقطعةً وكأنه أنكرَ عليهم مُحاجَّتَهم في الله ونسبة أنبيائِه لليهودية والنصرانية، وقد وَقَع منهم ما أَنْكَرَ عليهم، ألا ترى إلى قولِه: {قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 65] الآيات وإذا جَعَلْناها متصلةً كان ذلك غيرَ متضمِّنٍ وقوعَ الجملتين، بل إحداهما، وصارَ السؤالُ عن تعيينِ إحداهما، وليس الأمرُ كذلك إذا وقعا معاً. وهذا الذي قاله الشيخُ حسنٌ جداً. و «أو» في قولِه: «هوداً أو نصارى» كهي في قولِه: {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى}
[البقرة: 111] وقد تقدَّم تحقيقُه.
قوله: {أَمِ الله} أم متصلةٌ، والجلاَلةُ عَطْفٌ على «أنتم» ، ولكنه فَصَل بين المتعاطِفينَ بالمسؤولِ عنه، وهو أحسنُ الاستعمالاتِ الثلاثةِ: وذلك أنه يَجوزُ في مثلِ هذا التركيبِ ثلاثةُ أوجهٍ: تقدُّمُ المسؤولِ عنه نحو: أأعلم أنتم أم اللهُ، وتوسُّطُه نحو: أأنتم أعلمُ أم اللهُ، وتأخيرُه نحو: أأنتم أم الله أعلمُ: وقال أبو البقاء: «أم الله» مبتدأ والخبرُ محذوفٌ، أي: أم الله أعلمُ، و «أم» هنا المتصلةُ أي: أيُّكم أعلم «وهذا الذي قاله فيه نظرٌ، لأنَّه إذا قَدَّر له خبراً صناعياً صار جملةً، وأم المتصلةُ لا تَعْطِفُ الجملةَ بل المفردَ وما في معناه. وليس قولُ أبي البقاء بتفسيرِ معنىً فيُغْتفَرَ له ذلك بل تفسيرُ إعرابٍ، والتفضيلُ في قوله» أعلمُ «على سبيلِ الاستهزاءِ وعلى تقديرِ أن يُظَنَّ بهم عِلْمٌ من الجَهَلَةِ وإلاّ فلا مشاركةَ، ونظيرُه قولُ حسان:
751 - أتَهْجوه ولَسْتَ له بكُفْءٍ ... فَشَرُّكما لخيرِ كما الفِداءُ
وقد عُلِم أنَّ الرسولَ خيرٌ كلُّه.
قوله: {مِنَ الله} في» مِنْ «أربعة أوجه، أحدها: أنها متعلِّقةٌ ب» كَتَم «، وذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: كَتَم مِنْ عبادِ الله شهادةً عندَه. الثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها صفةٌ لشهادة بعد صفةٍ، لأنَّ» عنده «صفةٌ لشهادة» وهو ظاهرُ قولِ الزمخشري فإنَّه قال: و «مِنْ» في قولِه: {شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله} مثلُها في قولِك: «هذه شهادةٌ مني لفلان» إذا شَهِدْتَ له، ومثلُه: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} [براءة: 1] الثالث: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المضمرِ في «عنده» ، يعني مِن الضميرِ المرفوعِ بالظرفِ لوقوعِه صفةً، ذَكَره أبو البقاء. الرابع: أن يتعلَّقَ بذلك المحذوفِ الذي تعلَّق به الظرفُ وهو «عنده» لوقوعِه صفةً، والفرقُ بينه وبين الوجهِ الثاني أنَّ ذاك له عاملٌ مستقلٌ غيرُ العاملِ في الظرف.
قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ تُعَلَّقَ» مِنْ «بشهادةٍ، لئلا يُفْصَلَ بين الصلةِ والموصولِ بالصفةِ يعني أنَّ» شهادة «مصدرٌ مؤولٌ بحرفٍ مصدري وفعلٍ فلو عَلَّقْتَ» مِنْ «بها لكنْتَ قد فَصَلْتَ بين ما هو في معنى الموصولِ وبين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي وهو الظرفُ الواقعُ صفةً لشهادة. وفيه نظرٌ من وجهين: أحدُهما: لأ نُسَلِّمُ أنَّ» شهادة «يَنْحَلُّ لموصولٍ وصلتِه، فإنَّ كلَّ مصدرٍ لا يَنْحَلُّ لهما. والثاني: سَلَّمْنا ذلك ولكن لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنَّ الظرفَ صفةٌ بل هو معمولٌ لها، فيكونُ بعضُ الصلةِ لا أجنبياً حتى يَلْزم الفصلُ به بين الموصول وصلِته، وإنَّما كان طريقُ مَنْع هذا بَغَيْرِ ما ذَكَر، وهو أنَّ المعنى يأبى ذلك.
