التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١١٤

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ١١٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أفانِينِ أهْلِ الكِتابِ في الجُرْاءَةِ وسُوءِ المَقالَةِ أيْ أنَّ قَوْلَهم هَذا وما تَقَدَّمُهُ ظُلْمٌ ولا كَظُلْمِ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ وهَذا اسْتِطْرادٌ واقِعٌ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى لِذِكْرِ مَساوِئِ المُشْرِكِينَ في سُوءِ تَلَقِّيهم دَعْوَةَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ لِهَدْيِهِمْ ونَجاتِهِمْ.
والآيَةُ نازِلَةٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ كَما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ الآيَةَ كَما سَيَأْتِي وهي تُشِيرُ إلى مَنعِ أهْلِ مَكَّةَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ لِمَكَّةَ كَما جاءَ في حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ خِفْيَةً وقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ألا أراكَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ آمِنًا وقَدْ أوَيْتُمُ الصِّباءَ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في بُخْتُنَصَّرَ مَلِكِ أشُورَ وغَزْوِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ ثَلاثَ غَزَواتٍ أوَّلاها في سَنَةِ ٦٠٦ قَبْلَ المَسِيحِ زَمَنَ المَلِكِ يَهُوياقِيمَ مَلِكِ اليَهُودِ سَبى فِيها جَمْعًا مِن شَعْبِ إسْرائِيلَ. والثّانِيَةُ بَعْدَ ثَمانِ سِنِينَ سَبى فِيها رُؤَساءَ المَمْلَكَةِ والمَلِكَ يَهُوا كِينَ بْنَ يَهُوياقِيمَ ونَهَبَ المَسْجِدَ المُقَدَّسَ مِن جَمِيعِ نَفائِسِهِ وكُنُوزِهِ. والثّالِثَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ في زَمَنِ المَلِكِ صِدْقِيا فَأسَرَ المَلِكَ وسَمَلَ عَيْنَيْهِ وأحْرَقَ المَسْجِدَ الأقْصى وجَمِيعَ المَدِينَةِ وسَبى جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وانْقَرَضَتْ بِذَلِكَ مَمْلَكَةُ يَهُوذا وذَلِكَ سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ المَسِيحِ وتُسَمّى هَذِهِ الواقِعَةُ بِالسَّبْيِ الثّالِثِ فَهو في كُلِّ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وتَسَبَّبَ في خَرابِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوِ طَيْطَسَ الرُّومانِيِّ لِأُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٧٩ قَبْلَ المَسِيحِ فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأحْرَقَ التَّوْراةَ وتَرَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ البِلادِ الشّامِيَّةِ. وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِها عَقِبَ ما تَقَدَّمَ فَلا يَنْبَغِي بِناءُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِما.
والوَجْهُ هو التَّعْوِيلُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وهي المَأْثُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالمُناسِبَةُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ وُفِّيَ أهْلُ الكِتابِ حَقَّهم مَن فَضْحِ نَواياهم في دِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ وبَيانِ أنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ مَعَ كُلِّ مَن جاءَهم بِما يُخالِفُ هَواهم وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ شابُهُوهم في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] عَطَفَ الكَلامَ إلى بَيانِ ما تَفَرَّعَ عَنْ عَدَمِ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ نُزُولِ القُرْآنِ فَبَيَّنَ أنَّ ظُلْمَهم في ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهم إذْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ وسَدُّوا طَرِيقَ الهُدى وحالُوا بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو فَخْرُهم وسَبَبُ مَكانَتِهِمْ ولَيْسَ هَذا شَأْنُ طالِبِ صَلاحِ الخَلْقِ بَلْ هَذا شَأْنُ الحاسِدِ المُغْتاظِ.والِاسْتِفْهامُ بِمَن إنْكارِيٌّ ولَمّا كانَ أصْلُ مَن أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أشُرِبَتْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وكانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ.
والظُّلْمُ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِما لا يَرْضى بِهِ، ويُطْلَقُ عَلى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُوضَعَ فِيهِ والمَعْنَيانِ صالِحانِ هُنا.
وإنَّما كانُوا أظْلَمَ النّاسِ لِأنَّهم أتَوْا بِظُلْمٍ عَجِيبٍ فَقَدْ ظَلَمُوا المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وهم أحَقُّ النّاسِ بِهِ وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ السُّمْعَةِ بَيْنَ الأُمَمِ.
