التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١١٧

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). سورة البقرة، الآية: ١١٧

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
هُوَ بِالرَّفْعِ خَبْرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]“ وذَلِكَ مِن جِنْسِ ما يُسَمُّونَهُ بِالنَّعْتِ المَقْطُوعِ.
والبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْداعِ وهو الإنْشاءُ عَلى غَيْرِ مِثالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إنْشاءِ المُنْشَآتِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ وذَلِكَ هو خَلْقُ أُصُولِ الأنْواعِ وما يَتَوَلَّدُ مِن مُتَوَلِّداتِها، فَخَلْقُ السَّماواتِ إبْداعٌ وخَلْقُ الأرْضِ إبْداعٌ وخَلْقُ آدَمَ إبْداعٌ وخَلْقُ نِظامِ التَّناسُلِ إبْداعٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِن بَدَعَ المُجَرَّدِ مِثْلَ قَدَرَ إذا صَحَّ ووَرَدَ بَدَعَ بِمَعْنى قَدَرَ بِقِلَّةٍ أوْ هو مُشْتَقٌّ مِن أبْدَعَ ومَجِيءُ فَعِيلٍ مِن أفْعَلَ قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كْرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ

يُرِيدُ المَسْمَعَ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
سَقاكَ بِها المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ∗∗∗ فَأنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنها وعَلَّكَ

أيْ كَأْسًا مَرْوِيَّةً. فَيَكُونُ هُنا مِمّا جاءَ قَلِيلًا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ويَأْتِي في قَوْلِهِ ”بَشِيرًا ونَذِيرًا“ وقَدْ قِيلَ في البَيْتِ تَأْوِيلاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ حُفِظَ في ألْفاظٍ مِنَ الفَصِيحِ غَيْرِ قَلِيلَةٍ مِثْلِ النَّذِيرِ والبَشِيرِ إلّا أنَّ قِلَّتَهُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ لِأنَّ شُهْرَتَهُ تَمْنَعُ مِن جَعْلِهِ غَرِيبًا. وأمّا كَوْنُهُ مُخالِفًا لِلْقِياسِ فَلا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوَلَّدِ إذا أرادَ أنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ في مادَّةٍ أُخْرى.
وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ بَدِيعَ هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَأْخُوذٌ مِن بَدُعَ بِضَمِّ الدّالِّ أيْ كانَتِ البَداعَةُ صِفَةً ذاتِيَّةً لَهُ بِتَأْوِيلِ بَداعَةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي هي مِن مَخْلُوقاتِهِ فَأُضِيفَتْ إلى فاعِلِها الحَقِيقِيِّ عَلى جَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ بِهِ وأجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَكُونَ ضَمِيرُهُ فاعِلًا لَفْظًا عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ بَدِيعُ الشِّعْرِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ.
وأمّا بَيْتُ عَمْرٍو فَإنَّما عَيَّنُوهُ لِلتَّنْظِيرِ ولَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ السَّمِيعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَرِدْ سَمِيعٌ بِمَعْنى مَسْمُوعٍ مَعَ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. الثّانِي: أنَّ سَمِيعٌ وقَعَ وصْفًا لِلذّاتِ وهو الدّاعِي، وحُكْمُ سَمِعَ إذا دَخَلَتْ عَلى ما لا يَسْمَعُ أنْ تَصِيرَ مِن أخَوات ظَنَّ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ مَفْعُولٍ ثانٍ بَعْدَ النّائِبِ المُسْتَتِرِ وهو مَفْقُودٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى وصْفِ الدّاعِي بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ بَلْ عَلى وصْفِهِ بِأنَّهُ مُسْمِعٌ أيِ الدّاعِي القاصِدُ لِلْإسْماعِ المُعْلِنُ لِصَوْتِهِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ داعٍ في أمْرٍ مُهِمٍّ. ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِبَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ مُرادٌ بِهِ أنَّهُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وفي هَذا الوَصْفِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَن جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما. فَلا شَيْءَ مِن تِلْكَ المَوْجُوداتِ أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ ولَدًا لَهُ، بَلْ جَمِيعُ ما بَيْنَهُما عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولِهَذا رُتِّبَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى كَوْنِهِ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ في سُورَةِ الأنْعامِ بِقَوْلِهِ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصارى واسْتِدْلالٌ عَلى أنَّهُ لا يَتَّخِذُ ولَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الكائِناتِ كُلَّها بِتَكْوِينٍ واحِدٍ وكُلُّها خاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وذَلِكَ أنّالنَّصارى تَوَهَّمُوا أنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ مِن غَيْرِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ تَكْوِينَ أحْوالِ المَوْجُوداتِ مِن لا شَيْءَ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى التَّكْوِينِ والتَّقْدِيرِ سَواءٌ في ذَلِكَ ما وُجِدَ بِواسِطَةٍ تامَّةٍ أوْ ناقِصَةٍ أوْ بِلا واسِطَةٍ قالَ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسى مِن أُمٍّ دُونَ أبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ تَعالى.