وكَتَمَ يتعدَّى لاثنين فأولُهما في الآيةِ الكرمية محذوفٌ تقديرُه: كَتَمَ الناسُ شهادةً، والأحسنُ من هذه الوجوهِ أن تكونَ» من الله «صفةً لشهادة أو متعلقةً بعامل الظرفِ لا متعلقةً بكتم، وذلك أنَّ كتمانَ الشهادةِ مع كونِها مستودعةً مِنَ الله عندَه أبلغُ في الأظلميَّةِ مِنْ كتمانِ شهادةٍ مطلقةٍ من عبادِ الله.
وقال في «ريّ الظمآن» : «في الآيةِ تقديمُ وتأخيرُ، والتقديرُ: ومَنْ أظلمُ مِنَ الله مِمَّنْ كَتَمَ شهادةً حَصَلَتْ له كقولِك:» ومَنْ أظلمُ من زيدٍ من جملةِ الكلمتين للشهادة «والمعنى: لو كانَ إبراهيمُ وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إنَّ الله كَتَمَ هذه الشهادةَ لم يكن أحدٌ مِمَّنْ يكتمُ الشهادةَ أظلمَ منه، لكن لمَّا استحال ذلك مع عَدْلِه وتنزيهه عن الكذبِ عَلِمْنا أنَّ الأمرَ ليس كذلك» . قال الشيخ: «وهذا متكلفٌ جداً من حيث التركيبُ ومن حيث المدلولُ: أمَّا التركيبُ فإنَّ التقديمَ والتأخيرَ من الضرائرِ عند الجمهور، وأيضاً فيبقى قوله:» مِمَّن كتم «متعلِّقاً إمَّا بأظلم، فيكونُ ذلك على طريق البدليَّةِ، ويكون إذ ذاك بدلَ عامٍ من خاص وليس بثابتٍ، وإنْ كان بعضُهم زَعَمَ ورودَه، لكنَّ الجمهور تأوَّلوه بوضعِ العامِّ موضعَ الخاص، أو تكونُ» مِنْ «متعلقةً بمحذوف فتكونُ في موضعِ الحال أي: كائناً من الكاتمين. وأمَّا من حيث المدلولُ فإنَّ ثبوتَ الأظلميَّة لمن جُرَّ ب» مِنْ «يكونُ على تقدير، أي: إنْ كَتَمها فلا أحدَ أظلمُ منه، وهذا كلُّه معنىً لا يَليقُ به تعالى ويُنَزَّه كتابُه عنه» .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
شهد
الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر، أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور مفردا قال الله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، لكن الشهود بالحضور المجرّد أولى، والشّهادة مع المشاهدة أولى، ويقال للمحضر: مَشْهَدٌ، وللمرأة التي يحضرها زوجها: مُشْهِدٌ، وجمع مَشْهَدٍ: مَشَاهِدُ، ومنه: مَشَاهِدُ الحجّ، وهي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل: مَشَاهِدُ الحجّ: مواضع المناسك. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج : 28] ، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ [النور : 2] ، ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل : 49] ، أي: ما حضرنا، ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان : 72] ، أي: لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمّهم وإرادتهم.
