التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٢٩

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). سورة البقرة، الآية: ١٢٩

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
كُرِّرَ النِّداءُ لِأنَّهُ عَطْفُ غَرَضٍ آخَرَ في هَذا الدُّعاءِ وهو غَرَضُ الدُّعاءِ بِمَجِيءِ الرِّسالَةِ في ذُرِّيَّتِهِ لِتَشْرِيفِهِمْ وحِرْصًا عَلى تَمامِ هَدْيِهِمْ.
وإنَّما قالَ ”فِيهِمْ“ ولَمْ يَقُلْ ”لَهم“ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بِرِسالَةٍ عامَّةٍ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ، ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ رَسُولًا لِيَعُمَّ، فالنِّداءُ في قَوْلِهِ رَبَّنا وابْعَثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمَلِ الدَّعَواتِ المُتَعاطِفَةِ، ومَظْهَرُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ كِلَيْهِما، وأمّا غَيْرُهُ مِن رُسُلِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَيْسُوا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وشُعَيْبٌ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وهُودٌ وصالِحٌ هُما مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ فَلَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ.
وجاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٧ مِنَ التَّكْوِينِ ظَهَرَ الرَّبُّ لِإبْرامَ أيْ إبْراهِيمَ وقالَ لَهُ أنا اللَّهُ القَدِيرُ سِرْ أمامِي وكُنْ كامِلًا فَأجْعَلُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ وأُكَثِّرُكَ كَثِيرًا جِدًّا وفي فِقْرَةِ ٢٠ وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ ها أنا أُبارِكُهُ وأُثَمِّرُهُ وأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. وذَكَرَ عَبْدُ الحَقِّ الإسْلامِيُّ السَّبْتِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ هو وأوْلادُهُ وأهْلُهُ في سَبْتَةَ وكانَ مَوْجُودًا بِها سَنَةَ ٧٣٦ سِتٍّ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في كِتابٍ لَهُ سَمّاهُ الحُسامُ المَحْدُودُ في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ: أنَّ كَلِمَةَ ”كَثِيرًا جِدًّا“ أصْلُها في النَّصِّ العِبْرانِيِّ ”مادا مادا“ وأنَّها رَمْزٌ في التَّوْراةِ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ بِحِسابِ الجُمَّلِ لِأنَّ عَدَدَ حُرُوفِ ”مادا مادا“ بِحِسابِ الجُمَّلِ عِنْدَ اليَهُودِ تَجْمَعُ عَدَدَ اثْنَيْنِ وتِسْعِينَ وهو عَدَدُ حُرُوفِ مُحَمَّدٍ. اهـ. وتَبِعَهُ عَلى هَذا البَقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ.
ومَعْنى ”يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ“ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ قِراءَةَ تَذْكِيرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِكِتابٍ فِيهِ شَرْعٌ.
فالآياتُ جَمْعُ آيَةٍ وهي الجُمْلَةُ مِن جُمَلِ القُرْآنِ، سُمِّيَتْ آيَةً لِدَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَجْمُوعِ ما فِيها مِن دَلالَةِ صُدُورِ مِثْلِها مِن أُمِّيٍ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وما نُسِجَتْ عَلَيْهِ مِن نَظْمٍ أعْجَزَ النّاسَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ صِفاتِهِ دَلالَةً لَمْ تَتْرُكْ مَسْلَكًا لِلضَّلالِ في عَقائِدِ الأُمَّةِ بِحَيْثُ أمِنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الإشْراكِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يَتْلُو“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَتَكَرَّرُ تِلاوَتُهُ.
”والحِكْمَةَ“ العِلْمُ بِاللَّهِ ودَقائِقِ شَرائِعِهِ وهي مَعانِي الكِتابِ وتَفْصِيلُ مَقاصِدِهِ، وعَنْ مالِكٍ: الحِكْمَةُ مَعْرِفَةُ الفِقْهِ والدِّينِ والِاتِّباعِ لِذَلِكَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكِلاهُما ناظِرٌ إلى أنَّ عَطْفَ الحِكْمَةِ عَلى الكِتابِ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ مَعْنًى وسَيَجِيءُ تَفْصِيلُ مَعْنى الحِكْمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ. والتَّزْكِيَةُ التَّطْهِيرُ مِنَ النَّقائِصِ وأكْبَرُ النَّقائِصِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ مُتابَعَةِ القُرْآنِ وأبَوْا إلّا البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ وجُودِها لِأنَّ أوَّلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ تِلاوَةُ القُرْآنِ ثُمَّ يَكُونُ تَعْلِيمُ مَعانِيهِ قالَ تَعالى فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ثُمَّ العِلْمُ تَحْصُلُ بِهِ التَّزْكِيَةُ وهي في العَمَلِ بِإرْشادِ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيبِ الإجابَةِ أيْ لِأنَّكَ لا يَغْلِبُكَ أمْرٌ عَظِيمٌ ولا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِكَ وحِكْمَتِكَ شَيْءٌ والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] وقَوْلُهُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {مِّنْهُمْ} : في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ لرسولاً فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: رسولاً كائناً منهم.
قوله: {يَتْلُواْ} في محلِّ هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً ثانيةً لرسولاً، وجاء هذا على الترتيبِ الأحْسَنِ إذ تقدَّم ما هو شبيهٌ بالمفردِ وهو المجرورُ على الجملةِ. والثاني: أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من «رسولا» لأنه لَمَّا وُصِفَ تخصَّصَ. الثالث: أنها حالٌ من الضميرِ في «مِنْهم» والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «منهم» لوقوعِه صفةً.
وتقدَّم قولُه «العزيزُ» لأنها صفةُ ذاتٍ وتأخَّر «الحكيمُ» لأنها صفةُ فِعْل.
ويقال: عَزَّ يَعُزَّ، وَيَعَزُّ، ويَعِزُّ، ولكنْ باختلافِ معنىً، فالمضمومُ بمعنى غَلَب ومنه: {وَعَزَّنِي فِي الخطاب} [ص: 23] والمفتوحُ بمعنى الشدةِ، ومنه: عَزَّ لحمُ الناقة أي: اشتدَّ، وعَزَّ عليَّ هذا الأمرُ، والمكسورُ بمعنى النَّفاسةِ وقلةِ النظري.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
زكا
أصل الزَّكَاةِ: النّموّ الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة.
يقال: زَكَا الزّرع يَزْكُو: إذا حصل منه نموّ وبركة.
وقوله: ﴿أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ [الكهف : 19] ، إشارة إلى ما يكون حلالا لا يستوخم عقباه، ومنه الزَّكاةُ: لما يخرج الإنسان من حقّ الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النّفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعا، فإنّ الخيرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزَّكَاةَ بالصّلاة في القرآن بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة : 43] ، وبِزَكَاءِ النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبا لذلك، نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [الشمس : 9] ، وتارة ينسب إلى الله تعالى، لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ [النساء : 49] ، وتارة إلى النّبيّ لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم، نحو: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة : 103] ، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ [البقرة : 151] ، وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك، نحو: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً﴾ [مريم : 13] ، ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ [مريم : 19] ، أي: مُزَكًّى بالخلقة، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالما وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة بل بتوفيق إلهيّ، كما يكون لجلّ الأنبياء والرّسل. ويجوز أن يكون تسميته بالمزكّى لما يكون عليه في الاستقبال لا في الحال، والمعنى: سَيَتَزَكَّى، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون : 4] ، أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكّيهم الله، أو لِيُزَكُّوا أنفسهم، والمعنيان واحد. وليس قوله: «للزّكاة» مفعولا لقوله: «فاعلون» ، بل اللام فيه للعلة والقصد. وتَزْكِيَةُ الإنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو محمود وإليه قصد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [الشمس : 9] ، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى : 14] .
والثاني: بالقول، كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم : 32] ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقّا؟ فقال: مدح الرّجل نفسه.