وكانَ في الآيَةِ تامَّةٌ لا تَطْلُبُ خَبَرًا أيْ يَقُولُ لَهُ: إيجَدْ فَيُوجَدُ والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ والمَقُولَ. والمُسَبَّبُ هُنا تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ وُجُودِ الكائِناتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ والقُدْرَةِ بِهِما بِأنْ شَبَّهَ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى بِتَكْوِينِ شَيْءٍ وحُصُولِ المُكَوَّنِ عَقِبَ ذَلِكَ بِدُونِ مُهْلَةٍ بِتَوَجُّهِ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِكَلِمَةِ الأمْرِ وحُصُولِ امْتِثالِهِ عَقِبَ ذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ أقْرَبُ الحالاتِ المُتَعارَفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ بِها في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَّسِعُ اللُّغَةُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْها وإلى نَحْوِ هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ونَظَرَهُ بِقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
إذْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗ قُدُمًا فَآضَتْ كالفَنِيقِ المُحْنَقِ

والَّذِي يُعَيِّنُ كَوْنَ هَذا تَمْثِيلًا أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ خِطابُ مَن لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَلَيْسَ هَذا التَّقْرِيرُ الصّادِرُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيًّا عَلى مَنعِ المُعْتَزِلَةِ قِيامَ صِفَةِ الكَلامِ بِذاتِهِ تَعالى إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُلْجِئُهم إلى اعْتِبارِ قِيامِ صِفَةِ الكَلامِ إذْ كانَ يُمْكِنُهم تَأْوِيلُهُ بِما تَأوَّلُوا بِهِ آياتٍ كَثِيرَةً ولِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ ابْنُ المُنِيرِ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {بَدِيعُ السماوات} : المشهورُ رَفْعُه على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو بديعُ. وقُرىء بالجرِّ على أنه بدلٌ من الضميرِ في «له» وفيه الخلافُ المشهورُ. وقُرىء بالنصبِ على المَدْحِ، وبديعُ السماواتِ من بابِ الصفةِ المشبهة أضيفَتْ إلى منصوبِها الذي كانَ فاعلاً في الأصلِ، والأصل: بديعٌ سماواتُه، أي بَدُعَتْ لمجيئِها على شكلٍ فائقٍ حسنٍ غريبٍ، ثم شُبِّهَتْ هذه الصفةُ باسمِ الفاعلِ فَنَصَبَتْ ما كانَ فاعلاً ثم أُضِيفَتْ إليه تخفيفاً، وهكذا كلُّ ما جاء من نظائرِه، فالإِضافةُ لا بدَّ وأن تكونَ من نصب لئلاَّ يلزم إضافة الصفةِ إلى فاعلِها وهو لا يجوزُ، كما لا يجوزُ في اسمِ الفاعلِ الذي هو الأصلُ. وقال الزمخشري: «وبديعُ السماواتِ» من باب إضافةِ الصفةِ المشبهةِ إلى فاعلِها «. وردَّ عليه الشيخُ بما تقدَّم، ثم أجابَ عنه بأنه يُحتمل أَنْ يريدَ إلى فاعلِها في الأصلِ قبل أن يُشَبَّه. وأجاز الزمخشري فيه وجهاً ثانياً: وهو أن يكونَ» بديع «بمعنى مُبْدِع، كما أنَّ سميعاً في قولِ عمرو بمعنى مُسْمِعِ نحو:
692 - أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ ... يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعِ
إلا أنه قال:» وفيه نظرٌ «. وهذا الوجهُ لم يذكر ابنُ عطية غيرَه، وكأن النظرَ الي ذكر الزمخشري - والله أعلم - هو أنَّ فَعيلاً بمعنى مُفْعِل غيرُ مَقيسٍ، وبيتُ عمروٍ مُتَأَوَّلٌ، وعلى هذا القولِ يكونُ بديعُ السماواتِ من بابِ إضافةِ اسمِ الفاعلِ لمنصوبِه تقديراً. والمُبْدِعُ: المخترِعُ المُنْشِىءُ، والبديع: الشيء الغريبُ الفائقُ غيرَه حُسْناً.
