التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١١٣

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). سورة البقرة، الآية: ١١٣

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]“ لِزِيادَةِ بَيانِ أنَّ المُجازَفَةَ دَأْبُهم وأنَّ رَمْيَ المُخالِفِ لَهم بِأنَّهُ ضالٌّ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ فَهم يَرْمُونَ المُخالِفِينَ بِالضَّلالِ لِمُجَرَّدِ المُخالِفَةِ فَقَدِيمًا ما رَمَتِ اليَهُودُ النَّصارى بِالضَّلالِ ورَمَتِ النَّصارى اليَهُودَ بِمِثْلِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِن حُكْمِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وفي ذَلِكَ إنْحاءٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ وتَطْمِينٍ لِخَواطِرِ المُسْلِمِينَ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَتَّخِذُونَ مِن طَعْنِ أهْلِ الكِتابِ في الإسْلامِ حُجَّةً لِأنْفُسِهِمْ عَلى مُناوَأتِهِ وثَباتًا عَلى شِرْكِهِمْ.
والمُرادُ مِنَ القَوْلِ التَّصْرِيحُ بِالكَلامِ الدّالِّ فَهم قَدْ قالُوا هَذا بِالصَّراحَةِ حِينَ جاءَ وفْدُ نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ أعْيانُ دِينِهِمْ مِنَ النَّصارى فَلَمّا بَلَغَ مَقْدِمُهُمُ اليَهُودَ أتَوْهم وهم عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَناظَرُوهم في الدِّينِ وجادَلُوهم حَتّى تَسابُّوا فَكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِالإنْجِيلِ وقالُوا لِلنَّصارى ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَكَفَرَ وفْدُ نَجْرانَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وقالُوا لِلْيَهُودِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ.
وقَوْلُهم ”عَلى شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّيْءُ المَوْجُودُ هُنا مُبالَغَةٌ أيْ لَيْسُوا عَلى أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ. فالشَّيْءُ المَنفِيُّ هو الشَّيْءُ العُرْفِيُّ أوْ بِاعْتِبارِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأِ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعْ

أيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا نافِعًا مُغْنِيًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ولَمْ أُمْنَعْ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فالصِّيغَةُ صِيغَةُ عُمُومٍ والمُرادُ بِها في مَجارِي الكَلامِ نَفِيُ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الغَرَضِ الجارِي فِيهِ الكَلامُ بِحَسَبِ المَقاماتِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا كالعامِّ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ أيْ لَيْسُوا عَلى حَظٍّ مِنَ الحَقِّ فالمُرادُ هُنا لَيْسَتْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الكِتابِ الشَّرْعِيِّ فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ رَمى الآخَرَ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ لا حَظَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ ”﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِمَزِيدِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وكُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يَتْلُونَ الكِتابَ وكُلُّ كِتابٍ يَتْلُونَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ لَوِ اتَّبَعَهُ أهْلُهُ حَقَّ اتِّباعِهِ ولا يَخْلُو أهْلُ كِتابِ حَقٍّ مِن أنْ يَتَّبِعُوا بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ أوْ جُلَّ ما فِيهِ فَلا يُصَدَّقُ قَوْلُ غَيْرِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الهَيْئَةِ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ المُفْرَدَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى نِسْبَةٍ خَبَرِيَّةٍ تُفِيدُ أنَّ ما كانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عُدِلَ بِهِ عَنِ الخَبَرِ لِادِّعاءِ أنَّهُ مَعْلُومٌ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِهِ فَيُؤْتى بِهِ في مَوْقِعِ الحالِ المُفْرَدَةِ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ بِهِ ولَفْتِ الذِّهْنِ إلَيْهِ فَصارَ حالًا لَهُ. وضَمِيرُ قَوْلِهِ ”هم“ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وقِيلَ عائِدٌ إلى النَّصارى لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ وهو يَرْمِي بِذَلِكَ إلى أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم أهْلُ عِلْمٍ كَما يُقالُ لَهم أهْلُ الكِتابِ في مُقابَلَةِ الأُمِّيِّينَ، وحَداهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ كَذَلِكَ ”قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ فالمَعْنى أنَّهم تَراجَمُوا بِالنِّسْبَةِ إلى نِهايَةِ الضَّلالِ وهم مِن أهْلِ العِلْمِ الَّذِينَ لا يَلِيقُ بِهِمُ المُجازَفَةُ ومِن حَقِّهِمُ الإنْصافُ بِأنْ يُبَيِّنُوا مَواقِعَ الخَطَأِ عِنْدَ مُخالِفِيهِمْ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ المَعْهُودَ التَّوْراةَ أيْ لِأنَّها الكِتابُ الَّذِي يَقْرَأهُ الفَرِيقانِ ووَجْهُ التَّعْجِيبِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ التَّوْراةَ هي أصْلٌ لِلنَّصْرانِيَّةِ والإنْجِيلَ ناطِقٌ بِحَقِّيَّتِها فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلنَّصارى ادِّعاءُ أنَّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ كَما فَعَلَتْ نَصارى نَجْرانَ. وأنَّ التَّوْراةَ ناطِقَةٌ بِمَجِيءِ رُسُلٍ بَعْدَ مُوسى فَكَيْفَ ساغَ لِلْيَهُودِ تَكْذِيبُ رَسُولِ النَّصارى.
