هلُمَّ جرّا:
"هلم جرا" كلام مستعمل في العرف كثيرا، وذكره الجوهري في صحاحه فقال في فصل الجيم من باب الراء: "وتقول: كان ذلك عام كذا وهلم جرا إلى اليوم". هذا جميع ما ذكره.
وذكر الصغاني في العباب الزاخر ما ذكره الجوهري ولم يزد عليه.
وذكر أبو بكر بن الأنباري "هلم جرا" في كتاب "الزاهر" وبسط القول فيه، وقال: "معناه: سيروا على هينتكم" أي تثبتوا في سيركم ولا تجهدوا أنفسكم، قال: وهو مأخوذ من الجر، وهو أن تترك الإبل والغنم ترعى في السير، قال الراجز:
لطالما جَرَرْتَكُنَّ جرَّاً
حَتَّى نَوَى الأعْجَفُ واستمرَّا
فاليومَ لَا آلوا الركابَ شرَّا
الأعجف: الهزيل.
ونوى: صار له ني، بفتح النون وتشديد الياء، وهو الشحم. وأما النيء، بكسر النون وبالهمزة بعد ياء ساكنة فهو اللحم الذي لم ينضج.
واستمر: كأنه من المرة، بكسر الميم، وهو القوة، ومنه قوله تعالى: (ذو مرة).
إعراب هلم جرا:
وفي انتصاب (جرا) ثلاثة أوجه:
▫️الأول: أن يكون مصدرا وضع موضع الحال، والتقدير: هلم جارين أي: متثبتين.
▫️الثاني: أن يكون انتصابه على المصدر، لأن في (هلم) معنى (جر) ، فكأنه قيل: جروا جرا. وهذا على قياس قوله: (جاء زيد مشيا) ، فإن البصريين يقولون تقديره: ماشيا، والكوفيون يقولون: المعنى: يمشي مشيا.
▫️الثالث: وقال بعض النحويين: جرا نصب على التفسير. انتهى كلام أبي بكر ملخصا.
وقال أبو حيان في (الارتشاف) وهلم جرا معناه: تعال على هينتك متثبتا، وانتصاب (جرا) على أنه مصدر في موضع الحال، أي جارين، قاله البصريون. وقال الكوفيون: مصدر، لأن معنى (هلم) جر. وقيل: انتصب على التمييز.
1️⃣وأول من قاله عائذ بن يزيد، قال:
فإنْ جاوَزْتُ مُقْفِرَةً رَمَتْ بِي ... إِلَى أُخرى كتلك هَلُمَّ جرَّا
2️⃣وقال رجل من تغلب:
المطعمين لَدَى الشتا ... ء سدائفاً ملنيب غرّا
فِي الجاهليةِ كانَ سؤ ... دد وائلٍ فهَلُمَّ جرَّا.
السديف: سنام الجمل وشحم حدبته، والسديفة من النوق السمينة.
هذا الشعر للمؤرج بن الزمان التغلبي. يريد الشاعر الثناء على قوم بالكرم والسيادة، والعرب تمدح بالإطعام في الشتاء، لأنه زمن يقلّ فيه الطعام، ويكثر فيه الأكل، والسدائف: جمع سديفة، وهي مفعول للمطعمين، ومعناها شرائح سنام البعير المقطع وغيره مما غلب عليه السمن.
وقوله: ملنيب: أصله "من النيب" جمع ناب وهي الناقة، سميت بذلك لأنه يستدلّ على عمرها بنابها. وحذف نون من، لأنه أراد التخفيف حين التقى المتقاربان، وهما النون واللام، وتعذر الإدغام لأن اللام ساكنة.
وقوله: "في الجاهلية" خبر كان إن قدرت ناقصة، أو متعلق بها إن قدرت تامة بمعنى وجد. وقوله: فهلمّ جرا، متعلق في المعنى بقوله في الجاهلية، أي: كان سؤدد وائل في الجاهلية فما بعدها. انتهى.
قال ابن هشام: فعندي توقفٌ في كون تركيب هلم جرا عربيا محضا، والذي رابني منه أمور:
• الأول: إن إجماع النحويين واللغويين منعقد على أن ل (هلم) معنيين: أحدهما: تعال، فتكون قاصرة كقوله تعالى: (هلم إلينا) أي: تعالوا إلينا. والثاني: احضر، فتكون متعدية كقوله تعالى: (هلم شهداءكم) أي: احضروهم. ولا امتناع لأحد المعنيين هنا.