قوله: {وَإِذَا قضى أَمْراً} العاملُ في» إذا «محذوفٌ يَدُلُّ عليه الجوابُ من قولِه:» فإنما يقول «، والتقديرُ: إذا قضى أمراً يكونُ، فيكونُ هو الناصبُ له. و» قضى «له معانٍ كثيرةٌ، قال الأزهري:» قضى «على وجوهٍ مَرْجِعُها إلى انقطاعِ الشيء وتمامِه قال أبو ذؤيب:
693 - وعليهما مَسْرودتان قَضَاهُما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
وقال الشماخ:
694 - قَضَيْتَ أموراً ثم غادَرْتَ بعدَها ... بوائِقَ في أَكْمامِها لم تُفَتَّقِ
فيكونُ بمعنى خَلَق نحو: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12] ، وبمعنى أَعْلَمَ: {وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4] ، وبمعنى أَمَر: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإِسراء: 23] ، وبمعنى وفَّى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل} [القصص: 29] ، وبمعنى ألزم: قضى القاضي بكذا، وبمعنى أراد: {وَإِذَا قضى أَمْراً} [البقرة: 117] [وبمعنى] أَنْهى، ويجيءُ بمعنى قَدَّر وأَمْضَى، تقول: قَضَى يقضي قَضاءً قال: 695 - سَأَغْسِلُ عني العارَ بالسيفِ جالِباً ... عليَّ قضاءُ الله ما كانَ جالِبا
قوله: {فَيَكُونُ} الجمهورُ على رفعه، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً أي خَبَراً لمبتدأ محذوفٍ أي: فهو يكونُ، ويُعزْى لسيبويه، وبه قال الزجاج في أحدِ قولَيْه.
والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على «يقولُ» وهو قول الزجاج والطبري. وردَّ ابن عطية هذا القولَ وجعله خطأً من جهةِ المعنى؛ لأنَّه يَقْتضي أنَّ القولَ مع التكوينِ والوجودِ «انتهى. يعني أنَّ الأمرَ قديمٌ والتكوينَ حادثُ فكيف يُعْطَفُ عليه بما يقتضي تعقيبَه له؟ وهذا الردُّ إنما يلزم إذا قيل بأنَّ الأمرَ حقيقةٌ، أمَّا إذا قيل بأنَّه على سبيلِ التمثيل - وهو الأصحُّ - فلا، ومثلُه قولُ أبي النجم:
696 - إذا قالَتِ الأَنْسَاعُ للبَطْنِ الحَقي ... الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» كُنْ «من حيثُ المعنى، وهو قولُ الفارسي، وضَعَّفَ أن يكونَ عطفاً على» يقولُ «، لأنَّ من المواضعِ ما ليس فيه» يقولُ «كالموضع الثاني في آل عمران، وهو: {ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، ولم يَرَ عطفَه على» قال «من حيث إنه مضارعٌ فلا يُعْطَف على ماضٍ فَأَوْرد على نفسه:
697 - ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني
فقال:» أَمُرُّ بمعنى مَرَرْت. قال بعضُهم: «ويكون في هذه الآيةِ - يعني في آيةِ آل عمران - بمعنى كان فَلْيَجُزْ عَطْفُه على» قال «.
وقَرأَ ابن عامر/» فيكونَ «نصبأ هنا وفي الأول من آل عمران، وهي: {لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ} [آل عمران: 47] ، تحرُّزاً من قوله: {كُن فَيَكُونُ الحق مِن رَّبِّكَ} [آل عمران: 59] وفي مريم: {كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ الله رَبِّي} [مريم: 35] ، وفي غافر: {كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ} [غافر: 68] ، ووافقه الكسائي على ما في النحل ويس وهي: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] . أمَّا آيتا النحلِ ويس فظاهِرتان لأنَّ قبلَ الفعل منصوباً يَصِحُّ عطفُه عليه وسيأتي.
وأمَّا ما انفرَدَ به ابنُ عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلامُ الناس فيها وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرَّأ بعض الناس على هذا الإِمام الكبيرِ، فقال ابن مجاهد:» قرأ ابن عامر «فيكونَ» نصباً وهذا غيرُ جائز في العربية؛ لأنه لا يكونُ الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل، فإنه نَسَقٌ لا جوابٌ «، وقال في آل عمران:» قرأ ابن عامر وحدَه: «كن فيكونَ» بالنصب وهو وهمٌ «قال:» وقال هشام: كان أيوبُ بن تميم يقرأُ: فيكونُ نصباً ثم رَجَع فقرأ: فيكونُ رفعاً «، وقال الزجاج:» كن فيكونُ: رفعٌ لا غيرُ «.
