(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٠٣
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ولَوْ أنَّهُمُ آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
أيْ لَوْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ واتَّقَوُا اللَّهَ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلى إنْكارِ ما بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهم لَكانَتْ لَهم مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ومَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن كُلِّ نَفْعٍ حَمَلَهم عَلى المُكابَرَةِ.
ولَوْ شَرْطِيَّةٌ امْتِناعِيَّةٌ اقْتَرَنَ شَرْطُها بِأنَّ مَعَ التِزامِ الفِعْلِ الماضِي في جُمْلَتِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ
وأنَّ مَعَ صِلَتِها في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ وما في جُمْلَةِ الصِّلَةِ مِنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أكْمَلَ الفائِدَةَ فَأغْنى عَنِ الخَبَرِ. وقِيلَ: خَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثابِتٌ أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ.
وقَوْلُهُ ”لَمَثُوبَةٌ“ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ جَوابَ لَوْ فَإنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوِ المُثْبَتِ بِها، والجَوابُ هُنا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وهي لا تَقَعُ جَوابًا لِلَوْ في الغالِبِ وكانَ هَذا الجَوابُ غَيْرَ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ والتَّعْلِيقِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ مَثُوبَةَ اللَّهِ خَيْرٌ سَواءٌ آمَنَ اليَهُودُ واتَّقَوْا أمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لا ثِيبُوا ومَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ. وعَدَلَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ ؟ أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في جَوابِ لَوْ عَلى الفِعْلِيَّةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها كَما عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في (سَلامٌ عَلَيْكم) لِذَلِكَ اهـ.
ومُرادُهُ أنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ لا ثِيبُوا مَثُوبَةً مِنَ اللَّهِ خَيْرًا لَهم مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، أوْ لَمَثُوبَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، وكَيْفَما كانَ فالفِعْلُ أوْ بَدَلُهُ يَدُلّانِ عَلى الحُدُوثِ فَلا دَلالَةَ لَهُ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي حُصُولَ المَثُوبَةِ وثَباتَها وثَباتَ الخَيْرِيَّةِ لَها لِيَحْصُلَ مَجْمُوعُ مَعانٍ عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ المُؤَذِّنِ بِالفِعْلِ إلى الرَّفْعِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ لا تُفِيدُ الحُدُوثَ بَلِ الثُّبُوتَ ويَنْتَقِلُ مِن إفادَتِها الثُّبُوتَ إلى إفادَةِ الدَّوامِ والثَّباتِ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ بِالعُدُولِ عَنْ نَصْبِ المَصْدَرِ إلى رَفْعِهِ كَما في ”سَلامٌ عَلَيْكم“ و”الحَمْدُ لِلَّهِ“ ودَلالَتِها عَلى ثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ لِلْمَثُوبَةِ مِن كَوْنِ النِّسْبَةِ مُسْتَفادَةً مِن جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى نِسْبَةٍ لِفاعِلِهِ فَلَوْ قِيلَ ”لَمَثُوبَةً“ بِالنَّصْبِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ لا ثيبوا مَثُوبَةً فَإذا حُوِّلَتْ إلى المَصْدَرِ المَرْفُوعِ لَزِمَ أنْ تُعْتَبَرَ ما كانَ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَصْدَرُ المَرْفُوعُ لا نِسْبَةَ فِيهِ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ التَّقْدِيرَ ”لَمَثُوبَةً“ لَهم كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ سَلامًا وحَمْدًا عَلِمَ السّامِعُ أنَّكَ تُرِيدُ سَلَّمْتُ سَلامًا وحَمِدْتُ حَمْدًا، فَإذا قُلْتَ سَلامٌ وحَمْدٌ كانَ التَّقْدِيرُ سَلامٌ مِنِّي وحَمْدٌ مِنِّي، وهَذا وجْهُ تَنْظِيرِ الكَشّافِ وقَرِينَةُ كَوْنِ هَذا المَصْدَرِ في الأصْلِ مَنصُوبًا وُقُوعُهُ جَوابًا لِلَوِ المُتَأصِّلِ في الفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ خَيْرُ عِلْمِ السّامِعِ أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ المَثُوبَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِها فاسْتَفادَ ثَباتَ الخَيْرِيَّةِ ولِهَذا لَمْ يَتَعَرَّضْ صاحِبُ الكَشّافِ لِبَيانِ إفادَةِ الجُمْلَةِ ثَباتَ الخَيْرِيَّةِ لِلْمَثُوبَةِ لِأنَّهُ لِصَراحَتِهِ لا يَحْتاجُ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى ثَباتِ خَبَرِها لِمُبْتَدَئِها.