حكم
حَكَمَ أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللّجام: حَكَمَة الدابّة، فقيل: حكمته وحَكَمْتُ الدّابة: منعتها بالحكمة، وأَحْكَمْتُهَا: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته، قال الشاعر:
120- أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم(١)
وقوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة : 7] ، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج : 52] ، والحُكْم بالشيء: أن تقضي بأنّه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه، قال تعالى: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء : 58] ، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة : 95] ، وقال:
121- فاحكم كحكم فتاة الحيّ إذا نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد(٢)
والثّمد: الماء القليل، وقيل معناه: كن حكيما.
وقال عزّ وجلّ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة : 50] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة : 50] ، ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة : 188] ، والحَكَمُ: المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ [الأنعام : 114] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ [النساء : 35] ، وإنما قال: حَكَماً ولم يقل: حاكما، تنبيها أنّ من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك، ويقال الحكم للواحد والجمع، وتحاكمنا إلى الحاكم.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 60] ، وحَكَّمْتُ فلانا، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء : 65] ، فإذا قيل: حكم بالباطل، فمعناه: أجرى الباطل مجرى الحكم. والحِكْمَةُ: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان : 12] ، ونبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حَكِيم(٣) ، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ [التين : 8] ، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس : 1] ، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر : 4-5] ، وقيل: معنى الحكيم المحكم(٤) ، نحو: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود : 1] ، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعمّ من الحكمة، فكلّ حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإنّ الحكم أن يقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، قال ﷺ: «إنّ من الشّعر لحكمة»(٥) أي: قضية صادقة(٦) ، وذلك نحو قول لبيد:
122- إنّ تقوى ربّنا خير نفل(٧)
قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم : 12] ، وقال ﷺ: «الصمت حكم وقليل فاعله»(٨) أي: حكمة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران : 164] ، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب : 34] ، قيل: تفسير القرآن، ويعني ما نبّه عليه القرآن من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة : 1] ، أي: ما يريده يجعله حكمة، وذلك حثّ للعباد على الرضى بما يقضيه. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب : 34] ، هي علم القرآن، ناسخه، مُحْكَمه ومتشابهه.
وقال ابن زيد(٩) : هي علم آياته وحكمه. وقال السّدّي(١٠) : هي النبوّة، وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعا لهم في ذلك. وقوله عزّ وجلّ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة : 44] ، فمن الحكمة المختصة بالأنبياء أو من الحكم قوله عزّ وجلّ: ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران : 7] ، فالمحكم: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى. والمتشابه على أضرب تذكر في بابه إن شاء الله(١١) . وفي الحديث: «إنّ الجنّة للمُحَكِّمِين»(١٢) قيل: هم قوم خيّروا بين أن يقتلوا مسلمين وبين أن يرتدّوا فاختاروا القتل(١٣) . وقيل: عنى المتخصّصين بالحكمة.

ح

(١) الشطر لجرير، وهو في ديوانه ص 47، والمجمل 1/ 246، وأساس البلاغة ص 91. وعجزه: إني أخاف عليكم أن أغضبا.
(٢) البيت للنابغة الذبياني من معلّقته، وهو في ديوانه ص 34، وشرح المعلّقات للنحاس 2/ 168، والبصائر 2/ 491، واللسان (حكم) .
(٣) راجع: الأسماء والصفات ص 38.
(٤) انظر المدخل لعلم التفسير ص 273.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشعر والأدب 10/ 445، وأبو داود، وروايته: «إن من الشعر لحكما» . انظر: معالم السنن 4/ 136، وجمع الفوائد 2/ 260، وشرح السنة 12/ 369.
(٦) هذا اصطلاح أهل المنطق، والقضية مرادفة للخبر، وتعريفها: مركّب احتمل الصدق والكذب لذاته.
قال الأخضري في السّلّم: ما احتمل الصدق لذاته جرى ... بينهم قضية وخبرا
راجع: شرح السّلّم ص 9.
(٧) وعجزه: وبإذن الله ريثي وعجل
انظر: ديوانه ص 139.
(٨) أخرجه البيهقي في (الشعب) عن أنس مرفوعا بسند ضعيف، والقضاعي عن أنس، والديلمي في الفردوس عن ابن عمر، وصحّح أنه موقوف من قول لقمان، وكذا أخرجه ابن حبان في (روضة العقلاء) بسند صحيح ص 41. وقال السيوطي: أخرج العسكري في (الأمثال) والحاكم والبيهقي في (الشعب) عن أنس أنّ لقمان كان عبدا لداود عليه السلام، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله، وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبّها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكتّ حتى كفيتني. راجع: الدر المنثور 6/ 513، وكشف الخفاء 2/ 32، والفتح الكبير 2/ 202.
(٩) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مات سنة 182 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداوودي 1/ 271.
(١٠) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، أبو محمد الأعور. انظر: طبقات المفسرين 1/ 110.
(١١) انظر: باب (شبه) .
(١٢) الحديث في النهاية 1/ 419، والفائق 1/ 303.
(١٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 265 عن مجاهد.