وأكثرُ ما أَجابوا بأنَّ هذا مِمَّا رُوعي فيه ظاهرُ اللفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وُجِد في اللفظ صورةُ أمر فنَصَبْنا في جوابه بالفاء، وأمّا إذا نظرنا إلى جانب المعنى فإن ذلك لا يَصِحُّ لوجهين، أحدهما: أنَّ هذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبرُ نحو:
{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن} [مريم: 75] أي: فَيَمُدُّ، وإذا كان معناه الخبرَ لم ينتصِبْ في جوابِه بالفاء إلا ضرورةً كقوله:
698 - سَأَتْرُك منزلي لبني تميمٍ ... وأَلحَقُ بالحجازِ فأستريحا
وقول الآخر:
699 - لنا هَضْبةٌ لا يَنْزِلُ الذلُّ وَسْطَها ... ويَأْوي إليها المُسْتجيرُ فَيُعْصَما والثاني: أنَّ مِنْ شرطِ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمرِ أَنْ يَنْعَقِدَ منهما شرطٌ وجزاءٌ نحو: «ائتني فأكرمك» تقديرُه: إنْ أتيتني أكرمتُك، وههنا لا يَصِحُّ ذلك إذ يَصيرُ التقديرُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، فيتَّحِدُ فعلا الشرطِ والجزاءِ معنىً وفاعلاً، وقد عَلِمْت أنه لا بُدَّ من تغايرِهما وإلاَّ يلزمْ أن يكونَ الشيءُ شرطاً لنفسه وهو مُحال. قالوا: والمعاملةُ اللفظية واردةُ في كلامهم نحو: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ} [إبراهيم: 31] {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} [الجاثية: 14] وقال عمر ابن أبي ربيعة:
700 - فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشتَمِلْ ... عليه برفقٍ وارْقُبِ الشمسِ تَغْرُبِ
وأَسْرِجْ لي الدَّهْماءَ واذهَبْ بمِمْطَري ... ولا يَعْلَمَنْ خلقٌ من الناسِ مَذْهَبي
فجعل «تَغْرُبِ» جواباً «ارقب» وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله [تعالى] أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مراعاةً لجانبِ اللفظِ.
أمَّا ما ذكروه في بيتِ عمر فصحيحُ، وأمَّا الآياتُ فلا نُسَلِّم أنه غيرُ مترتِّبٍ [عليه] ، لأنه أرادَ بالعبادِ الخُلَّصَ، ولذلك أضافهم إليه، أو تقولُ إن الجزمَ على حَذْفِ لأمِ الأمر وسيأتي تحقيقهُ في موضعه. وقال الشيخ جمال الدين بنُ مالك: «إنَّ» أَنْ «الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بإنما اختياراً وحكاه عن بعض الكوفيين، قال:» وحَكَوْا عن العرب: «إنما هي ضربةٌ من الأسدِ فَتَحْطِمَ ظهرَه» بنصبِ «تَحْطِمَ» فعلى هذا يكون النصبُ في قراءة ابن عامر محمولاً على ذلك، إلا أنَّ هذا الذي نَصَبوه دليلاً لا دليلَ فيه لاحتمالِ أَنْ يكونَ من بابِ العطفِ على الاسمِ، تقديرُه: إنما هي ضربةٌ فَحَطْم، كقوله:
701 - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ
وهذا نهايةُ القول في هذه الآية.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بدع
الإِبْدَاع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، ومنه قيل: ركيّة بَدِيع أي: جديدة الحفر(١) ، وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادّة ولا زمان ولا مكان، وليس ذلك إلا لله(٢) .
والبديع يقال للمُبْدِعِ(٣) ، نحو قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة : 117] ، ويقال للمبدع نحو: ركيّة بديع، وكذلك البِدْعُ يقال لهما جميعا بمعنى الفاعل والمفعول، وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف : 9] قيل: معناه: مبدعا لم يتقدّمني رسول، وقيل: مبدعا فيما أقوله.
والبِدْعةُ في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة، وروي: «كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار»(٤) .
والإِبْدَاع بالرّجل: الانقطاع به لما ظهر من كلال راحلته وهزالها(٥) .

(١) انظر: اللسان (بدع) .
(٢) راجع: الأسماء والصفات للبيهقي ص 40.
(٣) انظر: المدخل لعلم التفسير ص 237.
(٤) الحديث في مسلم، وروايته: «وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» فقط. ورقمه 867 في كتاب الجمعة.
والحديث برواية المؤلف أخرجه النسائي 3/ 189 عن جابر بن عبد الله، وأخرجه أحمد في المسند 4/ 126 دون زيادة «وكل ضلالة في النار» .
(٥) قال في اللسان: وأبدع به: كلّت راحلته أو عطبت، وبقي منقطعا به وقسر عليه ظهره.