التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطق

المنطق:

قال محي الدين درويش: المنطق مصدر نطق ينطق من باب ضرب نطقا ومنطقا ونطوقا أي تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني، والمنطق الكلام وقد يستعمل في غير الإنسان يقال: سمعت منطق الطير، وقال البيضاوي: «والنطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا مفيدا كان أو غير مفيد وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد فإن الأصوات الحيوانية من حيث أنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات لا سيما وفيها ما يتفاوت بتفاوت الأغراض بحيث يفهمها ما هو من جنسه».

وزاد الزمخشري على ما قاله البيضاوي: «وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم» .

هذا ويبدو أن الأصل الاشتقاقي لكلمة المنطق يظهرنا على الصلة الوثيقة بين الفكر واللغة فإن الحيوان المفكر هو وحده الحيوان المتكلم وليست اللغة مجرد أداة اصطنعها العقل البشري للتعبير عن أغراضه ومراميه بل هي أيضا وسيلة الى التجرد عن الأعراض الحسية واصطناع بعض الرموز أو الدلالات المعنوية.

وعلم المنطق هو علم يبحث في صحيح الفكر وفاسده فهو يضع القواعد التي تعصم الذهن من الوقوع في الأخطاء وفي الأحكام كما انه يهتم بالتعرف على المناهج المختلفة في دراساتهم المتعددة وأبحاثهم المتباينة، حقا ان موضوع المنطق هو التفكير الانساني بصفة عامة ولكن المنطق لا يقتصر على وصف العمليات الذهنية التي نقوم بها حين نفكر أو نحكم أو نجرد أو تتذكر أو نحل مشكلة بل هو يريد أيضا أن يعيننا على التمييز بين الحكم الصحيح والحكم الخاطئ، بين الاستدلال السليم والاستدلال الفاسد.

وقد اهتم فلاسفة اليونان الأقدمون بدراسة العلاقة بين صورة الفكر ومادته أي بين الناحية الشكلية للأحكام أو القضايا ومضمون التفكير نفسه فنشأت من ذلك مباحث جدلية كانت هي النواة الأولى لعلم المنطق، وهكذا اهتم سقراط وأفلاطون بالبحث في مغالطات السوفسطائيين فوضعا للرد عليهم أصول التفكير الجدلي السليم، ثم جاء أرسطو فاستفاد من دراسات السابقين عليه في تكوين التصورات والقسمة المنطقية وطرق إيراد البرهنة ووضع هذا كله في كتاب مشهور أطلق عليه اسم «التحليلات الأولى» وان كان أرسطو لم يستعمل كلمة المنطق فإن المؤرخين قد أجمعوا على مبايعته بأمارة المنطق.

أما في العصور الحديثة فقد ثار كل من بيكون وديكارت على منطق أرسطو بدعوى أنه منطق صوري مجدب، ثم فطن المناطقة أخيرا الى ضرورة تخليص الفكر من سحر الألفاظ وتحريره من سلطان اللغة فحاولوا أن يجعلوا من المنطق علما رياضيا يصوغ العمليات الذهنية في رموز جبرية. انتهى محي الدين درويش - إعراب القرآن وبيانه ج٧ ص١٧٧

قال ابن الحجر في "شرح الأربعين": المنطق الذي يكون حراما هو المنطق المخلوط بعقائد الفلاسفة، وأما المجرد منها كما هو المتداول اليوم فلا وجه لتحريمه. المرعشي، محمد بن أبي بكر - ترتيب العلوم للمرعشي ص١١٤

قال التهانوي: ويسمى علم الميزان إذ به توزن الحجج والبراهين. وكان أبو علي يسميه خادم العلوم إذ ليس مقصودا بنفسه، بل هو وسيلة إلى العلوم، فهو كخادم لها. وأبو نصر يسميه رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها، فيكون رئيسا حاكما عليها. وإنما سمي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ وعلى إدراك الكليات وعلى النفس الناطقة. ولما كان هذا الفن يقوي الأول ويسلك بالثاني مسلك السداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه وهو المنطق. وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. فالقانون يجيء بيانه في محله. والمعلومات تتناول الضرورية والنظرية. والمجهولات تتناول التصورية والتصديقية. وهذا أولى مما ذكره صاحب الكشف: تفيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات إلى النظريات، لأنه يوهم بالانتقال الذاتي على ما يتبادر من العبارة، والمراد الأعم من أن يكون بالذات أو بالواسطة. والمراد بقولنا بحيث لا يعرض الغلط في الفكر عدم عروضه عند مراعاة القوانين كما لا يخفى، فإن المنطقي ربما يخطئ في الفكر بسبب الإهمال، هذا مفهوم التعريف.

