التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٣٠

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٣٠

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.
ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.
والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها المَعْنى الأصْلِيُّ وهو أظْهَرُ لِأنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالَ النُّحاةُ: الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ نَفْيٌ ولِذا يَجِيءُ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّفْيِ ولَكِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِأنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن كَلامٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ كَأنَّ مُجِيبًا أجابَ السّائِلَ بِقَوْلِهِ لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
والرَّغْبَةُ طَلَبُ أمْرٍ مَحْبُوبٍ: فَحَقُّ فِعْلِها أنْ يَتَعَدّى بِفي وقَدْ يُعَدّى بِعْنَ إذا ضُمِّنَ مَعْنى العُدُولِ عَنْ أمْرٍ وكَثُرَ هَذا التَّضْمِينُ في الكَلامِ حَتّى صارَ مَنسِيًّا، والمِلَّةُ الدِّينُ وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] و”سَفِهَ“ بِمَعْنى اسْتَخَفَّ لِأنَّ السَّفاهَةَ خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ يُقالُ تَسَفَّهَهُ اسْتَخَفَّهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ.
مَشِينَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمُ ومِنهُ السَّفاهَةُ في الفِعْلِ وهو ارْتِكابُ أفْعالٍ لا يَرْضى بِها أهْلُ المُرُوءَةِ والسَّفَهِ في المالِ وهو إضاعَتُهُ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِهِ وسُوءُ تَنْمِيَتِهِ. وسَفَّهَهُ بِمَعْنى اسْتَخَفَّهُ وأهانَهُ لِأنَّ الِاسْتِخْفافَ يَنْشَأُ عَنْهُ الإهانَةُ، وسَفِهَ صارَ سَفِيهًا وقَدْ تَضُمُّ الفاءُ في هَذا.
وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ إمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ أيْ أهْمَلَها واسْتَخَفَّها ولَمْ يُبالِ بِإضاعَتِها دُنْيًا وأُخْرى ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ وأصْلُهُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ أيْ خَفَّتْ، وطاشَتْ فَحُوِّلَ الإسْنادُ إلى صاحِبِ النَّفْسِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُلابَسَةِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ وهي أنَّ السَّفاهَةَ سَرَتْ مِنَ النَّفْسِ إلى صاحِبِها مِن شِدَّةٍ تَمَكُّنِها بِنَفْسِهِ حَتّى صارَتْ صِفَةً لِجُثْمانِهِ، ثُمَّ انْتَصَبَ الفاعِلُ عَلى التَّمْيِيزِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإبْهامِ في الإسْنادِ المُجازِيِّ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ أغْلَبِيٌّ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ الإسْلامَ مُقامٌ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ وهي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم بِأنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ قالَ تَعالى ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وقالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وقالَ وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الدّالَّةُ عَلى رِفْعَةِ دَرَجَةِ إبْراهِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَهُ لِلنّاسِ إمامًا وضَمِنَ لَهُ النُّبُوءَةَ في ذُرِّيَّتِهِ وأمْرَهُ بِبِناءِ مَسْجِدٍ لِتَوْحِيدِهِ واسْتَجابَ لَهُ دَعَواتِهِ.
وقَدْ دَلَّتْ تِلْكَ الجُمَلُ عَلى اخْتِيارِ اللَّهِ إيّاهُ فَلا جَرَمَ أُعْقِبَتْ بِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْها لِأنَّها جامِعَةٌ لِفَذْلَكَتِها وزائِدَةٌ بِذِكْرِ أنَّهُ سَيَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وفي ذَلِكَ اهْتِمامٌ بِتَقْرِيرِ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ في الآخِرَةِ.
ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الأخِيرِ أكَّدَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”اصْطَفَيْناهُ“ وبَيْنَ الظَّرْفِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إذْ هو ظَرْفٌ لاصْطَفَيْناهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قُصِدَ مِن هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ التَّخَلُّصُ إلى مَنقَبَةٍ أُخْرى، لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ هو دَلِيلُ اصْطِفائِهِ حَيْثُ خاطَبَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ وأمَرَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”أسْلِمْ“ مِن مَعانٍ جِماعُها التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ وإخْلاصُ الطّاعَةِ، وهو أيْضًا وقْتُ ظُهُورِ أنَّ اللَّهَ أرادَ إصْلاحَ حالِهِ في الآخِرَةِ إذْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
وقَدْ فُهِمَ أنَّ مَفْعُولَ ”أسْلِمْ“ ومُتَعَلِّقَهُ مَحْذُوفانِ يُعْلَمانِ مِنَ المَقامِ أيْ أسْلِمْ نَفْسَكَ لِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وشاعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مَفْعُولِ ”أسْلِمْ“ فَنَزَلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ يُقالُ: أسْلَمَ أيْ دانَ بِالإسْلامِ كَما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وقَوْلُهُ قالَ أسْلَمْتُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقَوْلُهُ: ”﴿قالَ أسْلَمْتُ﴾“ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ بادَرَ بِالفَوْرِ دُونَ تَرَيُّثٍ كَما اقْتَضاهُ وُقُوعُهُ جَوابًا، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّما قالَ لِرَبِّ العالَمِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ أسْلَمْتُ لَكَ لِيَكُونَ قَدْ أتى بِالإسْلامِ وبِدَلِيلِهِ اهـ. يَعْنِي أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّ لِهَذا العالَمِ خالِقًا عالِمًا حَصَلَ لَهُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالإيمانِ صادَفَ ذَلِكَ عَقْلًا رَشَدًا.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ} : «مَنْ» اسمُ استفهامٍ بمعنى الإِنكار فهو نفيٌ في المعنى، ولذلك جاءَتْ بعده «إلاَّ» التي للإِيجابِ، ومحلُّه رفعٌ بالابتداءِ، و «يَرْغَبُ» خبرُه، وفيه ضميرٌ يعودُ عليه، والرغبةُ أصلُها الطلبُ، فإنْ تَعَدَّت ب «في» كانَتْ بمعنى الإِيثارِ له والاختيارِ نحو: رَغِبْت في كذا، وإن تَعَدَّت ب «عن» كانت بمعنى الزَّهادة نحو: رَغِبْت عنك.
قوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ} في «مَنْ» وجهان: أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ على البدلِ من الضمير في «يَرْغَبُ» وهو المختارُ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجبٍ، والكوفيون يَجْعَلون هذا من بابِ العطفِ، فإذا قلتَ: ما قام القومُ إلا زيدٌ، ف «إلاَّ» عندهم حرفُ عطفٍ وزيدٌ معطوفٌ على القوم، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبِ النحو. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الاستثناء و «مَنْ» يُحتمل أن تكونَ موصولةً وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً، فالجملةُ بعدَها لا محلَّ لها على الأولِ، ومحلُّها الرفعُ أو النصبُ على الثاني.
قوله: {نَفْسَهُ} في نصبِه سبعةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو المختارُ - أَنْ يكونَ مفعولاً به؛ لأنَّ ثعلباً والمبرد حكيا أنَّ سَفِه بكسر [الفاء] يتعدَّى بنفسه كما يتعدَّى سَفَّه بفتح الفاء والتشديد، وحُكي عن أبي الخطاب أنها لغةٌ، وهو اختيارُ الزمخشريُ فإنه قال: «سَفِه نفسَه: امتَهَنَها واستخَفَّ بها» ، ثم ذَكَر أوجهاً أُخَرَ، ثم قال: «والوجهُ الأول، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث:» الكِبْرُ أَنْ تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمَصَ الناسَ «الثاني: أنه مفعولٌ به ولكن على تضمين» سَفِه «. معنى فِعْلٍ يتعدَّى، فقدَّره الزجاج وابنُ جني بمعنى جَهِل، وقدَّره أبو عبيدة. بمعنى أهلك. الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ تقديره: سَفِه في نفسه. الرابع: توكيدٌ لمؤكَّدٍ محذوفٍ تقديره: سَفِه قولَه نفسَه، فحذَفَ المؤكَّد، قياساً على النعت والمنعوت، حكاه مكي. الخامس: أنه تمييزٌ وهو قولُ بعضِ الكوفيين، قال الزمخشري:» ويجوز أَنْ يكونَ في شذوذِ تعريفِ المُمَيِّز نحو قوله:
727 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرِّقَابا
728 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أجبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
فجعل الرِّقابَ والظهرَ تمييزَيْن، وليسَ كذلك، بل هما مُشَبَّهان بالمفعول به لأنهما معمولاً صفةٍ مشبهةٍ، وهي الشُّعْر جمع أَشْعر، وأجَبّ وهو اسمٌ. السادس: أنه مشبّهٌ بالمفعولِ به وهو قولُ بعض الكوفيين. السابع: أنه توكيدٌ لِمَنْ سَفِه، لأنه في محلِّ نصبٍ على الاستثناء في أحد القولين، وهو تخريجٌ غريبٌ نقله صاحب «العجائب والغرائب» ، والمختارُ الأولُ لأنَّ التضمينَ لا يَنْقاسُ وكذلك حرفِ الجرِّ، وأمّا حَذْفُ المؤكَّد وإبقاءُ التوكيدِ فالصحيحُ لا يجوزُ، وأمَّا التمييزُ فلا يقع معرفةً، وما وَرَدَ نادرٌ أو مُتَأَوَّل، وأمّا النصبُ على التشبيهِ بالمفعولِ فلا يكونُ في الأفعالِ إنما يكون في الصفاتِ المشبَّهةِ خاصةً.
قوله: {فِي الآخرة} فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلِّق بالصالحين على أن الألفِ واللامَ للتعريفِ وليستْ موصولةً. الثاني أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أيضاً لكن مِنْ جِنسِ الملفوظِ به أي: وإنه لصالحٌ في الآخرة لَمِن الصالحين. الرابع: أن يتعلَّقَ بقولِه «الصالحين» وإنْ كانت أل موصولةً: لأنه يُغْتفر في الظروفِ وشِبْهِها ما لا يُغْتَفَرُ في غيرِها اتِّساعاً، ونظيرُه قوله:
729 - رَبَّيْتُه حتى إذا تَمَعْدَدا ... كان جزائي بالعَصَى أَنْ أُجْلَدَا
الخامس: أن يتعلَّق ب «اصَطَفْيناه» قال الحسين بن الفضل: «في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، مجازُه: ولقد اصطفيناه في الدنيا وفي الآخرة» وهذا ينبغي ألاَّ يجوزُ مثلُه في القرآنِ لنُبُوِّ السَّمْعِ عنه.
والاصطفاءُ: الاختيارُ، افتعال من صَفْوةِ الشيء وهي خِيارُه، وأصلُه: اصْتَفى، وإنما قُلِبت تاءُ الافتعال طاءً مناسبةً للصادِ لكونِها حرفَ إطباقٍ وتقدَّم ذلك عند قولِه: {أَضْطَرُّهُ} [البقرة: 126] . وأكَّد جملةَ الاصطفاءِ باللام، والثانية بإنَّ واللام، لأنَّ الثانية محتاجةٌ لمزيدِ تأكيدٍ، وذلك أنَّ كونَه في الآخرةِ من الصالحين أمرٌ مغيَّبٌ، فاحتاجَ الإِخبارُ به إلى فَضْلِ توكيدٍ، وأمَّا اصطفاءُ الله له/ فقد شاهَدُوه منه ونَقَله جيلٌ بعد جيلٍ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
رغب
أصل الرَّغْبَةِ: السّعة في الشيء، يقال: رَغُبَ الشيء: اتّسع(١) ، وحوض رَغِيبٌ، وفلان رَغِيبُ الجوف، وفرس رَغِيبُ العدو. والرَّغْبَةُ والرَّغَبُ والرَّغْبَى: السّعة في الإرادة قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء : 90] ، فإذا قيل: رَغِبَ فيه وإليه يقتضي الحرص عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة : 59] ، وإذا قيل: رَغِبَ عنه اقتضى صرف الرّغبة عنه والزّهد فيه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ [البقرة : 130] ، ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ [مريم : 46] ، والرَّغِيبَةُ: العطاء الكثير، إمّا لكونه مَرْغُوباً فيه، فتكون مشتقّة من الرّغبة، وإمّا لسعته، فتكون مشتقّة من الرّغبة بالأصل، قال الشاعر:
193- يعطي الرَّغَائِبَ من يشاء ويمنع(٢)