وإذا جُعِلَ الضَّمِيرُ عائِدًا لِلنَّصارى خاصَّةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْهُودُ التَّوْراةَ كَما ذَكَرْنا أوِ الإنْجِيلَ النّاطِقَ بِأحَقِّيَّةِ التَّوْراةِ، وفي ”يَتْلُونَ“ دَلالَةٌ عَلى هَذا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّعَجُّبُ مُشْرَبًا بِضَرْبٍ مِنَ الِاعْتِذارِ أعْنِي: أنَّهم يَقْرَأُونَ دُونَ تَدَبُّرٍ وهَذا مِنَ التَّهَكُّمِ وإلّا لَقالَ وهم يَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً لِلِانْتِصارِ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.
وقَوْلُهُ ”﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾“ أيْ يُشْبِهُ هَذا القَوْلُ قَوْلَ فَرِيقٍ آخَرَ غَيْرَ الفَرِيقَيْنِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هم مُقابِلُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الكِتابَ وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو العَرَبِ وهم لا يَعْلَمُونَ لِأنَّهم أُمِّيُّونَ، وإطْلاقُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ عَلى المُشْرِكِينَ وارِدٌ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ الآتِي ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨] يَعْنِي كَذَلِكَ قالَ اليَهُودُ والنَّصارى، والمَعْنى هُنا أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا الأدْيانَ كُلَّها اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والإسْلامَ والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ بِهِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِقَوْلِ أهْلِ الضَّلالِ البَحْتِ.
وهَذا اسْتِطْرادٌ لِلْإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما قابَلُوا بِهِ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ أيْ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَقالَةِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وقَدْ حَكى القُرْآنُ مَقالَتَهم في قَوْلِهِ إذْ قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والتَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِنَ الكافِ في ”كَذَلِكَ“ تَشْبِيهٌ في الِادِّعاءِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولِهَذا يَكُونُ لَفْظُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ كافُ التَّشْبِيهِ وهو تَأْكِيدٌ يُشِيرُ إلى أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ قَوْلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وبَيْنَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى مُشابَهَةٌ تامَّةٌ لِأنَّهم لَمّا قالُوا ”ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ“ قَدْ كَذَّبُوا اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو قالَ إمّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِبَيانِ المُماثِلَةِ وإمّا لِيُغْنِيَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ في الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ إيجازًا بَدِيعًا لِأنَّ مُفادَ حَرْفِ العَطْفِ التَّشْرِيكُ ومُفادَ كافِ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ إذِ التَّشْبِيهُ تَشْرِيكٌ في الصِّفَةِ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ أوْ لِزِيادَتِهِ أكَّدَ قَوْلَهُ ”كَذَلِكَ“ بِقَوْلِهِ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لِمَعْمُولِ ”قالُوا“ المَحْذُوفِ أيْ قالُوا مَقُولًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وتَعْتَبِرَ تَقْدِيمَهُ مِن تَأْخِيرٍ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ وجَماعَةٌ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ أوْ قَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِلْآخَرِ وأنَّ مَرْجِعَ التَّشْبِيهِ إلى كَيْفِيَّةِ القَوْلِ ومَنهَجِهِ في صُدُورِهِ عَنْ هَوًى، ومَرْجِعَ المُماثَلَةِ إلى المُماثَلَةِ في اللَّفْظِ فَيَكُونُ عَلى كَلامِهِ تَكْرِيرًا في التَّشْبِيهِ مِن جِهَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ التَّشابُهِ.