والشَّهَادَةُ: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، يعني مُشَاهَدَةِ البصر ثم قال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزخرف : 19] ، تنبيها أنّ الشّهادة تكون عن شُهُودٍ، وقوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران : 70] ، أي: تعلمون، وقوله: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ﴾ [الكهف : 51] ، أي: ما جعلتهم ممّن اطّلعوا ببصيرتهم على خلقها، وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [السجدة : 6] ، أي: ما يغيب عن حواسّ الناس وبصائرهم وما يشهدونه بهما. وشَهِدْتُ يقال على ضربين: أحدهما جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشّهادة، ويقال: أَشْهَدُ بكذا، ولا يرضى من الشّاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني يجري مجرى القسم، فيقول: أشهد بالله أنّ زيدا منطلق، فيكون قسما، ومنهم من يقول: إن قال: أشهد، ولم يقل: بالله يكون قسما، ويجري علمت مجراه في القسم، فيجاب بجواب القسم نحو قول الشاعر:
274- ولقد علمت لتأتينّ منيّتي(١)
ويقال: شَاهِدٌ وشَهِيدٌ وشُهَدَاءُ، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ [البقرة : 282] ، قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة : 282] ، ويقال: شَهِدْتُ كذا، أي: حضرته، وشَهِدْتُ على كذا، قال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت : 20] ، وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ [يوسف : 26] ، وعن الإقرار نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور : 6] ، أن كان ذلك شَهَادَةٌ لنفسه. وقوله وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يوسف : 81] أي: ما أخبرنا، وقال تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة : 17] ، أي: مقرّين. لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت : 21] ، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران : 18] ، فشهادة الله تعالى بوحدانيّته هي إيجاد ما يدلّ على وحدانيّته في العالم، وفي نفوسنا كما قال الشاعر:
275- ففي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد(٢)
قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى لمّا شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق كلّ شيء كما نطق بالشّهادة له، وشهادة الملائكة بذلك هو إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وهي المدلول عليها بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات : 5] ، وشهادة أولي العلم: اطّلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك(٣) ، وهذه الشّهادة تختصّ بأهل العلم، فأمّا الجهّال فمبعدون منها، ولذلك قال في الكفّار: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف : 51] ، وعلى هذا نبّه بقوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر : 28] ، وهؤلاء هم المعنيّون بقوله: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء : 69] ، وأمّا الشَّهِيدُ فقد يقال لِلشَّاهِدِ، والْمُشَاهِدِ للشيء، وقوله: ﴿مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق : 21] ، أي: من شهد له وعليه، وكذا قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء : 41] ، وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق : 37] ، أي: يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضدّ من قيل فيهم: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت : 44] ، وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ(٤) ، إلى قوله: مَشْهُوداً(٥) أي: يشهد صاحبه الشّفاء والرّحمة، والتّوفيق والسّكينات والأرواح المذكورة في قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء : 82] ، وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة : 23] ، فقد فسّر بكلّ ما يقتضيه معنى الشهادة، قال ابن عباس: معناه أعوانكم(٦) ، وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعضهم: الذين يعتدّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم شعر:
276- مخلّفون ويقضي الله أمرهمو ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا(٧)
وقد حمل على هذه الوجوه قوله: ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ [القصص : 75] ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات : 7] ، ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت : 53] ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء : 79] ، فإشارة إلى قوله: ﴿لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر : 16] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه : 7] ، ونحو ذلك ممّا نبّه على هذا النحو، والشَّهِيدُ: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه إشارة إلى ما قال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ... الآية [فصلت : 30] ، قال: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [الحديد : 19] ، أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعدّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران : 169-170] ، وعلى هذا دلّ قوله: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، وقوله: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج : 3] ، قيل: الْمَشْهُودُ يوم الجمعة(٨) ، وقيل: يوم عرفة، ويوم القيامة، وشَاهِدٌ: كلّ من شهده، وقوله: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود : 103] ، أي: مشاهد تنبيها أن لا بدّ من وقوعه، والتَّشَهُّدُ هو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وصار في التّعارف اسما للتّحيّات المقروءة في الصّلاة، وللذّكر الذي يقرأ ذلك فيه.



(١) الشطر للبيد، من معلقته، وعجزه: إنّ المنايا لا تطيش سهامها
وهو من شواهد سيبويه 1/ 465، ومغني اللبيب ص 524، ويروى عجزه: لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وهو بهذه الرواية لم ينسب، وانظر: خزانة الأدب 9/ 159.
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص 62، والزهرة 2/ 502، وهو في البصائر 3/ 352، ونظم الدرر 4/ 289، دون نسبة.
(٣) قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة.
الرابع: أنّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنّ الله لا يَسْتَشْهِدُ من خلقه إلا العدول.
راجع: مفتاح دار السعادة 1/ 48.
(٤) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٥) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء: آية 78.
(٦) انظر: تفسير الماوردي 1/ 77، والبصائر 3/ 353.
(٧) البيت للأخطل في ديوانه ص 109.
وهو في البصائر 3/ 353 دون نسبة، وعجزه في مقدمة جامع التفاسير للمؤلف ص 155، ولم يعرفه المحقق.
(٨) أخرج الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» . انظر: الدر المنثور 8/ 463، وعارضة الأحوذي 12/ 237.