(١) قال في الأفعال: ورغب، اتّسع رأيه وخلقه. الأفعال 3/ 41.
(٢) عجز بيت لعبدة بن الطبيب، وصدره: [أوصيكم بتقى الاله فإنّه] وهو في المفضليات ص 146، والحماسة البصرية 1/ 283.

 

سفه
السَّفَهُ: خفّة في البدن، ومنه قيل: زمام سَفِيهٌ: كثير الاضطراب، وثوب سَفِيهٌ: رديء النّسج، واستعمل في خفّة النّفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدّنيويّة، والأخرويّة، فقيل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 130] ، وأصله سَفِهَتْ نفسه، فصرف عنه الفعل(١) ، نحو: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص : 58] ، قال في السَّفَهِ الدّنيويّ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ [النساء : 5] ، وقال في الأخرويّ: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾ [الجن : 4] ، فهذا من السّفه في الدّين، وقال: ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة : 13] ، فنبّه أنهم هم السّفهاء في تسمية المؤمنين سفهاء، وعلى ذلك قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة : 142] .

(١) قال السمين الحلبي: قوله: «نفسه» في نصبه سبعة أوجه، أحدها- وهو المختار-: أن يكون مفعولا به، لأنّ ثعلبا والمبرّد حكيا أنّ «سفه» بكسر الفاء يتعدّى بنفسه. 
ثم ذكر، الثالث: أنه منصوب على إسقاط حرف الجرّ، تقديره: سفه في نفسه. وراجع: الدر المصون 2/ 120، فقد أجاد وأفاد، وجمع وأوعى.