واما احترازاته فالعلم كالجنس، وباقي القيود كالفصل احتراز عن العلوم التي لا تفيد معرفة طرق الانتقال، كالنحو والهندسة، فإن النحو إنما يبين قواعد كلية متعلقة بكيفية التلفظ بلفظ العرب على وجه كلي، فإذا أريد أن يتلفظ بكلام عربي مخصوص على وجه صحيح احتيج إلى أحكام جزئية تستخرج من تلك القواعد كسائر الفروع من أصولها. فتقع هناك انتقالات فكرية من المعلوم إلى المجهول لا يفيد النحو معرفتها أصلا. وكذلك الهندسة يتوصل بمسائلها القانونية إلى مباحث الهيئة بأن تجعل تلك المسائل مبادئ الحجج التي تستدل بها على تلك المباحث، وأما الأفكار الجزئية الواقعة في تلك الحجج فليست الهندسة مفيدة لمعرفتها قطعا. قيل التعريف دوري لأن معرفة طرق الاكتساب جزء من المنطق، فيتوقف تحققه على معرفة طرق الاكتساب؛ فلو كانت معرفتها مستفادة من المنطق توقفت عليه فلزم الدور.

وأجيب بأن جزء المنطق هو العلم بالطرق الكلية وشرائطها، لا العلم بجزئياتها المتعلقة بالمواد  فباعتبار دخوله في ماهياتها يعرض له الذاتية، وباعتبار خروجه عنها العرضية، وباعتبار كونه نفس ماهياتها النوعية.

وما عرض له الذاتية جنس باعتبار اختلاف أفراده وفصل باعتبار آخر. وكذلك ما عرض له العرضية إما خاصة أو عرض عام باعتبارين مختلفين. وإذا ركبت الذاتيات والعرضيات إما منفردة أو مختلطة على وجوه مختلفة عرض لذلك المركب الحدية والرسمية. ولا شك أن هذه المعاني، أعني كون المفهوم الكلي ذاتيا أو عرضيا أو نوعا ونحو ذلك، ليست من الموجودات الخارجية بل هي مما يعرض للطبائع الكلية، إذا وجدت في الأذهان، وكذا الحال في كون القضية حملية أو شرطية، وكون الحجة قياسا او استقراء أو تمثيلا، فإنها بأسرها عوارض تعرض لطبائع النسب الجزئية في الأذهان إما وحدها أو مأخوذة مع غيرها، فهي أي المعقولات الثانية موضوع المنطق.

ويبحث المنطقي عن المعقولات الثالثة وما بعدها من المراتب، فإنها عوارض ذاتية للمعقولات الثانية، فالقضية مثلا معقول ثان يبحث عن انقسامها وتناقضها وانعكاسها وإنتاجها إذا ركبت بعضها مع بعض، فالانعكاس والإنتاج والانقسام والتناقض معقولات واقعة في الدرجة الثالثة من التعقل، وإذا حكم على أحد الأقسام أو أحد المتناقضين مثلا في المباحث المنطقية بشيء كان ذلك الشيء في الدرجة الرابعة من التعقل، وعلى هذا القياس. وقيل موضوعه الألفاظ من حيث أنها تدل على المعاني، وهو ليس بصحيح لأن نظر المنطقي ليس إلا في المعاني، ورعاية جانب اللفظ إنما هي بالعرض.