وقَوْلُهُ ”﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾“ الآيَةَ جاءَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّوَعُّدَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وإظْهارُ ما أكَنَّتْهُ ضَمائِرهم مِنَ الهَوى والحَسَدِ مُتَفَرِّعٌ عَنْ هَذِهِ المَقالاتِ ومُسَبَّبٌ عَنْها وهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْبِيخُ والوَعِيدُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِإضافَةِ بَيْنَ راجِعٌ إلى الفِرَقِ الثَّلاثِ وما ”كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“ يَعُمُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {اليهود} : اليهودُ مِلَّةٌ معروفةٌ، والياءُ فيه أصليةُ لثبوتِها في التصريفِ، وليست من مادَّةِ هَوَد من قوله: {هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 111] وقد تقدَّم أن الفراء يَدَّعي أنَّ «هوداً» أصلُه: يَهود فَحُذِفت ياؤُه، وتقدَّم أيضاً عند قولِه: «والذين هادوا» أنَّ اليهودَ نسبةُ ليهوذا ابن يعقوب. وقال الشلوبين: «يَهُود فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ جمعَ يهودي فتكونَ نكرةً مصروفةً. والثاني: أَنْ تكونَ عَلَماً لهذه القبيلةِ فتكونَ ممنوعةُ من الصرف. انتهى، وعلى الأولِ دَخَلَتْ الألفُ واللامُ، وعلى الثاني قولُه:
681 - أولئك أَوْلَى من يهودَ بمِدْحَةٍ ... إذا أنتَ يوماً قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ
وقال:
682 - فَرَّتْ يهودُ وأَسْلَمَتْ جيرانُها ...  . . .. . . . . . .
ولو قيل بأنَّ» يهود «منقولٌ من الفعلِ المضارع نحو: يَزيد ويشكر لكان قولاً حسناً. ويؤيِّدُه قولُهم: سُمُّوا يهوداً لاشتقاقِهم من هاد يَهُود إذا تَحَرَّك.
قوله: {لَيْسَتِ النصارى} » ليس «فعلٌ ناقصٌ أبداً من أخواتِ كان ولا يتصرَّفُ ووزنُه على فَعِل بكسر العين، وكان من حقِّ فائِه أن تُكْسَرَ إذا أُسْنِدَ إلى تاء المتكلم ونحوِها دلالةًعلى الياءِ مثل: شِئْتُ، إلا أنه لَمَّا لم يتصرَّفْ بقيت الفاءُ على حالِها، وقال بعضُهم: لُسْتُ بضم الفاء، ووزنُه على هذه اللغة: فَعُل بضم العين، ومجيء فَعُل بضمِّ العينِ فيما عينُه ياءٌ نادر، لم يَجيء منه إلا» هَيُؤَ الرجلُ «إذا حَسُنَتْ هيئتُه. وكونُ» ليس «فعلاً هو الصحيحُ خلافاً للفارسي في أحدِ قولَيْه ومَنْ تابَعَه في جَعْلِها حرفاً ك» ما «ويَدُل على فعليَّتها اتصالُ ضمائرِ الرفعِ البارزةِ بها، ولها أحكامٌ كثيرةٌ. و» النصارى «اسمُها، و» على شيء «خبرُها، وهذا يَحْتمِل أن يكونَ ممَّا حُذِفَتْ فيه الصفةُ، أي على شيء مُعْتَدٍّ به كقولِه:» إنه ليس من أهلِك «أي: أهلِك الناجين، [وقوله:]
683 -.. . . . . . ... . . . . . . . . لقد وَقَعْتِ على لَحْمِ
أي: لحمٍ عظيمٍ وأَنْ يكونَ نفياً على سبيلِ المبالَغَةِ، فإذا نُفِي إطلاقُ الشيء على ما هُمْ عليه مع أنَّ الشيء يُطْلق على المعدومِ عند بعضهم كان ذلك مبالغةً في عدمِ الاعتدادِ به، وصارَ كقولهم:» أقَلُّ من لا شيء «.
قوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ} جملةٌ حالية. وأصل يَتْلُون: يَتْلُوُوْنَ فأُعِلَّ بحذفِ اللام وهو ظاهر.