وبِهَذا ظَهَرَ التَّرْتِيبُ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المَثُوبَةِ بِأنَّها خَيْرٌ أنَّها تَثْبُتُ لَهم لَوْ آمَنُوا. وعِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ فَإنَّهُ لَمّا جُعِلَ مُعَلَّقًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهُمُ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ عُلِمَ أنَّ في هَذا الخَبَرِ شَيْئًا يَهُمُّهم ولَمّا كانَتْ لَوِ امْتِناعِيَّةً ووَقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِها جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ تامَّةٌ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ هَذا الخَبَرَ مُمْتَنِعٌ ثُبُوتُهُ لِمَنِ امْتَنَعَ مِنهُ شَرْطُ لَوْ، فَيَكُونُ تَنْكِيلًا عَلَيْهِمْ وتَمْلِيحًا بِهِمْ.
وقَدْ قِيلَ إنَّ لَوْ لِلتَّمَنِّي عَلى حَدِّ (﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧]) . والتَّحْقِيقُ أنْ لَوِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي هي لَوِ الشَّرْطِيَّةٌ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي لِأنَّ المُمْتَنِعَ يَتَمَنّى إنَّ كانَ مَحْبُوبًا (وأحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مُنِعا) واسْتُدِلَّ عَلى هَذا بِأنَّها إذا جاءَتْ لِلتَّمَنِّي أُجِيبَتْ جَوابَيْنِ جَوابًا مَنصُوبًا كَجَوابِ لَيْتَ وجَوابًا مُقْتَرِنًا بِاللّامِ كَجَوابِ الِامْتِناعِيَّةِ، كَقَوْلِ المُهَلْهَلِ:
فَلَوْ نَبَشَ المَقابِرَ عَنْ كُلَيِبٍ ∗∗∗ فَيُخْبِرُ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
ويَوْمَ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ (فَيُخْبِرُ) وقَوْلِهِ لَقَرَّ عَيْنا. والتَّمَنِّي عَلى تَقْدِيرِهِ مَجازٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ أوْ تَمْثِيلٍ لِحالِ الدّاعِي لِذَلِكَ بِحالِ المُتَمَنِّي فاسْتَعْمَلَ لَهُ المُرَكَّبَ المَوْضُوعَ لِلتَّمَنِّي أوْ هو ما لَوْ نَطَقَ بِهِ العَرَبِيُّ في هَذا المَقامِ لَنَطَقَ بِالتَّمَنِّي عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ”لَعَلَّكم تَتَّقُونَ“ ونَحْوِهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”لَمَثُوبَةٌ“ مُسْتَأْنِفًا، واللّامُ لِلْقَسَمِ.
والمَثُوبَةُ اسْمُ مَصْدَرِ (أثابَ) إذا أعْطى الثَّوابَ، والثَّوابُ الجَزاءُ الَّذِي يُعْطى لِخَيْرِ المُعْطِي، ويُقالُ: ثَوَبَ وأثْوَبَ بِمَعْنى أثابَ فالمَثُوبَةُ عَلى وزْنِ المُفْعُولَةِ كالمَصْدُوقَةِ والمَشُورَةِ والمَكْرُوهَةِ.
وقَوْلُهُ ”لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ“ شَرْطٌ ثانٍ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ لِدَلالَةِ لَمَثُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مَثُوبَةَ اللَّهِ لَما اشْتَرَوُا السِّحْرَ.
ولَيْسَ تَكْرِيرُ اللَّفْظَةِ أوِ الجُمْلَةِ في فَواصِلِ القُرْآنِ بِإيطاءٍ لِأنَّ الإيطاءَ إنَّما يُعابُ في الشِّعْرِ دُونَ النَّثْرِ لِأنَّ النَّثْرَ إنَّما يَعْتَدُّ فِيهِ بِمُطابَقَةِ مُقْتَضى الحالِ، وفائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما هو النَّفْعُ الحَقُّ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ} : «لو» هنا فيها قولان، أحدُهما: أنها على بابِها من كوِنها حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيره، وسيأتي الكلامُ في جوابها. وأجاز الزمخشري أن تكونَ للتمني أي: ليتهم آمنوا على سبيل المجازِ عن إرادةِ الله إيمانَهم واختيارَهم له، فعلى هذا لا يَلْزَمُ أن يكونَ لها جوابٌ لأنها قد تُجابُ بالفاءِ حينئذٍ، وفي كلامِه اعتزالٌ موضعُه غيرُ هذا الكتابِ.
و «أنهم آمنوا» مؤولٌ بمصدرٍ، وهو في محلِّ رفعٍ، واختُلِفَ في ذلك على قَولَيْن، أحدُهما - وهو قولُ سيبويه - أنَّه في محلِّ رفعٍ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ، تقديرُه: ولو إيمانُهم ثابتٌ، وشَذَّ وقوعُ الاسمِ بعد لو، وإنَّ كانت مختصةً بالأفعال، كما شَذَّ نصبُ «غُدْوَةً» بعد «لَدُنْ» . وقيل: لا يَحْتاج هذا المبتدأ إلى خبرٍ لجَريانِ لفظِ المسندِ والمسندِ إليه في صلةِ «أَنَّ» ، وصَحَّح الشيخ هذا في سورة النساء، وهذا يُشْبِهُ الخلافَ في «أنَّ» الواقعةِ بعد ظنَّ وأخواتِها، وقد تقدَّم تحقيقُه والله أعلم. والثاني: - وهو قولُ المبرد - أنه في محلِّ رفعٍ بالفاعليةِ، رافعُه محذوفٌ تقديرُه: ولو ثَبَتَ إيمانُهم، لأنَّها لا يَليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بأنه لا يُضْمَرُ بعدَها الفعلُ إلا مفسَّراً بفعلٍ مثلِه، وهذا يُحْمَلُ على المبرد، ولكلِّ من القولين دلائلُ ليس هذا موضعَها. والضميرُ في «أنهم» فيه قولان، أحدُهما: عائدٌ على اليهودِ، والثاني: على الذينَ يُعَلِّمون السحرَ.
قوله: {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله} في هذه اللامِ قولان، أحدُهما: أنها لامُ لامُ الابتداءِ وأنَّ ما بعدها استئنافُ إخبارٍ بذلك، وليس متعلِّقاً بإيمانِهم وتقواهم ولا مترتِّباً عليه، وعلى هذا فجوابُ «لو» محذوفٌ إذا قيل بأنها ليست للتمني أو قيل / بأنها للتمني ويكونُ لها جوابٌ تقديره: لأُثيبوا. والثاني: أنها جوابُ لو، فإنَّ «لو» تجابُ بالجملةِ الاسميةِ. قال الزمخشري: «أُوْثِرَتِ الجملةُ الاسميةُ على الفعليةِ في جوابِ لو لِما في ذلك من الدَلالةِ على ثبوتِ المُثُوبة واستقرارها، كما عَدَلَ عن النصبِ إلى الرفعِ في» سلامٌ عليكم «وفي قوع جوابِ» لو «جملةً اسميةً نَظَرٌ يحتاجُ إلى دليلٍ غير مَحَلِّ النزاع. قال الشيخ:» لم يُعْهَدْ في كلامِ العربِ وقوعُ الجملةِ الابتدائيةِ جواباً لِلَوْ، إنما جاءَ هذا المختلَفُ في تخريجِه، ولا تَثْبُتُ القواعدُ الكليةُ بالمُحْتَمَلِ.
ولمَثُوبة فيها قولان أحدُهما: أنَّ وزنَها مَفْعُولَة والأصلُ مَثْوُوْبَة، فثَقُلَتْ الضمةُ على الواوِ فَنُقِلَتْ إلى الساكنِ قبلها، فالتقى ساكنان فَحُذِفَ أحدُهما مثل: مَقُولة ومَجُوزة ومَصُوْن ومَشُوْب، وقد جاءَتْ مصادرُ على مَفْعُول كالمَعْقُول، فهي مصدرٌ نَقَل ذلك الواحدي.
والثاني: أنها مَفْعُلَةٌ من الثواب بضمَّ العين، وإنما نُقِلَتِ الضَمَّةُ منها إلى الثاء، ويقال: «مَثْوَبة» بسكون الثاءِ وفتحِ الواو، وكان مِنْ حَقِّها الإِعلالُ فيقال: «مَثُابة» كمَقامَة، إلا أنهم صَحَّحُوها كما صَحَّحُوا في الأعلام مَكْوَزَة، وبذلك قرأ أبو السَّمَّال وقتادة كمَشْوَرة. ومعنى «لَمَثُوبة» أي: ثوابٌ وجزاءٌ في من الله. وقيل: لَرَجْعَةٌ إلى الله.