اعلم أن الغرض من المنطق التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال، والخير والشر في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات. ومنفعته القدرة على تحصيل العلوم النظرية والعملية. وأما شرفه فهو أن بعضه فرض وهو البرهان، لأنه لتكميل الذات، وبعضه نفل وهو ما سوى البرهان من أقسام القياس، لأنه للخطاب مع الغير، ومن اتقن المنطق فهو على درجة من سائر العلوم، ومن طلب العلوم الغير المتسقة وهي ما لا يؤمن فيها من الغلط ولا يعلم المنطق فهو كحاطب الليل وكرامد العين، لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد بل لنقصان في الاستعداد. والصواب الذي يصدر من غير المنطقي كرمي من غير رام. وقد يندر للمنطقي خطأ في النوافل دون المهمات، لكنه يمكنه استدراكه بعرضه على القوانين المنطقية.

ومرتبته في القراءة أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. محمد أعلى التهانوي - كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج١ ص٤٦ 

السيوطي: القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
مسألة: في شخص يدعي فقها، يقول: إن توحيد الله متوقف على معرفة علم المنطق، وإن علم المنطق فرض عين على كل مسلم، وإن لمتعلمه بكل حرف منه عشر حسنات، ولا يصح توحيد من لا يعلمه، ومن أفتى وهو لا يعلمه فما يفتي به باطل... 

الجواب: فن المنطق فن خبيث مذموم، يحرم الاشتغال به، مبني بعض ما فيه على القول بالهيولي الذي هو كفر، يجر إلى الفلسفة والزندقة، وليس له ثمرة دينية أصلا، بل ولا دنيوية - نص على مجموع ما ذكرته أئمة الدين، وعلماء الشريعة - فأول من نص على ذلك الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ونص عليه من أصحابه إمام الحرمين، والغزالي في آخر أمره، وابن الصباغ - صاحب الشامل - وابن القشيري، ونصر المقدسي، والعماد بن يونس، وحفده، والسلفي، وابن بندار، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن الصلاح، وابن عبد السلام، وأبو شامة، والنووي، وابن دقيق العيد، والبرهان الجعبري، وأبو حيان، والشرف الدمياطي، والذهبي، والطيبي، والملوي، والأسنوي، والأذرعي، والولي العراقي، والشرف بن المقري، وأفتى به شيخنا قاضي القضاة شرف الدين المناوي، ونص عليه من أئمة المالكية ابن أبي زيد - صاحب الرسالة - والقاضي أبو بكر بن العربي، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو الوليد الباجي، وأبو طالب المكي - صاحب قوت القلوب
وأبو الحسن بن الحصار، وأبو عامر بن الربيع، وأبو الحسن بن حبيب، وأبو حبيب المالقي، وابن المنير، وابن رشد، وابن أبي جمرة، وعامة أهل المغرب.

ونص عليه من أئمة الحنفية أبو سعيد السيرافي، والسراج القزويني، وألف في ذمه كتابا - سماه: " نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلي بحب علم المنطق " ونص عليه من أئمة الحنابلة ابن الجوزي، وسعد الدين الحارثي، والتقي ابن تيمية، وألف في ذمه ونقض قواعده مجلدا كبيرا - سماه " نصيحة ذوي الأيمان في الرد على منطق اليونان " وقد اختصرته في نحو ثلث حجمه - وألفت في ذم المنطق - مجلدا سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك، وقول هذا الجاهل: إن المنطق فرض عين على كل مسلم، يقال له: إن علم التفسير والحديث والفقه التي هي أشرف العلوم ليست فرض عين بالإجماع، بل هي فرض كفاية، فكيف يزيد المنطق عليها؟ ! فقائل هذا الكلام: إما كافر، أو مبتدع، أو معتوه لا يعقل.

وقوله: إن توحيد الله متوقف على معرفته من أكذب الكذب، وأبلغ الافتراء، ويلزم عليه تكفير غالب المسلمين المقطوع بإسلامهم، ولو أن المنطق في نفسه حق لا ضرر فيه لم ينفع في التوحيد أصلا، ولا يظن أنه ينفع فيه إلا من هو جاهل بالمنطق لا يعرفه؛ لأن المنطق إنما براهينه على الكليات، والكليات لا وجود لها في الخارج، ولا تدل على جزئي أصلا، هكذا قرره المحققون العارفون بالمنطق، فهذا الكلام الذي قاله هذا القائل استدللنا به على أنه لا يعرف المنطق، ولا يحسنه، فيلزم بمقتضى قوله أنه مشرك؛ لأنه قال: إن التوحيد متوقف على معرفته وهو لم يعرفه بعد. فإن قال: أردت بذلك أن إيمان المقلد لا يصح، وإنما يصح إيمان المستدل قلنا: لم يريدوا بالمستدل على قواعد المنطق، بل أرادوا مطلق الاستدلال، الذي هو في طبع كل أحد حتى في طبع العجائز، والأعراب، والصبيان، كالاستدلال بالنجوم على أن لها خالقا، وبالسماء، والأنهار، والثمار، وغيرها، وهذا لا يحتاج إلى منطق ولا غيره، والعوام والأجلاف كلهم مؤمنون بهذا الطريق.

وقوله: إن للمتكلم بكل حرف منه عشر حسنات هذا شيء لا نعرفه إلا للقرآن، الذي هو كلام الله جل جلاله، فإن أراد هذا الجاهل أن يلحق المنطق - الذي هو من وضع الكفار - بكلام رب العالمين فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، والعجب من حكمه على الله بالباطل، والإخبار بمقادير الثواب لا يتلقى إلا من صاحب النبوة عليه الصلاة والسلام.

وقوله: إن من لا يعلم المنطق ففتواه لا تصح يلزم عليه أن الصحابة والتابعين [وأتباع التابعين] لم تصح فتواهم، فإن المنطق إنما دخل بلاد الإسلام في حدود سنة ثمانين ومائة من الهجرة، فمضى في الإسلام هذه المدة، ولا وجود للمنطق فيه، وقد كان في هذه المدة غالب المجتهدين من الأئمة المرجوع إليهم في أمر الدين، أفيظن عاقل مثل هذا الظن؟ وقد نص الشافعي - رضي الله عنه - نفسه على ذم الاشتغال بالمنطق، أفيقول هذا الجاهل هذه المقالة في مثل الشافعي - رضي الله عنه -؟ ومن سميناهم من أئمة المذاهب الأربعة الذين دونوا الفقه، وأضحوا سبل الفتاوى وهم عصمة الدين... الجلال السيوطي - الحاوي للفتاوي ج١ ص٣٠٠ بتصرف

الفارس: حكم دراسة علم النفس والمنطق
السؤال:
هل تعتبر دراسة علم النفس وما يتبعه من دراسة التقييم الإنساني للدين والأخلاق من علم الكلام؟ وهل هناك فرق بين علم الكلام وعلم المنطق؟
الجواب:
أولا: لدينا علم الكلام وعلم المنطق وعلم النفس.
أما دراسات علم النفس وما يتعلق بالنفس الإنسانية من خوف ورجاء ومحبة وقلق واضطراب وانفصام شخصية وغير ذلك من المسائل، فهذه تدرس في مدارس نفسية متعددة.
فهناك مدارس نفسية غربية، وهناك مدارس نفسية شرقية ترتب هذه المسائل على عقائدهم هم، لكن نحن عندما ندرس قضية الخوف عند الإنسان فهذه مسألة نفسية.
لكن نحن نرتبها الآن: على أن الخوف عند الإنسان ينبع من جملة أشياء منها: الخوف من الله، والخوف من العقاب، والخوف من النار، والخوف من سوء الخاتمة.
إذا: تلاحظ أننا رتبنا مسائل نفسية على قضايا عقدية، وهذا ليس فيه إشكال، ليس فيه شيء، إذا: إخضاع المسائل أو القضايا النفسية للمسائل الشرعية هذا أمر مطلوب؛ ولذلك تجد في جامعة الإمام قسما خاصا بعلم النفس، وهو يدرس هذه المسائل من الواقع الإسلامي، فهذا ليس فيه إشكال.

أما علم الكلام: فهو دراسة العقائد وإخضاعها للجوانب العقلانية، فهذا هو علم الكلام.

وأما علم المنطق: فهو استخدام القدرات العقلية والكلامية في الجدل والنقاش في دحض شبهات الخصم ورده، وعلم المنطق منه ما هو ممدوح، وهو قليل، وغالبه مذموم؛ لأنه يستند على المغالطات، فيغالط الإنسان في قضايا، ثم يرد بناء على ذلك بأسلوب جدلي منطقي فلسفي يؤدي في النهاية إلى اقتناع الخصم بصحة نظرية خصمه، مع العلم أنها خاطئة عن طريق القوة والقدرة والإقناع، وفي الإلقاء والمقاطعة.