وجَمَعَ المَساجِدَ وإنْ كانَ المُشْرِكُونَ مَنَعُوا الكَعْبَةَ فَقَطْ إمّا لِلتَّعْظِيمِ فَإنَّ الجَمْعَ يَجِيءُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإمّا لِما فِيهِ مِن أماكِنِ العِبادَةِ وهي البَيْتُ والمَسْجِدُ الحَرامُ ومَقامُ إبْراهِيمَ والحَطِيمُ، وإمّا لِما يَتَّصِلُ بِهِ أيْضًا مِنَ الخَيْفِ ومِنًى والمَشْعَرِ الحَرامِ وكُلُّها مَساجِدُ والإضافَةُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى مَعْنى لامِ التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ، وإمّا لِقَصْدِ دُخُولِ جَمِيعِ مَساجِدِ اللَّهِ لِأنَّهُ جَمْعٌ تَعَرَّفَ بِالإضافَةِ ووَقَعَ في سِياقِ مَنعِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ لِيَشْمَلَ الوَعِيدُ كُلَّ مُخَرِّبٍ لِمَسْجِدٍ أوْ مانِعٍ مِنَ العِبادَةِ بِتَعْطِيلِهِ عَنْ إقامَةِ العِباداتِ ويَدْخُلُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى حُكْمِ وُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، والإضافَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ ولَعَلَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ المَنصُوبَ في قَوْلِهِ ”أنْ يَدْخُلُوها“ يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَساجِدِ مَساجِدُ مَعْلُومَةٌ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ لا يَتَعَدّى لِكُلِّ مَن مَنَعَ مَسْجِدًا إذْ هو عِقابٌ دُنْيَوِيٌّ لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ في أمْثالِ المُعاقَبِ.
والمُرادُ مِنَ المَنعِ مَنعُ العِبادَةِ في أوْقاتِها الخاصَّةِ بِها كالطَّوافِ والجَماعَةِ إذا قُصِدَ بِالمَنعِ حِرْمانُ فَرِيقٍ مِنَ المُتَأهِّلِينَ لَها مِنها. ولَيْسَ مِنهُ غَلْقُ المَساجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الجَماعَةِ لِأنَّ صَلاةَ الفَذِّ لا تُفَضَّلُ في المَسْجِدِ عَلى غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ غَلْقُها مِن دُخُولِ الصِّبْيانِ والمُسافِرِينَ لِلنَّوْمِ، وقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ التَّفْسِيرِ عَنْ هَذا فَقالَ: غَلْقُ بابِ المَسْجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ حِفْظٌ وصِيانَةٌ ا ه. وكَذَلِكَ مَنعُ غَيْرِ المُتَأهِّلِ لِدُخُولِهِ وقَدْ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ الطَّوافَ والحَجَّ ومَنَعَ مالِكٌ الكافِرَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ ومَعْلُومٌ مَنعُ الجُنُبِ والحائِضِ.
والسَّعْيُ أصْلُهُ المَشْيُ ثُمَّ صارَ مَجازًا مَشْهُورًا في التَّسَبُّبِ المَقْصُودِ كالحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ نَحْوَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] ويُعَدّى بِفي الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ نَحْوَ: سَعَيْتُ في حاجَتِكَ فالمَنعُ هُنا حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُتَقَدِّمَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ والسَّعْيُ مَجازٌ في التَّسَبُّبِ غَيْرِ المَقْصُودِ فَهو مَجازٌ عَلى مَجازٍ. وأمّا عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فالمَنعُ مَجازٌ والسَّعْيُ حَقِيقَةٌ لِأنَّ بُخْتُنَصَّرَ وطِيطَسَ لَمْ يَمْنَعا أحَدًا مِنَ الذِّكْرِ ولَكِنَّهُما تَسَبَّبا في الخَرابِ بِالأمْرِ بِالتَّخْرِيبِ فَأفْضى ذَلِكَ إلى المَنعِ وآلَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُغْنِي عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ ”مَن أظْلَمُ“ أوْ عَنْ قَوْلِهِ ”سَعى“ لِأنَّ السّامِعَ إذا عَلِمَ أنَّ فاعِلَ هَذا أظْلَمُ النّاسِ أوْ سَمِعَ هَذِهِ الجُرْأةَ وهي السَّعْيُ في الخَرابِ تَطَلَّبَ بَيانُ جَزاءِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أوْ فَعَلَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُها اعْتِراضًا بَيْنَ ”مَن أظْلَمُ“ وقَوْلِهِ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ بَعْدَ إجْراءِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا بِتِلْكَ الأوْصافِ لِيُخْبَرَ عَنْهم بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ بِخَبَرِهِمْ جَدِيرُونَ بِمَضْمُونِهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمَلِ لَيْسَ هو بَيانُ جَزاءِ فِعْلِهِمْ أوِ التَّحْذِيرِ مِنهُ بَلِ المَقْصُودُ بَيانُ هاتِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ عَجائِبِ أهْلِ الكِتابِ ثُمَّ يُرَتِّبُ العِقابَ عَلى ذَلِكَ حَتّى تَعْلَمَ جَدارَتَهم بِهِ وقَدْ ذَكَرَ لَهم عُقُوبَتَيْنِ دُنْيَوِيَّةً وهي الخَوْفُ والخِزْيُ وأُخْرَوِيَّةً وهي العَذابُ العَظِيمُ.