قوله: {كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} في هذا الكافِ قولان، أحدُهما: أنها في محلِّ نصبٍ وفيها حينئذ تقديران، أحدُهما: أنَّها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ قُدِّم على عامِله تقديرُه: قولاً مثلَ ذلك القولِ قالَ الذين لا يعلمون. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المصدرِ المعرفةِ المضمرِ الدالِّ عليه» قال «تقديرُه: مثلَ ذلك القولِ قاله أي: قال القولَ الذين لا يعلمون حالَ كونِه مثلَ ذلك القولِ، وهذا رأيُ سيبويه والأول رأيُ النحويين كما تقدَّم غيرَ مرة.
وعلى هذين القولَيْن ففي «مثلَ قولهم» وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على البدلِ من موضعِ الكاف. الثاني من الوجهين: أنه مفعولٌ به العاملُ فيه «يَعْلمون» ، أي: الذين لا يعلمون مثلَ مقالةِ اليهود والنصارى مثلَ مقالهم، أي: إنهم قالوا ذلك على سبيلِ الاتفاقِ، وإن كانوا جاهلين بمقالةِ اليهود والنصارى.
الثاني من القولين: أنَّها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والجملةُ بعدها خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: مثلَ ذلك قاله الذين لا يعلمون، وانتصابُ «مثلَ قولهم» حينئذٍ إمَّا: على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو مفعولٌ بيعلمون تقديرُه مثلَ قولِ اليهودِ والنصارى قالَ الذينَ لا يعلمون اعتقادَ اليهود والنصارى. ولا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ نصبَ المفعولِ بقال لأنه أَخَذَ مفعولَه وهو العائدُ على المبتدأ، ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه نظرٌ من وجهين: أحدُهما: أنَّ الجمهورَ يأبي جَعْلَ الكافِ اسماً. والثاني: حَذْفُ العائدِ المنصوبِ، والنحويون ينصُّون على مَنْعِه ويجعلون قولَه:
684 - وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا ... بالحقِّ لا يُحْمَدُ بالباطِلِ
ضرورةً، وللكوفيين في هذه المسألةِ تفصيلٌ.
قوله: {بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} منصوبان بيحكُمُ، و «فيه» متعلق بيختلفون.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
حكم
حَكَمَ أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللّجام: حَكَمَة الدابّة، فقيل: حكمته وحَكَمْتُ الدّابة: منعتها بالحكمة، وأَحْكَمْتُهَا: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته، قال الشاعر:
120- أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم(١)
وقوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة : 7] ، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج : 52] ، والحُكْم بالشيء: أن تقضي بأنّه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه، قال تعالى: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء : 58] ، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة : 95] ، وقال:
121- فاحكم كحكم فتاة الحيّ إذا نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد(٢)
والثّمد: الماء القليل، وقيل معناه: كن حكيما.
وقال عزّ وجلّ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة : 50] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة : 50] ، ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة : 188] ، والحَكَمُ: المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ [الأنعام : 114] ، وقال عزّ وجلّ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ [النساء : 35] ، وإنما قال: حَكَماً ولم يقل: حاكما، تنبيها أنّ من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك، ويقال الحكم للواحد والجمع، وتحاكمنا إلى الحاكم.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 60] ، وحَكَّمْتُ فلانا، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء : 65] ، فإذا قيل: حكم بالباطل، فمعناه: أجرى الباطل مجرى الحكم. والحِكْمَةُ: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان : 12] ، ونبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حَكِيم(٣) ، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ [التين : 8] ، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس : 1] ، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر : 4-5] ، وقيل: معنى الحكيم المحكم(٤) ، نحو: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود : 1] ، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعمّ من الحكمة، فكلّ حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإنّ الحكم أن يقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، قال ﷺ: «إنّ من الشّعر لحكمة»(٥) أي: قضية صادقة(٦) ، وذلك نحو قول لبيد:
122- إنّ تقوى ربّنا خير نفل(٧)
قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم : 12] ، وقال ﷺ: «الصمت حكم وقليل فاعله»(٨) أي: حكمة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران : 164] ، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب : 34] ، قيل: تفسير القرآن، ويعني ما نبّه عليه القرآن من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة : 1] ، أي: ما يريده يجعله حكمة، وذلك حثّ للعباد على الرضى بما يقضيه. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب : 34] ، هي علم القرآن، ناسخه، مُحْكَمه ومتشابهه.
وقال ابن زيد(٩) : هي علم آياته وحكمه. وقال السّدّي(١٠) : هي النبوّة، وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعا لهم في ذلك. وقوله عزّ وجلّ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة : 44] ، فمن الحكمة المختصة بالأنبياء أو من الحكم قوله عزّ وجلّ: ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران : 7] ، فالمحكم: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى. والمتشابه على أضرب تذكر في بابه إن شاء الله(١١) . وفي الحديث: «إنّ الجنّة للمُحَكِّمِين»(١٢) قيل: هم قوم خيّروا بين أن يقتلوا مسلمين وبين أن يرتدّوا فاختاروا القتل(١٣) . وقيل: عنى المتخصّصين بالحكمة.


(١) الشطر لجرير، وهو في ديوانه ص 47، والمجمل 1/ 246، وأساس البلاغة ص 91. وعجزه: إني أخاف عليكم أن أغضبا.
(٢) البيت للنابغة الذبياني من معلّقته، وهو في ديوانه ص 34، وشرح المعلّقات للنحاس 2/ 168، والبصائر 2/ 491، واللسان (حكم) .
(٣) راجع: الأسماء والصفات ص 38.
(٤) انظر المدخل لعلم التفسير ص 273.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشعر والأدب 10/ 445، وأبو داود، وروايته: «إن من الشعر لحكما» . انظر: معالم السنن 4/ 136، وجمع الفوائد 2/ 260، وشرح السنة 12/ 369.
(٦) هذا اصطلاح أهل المنطق، والقضية مرادفة للخبر، وتعريفها: مركّب احتمل الصدق والكذب لذاته.
قال الأخضري في السّلّم: ما احتمل الصدق لذاته جرى ... بينهم قضية وخبرا
راجع: شرح السّلّم ص 9.
(٧) وعجزه: وبإذن الله ريثي وعجل
انظر: ديوانه ص 139.
(٨) أخرجه البيهقي في (الشعب) عن أنس مرفوعا بسند ضعيف، والقضاعي عن أنس، والديلمي في الفردوس عن ابن عمر، وصحّح أنه موقوف من قول لقمان، وكذا أخرجه ابن حبان في (روضة العقلاء) بسند صحيح ص 41. وقال السيوطي: أخرج العسكري في (الأمثال) والحاكم والبيهقي في (الشعب) عن أنس أنّ لقمان كان عبدا لداود عليه السلام، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله، وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبّها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكتّ حتى كفيتني. راجع: الدر المنثور 6/ 513، وكشف الخفاء 2/ 32، والفتح الكبير 2/ 202.
(٩) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مات سنة 182 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداوودي 1/ 271.
(١٠) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، أبو محمد الأعور. انظر: طبقات المفسرين 1/ 110.
(١١) انظر: باب (شبه) .
(١٢) الحديث في النهاية 1/ 419، والفائق 1/ 303.
(١٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 265 عن مجاهد.


خلف
خَلْفُ: ضدّ القُدَّام، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة : 255] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد : 11] ، وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس : 92] ، وخَلَفَ ضدّ تقدّم وسلف، والمتأخّر لقصور منزلته يقال له: خَلْفٌ، ولهذا قيل: الخلف الرديء، والمتأخّر لا لقصور منزلته يقال له: خلف، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف : 169] ، وقيل: سكت ألفا ونطق خلفا(١) . أي: رديئا من الكلام، وقيل للاست إذا ظهر منه حبقة(٢) : خُلْفَة، ولمن فسد كلامه أو كان فاسدا في نفسه، يقال: تَخَلَّفَ فلان فلانا: إذا تأخّر عنه وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه، ومصدره الخِلَافةَ بالكسر، وخَلَفَ خَلَافَةً بفتح الخاء: فسد(٣) ، فهو خالف، أي: رديء أحمق، ويعبّر عن الرديء بخلف نحو: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم : 59] ، ويقال لمن خلف آخر فسدّ مسدّه: خَلَف، والخِلْفَةُ يقال في أن يخلف كلّ واحد الآخر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان : 62] ، وقيل: أمرهم خلفة، أي: يأتي بعضه خلف بعض، قال الشاعر:
148- بها العين والآرام يمشين خلفة(٤)
وأصابته خلفة: كناية عن البطنة، وكثرة المشي، وخَلَفَ فلانٌ فلانا، قام بالأمر عنه، إمّا معه وإمّا بعده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف : 60] ، والخِلافةُ النّيابة عن الغير إمّا لغيبة المنوب عنه، وإمّا لموته، وإمّا لعجزه، وإمّا لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر : 39] ، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام : 165] ، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [هود : 57] ، والخلائف: جمع خليفة، وخلفاء جمع خليف، قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص : 26] ، ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ [يونس : 73] ، ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف : 69] ، والاختلافُ والمخالفة: أن يأخذ كلّ واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخِلَاف أعمّ من الضّدّ، لأنّ كلّ ضدّين مختلفان، وليس كلّ مختلفين ضدّين، ولمّا كان الاختلاف بين النّاس في القول قد يقتضي التّنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ﴾ [مريم : 37] ، ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود : 118] ، ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ﴾ [الروم : 22] ، ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ : 1-3] ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات : 8] ، وقال: ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ [النحل : 13] ، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ [آل عمران : 105] ، وقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس : 19] ، ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس : 93] ، وقال في القيامة: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل : 92] ، وقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل : 39] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ [البقرة : 176] ، قيل معناه: خلفوا، نحو كسب واكتسب، وقيل: أتوا فيه بشيء خلاف ما أنزل الله، وقوله تعالى: ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ [الأنفال : 42] ، فمن الخلاف، أو من الخلف، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى : 10] ، وقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران : 55] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [يونس : 6] ، أي: في مجيء كلّ واحد منهما خلف الآخر وتعاقبهما، والخُلْفُ: المخالفة في الوعد.
يقال: وعدني فأخلفني، أي: خالف في الميعاد بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ [التوبة : 77] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [الرعد : 31] ، وقال: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه : 86] ، ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه : 87] ، وأخلفت فلانا: وجدته مُخْلِفاً، والإخلاف: أن يسقي واحد بعد آخر، وأَخْلَفَ الشجرُ: إذا اخضرّ بعد سقوط ورقه، وأَخْلَفَ الله عليك، يقال لمن ذهب ماله، أي: أعطاك خلفا، وخَلَفَ اللهُ عليك، أي: كان لك منه خليفة، وقوله: لا يلبثون خلفك(٥) : بعدك، وقرئ: خِلافَكَ(٦) أي: مخالفة لك، وقوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة : 33] ، أي: إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر. وخَلَّفْتُهُ: تركته خلفي، قال فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة : 81] ، أي: مخالفين، ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة : 118] ، ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ [الفتح : 16] ، والخالِفُ: المتأخّر لنقصان أو قصور كالمتخلف، قال: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة : 83] ، والخَالِفةُ: عمود الخيمة المتأخّر، ويكنّى بها عن المرأة لتخلّفها عن المرتحلين، وجمعها خَوَالِف، قال: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ [التوبة : 87] ، ووجدت الحيّ خَلُوفاً، أي: تخلّفت نساؤهم عن رجالهم، والخلف: حدّ الفأس الذي يكون إلى جهة الخلف، وما تخلّف من الأضلاع إلى ما يلي البطن، والخِلَافُ: شجر كأنّه سمّي بذلك لأنّه فيما يظنّ به، أو لأنّه يخلف مخبره منظره، ويقال للجمل بعد بزوله: مخلف عام، ومخلف عامين. وقال عمر رضي الله عنه: (لولا الخِلِّيفَى لأذّنت)(٧) أي: الخلافة، وهو مصدر خلف.

(١) هذا مثل يضرب للرجل يطيل الصمت، ثم يتكلم بالخطإ. راجع: مجمل اللغة 2/ 300، والبصائر 2/ 561، ومجمع الأمثال 1/ 33، وأمثال أبي عبيد ص 55.
(٢) الحبق والحبق والحباق: الضراط.
(٣) انظر: الأفعال 1/ 446.
(٤) الشطر لزهير، وعجزه: وأطلاؤها ينهضن في كل مجثم
وهو في ديوانه ص 75، وشرح المعلقات 1/ 100، واللسان (خلف) .
(٥) سورة الإسراء آية 76، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر وأبي جعفر.
(٦) وهي قراءة الباقي.
(٧) قال ابن الأثير في النهاية: وفي حديث عمر: (لو أطقت الأذان مع الخلّيفى لأذّنت) .
الخلّيفى بالكسر والتشديد: الخلافة، وهو وأمثاله مصدر يدل على معنى الكثرة، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة، وتصريف أعنّتها. النهاية 2/ 69، ورواه أبو الشيخ في الأذان والبيهقي، راجع: المقاصد الحسنة ص 348.