إذا: علم المنطق هنا مذموم في غالبه، وممدوح في جزء منه؛ ولذلك تجد شيخ الإسلام رد على المناطقة في كتابه: نقض المنطق، وكثير من العلماء يردون على المناطقة وأهل المنطق، بل يذمون علم المنطق جملة وتفصيلا، إلا أقل القليل منهم، وهذا القليل تجد أنهم يركزون أولا على فهم أساليب المناطقة، حتى يناقشوهم بناء على ذلك، ثم بعد ذلك تدرس العلوم المنطقية المسموحة والمأذون بها. إبراهيم بن عثمان الفارس - دروس للشيخ إبراهيم الفارس ج١ ص١٧

أحمد بن عمر الحازمي: نرد على من يقول بأنه قد فهم الأصول مثلا على وجهه دون أن ينظر في علم المنطق.

نقول: لا. كذبت وإنما صار عندك شيء من الفهم لكن ليس على وجه التمام، ومن يدعي بأنه فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مناقشات الأشاعرة ونحوها، حينئذ نقول: هل درست علم المنطق؟ يقال: لا. وفهمت كلام ابن تيمية! نقول: لا. لا يسلم، وإنما فهمت بعضا من كلام ابن تيمية، فهمت فهما عاما من كلام ابن تيمية، أما الفهم القوي الصحيح المتعمق فهذا لا يمكن؛ لأنه سيأتي بعبارات ويأتي بجمل ويأتي بأصول، وقد اعتمدها المناطقة، فإذا لم تفهم هذه الأصول على وجهها كيف تفهم الرد؟ كما ذكرناه فيما سبق.

فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي.

ثم قال: ثم يشتغل بعلم المنطق فيحفظ مختصرا من مختصراته كالتهذيب أو الشمسية، ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن، فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك.

لأنه أشبه ما يكون بالقواعد التي يدندن حولها المعاصرون .. قواعد التفكير، هي من علم المنطق، علم البرمجة العصبية هذا نظرت فيه أكثره من علم المنطق، وبعضهم يحرم المنطق ويزهد فيه وهو يعطي دورات في البرمجة العصبية. هذا نسميه تناقضا؛ لأنه ما درى علم المنطق، فلما جاء هذا العلم ظنه لأنه بأسلوب عصري ومترجم .. إلى آخره، فظن أنه علم يتعلق بالتفكير، وكيف تفهم الآخرين .. إلى آخره.

وكله قواعد منطقية، هو مستقى من فن المنطق لكن بأسلوب عصري فقط، فالعلم هو بعينه.

على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك، وكمال استعداد عند ورود الحجج العقلية عليه، وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في الأصول والبيان والنحو. أحمد بن عمر الحازمي - شرح المطلع على متن إيساغوجي ج١ ص١٥

جامعة المدينة: فأما المنطق فهو العلم الذي يبحث في صحيح الفكر وفاسده، وهو الذي يضع القوانين التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ في الأحكام، فموضوعه هو الفكر الإنساني من ناحية خاصة هي ناحية صحته وفساده، ويتم له ذلك عن طريق البحث في القوانين العقلية العامة، التي يتبعها العقل الإنساني في تفكيره، فما كان من التفكير موافقا لهذه القوانين كان صحيحا، وما كان مخالفا لها كان فاسدا.

وهو من علوم اليونان والراجح أن تأثير المنطق في النحو العربي وغيره من علوم اللسان، بدأ مع ظهور ترجمة بعض كتب اليونان التي شاع فيها المنطق، عندما دعا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور -المتوفى سنة ثمان وخمسين بعد المائة من الهجرة- عبد الله بن المقفع المتوفى في الثانية والأربعين بعد المائة من الهجرة؛ ليترجم هذه الكتب، بيد أن هذا التأثير بدا في بعض المؤلفات النحوية في أواخر القرن الثاني، وفي القرن الثالث الهجريين كما تقدم، ولكنه كان ضئيلا ومحدودا وبعيدا عن الإيغال، ولكنه ظهر واضحا في القرن الرابع الهجري وما بعده، بحيث لا يوجد مجال لإنكار تأثيره في المباحث النحوية، وبخاصة العلة النحوية.

وقد ظهر تأثير المنطق في الدرس النحوي بصورة واضحة في استعمال النحويين للتعريفات، أو الحدود، والعوامل، والأقيسة، والعلل، وبعض المصطلحات المنطقية كالجنس، والفصل، والخاصة، والماهية، والماصدق، والعهد، والاستغراق، والعموم، والخصوص، المطلق، والعموم والخصوص الوجهي، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، إلى آخر هذه المباحث المنطقية. وقد أدى نشوء الاعتزال واعتماد المعتزلة على العقل، وتقديمهم له، وإفساحهم المجال أمامه إلى آخر الحدود إلى تأثر النحويين البصريين خاصة؛ إذ نشأ بين ظهرانيهم في البصرة، فانصرف نحاة البصرة إلى تحكيم المقولات العقلية في دراساتهم النحوية من وجوه كثيرة، حتى وجدنا طابعها سائدا في أساليب حجاجهم، وطرق جدالهم، وفي مناهجهم، وقواعدهم، ومصطلحاتهم.

وقد قال أبو البركات الأنباري في مقدمة كتابه (الإغراب في جدل الإعراب): "وبعد فإن جماعة من الأصحاب اقتضوني بعد تلخيص كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) تلخيص كتاب في جدل الإعراب معرى عن الإسهاب، مجرد عن الإطناب؛ ليكون أول مصنف لهذه الصناعة في قوانين الجدل والآداب، ليسلكوا به عند المجادلة والمحاولة والمناظرة سبيل الحق والصواب، ويتأدبوا به عند المحاورة والمذاكرة عن المناكرة والمضاجرة في الخطاب، فأجبتهم على وفق طلبتهم؛ طلبا للثواب، وفصلته اثني عشر فصلا على غاية من الاختصار تقريبا على الطلاب، فالله تعالى ينفع به إنه كريم وهاب" انتهى.

وعلى النحو الذي حدث في علم الكلام وعلم النحو اقتحم علم المنطق علوم الشريعة، فلم تكن هذه العلوم بمعزل عنه، أو بمنأى عن تأثيراته، فأصابها ما أصاب غيرها من هذه التأثيرات، ولما كان علماء الشريعة من المهتمين بعلم النحو باعتباره أداة الدرس الأولى في هذه العلوم؛ كان لا بد أن يتداخل تأثير هذه العلوم في علم النحو، وتأثير علم النحو في هذه العلوم، يقول أبو البركات الأنباري: "علوم الأدب ثمانية: اللغة، والنحو، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم، وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما، علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به القياس، وتركيبه، وأقسامه من قياس العلة، وقياس الشبه وقياس الطرد إلى غير ذلك على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول" انتهى.

ويقول السيوطي في (الاقتراح): "ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم". 

ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني: "فلما ذهبت دولة المعتزلة غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، إذا عرفت ذلك كله أدركت الأثر البعيد الذي للعلوم الدينية في نشأة العلوم اللسانية، هذا في القياس خاصة، وقد علمت أن علماء العربية احتذوا طريق المحدثين من حيث العناية بالسند ورجاله، وتجريحهم، وتعديلهم، وطرق تحمل اللغة؛ فكانت لهم نصوصهم اللغوية كما كان لهؤلاء أو لأولئك نصوصهم الحديثية، ولهم طبقات الرواة كما لأولئك، ثم احتذوا المتكلمين في تطعيم نحوهم بالفلسفة والتعليل، ثم حاكوا الفقهاء أخيرا في وضعهم أصولا تشبه أصول الفقه، وتكلموا في الاجتهاد فيه، كما تكلم الفقهاء، وكان لهم طرازهم في بناء القواعد على السماع والقياس والإجماع، كما بنى الفقهاء استنباط أحكامهم على السماع والقياس والإجماع، وذلك تأثر واضح من آثار العلوم الدينية في علوم اللغة" انتهى. كتاب أصول النحو ٢ - جامعة المدينة العالمية ص٣٨

الحازمي: العلوم الآلية: هي آلة لتحصيل غيرها كعلم المنطق. أحمد مختار عمر - كتاب معجم اللغة العربية المعاصرة ج2 ص 1543