ومَعْنى ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أنَّهم لا يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الفِعْلَةِ أنْ يَدْخُلُوا تِلْكَ المَساجِدَ الَّتِي مَنَعُوها إلّا وهم خائِفُونَ فَإنَّ ”ما كانَ“ إذا وقَعَ أنْ والمُضارِعُ في خَبَرِها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وإنَّ كانَ لَفْظُ ”كانَ“ لَفْظَ الماضِي، وأنْ هَذِهِ هي الَّتِي تَسْتَتِرُ عِنْدَ مَجِيءِ اللّامِ نَحْوَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم فَلا إشْعارَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِمُضِيٍّ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم لِلِاسْتِحْقاقِ أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَهُمُ الدُّخُولُ في حالَةٍ إلّا في حالَةِ الخَوْفِ فَهم حَقِيقُونَ بِها وأحْرِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهَذا وعِيدٌ بِأنَّهم قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ تُرْفَعَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وشَعائِرِ اللَّهِ هُناكَ وتَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ إلّا خائِفِينَ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فَكانُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى نادى مُنادِي النَّبِيءِ ﷺ مَن دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ فَهو آمِنٌ فَدَخَلَهُ الكَثِيرُ مِنهم مَذْعُورِينَ أنْ يُؤْخَذُوا بِالسَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ.
وعَلى تَفْسِيرِ ”مَساجِدَ اللَّهِ“ بِالعُمُومِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ في حالِ أنَّهم كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُدْخُلُوها خاشِعِينَ مِنَ اللَّهِ فَيُفَسَّرُ الخَوْفُ بِالخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ كانُوا ظالِمِينَ بِوَضْعِ الجَبَرُوتِ في مَوْضِعِ الخُضُوعِ فاللّامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ ”ما كانَ لَهم“ لِلِاخْتِصاصِ وهَذا الوَجْهُ وإنْ فَرَضَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ مَكانَ اسْمِ الإشارَةِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ تَرَتَّبَ عَمّا قَبْلَهُ يُنافِيهِ لِأنَّ هَذا الِابْتِغاءَ مُتَقَرِّرٌ وسابِقٌ عَلى المَنعِ والسَّعْيِ في الخَرابِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ ولَمْ يَعْطِفْ عَلى ما قَبْلَهُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِالِاسْتِئْنافِ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المَعْطُوفَ لِكَوْنِهِ تابِعًا لا يَهْتَمُّ بِهِ السّامِعُونَ كَمالَ الِاهْتِمامِ ولِأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ مَجْرى البَيانِ مِنَ المُبِينِ فَإنَّ الخِزْيَ خَوْفٌ، والخِزْيُ الذُّلُّ والهَوانُ وذَلِكَ ما نالَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ الشَّنِيعِ والأسْرِ، وما نالَهم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن خِزْيِ الِانْهِزامِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عُطِفَتْ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها تَتْمِيمٌ لَها إذِ المَقْصُودُ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا في الدُّنْيا وعَذابًا في الآخِرَةِ.
وعِنْدِي أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِالِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ مِن سَبَبِ انْصِرافِ النَّبِيءِ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَإنَّ مَنعَهُمُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِنَ اسْتِقْبالِ غَيْرِ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} : «مَنْ» استفهامٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «أظلمُ» أفعلُ تفضيلٍ خبرُه، ومعنى الاستفهامِ هنا النفيُ، أي: لا أحدَ أظلمُ منه، ولمَّا كان المعنى على ذلك أَوْرَدَ بعضُ الناس سؤالاً: وهو أنَّ هذه الصيغةَ قد تكرَّرتْ في القرآن: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى} [الأنعام: 21] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} [السجدة: 22] {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله} [الزمر: 32] وكلُّّ واحدةٍ منها تقتضي أنَّ المذكورَ فيها لا يكونُ أحدٌ أظلمَ منه، فكيف يُوصفُ غيرُه بذلك؟ وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها: - ذكره هذا السائلُ - وهو أَنْ يُخَصَّ كلُّ واحدٍ بمعنى صلته كأنه قال: لا أحدَ من المانعين أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ الله، ولا أحدَ من المفترين أظلمُ مِمَّن افترى على الله، ولا أحدَ من الكذَّابين أظلمُ مِمَّن كَذَب على الله، وكذلك ما جاءَ منه. الثاني: أن التخصيصَ يكونُ بالنسبةِ إلى السَّبْقِ، لمَّا لم يُسْبَقْ أحدٌ إلى مثلِه حَكَم عليهم بأنَّهم أظلمُ مِمَّن جاء بعدَهم سالكاً طريقتَهم في ذلك، وهذا يُؤُول معناه إلى السَّبْقِ في المانعيَّةِ والافترائيِّةِ ونحوِهما. الثالث: أنَّ هذا نَفْيٌ للأظلميَّة، ونفيُ الأظلميَّةِ لا يَسْتَدْعي نفيَ الظالميةِ، لأنَّ نَفْيَ المقيدِ لا يَدُلُّ على نفيِ المطلقِ، وإذا لم يَدُلَّ على نَفْيِ الظالميةِ لم يكن مناقِضاً لأنَّ فيها إثباتَ التسوية في الأظلميةِ، وإذا ثَبَتَتْ التسويةُ في الأظلميةِ لم يكنْ أحدٌ مِمَّن وُصِف بذلك يزيدُ على الآخر لأنهم / متساوون في ذلك وصار المعنى: ولا أحدَ أظلمُ مِمَّن مَنَع ومِمَّن افترى وممَّن ذُكِّر، ولا إشكالَ في تساوي هؤلاء في الأظلميَّة، ولا يَدُل ذلك على أنَّ أحد هؤلاء يزيدُ على الآخرِ في الظلم، كما أنَّك إذا قلتَ: « لا أحدَ أفقهُ من زيدٍ وبكرٍ وخالدٍ» لا يَدُلُّ على أن أحدَهم أفقهُ من الآخر، بل نَفَيْتَ أن يكونَ أحدٌ أفقهَ منهم، لا يُقال: إنَّ مَنْ مَنَع مساجدَ اللهِ وسَعَى في خرابِها ولم يَفْتَرِ على الله كذباً أقلُّ ظلماً مِمَّنْ جَمَعَ بين هذه الأشياء فلا يكونون متساوين في الأظلميةِ؛ لأنَّ هذه الآياتِ كلَّها في الكفار وهم متساوُون في الأظلميَّة وإن كان طُرُقُ الأظلميةِ مختلفةً.
و «مَنْ» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً فلا محلَّ للجملةِ بعدَها، وأَنْ تكونَ موصوفةً فتكونَ الجملةُ في محلِّ جرٍّ صفةً لها، و «مساجد» مفعولٌ أولُ لمَنَع، وهي جمعُ مَسْجِد وهو اسمُ مكانِ السجودِ، وكان من حَقِّه أن يأتي على مَفْعَل بالفتح لانضمامِ عينِ مضارِعه ولكن شَذَّ كَسْرُه كما شَذَّت ألفاظُ يأتي ذكرُها، وقد سُمع «مَسْجَد» بالفتح على الأصل، وقد تُبْدَلُ جيمُه ياءً ومنه: المَسْيِد في لغة.
قوله: {أَن يُذْكَرَ} ناصبٌ ومنصوبٌ، وفيه أربعةٌ أوجهٍ أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لمَنَع، تقولُ: مَنَعْتُه كذا. والثاني: أنه مفعولٌ من أجلِه أي: كراهةَ أن يُذْكَرَ. وقال الشيخ: «فَتَعَيَّن حَذْفُ مضافٍ أي دخولَ مساجدِ الله، وما أَشْبهه» . والثالثُ: أنه بدلُ اشتمالٍ من «مساجد» ، أي: مَنَعَ ذِكْرَ اسمِه فيها. والرابع: أنه على إسقاطِ حرفِ الجرِّ، والأصلُ: مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، وحينئذٍ يجيءُ فيها المذهبان المشهوران من كونها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ، و «في خَرابِها» متعلِّقٌ بسَعَى. واختُلِف في «خراب» : فقال أبو البقاء: «هو اسمُ مصدرٍ بمعنى التخريب كالسَّلامِ بمعنى التسليم، وأُضيف اسمُ المصدرِ لمفعوله لأنه يَعْمَلُ عَمَلَ الفعلِ. وهذا على أحدِ القَوْلينِ في اسمِ المصدرِ هل يَعْمَلُ أو لا؟ وأنشدوا على إعماله:
685 - أَكْفْراً بعد رَدِّ الموتِ عني ... وبعد عَطائِك المئةَ الرِّتاعا
وقال غيرُه: هو مصدرُ خَرِبَ المكان يخرَب خَراباً، فالمعنى: سعى في أن تَخْرَبَ هي بنفسِها بعدمِ تعاهُدها بالعِمارة، ويقال: منزلٌ خَرابٌ وخَرِب كقوله:
686 - ما رَبْعُ مَيَّةَ معمورٌ يَطِيفُ [به] ... غَيْلانُ أَبْهى رُبَىً من رُبْعِها الخَرِب
فهو على الأولِ مضافٌ للمفعولِ وعلى الثاني مضافٌ للفاعل.
قوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ} :» لهم «خبرُ» كان «مقدَّمٌ على اسمِها، واسمُها» أَنْ يدخُلوها «لأنه في تأويل المصدرِ، أي: ما كان لهم الدخولُ، والجملةُ المنفيةُ في محلِّ رفعٍ خبراً عن» أولئك «.
قوله: {إِلاَّ خَآئِفِينَ} حالٌ من فاعل» يَدْخُلوها «، وهذا استثناءٌ مفرغٌ من الأحوالِ، لأن التقديرَ: ما كان لهم الدخولُ في جميع الأحوال إلا في حالةِ الخوف. وقرأ أُبَيّ» خُيَّفاً «وهو جمعُ خائف، كضارب وضُرَّب، والأصل: خُوَّف كصُوَّم، إلا أنه أَبْدل الواوَيْنِ ياءَيْنِ وهو جائزٌ، قالوا: صُوَّم وصُيَّم، وحَمَل أولاً على لفظ» مَنْ «، فَأَفْرَد في قوله:» مَنَع، وسعى «وعلى معناها ثانياً فجَمَع في قوله:» أولئك «وما بعده.
قوله: {لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ} هذه الجملةُ وما بعدها لا محلَّ لها لاستئنافِها عَمَّا قبلَها، ولا يجوز أن تكونَ حالاً لأنَّ خِزْيَهم ثابتٌ على كلِّ حالٍ لا يتقيَّد بحالِ دخولِ المساجدِ خاصةً.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
خزى
خَزِيَ الرّجل: لحقه انكسار، إمّا من نفسه، وإمّا من غيره. فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط، ومصدره الخَزَايَة(١) ورجل خَزْيَان، وامرأة خَزْيَى وجمعه خَزَايَا. وفي الحديث: «اللهمّ احشرنا غير خزايا ولا نادمين»(٢) . والذي يلحقه من غيره يقال: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخِزْي، ورجل خز. قال تعالى: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ [المائدة : 33] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 27] ، ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزمر : 26] ، ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [فصلت : 16] ، وقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ [طه : 134] ، وأَخْزَى يقال من الخزاية والخزي جميعا، وقوله: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم : 8] ، فهو من الخزي أقرب، وإن جاز أن يكون منهما جميعا، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران : 192] ، فمن الخزاية، ويجوز أن يكون من الخزي، وكذا قوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود : 39] ، وقوله: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران : 194] ، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ [الحشر : 5] ، وقال: ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود : 78] ، وعلى نحو ما قلنا في خزي قولهم: ذلّ وهان، فإنّ ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذّلّ، ويكون محمودا، ومتى كان من غيره يقال له: الهون، والهوان، والذّلّ، ويكون مذموما.

(١) قال السرقسطي: خزيته خزاية: استحييت منه.
(٢) انظر: النهاية 2/ 30. وفي حديث مسلم 1/ 47: مرحبا بالوفد غير خزايا ولا الندامى.