قوله: {مِّنْ عِندِ الله} في محلِّ رفعٍ صفةً لِمَثُوبة، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: لَمَثُوبة كائنة من عندِ الله. والعِنْدِيَّة هنا مجازٌ كما تقدَّم في نظائره. قال الشيخ: «وهذا الوصفُ هو المُسَوِّغُ لجوازِ الابتداءِ بالنكرةِ» قلت: ولا حاجةَ إلى هذا لأنَّ المُسَوِّغَ هنا شيء آخر وهو الاعتمادُ على لامِ الابتداءِ، حتى لو قيل في الكلام: «لَمَثُوبة خيرٌ» من غيرِ وصفٍ لَصَحَّ. والتنكيرُ في «لَمَثُوبَةٌ» يفيدُ أنَّ شيئاً من الثوابِ - وإنْ قَلَّ - خَيرٌ، فلذلك لا يُقال له قليلٌ، ونظيرُه: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ} [التوبة: 72] .
وقوله «خيرٌ» خبرٌ لِمَثُوبَةٌ، وليست هنا بمعنى أَفْعَل التفضيلِ، بل هي لبيانِ أنها فاضلةٌ، كقوله: {أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] {أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ} [فصلت: 40] .
قوله: {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} جوابُها محذوفٌ تقديرُه: لكان تحصيلُ المثوبةِ خيراً، أي تحصيلُ أسبابِها من الإِيمانِ والتقوى، وكذلك قَدَّرَه، بعضُهم: لآمنوا. وفي مفعولِ «يَعْلَمُون» وجهان: أحدُهما: أنه محذوفٌ اقتصاراً أي: لو كانوا من ذوي العلمِ، والثاني: أنه محذوفٌ اختصاراً، تقديرُه: لو كانوا يَعْلمون التفضيلَ في ذلك، أو يعلمونَ أنَّ ما عند الله خيرٌ وأَبْقَى.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
ثوب
أصل الثَّوْب: رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها، أو إلى الحالة المقدّرة المقصودة بالفكرة، وهي الحالة المشار إليها بقولهم: أوّل الفكرة آخر العمل(١) . فمن الرجوع إلى الحالة الأولى قولهم: ثَابَ فلان إلى داره، وثَابَتْ إِلَيَّ نفسي، وسمّي مكان المستسقي على فم البئر مَثَابَة، ومن الرجوع إلى الحالة المقدرة المقصود بالفكرة الثوب، سمّي بذلك لرجوع الغزل إلى الحالة التي قدّرت له، وكذا ثواب العمل، وجمع الثوب أَثْوَاب وثِيَاب، وقوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر : 4] يحمل على تطهير الثوب، وقيل: الثياب كناية عن النفس لقول الشاعر:
85- ثياب بني عوف طهارى نقيّة(٢) وذلك أمر بما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب : 33] . والثَّوَاب: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمى الجزاء ثوابا تصوّرا أنه هو هو، ألا ترى كيف جعل الله تعالى الجزاء نفس العمل في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة : 7] ، ولم يقل جزاءه، والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله عزّ وجلّ: ﴿ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران : 148] ، وكذلك المَثُوبَة في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة : 60] ، فإنّ ذلك استعارة في الشر كاستعارة البشارة فيه. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 103] ، والإِثَابَةُ تستعمل في المحبوب، قال تعالى: ﴿فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [المائدة : 85] ، وقد قيل ذلك في المكروه فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران : 153] ، على الاستعارة كما تقدّم، والتَّثْوِيب في القرآن لم يجئ إلا في المكروه، نحو: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ [المطففين : 36] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً﴾ [البقرة : 125] ، قيل: معناه: مكانا يثوب إليه النّاس على مرور الأوقات، وقيل: مكانا يكتسب فيه الثواب. والثَّيِّب: التي تثوب عن الزوج.
قال تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [التحريم : 5] ، وقال عليه السلام: «الثيّب أحقّ بنفسها»(٣) .
والتَّثْوِيب: تكرار النداء، ومنه: التثويب في الأذان، والثُّوبَاء التي تعتري الإنسان سميت بذلك لتكررها، والثُّبَة: الجماعة الثائب بعضهم إلى بعض في الظاهر. قال عزّ وجلّ: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء : 71] ، قال الشاعر:
86- وقد أغدو على ثبة كرام(٤)
وثبة الحوض: ما يثوب إليه الماء، وقد تقدّم(٥) .
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز 1/ 337، وتفصيل هذا في شرح أدب الكاتب للجواليقي ص 37.
(٢) الشطر لامرئ القيس، وعجزه: وأوجههم بيض المسافر غرّان
وهو في ديوانه ص 167، واللسان (ثوب) .
(٣) الحديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (1421) ، وابن ماجة في سننه 1/ 601، ومالك في الموطأ. انظر تنوير الحوالك 2/ 62، وشرح السنة 9/ 30، والرواية [الأيم] بدل [الثيب] .
(٤) البيت تقدم قريبا برقم 80.
(٥) راجع مادة (ثبة) .