• الثاني: إن إجماعهم منعقد على أن فيها لغتين: حجازية، وهي التزام استتار ضميرها، فتكون اسم فعل. وتميمية: وهي أن تتصل بها ضمائر الرفع البارزة فيقال: هلما وهلمي وهلموا، فتكون فعلا. ولا نعرف لها موضعا أجمعوا فيه على التزام كونها اسم فعل، ولم يقل أحد إنه سمع: هلما جرا ولا: هلمي جرا ولا: هلمي جرا.
• الثالث: إن تخالف الجملتين المتعاطفتين بالطلب والخبر ممتنع أو ضعيف، وهو لازم هنا إذا قلت: (كان ذلك عام كذا وهلم جرا) .
• الرابع: إن أئمة اللغة المعتمد عليهم لم يتعرضوا لهذا التركيب، حتى صاحب (المحكم) مع كثرة استيعابه وتتبعه.
وإنما ذكره صاحب (الصحاح) ، وقد قال أبو عمرو بن الصلاح في (شرح مشكلات الوسيط): إنه لا يقبل ما تفرد به. وكان علة ذلك ما ذكره في أول كتابه من أنه ينقل عن العرب الذين سمع منهم، فإن زمانه كانت اللغة فيه فسدت.
وأما صاحب (العباب) فإنه قلد صاحب (الصحاح) فنسخ كلامه.
وأما ابن الأنباري فليس كتابه موضوعا لتفسير الألفاظ المسوعة من العرب بل وضعه أن يتكلم على ما يجري من محاورات الناس، وقد يكون تفسيره له على تقدير أن يكون عربيا، فإنه لم يصرح بأنه عربي. وكذلك لا أعلم أحدا من النحاة تكلم عليها غيره.
ولخص أبو حيان في (الارتشاف) أشياء من كلامه، ووهم فيها. فإنه ذكر أن الكوفيين قالوا: إن (جرا) مصدر، والبصريون قالوا: إنه حال. وهذا يقتضي أن الفريقين تكلموا في إعراب ذلك، وليس كذلك، وإنما قال أبو بكر: إن قياس إعرابه على قواعد البصريين أن يقال: إنه حال، وعلى قواعد الكوفيين أن يقال: إنه مصدر. هذا معنى كلامه، وهذا هو الذي فهمه أبو القاسم الزجاجي. ورد عليه فقال: البصريون لا يوجبون في نحو: (ركضا) من قولك: (جاء زيد ركضا) أن يكون مفعولا مطلقا بل يجيزون أن يكون التقدير: جاء زيد يركض ركضا. فلذلك يجوز على قياس قولهم أن يكون التقدير: هلم تجروا جرا. انتهى.
ثم قول أبي بكر: (معناه: سيروا على هينتكم، أي تثبتوافي سيركم ولا تجهدوا أنفسكم) معترض من وجهين: أحدهما: أن فيه إثبات معنى لم يثبته لها أحد: الثاني: أن هذا التفسير لا ينطبق على المراد بهذا التركيب، فإنه إنما يراد به استمرار ما ذكر قبله من الحكم، ولهذا قال صاحب (الصحاح) : (وهلم جرا إلى الآن).
وقول أبي حيان: (معناه: تعال على هينتك) عليه أيضا اعتراضان: أحدهما: أنه تفسير لا ينطبق على المراد. الثاني: في إفراده مع أنه خطاب للجماعة، وكأنه توهم (تعال) اسم فعل ، واسم الفعل لا تلحقه ضمائر الرفع البارزة. وقد توهم ذلك بعض النحويين فيها وفي (هات)، والصواب أنهما فعلان بدليل الآية، وهي قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم)، وقول الشاعر: إذا قلت هاتي نوليني تمايلت وقوله: (هلم بمعنى جروا) منقول من كلام ابن الأنباري، وهو خطأ منه انتقده عليه الزجاجي في (مختصره) وقال: "لم يقل أحد إن هلم في معنى جروا" . وفيه دليل على ما قدمته من أن الإعرابين المذكورين لم يقلهما البصريون ولا الكوفيون، وإنما قالهما ابن الأنباري قياسا على قولهما: (جاء زيد ركضا).
وتقدير البيت الأول: فإن تجاوزت أرضا مقفرة، أي: ليس بها أنيس، رمت بي تلك الأرض المقفرة إلى أخرى مقفرة كتلك الأرض المقفرة. وجواب الشرط إما (رمت بي) أو في البيت بعده إن كانت (رمت) صفة ل (مقفرة).
وأما البيتان الآخران فمعناهما الثناء على قوم بالكرم والسيادة، والعرب تمدح بالإطعام في الشتاء لأنه زمن يقل فيه الطعام ويكثر الأكل لاحتباس الحرارة في الباطن. والسدائف: جمع سديفة وهي مفعول المطعمين، ومعناها: شرائح.
ابن هشام النحوي - المسائل السفرية
محمد حسن شراب - شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية