العطف
تعريف العطف
الشاطبي الأصولي النحوي:
عطف النسق
والنسق في اللغة: الكلام الذي يأتي على نظام واحد، ونسقت الكلام نسقًا، بالتسكين، إذا عطفت بعضه على بعض، وأصله/ من التنسيق، أي التنظيم، لأن الكلام ينظم بعضه مع بعض، فالنسق في هذا الاستعمال من باب: الخبط والنفض فقولهم: (عطف النسق) بمعنى عطف الكلام المنسوق. وليس المصدر إلا مسكنًا، فإذا أضيف العطف إلى المصدر قلت: عطف النسق. وأتى الناظم بحد هذا العطف في قوله:
تالٍ بحرف متبع عطف النسق ... كاخصص بود وثناءٍ من صدق
التالي هو التابع، وهو الجنس الأقرب، وقوله: "بحرف متبعٍ" أي بحرف وضع للتبعية، وهي أن يشرك الثاني مع الأول في عامله، فخرج بهذا الفصل سائر التوابع.
وسيذكر الحروف المتبعة، إلا أنه مثل بواحد منها وهو (الواو) فقال: "كاخصص بود وثناء" فـ (ثناء) معطوف على "ود" بالواو الموضوعة لذلك.
والكلام في هذا الباب في عطف المفردات لأن التبعية لا تتكون إلا فيها، وعليه يدل مثاله وكلامه.
و"عطف النسق" مبتدأ، خبره "تالٍ" وما تعلق به.
كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي - المقاصد الشافية
ابن عثيمين:
تعريف عطف النسق:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: العطف تقدم لنا أنه الثني، ومنه ثني الرداء بعضه إلى بعض.
وأما النسق فإنه في اللغة: التتابع.
تقول: جاءوا على نسق واحد، أي: متتابعين.
وأما عطف النسق في الاصطلاح فقد قال فيه المؤلف: [تال بحرف متبع عطف النسق كاخصص بود وثناء من صدق] أي: ما تبع غيره بواسطة الحرف فهذا هو عطف النسق.
ولكن المؤلف اشترط فقال: (بحرف متبع)، احترازاً من الحروف غير المتبعة؛ لأنه قد يتلو فاء السببية، وحرف الجر ولا يكون معطوفاً.
وحروف الإتباع معروفة عند العلماء بالتتبع والاستقراء لكلام العرب، فوجدوا أن هذه الحروف إذا جاءت بين كلمتين جعلت الثانية تابعة للأولى، إذاً فالعطف لابد فيه من واسطة بين التابع والمتبوع، وهي حرف العطف.
وإعراب ما أشكل في البيت كما يلي: (تالٍ): خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وأصله (تالي)، لكن حذفت الياء وبقي الكسر.
قال: (اخصص بود)، الود معناه خالص المحبة، وليس مطلق المحبة.
(وثناء)، الثناء: المدح بالصفات الحميدة، ويطلق على المدح مطلقاً حتى على غير الخصال الحميدة، وفي الحديث (اثنوا عليه شراً وأثنوا عليه خيراً)؛ لكن المراد هنا الخير.
والمعنى: لا تحب إلا من صدق، ولا تثن إلا على من صدق، صدق في قوله وفعله وقصده؛ فالصدق في القصد هو الإخلاص، وفي القول هو الإخبار بما يطابق الواقع، وفي الفعل أن يكون موافقاً لما في قلبه، هذا هو الصادق في الفعل، ومنه في الشرع اتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
ويقصد ابن مالك ذلك كلَّه.
كتاب شرح ألفية ابن مالك للعثيمين - ابن عثيمين
عطف الفعل على الفعل
الشاطبي:
ثم قال: "وعطفك الفعل على الفعل يصح"
لما تكلم على عطف "الأسماء" بعضها على بعض أردف ذلك بالكلام على عطف "الأفعال" بعضها على بعض، وعطف "الجمل" مفروغ منه على الجملة.
ويريد أن الفعل / يصح أن يعطف على الفعل، كما يصح أن يعطف الاسم على الاسم، وكما تعطف الجملة على الجملة، من غير مانع من ذلك.
وإطلاقه عطف الفعل على الفعل يقتضي أنه لا يقتصر في ذلك على المماثلة في وقوع الفعل، بأن يعطف الماضي على الماضي، والمضارع على مثله؛ بل يجوز عطفه على مثله وعلى خلافهه. وهذا صحيح.
لكنه شرط في ذلك في "الشرح" اتحاد الزمان، فلك أن تقول: إن يقم زيد وخرج أخوه أكرمهما، وإن قام زيد ويخرج أخوه أكرمهما.
ومنه في القرآن الكريم: } إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيًة فظلت أعناقهم لها خاضعين {وقوله: } تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جناتٍ تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا {على قراءة الجزم، وهي لغير ابن كثير وابن عامر وأبي بكر، وأنشد سيبويه لقيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
ومن اتفاق الفعلين قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) على قراءة الجزم أيضا، وهي لغير ابن عامر وعاصم، وقوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى {وقوله} وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون) وذلك كثير.
فإن قلت: من أين يؤخذ للناظم اشتراط اتحاد الزمان؟
فالجواب: أنه لم يتعرض لهذا المقدرار من التفسير، وإنما بين أن هذه المسألة صحيحة على الجملة، أو يقال: لعله لم يعتبر هذا الشرط، وذلك أن عطف الفعل على الفعل قد يتعين وقد لا يتعين.
فإذا تعين فإنما ذلك إذا تأثر الفعل بناصب أو جازم، أو كان في موضع ما يتأثر، كما تقدم في الأمثلة، فلا يصح هنالك أن يكون من "عطف الجمل" كما يأتي، وإذا كان معمولاً لناصب أو جازم، ثم عطف عليه اقتضى دخوله تحت مقتضى العامل من التخليص إلى زمان واحد، فكان كما شرط من اتحاد الزمان.
وإذا لم يتعين فإنما ذلك إذا لم يتأثر فيلتبس إذ ذاك بعطف الجملة على الجملة نحو: قام زيد ويقوم أخوه، فيمكن هنا الوجهان كما في قولك: قام زيد وخرج أخوه، ويقوم زيد ويخرج أخوه.
ولا مانع يمنع من تقدير هذه المسال من عطف الأفعال بعضها على بعض، وإذا كانت جائزة في باب "العطف" لم يلزم فيها اتحاد الزمان، فيعطف الماضي على المضارع، وبالعكس، مع بقاء كل فعل على أصله، فلأجل هذا والله أعلم - لم يشترط اتحاد الزمان، وهو حسن من النظر.
وبعد ففي هذه العبارة فوائد:
إحداها: التنبيه على أن عطف الأفعال بعضها على بعض لا يندرج تحت "عطف الجمل" بل الأفعال في ذلك كالأسماء المفردة، وهذا مما يفتقر إلى التنبيه عليه، لأنه في أول الأمر يشكل، ولأجل إشكاله اعترض ابن الضائع / على ابن عصفور قوله في حد "العطف": هو حمل اسمٍ على اسم، أو فعلٍ على فعل، أو جملةٍ على جملة إلى آخره، فاعترضه ابن الضائع بالتداخل، من جهة أن قوله: "أو فعلٍ على فعل" داخل تحت قوله: "أو جملةٍ على جملة" لأن الفعل لا ينفرد بنفسه؛ إذ لابد له من فاعل أو نائب عنه.
قال شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار - رحمه الله عليه: والظاهر أن هذا تحامل على ابن عصفور، لأنك إذا قلت: إن يقم زيد ويخرج أبوه فأكرمهما - فهذه (الواو) قد شركت بين الفعل الثاني والفعل الأول في حرف "إن" منفردين دون اعتبارٍ بمرفوعهما، لأن الجازم إنما يتعلق حكمه بالفعل دون توابعه، ولا حكم له في الجملة أصلا؛ إذ كان الجزم من خصائص الأفعال، ولو كان تعلقه بالجملة لم يؤثر فيها، لأن الجمل لا تؤثر فيها العوامل إذا كانت مطلوبة لها طلبا واحدا.قال الأستاذ: والمسألة فيها طالب، ومطلوب مطلوبٍ، فحرف الشرط هو الطلب، والفعل بانفراده هو مطلوب الحرف، والفاعل هو الطالب الفعل، فإذًا لم يقع التشريك إلا بين الفعلين فقط، وما عدا الفعلين إنما هو تابع لهما، هذا كلامه - رحمه الله - وما قاله هو الصواب الذي لا إشكال فيه.
فقول الناظم: (وعطفك الفعل على الفعل يصح) منبه على هذا.
والثانية: التنبيه على أن "باب العطف النسقي" لا يختص بالأسماء، كالنعت والتوكيد المعنوي؛ بل يكون بالأفعال أيضا كما تقدم ذكره.
وأحسب أني رأيت نقلاً بجريان "عطف البيان" في الفعل، فقول الله تعالى: } ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة {. فقوله: "يضاعف" يحتمل" عطف البيان" ويحتمل "البدل" وإذا كان البدل في الأفعال سائغا، وعطف البيان شبيه بالبدل، فليجز فيه ما جاز في شبيهه.والنافي يقول: عطف البيان أشبه بالنعت منه بالبدل، ألا ترى أنه يجري على مثله في التعريف أو التنكير، بخلاف البدل فإنه تجرى النكرة منه على المعرفة وبالعكس.
وأيضا: فإن البدل عندهم في تقدير جملة أخرى، والعطف في تقدير الجزء من المعطوف عليه، كالنعت، فعطف البيان إذًا أقرب إلى النعت منه إلى البدل، فيبعد أن يكون في الأفعال بخلاف البدل.
وأيضا: فعامة النحويين على خلاف ما ذهب إليه هذا القائل، فالوجه إسقاط عطف البيان من الأفعال، كما فعل الناظم.
والثالثة: التنبيه على أن الفعل إنما يعطف على الفعل، كما أن الاسم إنما يعطف على الاسم، لأن عطف اللفظ على اللفظ يقتضي تشريكه معه في معناه المختص به، أو في عامله المختص به، وهذا المعنى يوجب ألا يعطف الاسم على الفعل /، ولا الفعل على الاسم،لأن عوامل الأسماء لا تطلب الأفعال، ولا بالعكس، ومعاني الأسماء لا تقتضيها الأفعال، ولا بالعكس، فلا يصح عطف اللفظ على ما ليس من جنسه ولا من شكله.
ثم لما كان من الأسماء ما هو شبيه بالأفعال، ويعطي معنى الفعل - اقتضى هذا الشبه تسويغ عطف بعضها على بعض، اعتبارًا بالمشاركة في المعنى، فأخرجها الناظم من قاعدة الامتناع إلى الجواز فقال: "واعطف على اسمٍ شبه فعلٍ فعلا" إلى آخره.
يعني أن عطف الفعل على الاسم الذي يشبه الفعل، وعطف الاسم المذكور على الفعل، سائغ لسهولة الخطب فيه؛ إذ كان الاسم من حيث أشبه الفعل كأنه فعل، فكأنك لم تعطف إلا فعلا على فعل، فلم يبق فيه ما تقدم من المحظور، فتقول: أعجبني الضارب زيدًا وأكرم عمرًا، وجاءني رجل ضارب زيدًا ويكرم أخاه.
وتقول: إن زيدًا يقوم وخارج. فمن الأول قوله تعالى: (فالمغيرات صبحًا. فأثرن به نفعًا) وقوله: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن) ، وقوله: (إن لمصدقين والمصدقات وأقرضوا الله) الآية، وقوله: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا) على قراءة الكوفيين، ومن الشعر قول الأخطل:
وما الجار بالقاليك ما دام آمنًا ... ويدعوك عند المعضل المتفاقم
ومن الثاني: قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي).
وأنشد غير واحد:
أم صبى قد حبا أو دارج
وأنشد ابن السراج:
بات يغشيها بعضبٍ باتر ... يعدل في أسؤقها وجائر
وقال الآخر:
فألفيته يومًا يبير عدوه ... وبحر عطاءٍ يستخف المعابرا
وهو للنابغة.
وهذا الضرب الثاني هو المراد بقوله: "وعكسًا استعمل" أي استعمل عكس عطف الفعل على الاسم المذكور "تجده سهلا" وحقيقة العكس: واعطف على فعلٍ اسمًا شبه فعلٍ، والضمير في "تجده" للعكس.
كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي - المقاصد الشافية
الشاطبي الأصولي النحوي
عطف الجملة
تعرف العطف الجملة
حاشية عباس حسن
فيما سبق من تعريف العطف النسق يقول ابن مالك:
تَالٍ بحرْفٍ مُتْبِع عطْفُ النَّسقْ ... كَاخُصُصْ بِوُدِّ وثَنَاءٍ منْ صَدَقْ
يقول: إنه هو التالي الحرف مُتْبعٍ ما بعده لما قبله، أي: مشترك للثاني مع الأول في الحكم الأعرابي. وساق مثلًا للتشريك في الحكم هو: أخصص من صدق بود وثناء، فحرف العطف هو: الواو، وبالتالي المشارك في الحكم هو: "الثناء". ومعنى:"تال بحرف مُتْبع": أنه تال "تابع" بسبب حرف يُتبع ما بعده لما قبله: فليس منه "أيْ" المفسرة، لأنها لا تتبع ما بعدها لما قبلها إلا على الرأي الذي يعتبرها حرف عطف كالواو، وهو الرأي الكوفي الحسن الذي أشرنا إليه "مفصلًا في رقم ١ من هامش ص٥٥٦". ثم ساق بيتين ضمنهما أكثر حروف العطف التي سنشرحها في المكان الأنسب؛ هما:
فالْعطْفُ مطْلُقًا بِواوٍ –ثمَّ –فا – ... حتَّى –أَم -أَو؛ كَفيكَ صِدقْ ووفَا
عباس حسن: ومما انفردت به الواو غير ما سبق:
١- عطف العام على الخاص؛ نحو: زرت القاهرة. والحواضر الكبرى. وقوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
والنسق: اصطلاح كوفي، وقد اشتهر حتى لا يكاد غيره يذكر. وسيبويه وكثير من البصريين يعبرون عنه في كلامهم: "بالشركة"، وعلينا اليوم أن نساير المشهور؛ توحيدًا للاصطلاح، وانتفاعا بمزايا هذا التوحيد. حاشية عباس حسن
حروف العطف:
الواو
عباس حسن:
الواو:
معناها: إفادة "مطلق الاشتراك والجمع" في المعنى بين المتعاطفين إن كان مفردين والمراد من "الاشتراك المُطلق والجمع المطلق" أنها لا تدل على أكثر من التشريك في المعنى العام: فلا تفيد الدلالة على ترتيب زمني بين المتعاطفين وقت وقوع المعنى، ولا على صاحبة، ولا على تعقيب، أو مهلة، ولا على خسَّة٠أو شرف..
وهي إنما تتجرد للاشتراك المطلق حيث لا توجد قرينة تدل على غيره، وحيث لا تقع بعدها "إما" الثانية. فإن وجدت قرينة وجب الأخذ بما تقتضيه، وان وقعت بعدها "إمّا" الثانية كانت الواو لمعنى آخر غير التشريك والجمع.
ففي مثل: وصل القطار والسيارة تفيد الواو مجرد اشتراك المعطوف "وهو: السيارة"
المعطوف عليه؛ "وهو: القطار" في المعنى المراد، وهو: "الوصول" من غير إن تزيد على هنا شيئًا آخر: فلا تدل على: "تريب" زمني بينهما يفيد أن أحدهما سابق في وقته، وأن الآخر لاحق به، ولا على: "مصاحبة" تفيد اشتراكهما في الزمن الذي وقع فيه اشتراكهما في المعنى، ولا على "تعقيب" يدل على أن المعنى تحقق في المعطوف بعد تحققه في المعطوف عليه مباشرة، من غير انقضاء وقت طويل بينهما، ولا على: "مهلة" تدل على أن تحققه كان بعد سَعَة من الوقت، وفسْحة فيه... ففي المثال السابق قد يكون وصول القطار أوَّلًا وبعده السيارة، وقد يكون العكس، وقد يكون الزمن بين وصول السابق واللاحق طويلا أو قصيرًا، وقد يكون وصولهما اصطحابًا معًا "أي: في وقت واحد"، فلا سبق لاحدهما ولا زمن بين وصولهما. فكل هذه الاحتمالات صحيحة، لا يزيلها إلا وجود قرينة تدل على واحد منها دون غيره. كان يقال: وصل القطار والسيارة قبله، أو بعده، أو معه ...
فمن أمثلة الترتيب والمهلة قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} ، فقد أفادت الواو الاشتراك، والترتيب الزمني، والمهلة؛ فعطفت المتأخر كثيرا في زمنه "وهو: إبراهيم" على المتقدم في زمنه، "وهو: نوح، وكانت إفادتها الترتيب والإمهال مستفادة من قرينة خارجية يجب احترامها، هي التاريخ الثابت الذي يقطع بأن زمن إبراهيم متأخر كثيرًا عن زمن نوح، ولولا هذه القرينة ما أفادت الواو الترتيب الزمني، وفسحة الوقت. وهذه الفسحة -أو المهلة- يُقدّرها العرف بين الناس، فهو -وحده- الذي يحكم على مدة زمنية بالطول، وعلى أخرى بالقِصَر، تبعًا لما يجري في العرف الشائع.
ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى مخاطبًا النبي محمدًا عليه السلام: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، فالواو قد أفادت الاشتراك والجمع في المعنى المراد: وهو: الإيحاء. وأفادت -أيضا- الترتيب الزمني والمهلة بعطف المتقدم في زمنه على المتأخر كثيرا في زمنه بقرينة خارجة عنهما، هي: "من قبلك" فهنا النص مريح في أن "المعطوف" سابق في زمنه على "المعطوف عليه" ولولا هذه القرية لاقتصرت الواو على افادة الجمع المطلق في المعنى والاشتراك المجرد فيه، دون إفادة تريب زمنيّ، وأما المهلة فقد دلّ عليها التاريخ.
وكقوله تعالى في نوح عليه السلام حين ركب السفينة هو وأصحابه المؤمنون، فرارًا من الغرق بالطوفان: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} فالواو تفيد الجمع
والاشتراك في المعنى؛ وتفيد معه الاتحاد في الزمن بين المعطوف؛ "أصحاب ... " والمعطوف عليه: "الهاء" فقد نجا نوح وأصحابه في وقت واحد -معًا- بدليل النصوص القرآنية الأخرى١ وروايات التاريخ القاطع؛ فلا ترتيب ولا مهلة. ومن أمثلة الترتيب والعقيب؛ جرى الماء وأرْوَى الزروع.
وأنا فُقِدت القرينة الدالة على الترتيب الزمني أو على المصاحبة فالأكثر اعتبارها للمصاحبة، ويلي هذا اعتبارها؛ فيكون المعطوف متأخرًا في زمنه عن المعطوف عليه. ومن النادر العكس، ويراعى في هاتين الحالتين عدم التعقيب إلا بقرينة.
وإن وقعت "واو" العطف قبل: "إمّا"االثانية لم تفد معنى الجمع والتشريك، وإنما تفيد معنى آخر يقتضيه المقام الذي لا يسايره معنى الجمع؛ كالتخيير٢؛ مثل: استَرِضْ إما مشيًا وإما ركوبًا....، وقد تكون للتخيير مباشرة بغير "إما"؛ نحو: سافر الآن بالقطار والطائرة. وقد يكون معناها التقسيم؛ نحو: الكلمة اسم، وفعل، وحرف.
أحكامها:
١- من أحكام "واو" العطف، التي تشارك فيها بعض أخواتها، أنها تعطف المفردات –كبعض الأمثلة السابقة– والجمل،
أشباهها١. وأنها يجوز مع معطوفها بشرط أمن اللبس٢، مثل قول الشاعر:
إني مُقَسَّمُ ما ملكتُ، فجاعلٌ ... قسْمًا آخرِة ودنيَا تَنفعُ
أي: واقسْمَ دنيا. يريد: وقسمًا لدنيا ... ومن هذا قولهم: راكبٌ الناقة طَلِيحان. والأصل: راكب الناقة والناقة طليحان. "أي:
متعبان"
ب- وتنفرد الواو بأحكام نحوية تكاد تستأُثر بها:
منها: أنها الحرف المختص بعطف اسم على أخر حين لا يكتفي العامل في أداء معناه بالمعطوف عليه؛ نحو: تقاتل النمِرُ والفيلُ؛ فان العامل: "تقاتلَ" لا يتحقق معناه المراد بالمعطوف وحده: فلو قلنا: "تقاتل النمر"، ما تمّ المعنى: لأن المقاتلة لا تكون من طرف واحد؛ وإنما تقتضي معه وجود طرف آخر -حتما- كي يتحقق معناها. وكذلك: تنازع الظالمُ والمظلوم، فان المنازعة لا تقع إلا من طرفين ... وكذلك تصالح الغالب والمغلوب.
ومثل: "سكنت بين النهر والحدائق ومثل: تضيع الكرامة بين الطمع والبخل"؛ لأن معنى "بيّن" لا يتحقق بفرد واحد تضاف إليه٢، وهكذا غيرها من الكلمات التي تؤدي معنى نسبيًا٣؛ مثل: تشارك، تعاون، اختصم، اصطفّ٤ ...
ومنها: اختصاصها بعطف عامل قد حُذف وبقي معموله. نحو: "قضينا في الحديقة يوما سعيدًا أكلنا فيه وأشهَى الطعامِ، وأطيب الفاكهةِ، وأعذبَ الماء" فكلمة: "أطيب" معطوفة على: "أشهى"، أي: أكلنا أشهَى الطعام، وأكلنا أطيبَ الفاكهة. أما كلمة: "أعذب" فلا يصح -في الرأي الأغلب- عطفها على أشهَى، إذ لا يصح أن يقال: أكلنا أعذب الماء؛ لأن أعذب الماء لا يؤكل، وإنما يُشرب، ولهذا كانت كلمة: "أعذب" معمولة لعامل محذوف، تقديره: شَرِب، أي: وشربنا أعذب الماء، والجملة بعد الواو معطوفة على الجملة التي قبلها وهي: أكلْنا؛ فالعطف عطف جملة على جملة.
ومثل: "اشتد البرد القاسي في ليلة شاتية، فأغلقتُ الأبوابَ والنوافذَ، وأوقدتُ نارًا للدفء، والملابسَ الصوفية"؛ فلا يصح عطف كلمة: "الملابس" على "الأبواب" ولا على "نار" لفساد المعنى على هذا العطف؛ إذ لا يقال: أغلقتُ الملابس الصوفية، ولا أوقدتُ الملابس، وإنما هي معمول لعامل محذوف تقديره: ولبِستُ الملابس الملابس الصوفيةَ، أو أكثرتُ الملابسَ الصوفية، أو نحو هذا مما يناسب الملابس، والجملة بعد الواو معطوفة على والجملة بعد الواو معطوفة على جملة: أغلقتُ. فالعطف عطف جملة على جملة، لا عطف مفرد على مفرد –كما سبقت الإشارة١-.
ولا فرق في المعمول الباقي بين المرفوع؛ نحو قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، والمنصوب؛ نحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} ، والمجرور نحو قولهم:"ما كل سوداءَ فَحْمةً، ولا بيضاء شحمةً، والأصل في المثال المرفوع": {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ؛ إذ لا يصح عطف "زوج" على الضمير المستتر الفاعل؛ وإلا كان فاعلًا مثله حُكمًا؛ فيترتب على هذا أن يقال: اسكن زوجُك، بوقوع الاسم الظاهر فاعلًا الأمر؛ وهذا لا يصح. كما أن الأصل في المنصوب: "تَبوّؤا الدار، وألِفُوا الإيمان"؛ لأن الإيمان لا يُسْكن والأصل في المجرور: "ما كلُّ سوداء فحمةً ولا كلُّ بيضاءَ شحمةً" لئلا يترتب على العطف المباشر من غير تقدير المحذوف، عطف شيئين على معمولي عاملين مختلفين بحرف عطف واحد، وهذا ممنوع. والعاملان هما "ما١، وكلّ" والمعمولان هما: "بيضاء، وشحمةً".
كتاب النحو الوافي - عباس حسن
بيضاءَ شحمةً" لئلا يترتب على العطف المباشر من غير تقدير المحذوف، عطف شيئين على معمولي عاملين مختلفين بحرف عطف واحد، وهذا ممنوع. والعاملان هما "ما١، وكلّ" والمعمولان هما: "بيضاء، وشحمةً"٢.
هذا ما يقوله كثير من النحاة. ولكن الصحيح أن الواو العاطفة لا تختص بهذا الحكم وحدها، وإنما تشاركها فيه "فاء" العطف –كما سيجيء عند الكلام عليها مثل:
أحْسِن بدينار فصاعدًا ... أي فاذهب صاعدًا بالعدد...
ومنها جواز حذفها عند أمن اللبس؛ نحو: زرت أقاربي في الصعيد، وقابلت منهم: العم، والعمة، الخال، الخالة، أبناءَهم ... أي: العم والعمة، والخال والخالة وأبناءهم. ومثل: قرأت اليومَ: الصحف اليومية، المجلات، الرسائل، المحاضرات ... أي: الصحفَ اليومية، والمجلات. والرسائل، والمحاضرات ...
ومثل هذا يقال في سرد الأعداد، نحو: من الأعداد عشر، عشرون، ثلاثون، أربعون ...
ومنها: عطف الشيء على مرادفه لتقوية معناه وتأكيده٦ كقولهم: الصمت والسكوت عن غير السداد سداد. وقولهم يعود البغي والطغيان وبالًا على صاحبه، فالمعطوف وهو: "السكوت" بمعنى المعطوف عليه: "الصمت" وكذلك الطغيان والبغي ... ومن هذا قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، فكلمة؛ "بثّ" معطوف عليه؛ وكلمة: "حُزن" معطوف مرادف له في المعنى.
ومثل النَّأي والبُعد١ في قول الحطيئة:
أَلا حبذا هندٌ وأَرض بها هندُ ... وهندٌ أَتى من دونها النَّأْي والبعدُ
ومما انفردت به الواو غير ما سبق:
١- عطف العام على الخاص؛ نحو: زرت القاهرة. والحواضر الكبرى. وقوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} .
٢- وقوعها بعد كلام منفي. عاطفة مفردًا. وبعدها "لا" النافية؛ نحو: شجاع النفس لا يحب الجبن، ولا الكذب، ولا الرياء "أي: لا يجب كل واحدة من الصفات المذكورة". فتكرار "لا" يفيد أن النفي واقع على كل واحدة وحدها من غير توقف على غيرْها. ولو لم تتكرر "لا" لتوهمنا أنه مقصور على حالة اجتماعها مع غيرها٢. فإن لم يوجد نفي قبلها. أو قصدت المعية لم يصح مجيء "لا".
٣- وقوعها بعد نهي عاطفة لمفرد، وبعدها: "لا" النافية؛ التي تؤكد الغرض السالف؛ نحو: لا تصدق الحلاّف، ولا النمَّمام، ولا الحاسد.
٤- جواز الفصل بينهما وبين معطوفها بظرف. أو جار مع مجروره، نحو: أينعتْ حديقتان؛ حديقةٌ أمام البيت، وخلفَه حديقةٌ، ومثل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} .
٥- عطف العِقد١ على النَّيِّف، نحو: واحد وعشرون ... سبعة وثلاثون ... خمسة وأربعون ... و....
٦- اقترانها بالحرف: "لكنْ"؛ كقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} .
٧- وقوعها قبل الحرف "إما" المسبوق بمثله في كلام قبله؛ نحو: المنّ بالمعروف إما جهالةٌ، وإما سوءُ أدب.
٨- العطف بها في أسلوب الإغراء والتحذير؛ نحو: الرفقَ والملاينةَ جهدَ طاقتك، وإياك والعنفَ ما وجدت سبيلًا للفرار منه.
٩- عطف النعوت المتعددة المتفرَّقة التي منعوتها متعدد غير مفرَّق: نحو: تنقلت في بلاد زراعية وصناعية وتجارية ... والواقع بعد هذه "الواو" يسمى معطوفًا، ولا يصح تسميته –الآن- نعتًا.
١٠- عطف المفردات التي حقها التثنية أو الجمع، نحو قول الحجاج وقد مات محمد ابنه، ومحمد أخوه: "محمد ومحمد في يوم واحد". وقول الشاعر الفرزدق:
إن الرزية لا رزيةَ بعدها ... فِقْدانُ مثل محمد ومحمدِ
وقول الآخر:
أَقمنا بها يومًا، ويومًا، وثالثًا ... ويومًا له يوم التَّرحُّلِ خامسُ
يريد: أيامًا ثمانية ...
١١- عطف السببي على الأجنبي في: "الاشتغال"؛ نحو: محمدًا أكرمت عمرًا وأخاه. ومثل: محمد مررت بأخيك وأخيه١
- عطف كلمة: "أيّ" على مثلها، كقول الشاعر:
فلئِنْ لقيتُك خالَيْن لَتَعْلَمَنْ ... أَيِّي وأَيُّكَ فارِسُ الأَحْزابِ
١٣- عطف الظرف: "بين" على نظيره، مثل: المال بيني وبين أهلي.
١٤- عطف السابق في زمنه على اللاحق، نحو: قوله تعالى:
مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
١٥- المتعاطفان بالواو لا يختلفان بالسلب والإيجاب إذا كانا مفردين فلا يصح: لا الشمس طالعة والقمر.
١٦- وجول الفصل بها مع إهمالها بين كلمتين مُعَينتين ينشأ منهما مسموع من التركيب المزجّى "من أمثلته: كَيْت وكيْت. ذَيْت وذيت ... "
بالتفصيل والبيان الآتيين في الموضع الأنسب –ج٤ باب: "كم" م١٦٨ ص٥٤٠.
١٧- جواز عطفها عاملًا قد حذف وبقي معموله على الوجه المشروح في ص٦١٥.
ب- يرى الكوفيون من خصائص الواو وقوعها زائدة؛ كالتي في قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فالواو التي قبل: "فُتحت" زائدة عندهم. ومثل قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي: تَلَّهُ للجبين.
والبصريون يؤولون الآيتين وشبههما بتأويلات منها: أن الواو عاطفة أصلية وجواب "إذا" و"لما" محذوف.... لكن التأويل عسير في قول الشاعر:
ولقد رمقْتك في المجالِسِ كلها ... فإذا وأَنت تعينُ من يبغيني.
والمراد: فإذا أنت. وقول الآخر:
فما بالُ من أَسعى لِأَجْبُرَ عظمهُ ... حِفَاظًا، وينْوي من سفاهته كسْرى.
أي: ينوي من سفاهته.
وإنما كان التأويل هنا عسيرًا لأن ما بعد إذا "الفجائية" لايقترن بالواو. ولأن جملة "ينوي" على تأويلها بأنها حالية هي جملة مضارعية مثبتة، وصاحب الحال هو "مَنْ" والجملة المضارعية المثبتة لا تقع حالًا مقترنة بالواو إلا على تقديرها خبرًا لمبتدأ محذوف والجملة في المبتدأ المحذوف وخبره هي الحال ... فهي محتاجة للتأويل والحذف. ولا داعي لهذا أو لغيره من التأويلات. فمذهب الكوفيين أوضح وأقل تعسفًا، والأخذ به هنا أيسر٣، لكن الأفضل التخفّف من الزائدة قدر الاستطاعة، والبعد عن استعمالها؛ فرارًا من اللبس، ومن التأويل بغير داع.
ح- هل "الواو" الواقعة بعد "بل" نوع من الزائدة؟ مثل: الصالح أمين،بل ومحسن ... الجواب في "ج" من ص٦٢٨.
د- تختص همزة الاستفهام دون باقي أخواتها بالدخول على أحد ثلاثة من حروف العطف ولا تدخل على غير هذه الثلاثة، هي: "الواو، الفاء، ثم" فمثالها قبل الواو قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ َوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} ، وقبل "الفاء" في قوله تعالى عن المشركين: {َفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} ، وقبل "ثُمّ"٢ قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} ... ولا بد أن يكون المعطوف بعد الثلاثة جملة. وقد اشتهر النحاة في هذا رأيان.
أولهما: وهو رأي جمهورهم أن الهمزة تركت مكانها بعد حرف العطف، وتقدمت عليه؛ تنبيهًا على أصالتها في التصدير –كما يقولون– فالجملة بعد العاطف معطوفة على الجملة التي قبله وقبل الهمزة. ما لم يمنع من هذا العطف مانع" كأن تكون إحدى الجملتين إنشائية والأخرى خبرية؛ عند من يمنع العطف بين الجملتين المختلفتين خبرًا وإنشاء، مثل هذه الصورة. فتكون الجملة عنده بعد حرف العطف معطوفة على أخرى محذوفة مماثلة لها في الخبرية أو الإنشائية ... ".
ثانيهما: وهو رأي الزمخشري أن الجملة بعد العاطف معطوفة على جملة محذوفة موقعها بين الهمزة والعاطف. والأصل مثلًا، أنَسُوا ولم يتفكَّروا؟ -أأغمضوا عيونهم ولم ينظروا؟ - أقعدوا ولم يسيروا ... ؟ -أكفرتم ثم إذا وقع آمنتم به....؟ والرأي الأول أشهر. وبالرغم من ذلك فإن كلا الرأيين معيب؛ لقيامه على الحذف والتقدير، أو التقديم والتأخير، ولعدم انطباق كل منهما على بعض الصور الأخرى التي يدور حولها وحول ما سبق جدل طويل واعتراضات مختلفة١.
فما السبب في هذا التكلف؛ والالتجاء إلى الحذف، والتقدير، والتقديم، والتأخير وعندنا ما هو أوضح وأيسر، وأبعد من التأويل؛، وذلك باعتبار الهمزة للاستفهام، وبعدها "الواو" و"الفاء"، و"ثم" حروف استئناف داخلة على جملة مستأنفة. وقد نص النحاة على أن كل واحد من هذه الثلاثة يصلح أن يكون حرف استئناف.
ولا مانع أيضًا أن تدخل الهمزة –هنا– على حرف العطف مباشرة؛ مسايرة للنصوص الكثيرة الواردة في القرآن وغيره، ولن يترتب على أحد هذين الرأيين إخلال بمعنى، أو تعارض مع ضابط لغوي.
"ملاحظة" في غير الهمزة من أدوات الاستفهام يجب تقيم حرف العطف وتأخير أداة الاستفهام عنه؛ لأن هذا هو قياس جميع الأجزاء في الجملة المعطوفة، نحو: قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} ، وقوله تعالى: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} ... عباس حسن
المفرد في باب العطف هو: ما ليس جملة ولا شبه جملة؛ فهو كالمفرد في باب الخبر والنعت، والحال ... ، ويدخل في عطف المفرد هنا عطف الفعل وحده بغير مرفوعه على فعل آخر وحده ... بخلاف عطف الفعل مع مرفوعه على فعل آخر مع مرفوعه فهو عطف جمل. وسيجيء البيان الخاص بهذا في ص٦٤٢ م١٢١.
والعطف بالواو إذا كان المعطوف غير مفرد، قد يفيد مطلق التشريك، نحو: نبت الورد ونبت القصب ... ، أو لا يفيد؛ نحو: حضرت الطيارة، ولم تحضر السيارة. أما نحو: ما قام علي ولكن محمود ... فليس من عطف المفردات؛ وإنما هو من عطف الجمل، وقد حذف الفعل،
عباس حسن - النحو الوافي
الفاء
عباس حسن:
معناها الغالب هو الترتيب بنوعيه "المعنويّ والذّكْرِيّ" مع التعقيب فيهما وإفادة التشريك.
والمراد بالترتيب المعنوي: أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف متأخرًا على زمن تحققه في المعطوف عليه؛ نحو: "نفعَنا بذرُ القمح للزراعة، فإنباتُه، فنضجُه، فحصادُه"،.... و.... فزمن البذر سابق على زمن الإنبات، والنضج، وما بعده.
والمراد: بالترتيب الذّكْرِي: أن يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما في كلام سابق، وترتيبهما فيه، لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما، كأن يقال لمؤرخ: حدثنا عن بعض الأنبياء؛ كآدم، ومحمد وعيسى، ونوح، وموسى –عليهم السَّلام– فيقول: اكتفى اليوم بالحديث عن محمد، فعيسى. فوقوع عيسى" بعد الفاء لم يقصد به هنا الترتيب الزمني التاريخي؛ لأن زمن عيسى أسبق في التاريخ الحقيقي من زمن محمد، وإنما قصد مراعاة الترتيب الذّكْري "أي: اللفظيّ" الذي ورد أولًا في كلام السائل، وتضمن ذكر "محمد" قبل "عيسى".
والمراد بالتعقيب: عدم المهلة يتحقق بقِصَر المدة الزمنية التي تنقضي بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف؛ نحو: وصلت الطيارة فخرج المسافرون. وأول من خرج النساءُ فالرجال ... فخروج المسافرين –في المثال– يجيء سريعًا بعد وصول الطيارة، وخروجُ الرجال يكون بعد خروجُ الرجال يكون بعد خروج النساء مباشرة من غير انقضاء وقت طويل في الصورتين....
وقِصَر الوقت متروك تقديره للعُرف الشائع؛ إذ لا يمكن تحديد الوقت القصير أو الطويل تحديدًا عامًّا يشمل كل الحالات. فقد يكون الوقت قصيرًا في حالة معينة، ولكنه يُعَدّ طويلًا في أخرى.
وبمناسبة إفادتها الترتيب نشير إلى قاعدة سبقت؛ هي: أن "المعطوفات" المتعددة تقتضي أن يكون لها جميعًا "معطوف عليه" واحد، وهو: الأول الذي يسبقها كلها، وقبل كل معطوف حرف عطف خاص به. ولكن إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب؛ "مثل: "الفاء" و"ثم" وجب أن يكون المعطوف عليه هو السابق عليهما مباشرة، ولو لم يكن هو الأول: نحو: تكلم في النادي الرئيس والوكيل والمُحاضر، فالناثر ثم الشاعر. فالوكيل والمحاضر معطوفان على الرئيس، أمّا كلمة: "الناثر" فمعطوفة على: "المحاضر" وأمَّا كلمة: "الشاعر" فمعطوفة على "الناثر" ...
إفادة الفاء معنى السببية:
وتفيد كثيرًا مع الترتيب والتعقيب، "التسيب"؛ أي الدلالة على السببيَّة؛ "بأن يكون المعطوف متسببًا عن المعطوف عليه" ويغيب هذا في شيئين؛ عطف الجمل، نحو: رمى الصياد الطائر فقتله، وفي المعطوف المشتق، نحو: أنتم –أيها الجنود– واثقون بأنفسكم، فهاجمون على عدوكم، ففاتكون به. فمنتصرون عليه ...
ومن أحكام الفاء:
أنها لا تنفصل من معطوفها بفاصل اختيارًا، فلا بد من اتصالهما في غير الضرورة الشعرية. وأنها تعطف المفردات والجمل كما في الأمثلة السالفة، وأنه يجوز حذفها بقرينة كما أن "الواو" و"أو" كذلك نحو: قطعت سنوات التعلم؛ الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة ... ونحو: أنفقت المال درهمًا، درهمين، ثلاثة وأنها قد تحذف مع معطوفها؛ كالآية التي سلفت.
وتختص الفاء: بأنها تعطف جملة لا تصلح صلة، ولا خبرًا، ولا نعتًا؛ ولا حالًا على جملة تصلح لذلك، والعكس، بأن تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء على جملة لا تصلح. "وسبب عدم الصلاحية في الصور السالفة كلها: خلو الجملة من الرابط، ووجوده في الجملة الصالحة"... فمثال عطفها جملة لا تصلح صلة على جملة أخرى تصلح: "الذي عاونته ففرح الوالد مريض" ومثال العكس: "التي وقف القطار فساعدتها على النزول عجوز ضعيفة".
ومثال عطفها جملة لا تصلح خبرًا على أخرى تصلح: "الحديقة يرعاها البستاني فيكثُرُ الثَّمرُ". ومثال "العكس: الحديقة أهمل البستانيّ فقلَّ ثمرها".
ومثال عطفها جملة لا تصلح نعتًا على أخرى تصلح: "هذا حاكم سَهِر على خدمة رعيته؛ فسعدت الرعية". ومثال العكس: "هذا حاكم شكا الناس فأزال أسباب الشكوى".
ومثال عطفها جملة لا تصلح حالًا على أخرى تصلح: "أقبل المنتصر يتهلل وجهه فتشرح القلوب" ومثال العكس "أقبل المنتصر تنشرح القلوب فيتهلل وجهه".
هذا، والفاء كالواو في أنها تعطف عاملًا قد حذف، وبقي معموله؛ نحو اشتريت الكتاب بدينار فصاعدًا١؛ والأصل –مثلًا: فذهبَ الثمنُ صاعدًا.
ملاحظة:
من الفاء العاطفة للمفرد: "فاء السببية، التي ينصب بعدها المضارع بأنْ المستترة وجوبًا، فالمصدر المؤول بعدها مفرد معطوف بها على مفرد قبلها –كما سيجيء في مكانه ...
وهناك نوع من الفاء يسمى: "فاء الفصيحة"، سيجيء الكلام عليه. ونوع آخر تكون الفاء فيه –في بعض الآراء– حرف عطف صورةً لا حقيقية؛ فشكلها وظاهرها أنها عطف، مع أنها في الحقيقة والواقع مهملة وليست عاطفة، وقد سبق الكلام على هذا النوع.
بقي حكم الضمير العائد على المتعاطفين بعد الفاء العاطفة من ناحية المطابقة وعدمها وسيجيء البيان...
انتهى
النحو الوافي - عباس حسن
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم
{فَاعْفُ}:
الفاءُ هي للسبب لا عاطفةٌ؛ إذْ لا يُعطَف الإنشاءُ على الخبر.
كتاب نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد
- البسيلي
وَتَكون لمُجَرّد السَّبَبِيَّة من غير عطف نَحْو: {فصل لِرَبِّك وانحر} إِذْ لَا يعْطف الْإِنْشَاء فَكَانَت آتِيَة بأمرين وهما التَّفْوِيض وَالطَّلَاق، وَالزَّوْج يملك إنشاءهما، فَإِذا أجَاز جَازَ الْأَمْرَانِ
كتاب الكليات - أبو البقاء الكفوي
عطف المسبب على السبب في قوله: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فإن عطف الخسران على الحبوط، من عطف المسبب على السبب.
كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
- محمد الأمين الهرري
ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ
وهم كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود والخطاب لكفار العرب، وقوله: (فذاقوا وبال أمرهم) معطوف علي كفروا، عطف المسبب على السبب،
كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان
﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾
«الفاء) عاطفة (أعقب) فعل... جملة: «أعقبهم...» لا محلّ لها معطوفة على جملة بخلوا أو تولّوا عطف المسبّب على السبب.
كتاب الجدول في إعراب القرآن - محمود صافي
ٱلَّذِی خَلَقَ فَسَوَّىٰ والَّذِی قَدَّرَ فَهَدَىٰ
فَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَسَوَّى لِلتَّفْرِيعِ فِي الذِّكْرِ...
وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ.
وَلِكَوْنِهِ مُقَارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلَى فِعْلِ خَلَقَ بِالْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ.
التحرير والتنوير - ابن عاشور
(فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) الفاء عاطفة ونفعها معطوف على الصفة عطف المسبب على السبب وإيمانها فاعل نفعها والجملة قد تقوم مقام الصفة للنكرة وإلا قوم يونس استثناء متصل.
محي الدين درويش. إعراب القرآن بيانه
ومنها: عطف المسبب على السبب في قوله: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فإن عطف الخسران على الحبوط، من عطف المسبب على السبب.
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - محمد الأمين الهرري
(ألم يأتكم)؟ استفهام توبيخ أو تقرير (نبأ الذين كفروا من قبل) أي من قبلكم، وهم كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود والخطاب لكفار العرب، وقوله: (فذاقوا وبال أمرهم) معطوف عليه كفروا، عطف المسبب على السبب
فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان
ثم
ثم:
عباس حسن: ومعناها الترتيب مع عدم التعقيب، "أي: الترتيب مع التراخي"؛ وهو: انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف. وتقدير المدة الزمنية الطويلة متروك للعُرف الشائع –كما رددنا١؛ فهو وحده الذي يحكم عليها بالطول أو القِصر، ولا يمكن وضع ضابط آخر يحددها؛ لأن ما يعتبر طويلًا في حادثة معينة قد يكون قصيرًا في غيرها؛ فمَردّ الأمر للعُرف. ومن الأمثلة: زرعت القطن، ثم جنيته ... دخل الطالب الجامعة ثم تخرّج ناجحًا–كان الشاب طفلًا ثم صبيًا، ثم غلامًا؛ ثم شابًا فتيًّا.
ومن أحكامها:
أنها تعطفت المفردات والجمل، كما في الأمثلة السالفة٢ ... وقد تدخل عليها تاء التأنيث لتفيذها التأنيث اللفظيّ؛ فتختص بعطف الجمل، نحو: مَنْ ظَفِر بحاجته ثُمَّتَ قَصَّر في رعايتها كان حزنه طويلًا، وغُصَّتُهُ شديدة.
ومنها: -وهذا قليل جائز– أنها قد تكون بمعنى واو العطف، فتفيد مطلق الجمع والاشتراك من غير دلالة على ترتيب، بشرط وجود قرينة؛ نحو: لما انقضى الليل، واستنار الكون، ثم طلعت الشمس، واقترب ظهور الفجر سارع الناس إلى أعمالهم٤.. ويدخل في هذا القليل الجائز أنْ يكون للترتيب الذّكري الإخباريّ، "وهو: الذي سبق إيضاحه١ في "الفاء" نحو: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعتَ أمسِ أعْجبُ. أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب.
ومنه قول الشاعر:
إن مَنْ سادَ ثم سادَ أَبوه ... ثم قد سادَ قبل ذلك جدُّه ...
ومنها: أنها تكون بمعنى "الفاء" أحيانًا فتفيد الترتيب مع التعقيب بقرينة؛ نحو شرب العاطش ثم ارتوى.
ومنها: أن إفادتها الترتيب توجب –عند تعدد المعطوف عليه قبلها بتفريق– أن يكون معطوفًا تابعًا لما قبلها مباشرة من المعطوفات؛ طبقًا للبيان الذي تقدم٢؛ ففي مثل: قرات الآية، والقصيدة، والخطبة. والرسالة ثم النشيد ... يتعين أن يكون النشيد معطوفًا بها على الرسالة، كما يتعين أن يكون كل واحد من المعطوفات الأخرى التي قبلها معطوفًا على الآية.
ومنها: أنها قد تكون أحيانًا حرف عطف في الصورة الظاهرة دون الحقيقة الواقعة؛ فشكلها الظاهر هو شكل العاطفة، ولكنها لا تعطف مطلقًا وقد سبقالكلام على هذا النوع.
زيادة وتفصيل:
أ- أشار النحاة إلى وهم يقع فيه من يعرب: "ثم" حرف عطف في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} لأن "ثم" لا تصلح عاطفة هنا؛ إذ إعادةُ الخلق لم تقع، وإذا لم تقع فيكف يُقِرون برؤيتها؟ لهذا كانت "ثمّ" لاستئناف في الآية. ويؤيد كونها للاستئناف في الآية قوله تعالى بعد ذلك: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} ؛ فمن المستحيل أن يسيروا فينظروا بدء الخلق ثم إنشاء النشاة الآخرة. والاستئناف أحد المعاني التي تؤديها ثلاثة من الأحرف؛ هي: "الواو، والفاء، وثمّ". وحين يكون الحرف للاستئناف لا يكون للعطف. قال الفيروزبادي صاحب "القاموس المحيط" في كتابه الآخر المسمى: "بصائر ذوي التمييز" عند الكلام على معاني "ثمّ"١ –ما نصه: "تكون للابتداء كقوله تعالى في سورة فاطر: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ا. هـ.
وسيجيء في الجزء الرابع –عند الكلام على "واو المعية". باب إعراب الفعل٢– ما يؤيد وقوع "ثم" للاستئناف، ويزيد الحكم بيانًا ووضوحًا.
ب- "ثم" تصلح للوقوع بعد همزة الاستفهام مباشرة إذا كان المعطوف بها جملة، واقتضى الاستفهام على الوجه المشروع في "د" من ص٥٧٠ فهي كالواو والفاء٣ في هذا. ولا يقع بعد الاستفهام مباشرة من حروف العطف غير هذه الثلاثة.
ج- ما حكْم الضمير بعد "ثم" إذا كان عائدًا على "المتعاطفين" أيطابقهما أم لا يطابق؟ الجواب في رقم ٣ من ص٦٥٧.
عباس حسن - النحو الوافي
حتى
٤- حتى:
معناها الدلالة على المعطوف بلغ الغاية في الزيادة أوالنقص بالنسبة للمعطوف عليه١؛ سواء أكانت الغاية حسية أم معنوية، محمودة أم مذمومة، نحو: لم يبخل الغنيُّ الورعُ بالمال حتى الآلاف، ولم يُقَصَّرْ في العبادة حتى التهَجُّدِ٢. ومثل: حبسَ البخيل أمواله حتى الدِّرهمَ، وارتضى لنفسه المعايب حتى الاستجداءَ.
ولا تكون عاطفة إلا باجتماع شروط أربعة ٣:
أ- أن يكون المعطوف بها اسمًا "فلا يصح أن يكون فعلًا، ولا حرفًا٤، ولا جملة٥"، نحو: استخدمت وسائل الانتقال حتى الطيارةً، فلا يجوز العطف في نحو: صفحت عن المسيء حتى خَجِل، وتركته لنفسه حتى نَدِم، ولا في قول المعَري:
وهوّنتُ الخطوب عليّ، حتى ... طأنّي صرت أَمْنَحُها الودادا
ب- أن يكون الاسم المعطوف بها اسمًا ظاهرًا لا ضميرًا، وصريحًا لا مؤولًا؛ فلا يجوز اعتبارها حرف عطف في مثل: انصرف المدعوون حتى أنا. وقد ارتضى بعض المحققين الاستغناء عن هذا الشرط، وأجاز المثال السالف، وأشباهه. وفي الأخذ برأيه توسعة وتيسير. كما لا يجوز اعتبارها عاطفة في مثل: "أحب المقالات الأدبية حتى أقرأ الصحف"؛ لما يترتب على هذا من وقوع معطوفها مصدرًا مؤولًا. وهذا لا يصح.
ج- أن يكون المعطوف بعضًا حقيقيًا١ من المعطوف عليه، أو شبيهًا بالبعض٢، أو بعضًا بالتأويل٣. فمثال البعض الحقيقي: بالرياضة تقوى الأعضاء حتى الرجل، ومثال الشبيه بالبعض: أعجبني العصفور حتى لونه١ ومثال البعض بالتأويل: تمتعت الأسرة بالعيد حتى طيورها.
د- أن تكون الغاية الحسية أو المعنوية محققة لفائدة جديدة، فلا يصح: قرأت الكتب حتى كتابًا، ولا سافرت أيامًا حتى يومًا ...
أحكامها:
منها: أنها لمطلق الجمع كواو العطف عند عدم القرينة؛ فلا تفيد الترتيب الزمني بين العاطف والمعطوف في الحكم نحو: أديت الفرائض الخمس حتى المغرب، ووفيت أركان كل صلاة حتى الركوع٢، وكقول الشاعر:
رجالي -حتى الأقدمون- تمالئوا ... على كل أمر يورث المجد والحمدا
ومنها: إعادة حرف الجر وجوبًا بعد "حتى" إذا عطف بها آخر شيء، والمعطوف عليه مجرور بمثل ذلك الحرف، ويلتبس المعنى بعدم إعادته؛ نحو: سافرت في الأسبوع الماضي حتى في آخره، إذا كان المراد السفر في أوقات متقطعة من الأسبوع، وبعضها في آخره. فلو لم تذكر كلمة: "في" مرة ثانية بعد: "حتى" لكان من المحتمل فهم المراد بأنه السفر المتصل من أول الأسبوع إلى آخر لحظة فيه. وهذا غير المقصود، فمن الواجب أن يعاد بعدها حرف الجرّ إذا كان "المعطوف عليه" مجرورًا بمثيله؛ لكيلا تلتبس بالجارة. فإن تعيَّن٣ العطف بحيث يمتنع اللبس المعنوي كانت الإعادة جائزة لا واجبة، نحو: فرحت بالقادمين حتى أولادهم، وقول الشاعر:
جودُ يُمْنَاك فاضَ في الخلْقِ حتَّى ... بائسٍ دانَ بالإِساءةِ دينا
ومنها: أن استعمالها عاطفة أقل من استعمالها جارة، فيراعيَ هذا في كل موضع يصلح فيه الأمران؛ نحو: قرأت الكتابَ حتى الخاتمة، فيجوز نصب "الخاتمة" باعتبارها معطوفة "بحتى" على: "الكتاب". ويجوز جرها باعتبار "حتى" حرف جر، والأحسن الجرّ؛ لأن العطف بالحرف: "حتَّى" أقل في كلام العرب١ من استعمالها جارة٢.
زيادة وتفصيل:
أ- ومن أحكامها أنها لا تعطف نعتًا كما تقدم١. وأنها لا تقع في صدر جملة تعرب خبرًا٢.
ب- أشرنا٣ إلى أن "حتى" العاطفة –كالواو– لمطلق الجمع عند عدم القرينة، لا الترتيب الزمني في الحكم، نحو: مات كل الأنبياء حتى نوح. واستدلوا على هذا بأمثلة مختلفة؛ منها قوله عليه السلام: "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز، والكيْس" إذ لا يتأخر تعلق القضاء والقدر بهما عن غيرهما. لكنها –في مثل هذه الحالة– تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنًا؛ أي: تفيد تدريجها من الأضعف إلى الأقوى وعكسه طبقًا للبيان والتفصيل السالفيْن٤.
وتكون كالواو أيضًا في عطفها الخاص على العام. وفي وجوب مطابقة الضمير العائد على المتعاطفين بعدها لهما٥ ...
أم
عباس حسن:
أمْ: نوعان؛ متصلة، ومنقطعة، "أو: منفصلة".
النوع الأول: "المتصلة"، وهي المسبوقة بكلام مشتمل على همزة التسوية، أو على همزة استفهام يراد منها ومن "أمْ" التعيين "ويكون معناهما في هذه الحالة هو: "أيّ" الاستفهامية". فالمتصلة قسمان، ولكل منهما علامة تميزه من الآخر:
أ- علامة: "أمْ" المتصلة بهمزة التسوية أن تكون متوسطة بين جملتين خبريتين، قبلهما معًا همزة تسوية، وكلتا الجملتين صالحة لأن يحل محلها هي والأداة التي تسبقها مصدر مؤول من هذه الجملة؛ فهما جملتان في تأويل مفردين ويبين هذه المفردين "واو" عاطفة تُغْنى عن "أم"؛ كقولهم: على العقلاء أن يعملوا برأي الخبير الأمين، فإن العمل برأيه غُنْم؛ سواءٌ أيوافق الرأيُ هواهم أم يخالفه". والتقدير: موافقةُ الرأي هواهم ومخالفتُه سواء.
ومثل: "سؤال الناس مَذَلة وهوان؛ سواء أكان المسؤول قريبًا أم كان غريبًا". أي: سواءٌ كونُ المسؤول قريبًا وكونه غريبًا.
فقد حل محل الجملة الفعلية الأولى في المثالين ومعها همزة التسوية، مصدر مؤول من الهمزة والجملة معًا؛ هو مصدر الفعل المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه "فاعلًا كان، أو اسمًا لناسخ ... " وحل محل الجملة الفعلية الثانية في المثالين ومعها "أمْ" مصدر مؤول هو مصدر الفعل المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه كذلك، وجاءت "الواو" بدلًا من "أمْ" في المثالين؛ لتعاطف المصدر الثاني المؤول على نظيره المصدر الأول. ويعرب المصدر الأول على حسب حاجة الجملة ... فيعرب في المثالين السالفين خبرًا، مبتدؤه كلمة: "سواء" أو العكس. وقد يعرب في غيرهما مفعولًا به، أو ... أو.. على حسب الموقع ... ويعرب المصدر المؤول الثاني معطوفًا على الأول بالواو.
والجملتان إما فعليتان كما رأينا –وهو الأكثر، ومنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ، والتقدير: إنذارك وعدمه سواءٌ. وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} ، والتقدير: جزعنا وصبرنا سواء٣ وإما اسميتان كقول الشاعر:
وَلَسْتُ أُبالي بعد فقْديَ مالكًا ... أَمَوْتِيَ ناءٍ أَم هُوَ الآَنَ واقعُ
والتقدير: لست أبالي نَأىَ١ موتى وقوعه الآن. وإما مختلفتان بأن تكون الأولى "وهي المعطوف عليها" فعلية: والثانية "وهي المعطوفة" اسمية كقوله تعالى عن الأصنام: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} , والتقدير: سواء عليكم دعاؤُكُم إياهم وصمْتُكُم. أو العكس، نحو: لا يبالي الحرّ في إنجاز العمل أرئيسهُ حاضر أم يغيب. والتقدير: لا يبالي الحرُّ حضورَ رئيسه وغيابه. والمصدر المؤول هنا مفعول به ... والجملة بمعنى: سواءٌ على الحرّ أرئيسه حاضر أم غائب.
وليس من اللازم أن تكون همزة التسوية مسبوقة بكلمة "سواء" فقد يغنى عنها ما يدل دلالتها في التسوية؛ نحو: "ما أبالي" ... أو ما يشبهها من هذه الناحية إنما اللازم أن تكون مسبوقة بكلمة: "سواء" أو بما يؤدي
معناها؛ كما في بعض الأمثلة السابقة.
هذا، ولا شأن لهمزة التسوية بالاستفهام فقد تركته نهائيًا وتمضحت للتسوية.
حكم هذا القسم:
مما سبق يتبين أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تَعطف إلا جملة على جملة وكلتا
الجملتين خبرية بمنزلة الفرد؛ لأنها صالحة مع الأداة لأن يحل محلها مصدر مؤول. ولا شأن لها بعطف المفردات إلا نادرًا؛ لا يقاس عليه، ومن صور هذا النادر القليل الذي لا يقاس عليه أن تتوسط بين مفرد وجملة١؛ كقول القائل:
سواءٌ عليك النَّفْر أم بتَّ ليلةً ... بأَهلِ القِباب من عُمَيْر بن عامر
وعلامة: "أم" المسبوقة بهمزة التَّعيين أن تكون متوسطة بين شيئين، ينسب لواحد غير معين منهما أمر يعلمه المتكلم. ولكنه لا يعلم –على وجه التعيين– صاحبه منهما، وقبلهما معًا همزة استفهام، يراد منها ومن "أم" تعيين أحد هذين الشيئين، وتحديد المختص منهما بالأمر الذي يعرفه المتكلم، ويَسأل
عن صاحبه الحقيقيّ؛ ليعرفه على وجه اليقين، لا التردد والشك؛ نحو: أعَمّك مسَافر أم أخوك؟ فقد وقعت "أمْ" بين شيئين، هما: "عم" و"أخ" وقبلهما همزة استفهام يريد المتكلم بها و"بأمْ" أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينًا قاطعًا يدل على المسافر منهما دون الآخر. فالمتكلم يعلم يقينًا أن أحدهما مسَافر؛ لكم مَِن منهما؟ هذا هو ما يجهله المتكلم، ويريد أن يعرفه بغير تشكك فيه؛ إذ لا يدري؛ أهو: العم أم الأخ؟، ومن أجله يطْلب من المخاطب أن يُعَيِّن له المسافر تعيينًا مضبوطًا، ويحدده تحديدًا يؤدي إلى كشف حقيقته وذات، فيمكن بعد هذا إسناد السَّفر إليه وحده، ونسبيته إليه، دون غيره. فالسفر المجرد ليس موضع السؤال؛ لأنه غير مجهول للمتكلم، إنما المجهول الذي يسأل عنه ويريد أن يعرفه هو تعيين أحدهما، وتخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر.
ومن الأمثلة أيضًا: أعادلٌ واليكم أم جائز؟ فقد وقعت "أم" بين شيئين؛ هما: عادل وجائر، وقبلهما معًا همزة الاستفهام التي يريد المتكلم بها وبأمْ استبانة أحد الشيئين، وتحديدهُ، وتعيينه، ليقتصر المعنى عليه، وينسب إليه وحده. ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليًا، ولا يشك في وجوده، ولكن الذي يجهله ويريد أن يعرفه من المخاطب هو: تعيين هذا الوالي، وتحديد أمره؛ بحيث يكون واحدًا محددًا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقًا. وتسمى هذه الهمزة: "بالمغْنية عن كلمة: "أيّ" لأنها مع "أم" يغنيان عن كلمة: "أي" في طلب التعيين، وليست الهمزة وحدها -فمعنى؛ أعمك مسافر أمْ أخوك؟ هو: أيّهما المسافر؟ ومعنى أعادل وإليكم أم جائز: أيّ الأمرين واقع ومحقق؟
حكم هذا القسم:
يشترط في: "أمْ" هذه –كما سبق– أن تتوسط بين الشيئين اللذّين يراد تعيين أحدهما؛ فيقع قبلها واحد منهما، ويقع بعدها الآخر؛ كما في الأمثلة.
ولما كان التعيين والتحديد هما الغرض من الاتيان "بأمْ" هذه ومعها همزة الاستفهام التي قبلها وجب أن يجيء الجواب مشتملًا على ما يحقق الغرض؛ فيتضمن النص الصريح بذكر أحد الشيئين وحده. فيقال في المثال الأول: "العم ... " مع الاقتصار على هذا. أو: "الأخ ... " مع الاقتصار عليه. ويقال في المثال الثاني: "عادل" كذلك، أو "جائز".
ولا يصح أن يقال في الإجابة عن السؤالين وأشباههما: نعَم، أوْ: لا؛ لأن الإجابة بأحد هذين الحرفين –أو بأخواتهما من أحرف الجواب– لا تفيد تعيينًا، ولا تحديدًا، وإنما تفيد الموافقة على الشيء المسؤول عنه أو المخالفة. وهذه الموافقة أو المخالفة لا تحقق الغرض المقصود من استعمال "أمْ" المتصلة المسبوقة بهمزة الاستفهام على الوجه الذي شرحناه.
ولهذا القسم من قسمى "أم" المتصلة صور مختلفة؛ منها:
١- أن تقع بين مفردين متعاطفين بها، وبينهما فاصل لا يسأل عنه المتكلم -وهذه الصورة هي الغالبة- كأن يقول قائل لآخر: شاهدت اليوم سباق السباحين؛ أمحمد هو الذي فاز أم محمود؟ فالمراد من السؤال تعيين واحد من الاثنين، وقد توسط بينهما أمر ليس موضوع الاستفهام، لأنه أمر معروف للمتكلم، وهو الفوز، أما المجهول الذي يريد أن يعرفه فهو الفائز.
وقد تقع بين مفردين تعطفاهما، مع تأخر شيء عنها لا يسأل عنه المتكلم؛ تقول في المثال السالف: أمحمد أم محمود هو الذي فاز؟ وكأن يقول قائل: كتاب "العقد الفريد" كتاب أدبي نفيس، فتقول: نعم سمعت اسمه يتردد كثيرًا. ولكن أغال أم رخيص كتاب "العقد الفريد"؟ فأنت تسأل عن غلوه ورخصه، وتطلب بسؤال تعيين أحدهما، وليست تسأل عن الكتاب ذاته، فإنك تعرفه ...
ومن الأمثلة السسالفة يتبين أ، الذي يلي الهمزة مباشرة هو واحد مما يتجه إليه الاستفهام، يراد معرفته وتعيينه، أما الذي لا يتجه إليه الاستفهام فيتوسط أو يتأخر١. وهذا الحكم هو الأكبر والأول، ولكنه ليس بالواجب؛ فليس من المحتم أن يلي الهمزة أحد المرين اللذين يتجه إليهما الاستفهام لطلب التعيين. بل يصح -عن أمن اللبس- أن يقال: أكتاب "العقد الفريد" غالٍ أم رخيص؟ وهذا -بالرغم من صحته- قليل، ودرجته البلاغية ضئيلة ومراعاة الأكثر هي الأحسن.
٢- ومنها: أن تقع بين جملتين ليستا في تأويل مصدر٢، وتعطف ثانيتهما على الأولى، وهما، إما فعليتان، نحو: أزراعة مارست، أم زاولت التجارة؟ وإما اسميتان، نحو: أضيفك مقيم غدًا أم ضيفك مسافر؟ وإما مختلفان، نحو: أأنت كتبت رسالة لأخيك الغائب أم أبوك كاتبها؟
٣- ومنها: أن تقع بين مفرد وجملة؛ كقوله تعالى: {إِنْ ٣ أَدْرِي
أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} .
فملخص ما يقال في "أم المتصلة" أنها تنحصر في قسمين؛ قسم مسبوق بهمزة التسوية، ولا تعطف فيه إلا الجمل التي هي في حكم المفرد، "لأن كل جملة منها مؤولة بالمصدر المنسبك"، وقسم مسبوق بهمزة استفهام يُطالب بها وبأمْ التعيين، وتعطف فيه المفردات حينًا والجمل حينًا آخر، أو المفرد الفع.
وإنما سميت "أم" في القسمين: "متصلة" لوقوعها بين شيئين مرتبطين ارتباطًا كلاميًا وثيقًا، لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يستقيم المعنى إلا بهما معًا. لأن التسوية في النوع الأول وطلب التعيين في النوع الثاني لا يتحققان إلا بين متعدد، وهذا التعدد لا يتحقق إلا بما قبلها وما بعدها مجتمعين.
وتسمى كذلك في هذين القسمين: "أمْ المعادِلة" للهمزة؛ لأنها في القسم الأول تدخل على الجملة الثانية المعادلة للجملة الأولى في إفادة التسوية، وهذه الجملة الثانية هي التي تفيد المعادلة في التَّسوية، وليست "أم". فغير أن "أم" تعتبر معادلة للهمزة ولا "أم" في إفادة التسوية المباشرة.
ولأنها في النوع الثاني تعادل الهمزة في إفادة الاستفهام.ويجب في النوعين أن يتأخر عنها المنفيّ؛ -كما أشرنا١- مثل: سواء عليَّ أغضب الظالم لأم لم يغضب. ولا يصح: سواء عليَّ أم يغضب الظالم أم غضِب١. وفي مثل: أمطرٌ نزل أم لم ينزل؟ لا يصح: ألم ينزل مطر أم نزل؟
الفرق بين قسمي "أمْ" التي بعد همزة التسوية عن "أمْ" التي يراد بها وبهمزة الاستفهام التعيين في أربعة أمور:
أولها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا حتميًا٢؛ لأن المعنى معها على الإخبار؛ وليس على الاستفهام؛ فقد تركت الاستفهام إلى الإخبار بالتسوية؛ بخلاف الأخرى. فإنها باقية على الاستفهام. فتحتاج للجواب.
ثانيها: أن الكلام مع الواقعة بعد همزة التسوية قابل للتصديق والتكذيب إذ هو خبر –كما أسلفنا– بخلاف الأخرى؛ فإن الكلام معها إنشائي؛ لا دخل للتصديق والتكذيب فيه؛ لبقاء الاستفهام على حقيقته في الغالب.
ثالثها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تقع بين جملتين –ومن النادر الذي لا يقاس عليه ألا تكون كذلك، كما سبق٤– أما الأخرى فقد تكون بين الجمل أو المفردات، أو بين مفرد وجملة.
رباعهما: أن الجملتين اللتين تتوسطهما "أم" الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تكونا في تأويل مفردين؛ لأن كلاّ منهما في تأويل مصدر منسبك. بخلاف اللتين تتوسطهما "أم" الأخرى، فلا يصح تأويل واحدة منها بمفرد؛ لعدم وجود سبكْ ولا غيره مما يجعلها في حكم المفرد١
زيادة وتفصيل:
أ- يصح في الأسلوب المشتمل على "أم" المتصلة الاستغناء عن الهمزة بنوعيها إن عُلم أمرها، ولم يوقع حذفها في لبس. فمثال حذف همزة التسوية: "سواء على الشريف راقَبه الناس أم لم ياقبوه؛ فلن يرتكب إثمًا، ولن يقع في محظور". والأصل: أراقبه الناس ... ، ومثال حذف الأخرى قول الشاعر:
لعَمْرُك ما أَدري –وإِنْ كنت داريًا- ... بسبع رَمَيْنَ الجمرَ أَمْ بثَمانِ؟
يريد: أبسبع أم بثمان؟ وتظل حالات: "أم" وأحكامها بعد حذف الهمزة كما كانت قبل حذفها١.
ب- من النادر الذي لا يقاس عليه أن تحذف "أم" المتصلة مع معطوفها كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب، إني لأَمره ... سميع؛ فما أَدري أَرُشْدٌ طِلابُها ... ؟
يريد: أم غيَ. وقول الآخر:
أراك فلا أَدري أَهَمٌّ هممته؟ ... وذو الهمّ قِدْمًا خاشع متضائل ...
يريد: أهمًٌ أم غيره ... ؟
قيل: إن الهمزة للتصديق فلا تحتاج لمعادل –وستجيء إشارة للحذف في ص٦٣٧-.
ويجوز حذف المعطوف عليه قبلها –كما سيجيء في موضعه المناسب ص٦٣٩-.
ح- سبقت الإشارة "في ص٥٨٨ ورقم ٣ من هامشها" على أن الهمزة الواقعة بعد: "لا أبالي" هي للتسوية بخلاف الواقعة بعد: "لا أدري، أو لا أعلم، أو ليت شعري" فإنها للتعيْين على الأرجح، وأن سيبويه يجيز العطف بأوْ وأمْ بعد هذه الألفاظ إذا سبقتها الهمزة.
النوع الثاني – "أم" المنقطعة، "أو: المنفصلة":
تعريفها: "هي التي تقع –في الغالب– بين جملتين مستقلتين في معناهما، كل منهما معنى خاص يخالف معنى الآخر، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر؛ فليس بين المعنيين ما يجعل أحدهما جزءًا من الثاني. وهذا هو السبب في تسمية: "أم" بالمنقطعة، أو: بالمنفصلة، وفي أن يكون معناها –غير النادر– الإضراب دائمًا١ فتكون في هذا بمعنى: "بَلْ". وقد تفيد معه معنى آخر أحيانًا.
علامتها:
ألا تقع –مطلقًا– بعد همزة التسوية، ولا بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها، و"بأمْ" التعيين –وقد شرحناهما– وإنما تقع بعد نوع مما يأتي:
١- الخبر المحض؛ مقوله تعالى في الكفار: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: بل يقولون أفتراه، فقد وقعت "أمْ" بين جملتين هما: {هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} ، و {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} وكل منهما مستقلة بمعناها عن الأخرى، ومن الممكن عند الاكتفاء بها أن تؤدي معنى كاملًا. و"أمْ" هنا بمعنى: "بل" الدالة على الإضراب المحض الذي لا يشاركه معنى آخر.
- وقد تقع بعد أداة استفهام غير الهمزة، كقوله تعالى: {هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} والشأن في هذه الآية كسالفتها. في الدلالة على الإضراب المحض.
٣- وقد تقع بعد همزة ليست للتسوية ولا لطلب التعيين، وإنما هي لنوع من الاستفهام غير الحقيقي، معناه: الإنكار والنفي؛ كقوله تعالى في الأصنام: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} فالاستفهام هنا غير حقيقي والمراد منه ما سبق.
٤- وقد تقع بعد همزة استفهام غير حقيقي أيضًا، ولكن يراد منه التقدير، أي: الحكم على الشيء بأنه ثابت مقرر، وأمر واقع؛ كقوله تعالى في المنافقين: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} .
فكلمة "أم" في جميع الأنواع السالفة منقطعة بمعنى: "بل".
ومن الأمثلة للإضراب المحض: "هذا صوت مغنية بارعة، أم هذا صوت مغَنّ مقتدر، فقد تبينت لحيته وشاربه". هنا وقعت "أمْ" بين جملتين تفيد الأولى منهما أن الصوت لمعنيَة، وتدل الثانية على أن المتكلم أضْرَبَ، -أي: عَدَل– عما قرره أوّلًا، وتركه إلى معنى آخر، هو أن الغناء لرجل، لا لمغنية. والذي يدل على إضرابه وعدوله عن المعنى الأول إلى الثاني، هو ذكر
اللحية والشارب، فهما قرينة على الإضراب. وأداة الإضراب هي: "أم".
ومن الأمثلة: "استيقظت في الصباح الباكر فرأيت ورق الشجر مَبْتَلًا فقد سقط المطر ليلًا، أم تكاثَرَ الندى عليه؛ فإني أجد الطرق والمسالك جافة؛ لا أثر فيها للمطر". فهنا وقعت "أم" بين جملتين؛ الأولى منهما تفيد أن بلل الورق من سقوط المطر، وتدل الثانية منهما على أن سبب البلل شيء آخر؛ هو: النَّدى، فعدَل المتكلم على المعنى الأول، وانصرف عنه إلى الثاني؛ بدليل يؤيده؛ هو: جفاف الطرق والمسالك. والأداة المستعملة في الإضراب هي: "أم" ...
حكمها:
الرأي الراجح أن "أمْ" المنقطعة ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء يفيد الاضراب، فلا تدخل إلا على الجمل، أما الرأي المرجوح فإنها حرف عطف لا يعطف إلا الجمل، والأخذ بالرأي الأول أَنْسب وأَيْسَر.
زيادة وتفصيل:
أ- من نوع المنقطعة "أم" الواقعة بعد همزة الاستفهام الحقيقي، بشرط أن يكون ما بعدها نقيض ما قبلها: نحو: أفاكهة عندك أم لا؟ لأن المتكلم لو اقتصرت على الجملة الأولى لكان المعنى المستقل كافيًا مستغنيًا عن معنى الجملة الثانية –كالشأن في: "أم" المنقطعة، ولكان الجواب: نعَم، أو: لا، ونحوهما، على حسب المراد من غير حاجة إلى المعنى الثاني. وإنما ذُكر ما بعدها لبيان أن المتكلم عرض له ظنُّ الانتفاء فاستفهم عنه، ضاربًا عن الثبوت، ولولا ذلك لضاع قوله: "أم لا" بغير فائدة١ فإن لم يكن الثاني نقيض الأول؛ نحو: أفاكهة أكلت أم خبزًا، كانت "أم" محتملة للاتصال والانقطاع، فإن كان السؤال عن تعيين المأكول مع تيقن وقوع الأمل على أحدهما فمتصلة –طبقًا لما شرحناه٢ عند الكلام عليهما-. وإن كان السائل قد عرض له الظن بأن المأكول هو الخبز بعد ظنه أن المأكول هو الفاكهة، فاستفهم عن الثاني مُضربًا عن الأول فهي منقطعة. فالاحتمال إنما يقع عند عدم القرينة الدالة على أحدهما، وهي القرينة التي تعين الاتصال وحده، أو الإضراب وحده، فإذا وجدت وجب الأخذ لها، وامتنع الاحتمال.
ب- قلنا٤ إن: "أم" المنقطعة لا يفارقها معنى الإضراب، إلا نادرًا ... لكنها قد تفيد معه استفهامًا حقيقيًا، وفي هذه الصورة تفيد الإضراب والاستفهام الحقيقي معًا من غير وجود همزة استفهام معها. كأن ترى كوكبًا يضطرب ويهتز فتقول: هذا كوكب المِرِّيخ. ثم تعدل عن هذا الرأي لسبب يداخلك، فتقول: "هذا كوكب المرِّيخ. أم هو كوكب سُهيْل؛ فإن هذه أمارات سهيل التي تعرفها أنت؟ فقد قررت أولًا أن هذا هو المِرِّيخ، ثم عدلت عنه إلى كوكب آخر أردت أن تستوثق من اسمه؛ فكأنك قلت: بل أهو كوكب سهيل؟ ومثل هذا قول العربي حين رأى أشباحًا بعيدة حسبها إبلًا، ثم عدل عن رأيه إلى رأي آخر؛هو: أنها شاءٌ١، وأراد أن يستوثق من رأيه الجديد، فقال: "إنها لإبل أم شاء"؟ يريد: أنها لإبل، بل أهي شاء؟ والهمزة داخلة على مبتدأ محذوف؛ لأن "أم" المنقطعة لا تدخل –في الغالب– إلا على جملة –كما أسلفنا-.
وقد تفيد مع الإضراب استفهامًا إنكاريًا٣ بغير أن تسبقها أداة استفهام؛ كقوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} ، أي: بل أنه البنات ولكم البنون؟ لأنها لو كانت للإضراب المحض الذي لا يتضمن الاستفهام الإنكاري لكان المعنى محالًا، إذ يترتب عليه الإخبار بنسبة البنات إلى المولى جل شأنه.
وقد تتجرد للإضراب المحض الذي لا يتضمن استفهامًا مطلقًا؛ لا حقيقيًا ولا إنكاريًا؛ كالأمثلة الأولى٤ التي منها قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} ، أي: بل هل تستوي الظلمات؛ ولا يصح أن يكون التقدير: بل أهل تستوي الظلمات؛ لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام –كما أسلفنا٥-.
ومثل الآية في الإضراب المحض قول الشاعر:
فليتَ سُليمَى في المَمَات ضجيعتي ... هنالك أم جنة أم جهنمِ
أي: بل جهنم، ولا يصح التقدير: بل أفي جهم، إذ لا معنى للاستفهام هنا؛ لأن الغرض من الكلام التمني.
وقد تتجرد –نادرًا– للاستفهام الخالي من الإضراب كقول الشاعر:
كَذبتْك عينُك، أَمْ رأيت بواسِط ... غَلَس الظَّلام من الرَّبَاب خيالا؟
إذ المراد: هل رأيت؟ وهذا أقل استعمالاتها. ومن المستحسن عدم القياس عليه؛ لغموض المراد معه.
ج- يجوز أن تجاب "أمْ" المنقطعة. وجوابها يكون بحرف من أحرف الجواب، كثل: نعَم، أوْ: لا: أخواتهما ... في نحو قوله تعالى في الأصنام: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ} . وفي مثل: قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} يكون الجواب عند المخالفة: "لا" أو ما يدل دلالتها.
وإذا تكررت "أم" المنقطعة متضمنة في كل مرة إستفهامًا، بحيث تتوالى بها الاستفهامات كان الجواب للأخير؛ مراعاة للإنصراف إليه؛ لأن المتكلم أضرب عما سبقه، وانصرف إليه تاركًا ما قبله.
د- تقسيم "أم" إلى المتصلة والمنقطعة هو المشهور٢. وزاد بعضهم نوعًا ثالثًا؛ هو الزائدة؛ كقول الشاعر:
يا ليت شعري ولا مَنْجَى من الهرِم ... أم هل على العيش بعد الشَّيْب من نَدمِ
وهذا نوع لا يقال عليه.
هـ- حكم الضمير الواقع بعد "أم" العائد على المتعاطفين –من ناحية المطابق وعدمها– موضح في رقم ٣ من ص٦٥٦
.
عباس حسن - النحو الوافي
قال الخليل: أم: أَمْ: حرف استفهامٍ على أوّله، فيصير في المعنى كأنّه استفهامٌ بَعْدَ استفهامٍ، وتفسيرها في باب (أو) .. ويكون (أَمْ) بمعنى (بل) ، ويكون (بَلْ) الاستفهام بعينها، كقولك: أم عندكم غداً حاضر؟، أي: أعندكم، وهي لغَة حَسَنة. ويكون (أَمْ) مبتدأ الكلام في الخبر، وهي لغةٌ يمانيّة، يقول قائلُهم: هو من خيار النّاس أم يُطْعِمُ الطَّعامَ أم يضرب الهام.. وهو يُخْبِر.
أما: أَما: استفهامُ جَحْد، تقول: أَما تستحي من الله؟ أما عندك زيد؟. فإِذا قلت: أَما إنّه لرجلٌ كريم، وأما والله لئن سهرت كلّ ليلة لأدعنّك نادما، وأما لو علمت بمكانك لأُزْعجنّك ... فإِنّها توكيد لليمين يوجب به الأمر. فإِذا قلت: إمّا ذا وإما ذا بكسر الألف فهذا اختيار في شيء من أمرين. وهي في الأصل: إنْ و (ما) صلة لها، غير أنّ العرب تلزمها في أكثر الكلام، تقول: إمّا أنْ تَزُورَني وإمّا أنْ أزورك، بتكرارها مرّتين. وتقول العرب: إمّا أن تفعلَ كذا وكذا، أو تفعل كذا، فيجعلون التكرار بأَوْ وهم يريدون بها: إمّا. وتقول: افعل كذا إمّا مُصيباً وإمّا مُخطئا، فلو قلت في هذا المعنى: إنْ مُصِيباً وإنّ مُخْطئاً جاز ذلك.. وتقول العرب على هذا المعنى: إن أصبت أو أخطأت. الخليل - العين
أو
للل
حرف يكون في أغلب استعمالاته عاطفًا؛ فيعطف المفردات والجمل. فمن عطفيه المفردات قول أحد الأدباء: طلع علينا فلان طلوع الصبح المنير، أو الشمسِ المشرقة، وأقبلَ كالدنيا المواتية، أو السعادةِ المرتجاة.
فقد عطف الجرفُ "أو" كلمةَ: الشمس، على كلمة: الصبح، كما عطف كلمة: السعادة، على كلمة: الدنيا، وكل هذه المعطوفات وما عُطِفَتْ عليه مفردات١، وأداة العطف هي: "أو".
ومثال عطفه الجملَ قول الشاعر:
أعوذُ باللهِ من أَمرِ يُزَيِّنُ لي ... شَتْمَ العشيرةِ، أو يُدني مِنَ الْعَار
فالجملة المضارعية المكونة من الفعل: "يُدْنِي" وفاعله، معطوفة على نظيرتها السابقة: "المكونة من المضارع: يُزَيَّنُ وفاعل والعاطف هو: "أو"٢ ...
معناه:
لهذا الحرْف معان واردة قياسية، يحددها السياق وحده، فيعين المعنى المناسب لكل موضع، ومن ثَمَّ اختلفت المعاني القياسية للحرف: "أو" باختلاف التراكيب والقرائن، وبما يكون قبله من جملة طلبية أمْرِيَّة٣، أو غير أمْرية، أو جملة خبريَّة على الوَجه الَّذِي يجيء٤:
أ- فمن معانيه: "الإباحة"، و"التخيير". بشرط أن يكون الأسلوب قبلهما مشتملًا على صيغة دالة على الأمر٣. فمثال الإباحة: تمتعُ بمشاهدة آثار الفراعيين في "الصعيد الأعلى"١، أو: "الجيزة"٢، وانعَمْ بشتاء "أسوان"٣، أو: "حُلوان"٢.
ومعنى الإباحة: ترك المخاطب حرًّا في اختيار أحد المتعاطفين٤ فقط، أو اختيارهما معًا، والجمع بينهما إذا أراد ...
ففي المثال السالف يصح أن يختار زيارة آثار "الصعيد الأعلى" فقط، أو آثار "الجيزة" فقط، أو يجمع بين زيارتهما من غير أن يقتصر على واحدة. وكذلك أن يَنُعَمَ بشتاء "أسوان" الحرية في أن يختار أحد المتعاطفين، ويقتصر عليه، وفي أن يجمع بينهما.
ومثال التخيير: من أتم دراسته الثانوية العلمية فليدخل كلية الطب أو الهندسة، لإتمام تعلمه بالجامعة.
ومعنى التخيير: ترك المخاطب حرجًا يختار أحد المتعاطفين٤ فقط، ويقتصر عليه، دون أن يجمع بينهما؛ لوجود سبب يمنع الجمع٥، ففي المثال السالف يدخل الطالب ليتعلم في إحدى الكليتين المذكورتين دون الأخرى. وليس له أن يدخلهما معًا للتعلم؛ لوجود ما يمنع الجمع؛ وهو أمثلة التخيير أن يقول الوالد لابنه: هاتان أختان نبيلتان؛ فتزوج هذه أو تلك. فمعنى "أو" هنا: الترخيص له بزواج إحداهما فقط، ولا يجوز التزوج بالاثنتين، لوجود سبب يمنع الجمع بينهما؛ هو أن الدين يُحَرَّم بين الأختين في الحياة الزوجية القائمة٦
وقد سبق أن الواو العاطفة تكون أحيانًا مثل "أو" في إفادة التخيير؛ كالذي في قول الشاعر: وقالوا: نَأْتْ؛ فاختر لها الصبر والبكا ... فقلت: البكا أَشفَى –إِذًِا لغليلي
والدليل على اختيار المجرد، وعدم الجمع ... هو إجابة السامع، وأن البكاء والصبر لا يجتمعان في وقت واحد، ولا يتلاقيان معًا.
ومما تقدم يتبين أن الإباحة والتخيير لا يكونان إلا بعد صيغة دالة على الأمر١ دون غيره, كما يتبين وجه الشبه والتخالف بين الإباحة والتخيير؛ فهما يتشابهان في أن كلا منهما يجيز للمخاطب أن يختار احد المعاطفين. ويختلفان في أن التخيير يمنع الجمع بين المتعاطفيْنِ، أما الإباحة فلا تمنع.
ب- ومن معانيه: الشك من المتكلم في الحُكم، بشرط أن يكون قبل "أو" جملة خبرية٢؛ نحو: قضيت في السباحة ثلاثين دقيقة، أو أربعين.
ج- ومن معانيه: الإبهام٣ من المتكلم على المخاطب، بشرط أن يكون قبله جملة خبرية أيضا: كمن يسأل: متى تسافر لأشاركك؟ فإذا كنت لا ترغب في مصاحبته أجبتَ: قد أسافر يوم الخميس أو الجمعة، أو السبت ... ، وإذا سألك: أين كنت يوم الأحد –مثلا-؟ أجبتَ: كنت في البيت، أو المتجَر. أو الضَّيْعة، تقول هذا عند الرغبة في إخفاء المكان عنه فالشك والإبهام إنما يقعان لغرض مقصود، حيث تكون "أو" بعد جملة خبرية٤.
د- وهناك معان أخرى غير التي سبقت في: "أ، ب، ج" ولا يشترط
لتحقق هذه المعاني الأخرى أن تكون: "أو" مسبوقة بنوع معيَّن من الجمل، فقد يتحقق المعنى والجملة السابقة طلبية مطلقًا، أو خبرية.
ومن هذه المعاني: التفصيل١ بعد الإجمال "أي: التقسيم، وبيان الأنواع"؛ نحو: الكلمة: اسم، أو فعل، أو حرف. والاسم: مشتق، أو جامد. والفعل: ماض، أو مضارع، أو أمر ... ؛ ومن هذا النوع قول القائل: اجتمع في النادي ثلاث طوائف ممن يمارسون أعمالًا حرة مختلفة يحبونها. فسألتهم
ما أفضل الأعمال الحرة للشباب؟ قالوا: أفضلها الزراعة، أو التجارة ,أو الصيدلة، فالجملة الفعلية: "قالوا" جملة خبرية، مكونة من الفعل:. "قال" الدال على القول، من غير تفصيل للكلام الذي قيل، ومن الضمير: "واو الجماعة" العائد على الطوائف المعدودة بالثلاث١، وهو ضمير مجْمل يدل على مرجعه دلالة خالية من التفضيل. وبسبب الإجمال في دلالة الفعل وفي الضمير جاء بعدهما التفصيل الذي يعدد طوائفهم، وأنهم زراعيون. وتجاريون، وصيادلة، كما يُبين كلام كل طائفة؛ أي: قال الزراعيون: أفضلها الزراعة، وقال التجاريون: أفضلها التجارة، وقال الصيادلة: أفضلها الصيدلة.
ومن هذه المعاني أيضًا: الإضراب٢، ومن أمثلته: أن يتهيأ المرء للخروج، وتبدو عليه أماراته، ثم يعدل عنه، قائلًا: "أنا أخرج، أو أقيم". فينطلق بالجملة الأولى، ولا يلبث أن يغير رأيه، وينصرف عما قرره، فيسارع إلى إردافها بقوله: أو: "أقيم" ويجلس جلسة المقيم، فيكون جلوسه قرينة على أن معنى "أو" هو: الإضراب. فكأنه قال: "أخرج، لا، بل أقيم". ومثله قول القائل: "أقيم في البيت، أو أخرج، فإن ورائي عملًا لا مَناص من إنجازه الآن في الخارج". فقد أخبر بالإقامة في البيت، ثم بدا له أن ينصرف عن هذا الرأي ويخرج، فكأنه قال: "لا. بل أخرج الآن" ومثل قول الشاعر يتغزل:
بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في وَرْنَق الضحا ... وصورِتها. أَو أَنتِ في العين أملح
يريد: بل أنت أملح.
ويحسن في الأسلوب المشتمل على: "أو" التي تفيد الإضراب أن يحتوي أمرين معًا؛ أولهما: أن يسبقها نفي أو نهي٣. وثانيهما: تكرار العامل، نحو ما زارني عمي، أو: ما زارني أخي". "ولا يخرجْ حامد، أو: لا يخرجْ إبراهيم". والمراد: بل ما زارني أخي بل لا يخرج إبراهيم. ونحو: "لا ترجئ عملك الناجز، أو: لا تهملْ عملك". ونحو: "ليس المنافق صاحبًا، أو: ليس مأمونًا على شيء" ... والمراد لا تهمل بل ليس مأمونًا ...
وإذا كانت "أو" للإضراب فالأحسن إتباع الرأي الذي يعتبرها حرفًا لمجرد الإضراب لا للعطف، فما بعدها جملة مستقلة عما قبلها. شأنها في هذا شأن "أم" المتجردة للإضراب وحده؛ فليست عاطفة –في الرأي الراجح، كما أسلفنا٢-.
ويرى فريق آخر نهما مع الإضراب يعربان حرفي عطف، فما بعدهما معطوف علة ما قبلهما.... والخلاف شكلي، ولكنّ الأول وضح وأنسب.
وقد يكون معنى الحرف: "أو" الدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع٣ بين المتعاطفيْنِ؛ فكأنه الواو العاطفة في هذا، ويصح ن يحل محله الواو٤، كقول الشاعر:
وقالوا لنا: ثنتانِ لا بدَّ منهما ... صدورُ رِمَاحٍ أُشْرِعت٥، أو سلاسلُ٦
ونحو: جلس الضيف بين صاحب الدار أو ابنه. أي: جلس بين صاحب الدار وابنه: لأن كلمة: "بيْن" إذا أضيفت لاسم ظاهر اقتضت –في الغالب– أن يكون ما بعدها الأفراد، وهذا التعدد لا يتحقق "بأو" إلا إذا كانت بمعنى الواو الدالة على الجمع والمشاركة ...
ومثل قول الشاعر:
وقد زَعَمت ليلى بأَنَي فاجرٌ ... لنفسي تُقاها، أو عليها فجورُها
وقول الآخر يمدح أحد الخلفاء:
نال الخلافة أَو كانت له قَدرًَا ... كما أَتى ربَّه موسى على قَدَرِ
فلا بد من محاسبة النفس على التقى والفجور معا، دون الاقتصار على أحدهما ولا تتحقق الخلافة إلا مع قضاء الله وقدره١.
وملخص ما سبق٢ من معاني "أو"، أن هذه المعاني المتعددة القياسية خاضعة في إرداكها للسياق والقرائن خضوعًا تامًا؛ كي يتميز ويتحدد كل نوع منها، وأن التخيير والإباحة٣ لا يكونان إلا بعد جملة خبريَّة. أما المعاني الأخرى التي تخالف ما سبق "كالتفصيل، والإضراب، ومعنى الواو.." فتكون بعد الجملة الخَبرية، والطلبية، و.... والأفضل في الإضراب أن يسبقه نفي أو نهي. وأن يتكرر العامل معه٤= "نمي، أي: نسب إليها، بمعنى أنها تؤديعه" وقد تضمن البيت ستة معان؛ هي: "التخيير، الإباحة، التقسيم، الإبهام، الشك، الإضراب". وسيجيء في البيت التالي معنى سابع؛ هو: أنها تكون بمعنى الواو.
وَرُبَّمَا عَاقَبَتِ الوَاوَ إذا ... لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْس مَنْفَذًَا
"يلف: يجد. ذو النطق المتكلم" يقول: "أو" تعاقب الواو "أي: يصح أن تحل محلها وتؤدي معناها وهو مطلق الجمع والاشتراك" بشرط ألا يجد المتكلم منفذًا للالتباس، أي: بشرط ألا يكون استعمالها موقعًا في اللبس؛ بسبب خفاء معناها المراد، وعدم إدراك السامع أنها بمعنى الواو.
زيادة وتفصيل:
أ- الأصل في "أو" أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء١ لكنها إذا وقعت بعد نفي أو نهي كانت للنفي العام الذي يشمل كل فرد مما حَيِّز النفي قبلها وبعدها، وللنهي العام الذي ينصَبّ على كل فرد كذلك: فمثالها بعد النفي: "لا أحب منافقًا أو كاذبًا". ومثالها بعد النهي قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} ٢.
ب- يقول سيبويه: إذا ذكرت همزة التسوية بعد كلمة: "سواء" فلا بد من مجيء "أم" العاطفة، لا فرق في هذا الحُكم بين أن يكون بعد الهمزة اسمان أو فعلان؛ نحو: "سواء عَلَيّ أمقيم ضيفي أم هو مرتحل سواء علىّ أَبَقِيَ الضيف أم ارتحل"، فإن كان بعد: "سواء" فعلان بغير همزة التسوية عُطف الثاني منهما على الأول بالحرف: "أو". نحو: "سواء علينا رَضِيَ العدو أو سَخِط". ورأيه هذا مخالف لما نقلناه –في رقم ٣ من هامش ص٥٨٨ وما يتصل بها– عن بعض المحققين الذين يجيزون مجيء "أم" والصواب معهم. وفي تلك الصفحة أيضًا بيان الصفة والارتباط بين الحرفين: "أو" و"أمْ".
وإن كان بعدهما اسمان بغير همزة التسوية عطف الثاني على الأول بالواو، ولو كان الاسمان مصدرين؛ نحو سواء على حمزةُ وعامرٌ، سواءٌ علينا اعتدالُ الجو وانحرافُه٣....
ج- يصح حذف "أو" عند أمْن اللَّبس٤؛ نحو: وسائل السفر متنوعة؛ يتخير منها كل امرىء ما يناسبه: فسافر ما يناسبه: فسافرْ بالطيارة، القطار، الباخرة، السيارة....
د- وقد تعطف الشيء على مرادفه٥ كقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ} فالإثم هو: الخطيئة ..
قال الشاطبي:
خير أبح قسم بأو وأبهم ... واشكك وإضراب بها أيضًا نمي
وربما عاقبت الواو إذا ... لم يلف ذو النطق للبس منفذًا
أتى لـ (أو) بأوجه من الاستعمال المعنوي سبعة وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقبة الواو.
وأصلها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء. وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضع لها أصلي، هذا هو القياس.
كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية
[الشاطبي الأصولي النحوي]
إما
يرى بعض النحاة أن كلمة: "إمَّا" الثانية في مثل "امنح السائل إمَّا دِرْهمًا وإمَّا دِرْهمين" حرف عطف بمعنى: "أو" وأنها تشارك "أو" في خمسة من معانيها
هي:
التخيير والإباحة"، بشرط أن تكون "إمَّا" الثانية مسبوقة بكلام يشتمل على أمر.
"وللشكُّ والإبهامُ"، بشرط أن تكون مسبوقة بجملة خبرية.
"والتفصيل" بعد الخبرِ أو الطلبِ".
ولا تكون "إمَّا الثانية" عند هؤلاء للإضراب، ولا بمعنى "واو" العطف؛ فبهذين المعنيين تختصص: "أو" دونها.
والمعاني الخمسة السابقة هي لكلمة: "إمَّا" الثانية، وتشاركها الأولى فيها وتسايرها؛ لأنهما حرفان متلازمان –في الأغلب– معنى واستعمالا، غير أن الأولى لا تكون للعطف مطلقًا –كما سنعرف-.
فمن أمثلة الشك: احتجت الشمس وراء الغمام إمَّا ساعتين، وإمَّا ثلاثًا. ومن الإبهام قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} ٥. والتخيير كقوله تعالى: {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} ؛ والإباحة، نحو: إمَّا أن تزرع فاكهةً وإمَّا قَصَبًا. والتفصيل، كقوله تعالى في الإنسان: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} .
وإذا كانت "إمَّا" الثانية عندهم حرف عطف "فالواو التي قبلها زائدة لازمة لها. والأولى لا عمل لها في عطف أو غيره.
ويرى آخرون: أن "إما" الثانية والولى متشابهتان في الحرفية، وفي تأدية معنى من تلك المعاني الخمسة، وأن كلًا منهما ليس حرف عطف؛ لأن الأولى لا يسبقها معطوف مطلقًا، ولأن الثانية تقع دائمًا بعد الواو العاطفة بغير فاصل بينهما. ومن المقرر أن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرة١، إذ لا يصح أن يتوالى حرفان للعطف من غير فاصل. والفريقان متفقان على أن الأولى ليست عاطفة٢ وأنها حرف –لا خلاف في حرفيته– يفصِل بين عامل قبله ومعمول يليه٣. ولكن الخلاف في الثانية.
والرأي الأرجح الذي يجدرُ الأخذ به هو: أن الثانية كالأولى في المعنى والحرفية، وفي أنها ليست حرف عطف لأن العاطف هو الواو٤.
زيادة وتفصيل:
أ- ليس من اللازم أن تتكرر "إمَّا"، ولكن الأغلب تكرارها، فقد تحذف الثانية؛ لوجود ما يغني عنها. ويغلب أن يكون أحد شيئين: "وإلاّ" "أوْ". فمثال الأول: إما أن يتكلم المرء ليُحْمَد وإلا فليسكت. ومنه قول الشاعر:
فإِمَّا أَن تكون أَخِي بصدق ... فأَعْرفَ منكَ غَثِّي من سَمِيني
وإلاّ فاطَّرِحْنِي واتَّخِذْنِي ... عَدْوًّا أَتَّقيكَ وتَتَّقِينِي
ومثال الثاني قول الشاعر:
وقد شَفَّنِي ألا يزال يروعني ... خيالك إما طارقا أومعاديا
وقد يستغني عن الأول اكتفاء بالثانية كقول الشاعر:
تُلِمُّ بدَارٍ قَدْ تَقَادَمَ عهدُها ... وإِمَّا بأَموات أَلَمَّ خَيَالُهَا
أي: إمَّا بدار ... والفراء يقيس هذا الاستغناء، فيجيز: فيضان النهر معتدل وإمَّا خطير.
و"إمَّا" السالفة تختلف عن "إمَّا" المركبة من: "إن" الشرطية التي تجزم فعلين، ومن: "ما" الزائدة، في مثل: إمَّا يَعْدِلْ الوالي تجتمعْ حوله القلوب. أي: إنْ يعدل.... كما تختلف اختلافًا واسعًا عن "إمَّا" الشرطية التي سيجيء الكلام عليها٢ في باب خاص بها.
ب- من اللهجات النَّادرة أن يقَال "أَيْمَا" بدلًا من "أَمَّا"، كذلك حذف وَاو العطف قبل "إِمَّا"، وكذلك حذف وَاو العطف قبل "إِمَّا" الثانية١، وقد اجتمع النَّادران في قول الشاعر:
يا ليتما أمَّنا شالتْ٢ نعامتها ... أَيْما إِلى جَنَّة، أَيْمَا إلى نار
ومن المستحسن اليوم عدم محاكاة هذه اللغات القليلة.
ج- الفرق بين "إِمَّا" و"أو" في المعاني الخمسة السالفة أن "إِمَّا" مكررة؛ فيدل الكلام معها من أول النطق بها على الغرض الذي جاءت من أجله؛ أهو شك، أم تخيير، أم غيرهما.
بخلاف "أو" فإن الكلام معها يدل أوّلًا على الجزْم واليقين، ثم تجيء "أو" فتدل على المعنى الذي جاءت من أجله.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدًا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ من ص٦٥٧.
أم
قال الشاطبي الأصولي النحوي:
"أم" على وجهين، متصلة ومنقطعة. والمتصلة هي العاطفة، وهي التي بدأ بالكلام عليها، وإنما سميت متصلة لأن ما بعدها مع ما قبلها لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا تحصل الفائدة بأحدهما عن الآخر، بل هما كلام واحد.
والمنقطعة بخلاف ذل، ما بعدها كلام منقطع مما قبلها. ولذلك سميت "منقطعة".
وأخير الناظم أن المتصلة، وهي العاطفة ها موضعان:
أحدهما أن تقع بعد همزة التسوية وهمزة التسوية هي همزة الاستفهام الواقعة بعد (سواء) ونحو ذلك، مما تكون الهمزة معه على الأخبار لا على السؤال كقولك: ما أبالي أزيدًا لقيت أم حمارًا. وسواء على أقمت أم قعدت.
وفي القرآن الكريم {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} وقوله {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} و {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} وأنشد سيبويه لحسان بن ثابت رضي الله عنه:
ما أبالي أنب بالحزان تيس ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
وإنما سميت هذه "همزة التسوية" لأنك سويت الأمرين عليك، كما استويا عليك علمًا حين قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فجرى على الاستفهام، وإن لم يكن استفهامًا حقيقة، كما جرى "الاختصاص" على حرف النداء، وإن لم يكن نداءً حقيقة في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، لاجتماعهما في معنى الاختصاص والقصد، فالهمزة في التسوية على الإجبار لا على السؤال.
وكذلك إذا قلت: علمت أزيد في الدار أم عمرو- من هذا القبيل أيضا، لأنه ليس باستفهام حقيقة.
والموضع الثاني: أن تقع بعد همزة تغني عن لفظ "أي" أي تغني المتكلم عن إتيانه بلفظ "أي" الاستفهامية التي هي سؤال عن التعيين، يعني أنها مرادفتها.
فإذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فالهمزة هنا مع (أم) مرادفة لـ (أي) كأنك قلت: أيهما في الدار؟ تسأل عن تعيين المستقر في الدار، لا عن وقوع الاستقرار.
فإذا اجتمعت الهمزة مع (أم) على هذا الوضع فـ (أم) متصلة عاطفة، وذلك نحو قوله تعالى: {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون} وقوله: {أذلك خير نزلًا أم شجرة الزقوم} وقوله: {أأنتم أشد خلقًا أم السماء} وهو كثير.
وما قاله الناظم هنا من كون الهمزة مع (أم) صالحةً لوقوع (أي) موقعها كافٍ في التعريف بـ (أم) المتصلة لأنه شرط واحد جامع لسائر الشروط التي ذكر غيره، لكنه تعريف مجمل، فلا بد من إيضاح الشروط التي تضمنها هذا الشرط. وإذ ذاك يتبين مراده حق التبيين بحول الله.
والذي تضمن هذا الشرط ستة شروط:
أحدها أن تقع (أم) بعد استفهام كما تقدم، فلو كان ما قبلها خبرًا لم تكن عاطفة، كقولك: إن زيدًا قائم أم قاعد، لأن (أيا) لا تصلح ههنا.
ومنه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وفي القرآن المجيد- {آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} ومنه في أحد الاحتمالين ما أنشده سيبويه من قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالًا
وأنشد أيضًا لكثير:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي ... لكل نجيب من خزاعة أزهرا
والثاني: أن يكون الاستفهام بالهمزة لا بغيرها من أدواته، وهو نص قوله: "أو همزة صفتها كذا" فلو كان الاستفهام بغير الهمزة لم تكن عاطفة نحو قولك: هل زيد في الدار أم عمرو؟ لأن (هل) لا تقع موقع (أي) لأن (أيًا) سؤال
عن التعيين، و (هل) سؤال عن الوقوع، فلم يصح أن تقع موقعها، فـ (أم) في المثال منقطعة.
ومن ذلك قول مالك بن الريب، أنشده سيبويه:
ألا ليت شعري هل تغيرت الرحى ... رحى الحزن أم أضحت بفلجٍ كما هيا
على رواية "أم" وأنشد أيضًا لعلقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذنأتك اليوم مصروم
والثالث: ألا تقع بعد (أم) أداة استفهام، , فإنه يجوز أن تقع أدوات الاستفهام بعدها ما عدا الهمزة، فتقول: أعندك زيد أم هل عندك عمرو، وتقول: أيكرمني زيد أم من يكرمني؟ وتقول: أنتظرك أم كيف أصنع؟ فـ (أم) في هذه المواضع منقطعة. ومعنى (أي) فيها مفقود.
ومثله ما أنشده سيبويه لزفر بن الحارث، أو للجحاف بن حكيم السلمي:
أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني ... على القتل أم هل لامنى منك لائم
واجتمع في هذا البيت فقد هذا الشرط والذي قبله. وكذلك بيتًا علقمة أنشدهما سيبويه أيضًا:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقال أفنون التغلبي، أنشده ابن جني:
أني جزوا عامرًا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
وقال جرير:
أين الذين بنار عمروٍ حرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع
والرابع ألا يتكرر الخبر بعد (أم) كقولك: أزيد عندك أم عندك عمرو؟ فإن الهمزة هنا لا تغني عن لفظ (أي) لأنك لو قلت: أيها عندك؟ لم يصح إلا على التوكيد، ولم يكن ذلك في أصل الكلام، فلابد أن يكون ما بعد (أم) منقطعًا عما قبلها. وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم قام عمرو؟
وغن شئت قلت في هذا الشرط: ألا يكون ما بعد (أم) جملة ليست في معنى المفرد كما تمثيله- فهو صحيح. وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم عمرو منطلق، لأن (أيا) لا تصلح هنا.
ومنه في القرآن الكريم {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم/ ورسوله} وقوله حكاية عن فرعون: {أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين}.
فأما إن وقع بعدها جملة في معنى المفرد فلا يلزم أن تكون منقطعة، كقولك: أقام زيد ام قعد؟ فالمعنى: أي الفعلين أوقع؟ وكذلك قول الأسود بن يعفر:
لعمرك مأدرى وإن كنت داريًا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
لأن "ابن سهم" و"ابن منقر" وإن كانا خبرين لـ (شعيث) - لا صفتان على ما قرره المؤلف- فالمعنى معنى المفرد، أي: أشعيث بن سهم أم ابن منقر؟ .
وكذلك ما أنشده المؤلف:
ولست أبالي بعد فقدي مالكًا ... أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع
المعنى: أمونى بعيد أم قريب؟
والخامس: ألا يكون ما بعد (أم) ردًا ونفيًا لما قبلها، كقولك: أقام زيد أم لم يقم؟ وأعندك زيد أم لا؟ فإن (أم) ههنا غير عاطفة، قال سيبويه: كأنه حين قال: أعندك زيد كان يظن أنه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا. ويحتمل أن يكون منه قول الأخطل:. * كذبتك عينك أم رأيت بواسط*
على تقدير حذف الهمزة، لأن المعنى: أكذبتك عينك أم لا؟ وهذا إنما يكون كذلك مع غير همزة التسوية. فأما مع همزة التسوية فالمعنى معنى (أي).
والسادس: أن يكون الكلام مع الهمزة و (أم) يؤدي معنى (أي) وهو المنصوص له الذي ضبط به هذه الشروط كلها، وذلك أنك إذا قلت: (أزيد عندك أم عمرو) فالشروط لخمسة موجودة ظاهرًا، ولكن الاحتمال في أن تكون متصلة أم منقطعة قائم، إذ يمكن أن يكون الكلام في تقدير: أيهما عندك؟ أو على تقدير: بل أعندك عمرو، فلابد من هذا الشرط. وبه حصل الناظم ذلك كله، وهو حسن.
فإن قيل: إن هذا التقدير مشكل من وجهين، أحدهما أن العطف بـ (أم) بعد همزة التسوية غير محتاج إلى التنصيص عليه، لأن ما بعده يحصله، ألا ترى أن همز التسوية مغن عن لفظ (أي) إذ كان قولك: (سواء على أقمت أم قعدت) يؤدي معنى: سواء على أيهما كان، وكذلك (ما أبالي أزيدًا لقيت أم عمرًا) تقديره: ما أبالي أي هذين لقيت، وبذلك قدرها سيبويه.
وإذا كان كذلك، وكان شأن الناظم الشح بالألفاظ جدًا حيث لا تعد حشوًا، فما ظنك بها إذا كانت تكرارًا من غير مزيد فائدة؟ !
والثاني: على تسليم أم تقدم فقوله: "أو همزة عن لفظ أي مغنيه" يقتضي بظاهره أن الهمزة وحدها هي المغنية عن لفظ (أي) وأن (أم) ليس لها في ذلك المعنى دخول. وهذا غير صحيح، بل المعطي لمعنى (أي) هو مجموعهما- ألا ترى أنك إنما تضيف (أيا) حين تقدر الكلام بها إلى ما دخلت عليه الهمزة و (أم)
معًا، ولا يصح غير ذلك، إذ ليس قولك/: (لا أدري أيهما قام) تقديرًا لقولك: (أقام زيد) وحده، دون قولك: (أم عمرو) وإذا ثبت هذا كان تخصيص الناظم هذا الحكم بالهمزة مشكلًا.
فالجواب عن الأول أن يقال: لعله قصد التفرقة بين همزة الاستفهام إذا خلع عنها الدلالة عليه، وبينها إذا بقيت على أصلها، فإنها في التسوية قد خلع عنها معناها ولم يبق فيها من حكم الاستفهام إلا الحكم اللفظي وذلك قد يخرج (أم عن الاتصال إلى الانقطاع. ألا ترى كيف وجهوا الانقطاع في قوله:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي ... لكل نجيب من خزاعة أزهرا
بتكرار (ليس) وبالإثبات، فالاستفهام في الهمزة مستهلك، وذلك من أسباب الانقطاع، فربما يفهم ذلك في همزة التسوية، فيقضي بانقطاعها، بخلافها في غير ذلك الموضع، فإنه قال فيه: "أو همزة عن اللفظ أو مغنيه" وذلك مشعر بحصول معنى الاستفهام فيها، وبقائها على أصلها، فكأنه أراد بيان التفرقة بين الموضعين، والله أعلم.
وأما الثاني فلعله اجتزأ في الإغناء بالهمزة اتساعًا وإتكالًا على فهم المعنى، والله أعلم.
وربما حذفت الهمزة إن ... كان خفا المعنى بحذفها أمن
يريد أن (الهمزة) المذكورة قد تحذف من اللفظ، وهي مرادة في المعنى، وذلك قليل في الكلام، ولكن لا يجوز ذلك إلا إذا أمن اللبس بالخبر عندما تحذف.
فإذا قلت: (ما أدري قام زيد أم قعد) فهو على تقدير الهمزة لدلالة الكلام عليها.
وفي قراءة ابن محيصن {سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم} بهمزة واحدة، فالمراد "أأنذرتهم" فحذف الهمزة.
ومن ذلك ما أنشد سيبويه للأسود بن يعفر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
وأنشد أبو الحسن في الكتاب لعمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
وأنشد المبرد وغيره لعمران بن حطان:
فأصبحت فيهم آمنًا لا كمعشرٍ ... أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر
أم الحي قحطان فتلكم سفاهة ... كما قال لي روح وصاحبه زفر
والعرب قد تحذف الهمزة إذا دل عليها الدليل مطلقًا، فقد قيل في قوله: {وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل} إنه على تقدير: أو تلك نعمة.
وأنشد ابن جني للكميت:
طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
قيل: أراد: أوذوا الشيب يلعب؟
ولكن هذا كله قليل كما قال، ووجه قلته أن حذف الحرف إجحاف، لأنه من اختصار المختصر. قال ابن جني: أخبرنا أبو علي قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس، وذلك أن الحرف نائب عن الفعل بفاعله. ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفى) كما نابت (إلا) عن (أستثني)
وكما نابت الهمزة عن (أستفهم) وكما نابت حروف/ العطف عن (أعطف) ونحو ذلك.
فلو ذهبت تحذف الحرف لكان ذلك اختصارًا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا أنه إذا صح التوجه إليه جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه.
والألف واللام في "الهمزة" للعهد في الهمزة المذكورة مع (أم) المتصلة، وهي همزة التسوية، والهمزة الأخرى، وأعاد ذكرها مفردة مع ذكره همزتين، إما لأنهما في الأصل واحدة، وإما لعطفه إحداهما على الأخرى بـ (أو) ولم يعرج على الهمزة في "المنقطعة" لعدم احتياجه إلى ذلك فيها، وإن كان حذف الهمزة معها جائزًا، فقد أجاز سيبويه في قوله:
* كذبتك عينك أم رأيت بواسط*
أن يكون على تقدير: أكذبتك، وإن كانت (أم) عنده منقطعة في البيت ثم ذكر المنقطعة فقال:
وبانقطاع وبمعنى بل وفت ... إن تك مما قيدت به خلت
يعني أن (أم) إن خلت من ذلك القيد المتقدم، فلم تقع بعد همزة التسوية، ولا بعد همزة تغني عن ذكر (أي) فهي "المنقطعة" أو التي بمعنى (بل).
واقتضى هذا الكلام أنها إذا خلت من التقييد المذكور تفي بأمرين اثنين، أحدهما الانقطاع، والآخر الإضراب المجرد، وهو معنى (بل) فالتي تقتضي الانقطاع هي المؤدية معنى (بل) والهمزة معًا، فإذا قلت: (إنها لإبل أم شاء) فالتقدير: بل أهي شاء؟ كأنه رأى أشباحًا على بعد فتوهم أنها إبل، فقال: إنها إبل، ثم أدركه الشك فاستدرك الاستثبات فقال: أم شاء، فأضرب عن ذكر الكلام الأول، ثم أخذ يسأل: أهي شاء؟
وهكذا سائر ما تقدم من الأمثلة في تفصيل شروط الاتصال، فلا معنى لتكرارها. وقد تبين معنى الانقطاع، إذ كان بـ (أم) مضربًا عما تقدم، ومستأنفاً سؤالًا.
وجمهور النحويين متفقون على هذا المعنى لـ (أم) المنقطعة، وقد حكى الأبذى فيها خلافًا بين البصريين والكوفيين، فحكى عن البصريين ما ذكر، وعن الكوفيين قولين، أحدهما حكاه عن الفراء، أنها بمعنى (بل) وحدها مطلقًا، فإذا قلت: هل قام زيد أم عمرو قائم؟ أو قلت: قام زيد أم عمرو قائم؟ فالمعنى عنده: بل عمرو قائم.
والثاني حكاه عن الكسائي وهشام أنها بمعنى (بل) لكن ما بعدها بمنزلة ما قبلها، فإذا قلت: قام زيد أم عمرو قائم، فالتقدير: بل عمرو قائم. وإذا قلت: هل قام زيد أم عمرو قائم، فال تقدير بل هل عمرو قائم.
وهذا كله لا دليل عليه، بل الذي دل عليه الاستقراء ما تقدم. قال الأبذي: والدليل على ذلك عندي أن العرب لا تدخلها على همزة الاستفهام، لا تقول: قام زيد أم أعمرو قائم؟ كما تقول: قام زيد بل أعمرو قائم: ؟ وما ذاك إلا لتضمنها معنى الهمزة، إذ لا يجوز دخول همزة الاستفهام على مثلها، وإنما تدخل (أم) على كلام فيه غير الهمزة من أدوات الاستفهام، لأن الهمزة قد تدخل على غيرها من أخواتها، كما قال:
سائل فوارس يربوع بجهلتها ... أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم
فكذلك تدخل (أم) عليها، كقوله، وهو علقمة:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقوله فقيل هذا:
* أم حبلها إذا نأتك اليوم مصروم*
بمنزلة قوله: بل أحبلها، يشهد له الاستفهام الذي بعده هذا مجمل ما قال. وللمنازع أن ينازع فيه.
والثالث من ذلك ما تلقاه أهل الخبرة مشافهة من العرب/ كما تتلقى مفردات اللغة، ولاشك عند من مارس هذا الشأن من العارفين بمصادر اللغة ومواردها في ثبوت معنى (بل) والهمزة لـ (أم) هذه.
لكن يبقى أن يقال: هل ثبت لها استعمال آخر أم لا فأثبته الناظم، وهو الثاني مما وفت به (أم) وذلك أن تكون بمعنى (بل) وحدها. وهذا يشير إلى أنها ترادفها في العطف، وهو نصه في غير هذا النظم، وذلك إذا وقع بعدها المفرد، وهو مذهب الفراء، أنها تأتي بمعنى (بل) من غير استفهام، وأنشد الفراء على ذلك:
فو الله ما أدري أسلمي تغولت ... أم النوم أم كل إلى حبيب
المعنى عنده: بل كل إلى حبيب. وعليه حمل قوله تعالى: {أم من خلق السماوات والأرض} وما بعدها من الآيات في سورة "النمل".
قال ابن طاهر: ولا يمتنع عندي، إذا أرادت بها مذهب (بل) أن تكون عاطفة مثلها، وتدخل في الغلط والنسيان. قال ابن خروف: وهو قول ظاهر صحيح المعنى.
فابن مالك قال بقول الفراء في بعض مواردها، وجعل من ذلك في عطف المفرد قولهم: (إنها لإبل أم شاء) تقديره عنده: بل شاء. وظن أن بن جني هو المخالف في هذا المثال وحده، إذ قدره بـ (بل) والهمزة، فرد عليه بان ذلك دعوى لا دليل عليها، وأن العرب قالت: إن هناك إبلًا أم شاء، فنصب "الشاء" بعد (أم).
وظاهر "الكتاب" في المثال المرفوع أنه على ما قاله ابن جني. وهو مذهب جمهور الناس فيه، ولا يخالف أحد في المثال المنصوب إذا ثبت في السماع أنها فيه كـ (بل) وحدها ولكن ذلك- ولا يد- قليل، فعليه ينبني النظر في المثال المرفوع، وإذ ذاك يقال فيه باحتمال الوجهين، لا على سواء، بل على وزان اتساع البابين.
وإذا كان تقدير (أم) بـ (بل) والهمزة معًا هو الشائع الكثير، وتقديرها بـ (بل) وحدها قليل- فتجويز الوجهين على هذه النسبة. إلا أن الناظم قال:
"وبمعنى بل وفت" فلم يقيد ذلك بقلة، كما لم يقيد ذات الانقطاع بقلة، فيؤخذ من ذلك تجويز الوجهين عنده في المثال المذكور.
والتحقيق في كلامه وكلام غيره أنها تكون "منقطعة" بلا إشكال، وتكون أيضًا بمعنى (بل) كذلك، ولا ينبغي أن يكون فيها خلاف، وذلك إذا وقع بعدها أداة استفهام، نحو:
*أم هل كبير بكى*
*أم كيف يجزونني السوءى من الحسن*
وما أشبه ذلك، إذ لا يصح أن تتضمن معنى الاستفهام، ثم يتكرر بعدها، ولكن التأويل يختلف فيه هنا.
فمن قال بوقعها بمعنى (بل) كالفراء أو كابن مالك يجعل هذا الضرب من ذلك بغير تكلف تأويل.
ومن قال بنفي ذلك، كظاهر كلام سيبويه وابن جني، فيجعله من باب "خلع الأدلة" كأنهم خلعوا عن (أم) دلالتها على الاستفهام لوجود أدلة بعدها. (فهذا عنده عارض على غير الأصل، فإذا لم توجد الأداة بعدها) رجعت إلى/ أصلها من الانقطاع التام. وهذا المعنى معزز في الأصول.
ومن هذا القسم ما إذا وقع بعدها المفرد على غير تأويل الجملة، كما في قولهم: (إن فيها إبلا أم شاء) إن ثبت، فلا ينبغي في مثل هذا أيضًا خلاف، إلا في كونه يقاس عليه أولًا.
وأما إذا وقع بعدها المفرد، وأمكن تأويله بالجملة، كما في قولهم: (إنها لإبل أم شاء) فقد تقدم ما لابن مالك فيه من الخلاف، وأن الاحتمال فيه قائم، ولا يتعين عليه ما قال. وهو مقتضي إطلاقه هنا.
و(في، وأوفى): ؛ لغتان، والرباعية هي لغة القرآن، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها
وهو من الوفاء بالعهد، أي أتمت الدلالة على المعنيين، وحافظت على ذلك.
وفي هذا البيت ضرورة، وهو ظهور الجزم في فعل الشرط في قوله: "إن تك" مع أنه ليس له جواب ينجزم. وهو موجود في الشعر، وقد تقدم مثله، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى:
خير أبح قسم بأو وأبهم ... واشكك وإضراب بها أيضًا نمي
وربما عاقبت الواو إذا ... لم يلف ذو النطق للبس منفذًا
أتى لـ (أو) بأوجه من الاستعمال المعنوي سبعة وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقبة الواو.
وأصلها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء. وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضع لها أصلي، هذا هو القياس.
كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية
[الشاطبي الأصولي النحوي]
لكن
معناه الاستدراك١؛ نحو: ما صاحبت الخائنَ لكنْ الأمينَ؛ "فالأمين" معطوف على "الخائن".
ولا يكون عاطفًا إلا باجتماع شروط ثلاثة:
أولها: أن يكون المعطوف به مفردًا٢، لا جملة، مثل: ما قطفت الزهرَ لكنْ الثمرَ. فإن لم يكن مفردًا وجب اعتبار "لكن" حرف ابتداء واستدراك معًا، وليس عاطفًا، ووجب أن تكون الجملة بعده مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبله، نحو: ما قطفت الزهر لكنْ قطفت الجملة بعده مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبله، ونحو: ما قطفت الزهر لكنْ قطفت الثمر.. فكلمة: "لكن" حرف ابتداء واستدراك معًا، ولا يفيد عطفًا، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها؛ لأن "لكنْ" الابتدائية لا تدخل إلا على جملة جديدة مستقلة من الناحية الإعرابية٣.
ثانيها: ألا يكون مسبوقًا بالواو مباشرة؛ نحو: ما صافحت المسيء لكن المحسنَ. فإن سبقته الواو مباشرة لم يكن حرف عطف واقتصر على أن يكون حرف استدراك وابتداء الكلام، ووجب أن تقع بعده جملة "فعلية أو اسمية" تُعْطَف بالواو على الجملة التي قبلها؛ فمثال الفعلية: ما صافحت المسيء ولكنْ صافحت المحسن، وقول الشاعر:
إذا ما قضيت الدَّيْن بالدَّيْن لم يكن ... قضاءٌ؛ ولكنْ كان غُرْمًا على غُرم....
ومثال الاسمية:
وليس أَخي من ودّني رأيَ عينه ... ولكنْ أخي من ودني وهو غائب
"فالواو" حرف عطف. "لكن"، حرف استدراك وابتداء كلام. والجملة بعدها معطوفة بالواو على الجملة التي قبلها١.
ثالثها: أن تكون مسبوقة٢ بنفي، أو نهي، كما في الأمثلة السابقة. ونحو: لا تأكل الفاكهَةَ الفِجَّةَ لكن الناضجةَ. فإن لم تُسبق بذلك كانت حرف ابتداء واستراك لا عاطفة، ووجب أن يقع بعدها جملة مستقلة في إعرابها، نحو: تكثر الفواكة شتاء، لكنْ يكثر العنب صيفًا.
ويؤخذ مما سبق أن الحرف "لكنْ" حرف استدراك دائمًا؛ سواء أكان عاطفًا أم غير عاطف. وأنه لا يعطف إلا بشروط ثلاثة مجتمعة، فإن فُقِدَ منها شرط أو أكثر لم يكن عاطفًا، ووجب دخوله على الجُمل، واعتباره حرف استدراك وابتداء معًا.
والاستدراك يقتضي أ، يكون ما بعد أداته مخالفًا لما قبلها في حكمه المعنوي؛ كما في الأمثلة السالفة، كما في نحو: "لا أصاحب المنافق لكن الشهم = لا تجالس الأشرار لكن الأخيار". فمعنى الجملة التي قبل "لكن" منفي، أو منهيّ عنه، وهذا المعنى في الجملة التي بعدها مثبت وغير منهيّ عنه؛ فهما مختلفان فيه نفيًا وإيجابًا، ونهيًا وغير نهي.
ولما كان الكلام قبل "لكن" العاطفة منفيًا دائمًا، أو منهيًا عنه، وجب أن يكون ما بعدها مثبتًا دائمًا، وغير منهيّ عنه٣، فالمعنى بعدها مناقض للمغنى قبلها١ ...
لا
- لا:
حرف عطف يفيد نفي الحكم عن المعطوف بعد ثبوته للمعطوف عليه؛ نحو: يفوز الشجاعُ لا الجبانٌ. فكلمة: "لا" حرف عطف ونفي. و"الجبان" معطوف على الشجاع، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو: فوز الشجاع، وقد نُفِي الفوز عن المعطوف "الجبان" بسبب أداة النفي: "لا". ومثل هذا يقال في "لا" التي في الشطر الثاني من قول الشاعر:
القلب يدركُ ما لا عينَ تدركه ... والحْسنُ ما استحسنتْه النفسُ لا البصرُ
فهي حرف عطف ونفي، و"البصر" معطوف على النفس، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو نسبه الاستحسان إلى النفس "أي: إسناده إليها" مع نفي هذا الاستحسان عن البصر.
ولا يكون هذا الحرف عاطفًا إلا باجتماع خمسة شروط:
أولها: أن يكون المعطوف مفردًا –لا جملة١– كالأمثلة السالفة، وكقول الشاعر:
قلْ لِبانٍ بقولِ رُكنَ مملكةٍ ... على الكتائبِ يُبنَى المُلكُ، ولا الكُتُبِ
"فالكتب" معطوفة على: "الكتائب" وهذا المعطوف ليس جملة. فإن لم يكن المعطوف مفردًا لم يصح اعتبار "لا" عاطفة؛ وعندئذ يجب اعتبارها حرف نفي فقط، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها، ليست معطوفة؛ نحو: تصبان الممالك بالجيوش والأعمال، لا تصان بالخطب والآمال.
ثانيها: أن يكون الكلام قبله موجبًا لا منفيًّا ويدخل في الموجبَ –هنا– الأمرُ والنداء؛ كقول بعضهم: "الملَقُ وَضاعة لا وداعة، وخِسِّةٌ لا كِيَاسة. فكُن أبيًّا لا ذليلًا، مَصُونًا لا مُتَبَذلًا. يا بن الغُرِّ البِهَاليلِ١ لا السَّفْلةِ٢ الأوغادِ٣: إن الكرامة في الإباء، والعزة في التَّصَونِ، ولا سعادةً بغير عِزة وكرامة ... ".
ثالثها: ألا يكون أحد المتعطفين داخلًا في مدلول الآخر، ومعدودًا من أفراده التي يصدق عليها لفظه "اسمه"؛ فلا يصح: مدحت رجلًا لا قائدًا؛ لأن الرجل "وهو المعطوف عليه" ينطبق على أفرد كثيرة تشمل المعطوف "وهو القائد" وتشمل غيره. ولا يصح أكلت تفاحًا لا فاكهة؛ لأن الفاكهة "وهي المعطوف" تشمل المعطوف عليه "وهو: التفاح" ويصدق اسمها عليه ... وهكذا. لكن يصح: مدحت رجلًا لا فتاة وأكلت الفاكهة لا خُبزًا؛ إذ لا يصدق أحد المتعاطفين على الآخر٤ ...
رابعها: ألا تقترن كلمة "لا" بعاطف لأن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف١ مباشرة فإن اقترنت به كان العطف به وحده وتمحضت هي للنفي الخالص٢، نحو: أسابيع الشهر ثلاثة، لا بل أربعة، فالعاطف هوَ "بَلْ"٣، وقد عطف أربعة على ثلاثة. أما "لا" فليست هنا عاطفة، وإنما هي مجرد حرف نفي لإبطال المعنى السابق وردّه. ومثل هذا: "سبقتْ السيارة لا بل القطار" فليست "لا" هنا بعاطفة وإنما هي حرف نفي يسلب الحكم السابق ويزيله ويرده، و"بل" هي العاطفة٤ ...
خامسها: ألا يكون ما يدخل عليه مفردًا صالحًا لأن يكون صفة لموصوف
مذكور، أو لأن يكون خبرًا١، أو حالًا. فإن صلح لشيء من هذا كانت للنفي المحض، وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ فمثال المفرد الصفة: هذا بيتٌ لا قديمٌ ولا جديدٌ. فكلمة "لا" النافية "وقديم" نعت لبيت. ومثال الخبر: الغلامُ لا صبيٌّ ولا شابٌ، والشابُّ لا غلامٌ ولا كهل....١. ومثال الحال. عرفت العاطف لا نافعًا ولا منتفعًا ...
زيادة وتفصيل:
أ- اختلف النحاة في وقوع "لا" العاطفة بعد الدعاء والتحضيض، نحو: "أطال الله عمرَك لا عُمْر الأعداء، وحرسَتْك عنايته لا عناية الناس"....
ونحو: "ألاَ تُكرَم النَّابِةَ لا الخامل، وهَلا تُقَدّر الذكّي لا الغَبيّ" ... والأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيح هذا؛ تيسيرًا وموافقة للمأثور.
ويزيد بعضهم فيبدي اطمئنانه لصحة وقوع "لا" العاطفة بعد الاستفهام أيضًا، نحو: أفرغْتَ من كتابة الرسالة لا الخطبة؟ ولا بأس بهذا الاطمئنان.
ب- إذا كانت "لا" عاطفة فقد يجوز حذف المعطوف عليه، نحو: عودت نفسي أن أتكلم ... لا شرًّا، وأن أنفع ... لا قليلًا١ ... والأصْل: أن أتكلم خيرًا لا شرًا وأن أنفع كثيرًا لا قليلًا.
ج- لا يجوز تكرار "لا" العاطفة؛ فلا يقال: حضر هاشم، لا محمود، لا أمين، لا حامد، بل يجب الاتيان بالواو العاطفة قبل المكرر، ليكون العطف بهذه الواو وحدها، وتقتصر "لا" على توكيد النفي، دون أن تكون عاطفة.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدًا على المتعاطفين، من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ من ص
بل
- بل:
حرف يختلف معناه وحكمه باختلاف ما يجيء بعده من جملة أو مفرد.
أ- فإن دخل على جُملة فهو حرف ابتداء فقط، ومعناه إما: "الإضراب الإبطالي"، وإما:"الإضراب الانتقالي".
فالابطالي: هو الذي يقتضي نفي الحكم السابق، في الكلام قبل "بل"، والقطع بأنه غير واقع، ومدعيه كاذب، والانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجيء بعدها. نحو: الأجرام السماوية ثابتة، بل الأجرام السماوية متحركة.
فالحرف "بل" "بمعنى "لا" النافية" أفاد الإضراب الإبطالي الذي يقتضي نفي الثبات ونفي عدم الحركة عن الأجرام السماوية: لأن هذا الثبات أمر غير حاصل، ومن يدعيه كاذب، فكأن المتكلم قال: "الأجرام السماوية ثابتة. لا، فالأجرام السماوية متحركة وليست ثابتة"؛ فأبطل الحكم الأول ونفاه، وعرض بعده حكمًا جديدًا.
ومن الأمثلة قوله تعالى في المشركين: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} ، أي: بل هم٢ عبادٌ مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق، ونفاه، وأثبت حكما آخر بعده: فكأن الأصل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا. لا؛ فان الذين اتخذهم هم عباد مكرمون".
ومثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول عليه السلام: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ٣ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} .
والانتقاليّ هو: الذي يقتضي الانتقال من غرض قبل الحرف: "بلْ" إلى غرض جديد بعده، مع إبقاء الحكم السابق على حاله، وعدم إلغاء ماي قتضيه. كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ ٥ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . فالغرض الذي يدور حوله الكلام قبل: "بل" هو: الطاعة، "بالطهارة من الذنوب، وبعبادة الله، وبالصلاة ... "، والغرض الجديد بعدها هو حب الدنيا، وتفضيل الآخرة عليها ... وكلا الغرضين مقصود باقٍ على حالة، كقوله تعالى: {كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ} ١.
وكقولهم: "ليس من المروءة أن يتخلى الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة: بل يقيهم بماله، ويدفع عنهم بنفسه".
وحكم الحرف: "بل" الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب٢ -كما أسلفنا- ولا يصح اعتباره حرف عطف ولا شيئا آخر غير الابتداء، فالجملة بعده مستقلة في إعرابها عما قبلها، ولا يصح إعرابها خبرًا ولا غير خبر عن شيء سابق عليه٣ ...
ب- وان دخل على مفرد فحكمه أنه: حرف عطف: يختص بعطف المفردات وحدها. أما معناه هنا فيختلف باختلاف ما قبله من كلام مثبت، أو مشتمل على صيغة أمر، أو كلام منفي، أو مشتمل على صيغة نهي.
١- فإن تقدم على: "بل" كلام موجب أو صيغة أمر نحو١: "أعددت الرسالة بل القصيدة لبست المعطف بل الثياب" "عاون المحتاج بل الضعيف" ساعف الصديق بل الصارخ" كان معنى "بل" أمرين معا، أساسيين:
أولهما: الإضراب عن الحكم السابق؛ بنفي المراد منه نفيًا تامًّا، وإبطال أثره كان لم يكن، وسلْبه عن صاحبه، وترك صاحبه مسكوتًا عنه مهملا؛ أي غير محكوم عليه بشيء مطلقًا بمقتضى هذا الكلام الذي أزال عنه الحكم السالف، وتركه بغير حكم جديد يقع عليه. وان شئت فقل: إنّ الكلام السابق على "بل" صار كأنه لم يذكر٢.
ثانيهما: نقل الحكم الذي قبل "بل" نقلا تاملًا إلى ما بعدها منغير تغيير بشيء في هذا الحكم الذي أزيل عما قبلها، واسْتقر لما بعدها، ففي الأمثلة السابقة يقع الإضراب على إعداد الرسائل، فينفي الإعداد لها، ولكنه يثبت للقصيدة بعدها. ويقع الإضراب على لبس المعطف، فلا يحصل؛ وإنما ينتقل اللبس إلى الثياب. وكذلك ينصت الإضراب على معاونة المحتاج؛ فلا يحصل؛ وإنما تنتقل المعاونة إلى الضعيف وتثبت له. وأيضا تلغى المساعفة للصديق ولكنها تثبت للصارخ. وهكذا.
٢- وان تقدم على "بل" كلام منفي، أو مشتمل على صيغة نهي، نحو:ما زرعت القمح بل القطن ما أسأت مظلوما بل ظالما" "لا يتصدر مجلسنا جاهل بل عالم لا تصاحب الأحمق بل العاقل" لم يكن معنى "بل " الإضراب، وإنما المعنى أمران معًا.
أولهما: إقرار الحكم السابق، وتركه على حاله من غير تغيير فيه.
ثانيهما: إثبات ضدّه لما بعد "بل".
ففي المثال الأول: حكم منفيّ، قبل كلمة "بل" هو نفي زراعتي القمح، وأقررنا هذا الحكم المنفيّ، وتركناه على حاله، وفي الوقت نفسه أثبتنا بعدها حكما آخر، هو، زرع القطن ... ، وأيضا نفينا قبلها حكما؛ هو وقوع الإساءة على المظلوم، وأثبتنا بعدها وقوعها على الظالم. وكذلك نهينا قبلها عن تصدر الجاهل لمجلسنا، وأمرنا بعدها بهذا التصدر للعالم. ونهينا عن مصاحبة الأحمق، وامرنا بها للعاقل، وهكذا ...
فالحكم الأول في كل الأمثلة السالفة –ونظائرها- باق على حاله، لم يقع عليه إضراب، أو تغيير، والحكم بعد "بل" مضاد لما قبلها، فالحكمان متضادان؛ ما ينفى أو ينقى عنه قبل "بل" يثبت أو يؤمر به بعدها"١" ...
زيادة وتفصيل:
ا- لا يجوز العطف بالحرف "بل، بعد كلام فيه استفهام؛ فلا يصح أحفظت قصيدة بل خطبة؟
ب- تقع "لا" النافية قبل "بل "١ بنوعيها؛ العاطفة "وهي المستوفية للشروط٢؛ وفي مقدمتها الدخول على المفرد" وغير العاطفة "وهي غير المستوفية للشروط؛ كالداخلة على الجملة " فإذا دخلت على العاطفة المسبوقة بكلام مثبت، أو بصيغة أمر كان معنى "لا" النافية: تقوية الإضراب المستفاد من "بل "، وتوكيده، وإن دخلت على العاطفة المسبوقة بنفي أو نهي كان معنى "لا" تقوية النفي والنهي المستفادين من "بل ". فمثالها بعد كلام مثبت قول الشاعر:
وجهُك البدر لا، بل الشمس لو لم يقض للشمس كسفة وأفول
ومثال وقوعها بعد النفي: ما عاقني البرد، لا بل المطر.
ومثالها بعد النهي: لا تغفل الرياضة، لا بل طول القعود.
وإن دخلت على غير العاطفة كان معناها تقوية الإضراب المستفاد من: "بل"وتوكيده؛
كقول الشاعر:
وما هجرتك، لا، بل زادني شغفا ... هجر، وبعد تراخ لا إلى أجل
ج- ورد قليلا في المسموع الفصيح٣ زيادة "الواو" بعد "بل" كالتي في قول علي رضي الله عنه: "إنما يحزن الحسدة ابدا؛ لأنهم لا يحزنون لما ينزل بهم من السر فقط، بل ولما ينال الناس من الخير"ا. هـ٤.
والأحسن عدم القياس على هذا؛ لندرته البالغة.
د- حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون في رقم ٣ ص٦٥٧.
التشريك وما لا يقتضيه
من كل ما تقدم من الكلام على أدوات العطف يتبين:
١- أنها حروف.
٢- وأنها في اغلب الحالات -تشرك المعطوف مع المعطوف عليه في الضبط الإعرابي١ "رفعا، ونصبا، وجرا، وجزما" وهذا هو الشريك اللفظي.
أما من جهة التشريك المعوي فبعضها يشركه أيضا في معنى المعطوف عليه: وينحصر هذا في أربعة حروف: "الواو، الفاء، ثم، حتى"؛ فهذه الأربعة ترك المعطوف مع المعطوف عليه في المعنى، كما تركه في اللفظ إشراكا إعرابيا -في الغالب- كما أسلفا.
وبعضها يشركه في اللفظ دون المعنى، فيثبت للمعطوف ما انتفى عن المعطوف عليه، وهو: "بل، لكن" أو العكس، فيثبت للمعطوف عليه ما انتفى عن المعطوف، وهو: "لا".
وبعض ثالث هو "أو، أم" يشركان في اللفظ كما يشركان في المعنى ولكن بشرك ألا يقتضيا إضرابًا٣.
٣- وان المتعاطفين إذا تكررا كان "المعطوف عليه" واحدا هو الأول. إلا إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب "مثل: الفاء، وبم"، فان "المعطوف عليه" واحد، هو ما قبل حرف العطف مباشرة١.
عباس حسن: عطف الشيء على مرادفه لتقوية معناه وتأكيده٦ كقولهم: الصمت والسكوت عن غير السداد سداد. وقولهم يعود البغي والطغيان وبالًا على صاحبه، فالمعطوف وهو: "السكوت" بمعنى المعطوف عليه: "الصمت" وكذلك الطغيان والبغي ... ومن هذا قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، فكلمة؛ "بثّ" معطوف عليه؛ وكلمة: "حُزن" معطوف مرادف له في المعنى.ومثل النَّأي والبُعد١ في قول الحطيئة:
أَلا حبذا هندٌ وأَرض بها هندُ ... وهندٌ أَتى من دونها النَّأْي والبعدُ
عباس حسن
الفصل بين المتعاطفين
يجوز عطف الاسم الظاهر على مثله أو على الضمير، ويجوز عطف الضمير على مثله أو على اسم ظاهر. لكن بعض هذه الصور يكون فيه الفصل بين المتعاطفين واجبا، وبعض آخر يكون الفصل فيه مستحسنا راجحا، وفي غير ما سبق يكون جائزا١.
فأما الفصل الواجب ففي حالتين، سبقت أحداهما٢. وملخصه: أنه إذا عطف على المبتدأ الذي خبره نوع من الأنواع المقرونة بالفاء -وقد ذكرت هناك- أو على ما يتصل به من صلة، أو صفة، أو نحوهما ... وجب تأخير المعطوف عن الخبر، إذ لا يجوز الفصل بين هذا الخبر ومبتدئه بالمعطوف؛ ففي مثل: الذي عندك فمؤدب لا يصح أن يقال: الذي عندك والخادم فمؤدب، أو فمؤدبان، وهكذا ...
والحالة الثانية التي يجب فيها الفصل -تبعا لأرجح الآراء- هي التي يكون فيها المعطوف عليه مصدرا له معمولات؛ فلا يجوز العطف عليه إلا بعد استيفائه كل معمولاته؛ نحو: ما أحسن تقدير الأمة العاملين المخلصين لها، وإكبارهم.
واما الحالتان اللتان يستحسن فيهما الفصل ويرجح١.
فالأولى: أن يكون المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا، سواء أكان متستترًا أم بارزا؛ فيستحسن عند العطف عليه فصله بالتوكيد٢ اللفظي أو المعنوي أو بغيرهما أحيانا. فالفصل بالتوكيد اللفظي يتحقق بضمير مرفوع منفصل مناسب٣ نحو: "لقد كنت أنت ورفاقك طلائع الإصلاح، وكنتم أنت والسباقون إليه موضع الإعجاب والتقدير". فكلمة: "رفاق" معطوفة على: "التاء" وهي الضمير المتصل المرفوع البارز بعد توكيد لفظه بالضمير المرفوع المنفصل: "أنت". وكذلك كلمة: "السباقون" معطوفة على الضمير البارز "التاء والميم"، في "كنتم" بعد توكيده توكيدا لفظيا بالضمير المرفوع المنفصل: "أنتم".
ومثال العطف على الضمير المتصل المرفوع المستتر مع الفصل: انتفع أنت وإخوانك٤ بتجارب السابقين.
والفصل بالتوكيد المعنوي يتحقق بوجود لفظ من ألفاظه بين المتعاطفين؛ ومن الأمثلة قول الشاعر:
ذعرتم أجمعون ومن يليكم ... برؤيتنا، وكنا الظافرينا
ويغنى عن التوكيد بنوعيه -كما أسلفنا- وجود فاصل آخر أي فاصل بين المتعاطفين؛ كالضمير "ها" في قوله تعالى في المؤمنين الصالحين: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} ... ومثل "لا" النافية في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} ، وقد اجتمع الفصل بالتوكيد اللفظي وبحرف النفي "لا" في قوله تعالى: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ}
ومن غير المستحسن في النثر -مع جوازه- العطف على الضمير المستتر المرفوع بغير فاصل على الوجه السالف، نحو "قاوم ونظراؤك أعوان السوء"، فقد عطفت كلمة: "نظراء "على الفاعل الضمير المستتر: "أنت" بغير فاصل؛ ومنه العبارة المأثورة١: "مررت برجل سواء والعدم" أي: متساو هو والعدم، فكلمة، "سواء" اسم بمعنى المشتق، وهي متحتملة للضمير المرفوع. والعدم "بالرفع" معطوفة على الضمير المستتر بغير فاصل بينهما٢. أما الشعر فقد يجوز فيه عدم الفصل، اضطرارا؛ مراعاة لقيوده الكثيرة التي قد تقهر الشاعر على ترك الفصل ... ومن الأمثلة قول جرير يهجو الأخطل:
ورجا الأخطيل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا
فقد عطف كلمة "أب" على اسم "يكن" المرفوع المستتر بغير فاصل بينهما٣.ومثله قول الآخر:
مضى وبنوه، وانفردت بمدحهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد
فقد عطف كلمة: "بنوه" على الضمير المرفوع المستتر في: "مضى" بغير فاصل.
والثانية: أن يكون المعطوف عليه ضميرا مجرورا بحرف أو بإضافة؛ فيستحسن عند أمن اللبس إعادة عامل الجر مع المعطوف، ليفصل بين المتعاطفين، فمثال المعطوف المجرور بحرف جر١ معاد: ما عليك وعلى أضرابك من سبيل أن أديتم الواجب. فكلمه: "أضراب" معطوفة على الضمير الكاف المجرور بالحرف: "على". وقد أعيد هذا الحرف مع المعطوف. والأصل ما عليك وأضرابك، ومثل هذا قوله تعالى عن نفسه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ١ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} . فكلمة: "الأرض" معطوفة على الضمير: "ها" المجرور باللام، وقد أعيدت اللام مع المعطوف: والأصل: فقال لها والأرض. ومثله إعادة اللام في قول الشاعر:
فما لي وللأيام –لا دلا دلاها– ... تشرق بي طورا، وطورا٢ تغرب
ومثال إعادة عامل الجر وهو اسم مضاف٣ قوله تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} . فكلمة: "آباء" معطوفة في الأصل على الضمير المضاف إليه، وهو: "الكاف الأولى"، فأعيد المضاف وهو: "إله" وذكر قبل المعطوف. واصل الكلام: نعبد إلهك وآبائك ...
هذا هو الكثير. وترك الفصل جائز أيضا، ولكنه لا يبلغ في قوته وحسنه البلاغي درجة الكثير. ومن هذا قراءة قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} . والتقدير: الذي تساءلون به وبالأرحام. أي: تستعطفون به وباسمه، وبالأرحام؛ بعطف كلمة: "الأرحام" على الضمير المجرور بالباء. وكقول الشاعر:
اليوم قد بت١ تهجونا وتشتمنا ... فاذهب، فما بك والأيام من عجب
أي: وبالأيام. وقول بعض العرب: ما في الدار غيره وفرسه، يجر كلمة: "فرس" المعطوفة على الهاء من غير إعادة الجار وهو الاسم المضاف٢
الحذف في أسلوب العطف
صور من الحذف في أسلوب العطف:
حذف بعض حروف العطف مع معطوفها:
من حروف العطف ثلاثة يختص كل منها بجواز حذفه مع معطوفه بشرط أمن اللبس –كما سبق عند الكلام عليها١- وهذه الثلاثة هي: الواو، والفاء، وأم المتصلة. فمثال حذف الواو مع معطوفها لدليل: أنقذت الغريق ولم يكن بين الموت إلا لحظات. أي: لم يكن بين الموت وبينه....
وقول الشاعر:
إني مقسم ما ملكت؛ فجاعل ... قسما لآخرة، ودنيا تنفع.......
يريد: وقسم دنيا، أي: وقسما لدنيا ... ومثل قول الآخر:
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر٢ إلا ليال قلائل
أي: بين الخير وبيني. ومما يصلح لهذا أيضا قول بعض العرب: "راكب الناقة طليحان٣"، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان.
أي: بين الخير وبيني. ومما يصلح لهذا أيضا قول بعض العرب: "راكب الناقة طليحان٣"، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان.
ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ٤ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ ٥ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ، الأصل: فضرب فانبجست٦. وقوله تعالى:
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ، أي: فضرب فانفجرت، وتسمى هذه الفاء المذكورة في الكلام، والتي تعطف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها "فاء الفصيحة"١.
ومثال حذف "أم" المتصلة ومعها معطوفها بدليل -وحذفهما، قليل- قول الشاعر:
وقال، صحابي: قد غبنت، وخلتني
غبنت. فما أدري أشكلكم شكلي؟ ...
والأصل: أشكلكم٢ شكلي أم غيره؟ وكقول الآخر:
دعاني إليها القلب، إني لأمره ... سميع؛ فما أدري: أرشد طلابها؟
والتقدير: أرشد طلابها أم غي٣؟
حذف المعطوف:
تنفرد الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور، فمثال المعمول المرفوع قوله تعالى لآدم: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} فكلمة: "زوج" فاعل بفعل محذوف، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور معطوفة على الجملة الأمرية المكونة من فعل الأمر: "اسكن"
وفاعله. والتقدير: اسكن أنت، وليسكن زوجك١. والسبب في هذا أننا لو أعربنا كلمة: "زوج" معطوفة بالواو على الفاعل المستتر لفعل الأمر لكان العامل في المعطوف "زوج" هو العامل في المعطوف عليه، أي: في الفاعل الستر. فيكون الفعل: "اسكن" عاملا في فاعله، وفي كلمة: "زوج"، فهو الذي رفع كلمة "زوج" وهي بمنزلة الفاعل بسبب عطفها على الفاعل ويترتب على هذا أن يكون فاعل الأمر اسما ظاهرا مع أن نعل الأمر لا يرفع الظاهر.
هذا تعليلهم. وهو تعليل مرفوض، يعارضه ما يرددونه كثيرا من أنه: "قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع"، أو: "قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل". فإذا امتنع أن يقع الاسم الظاهر فاعلا لفعل الأمر مباشرة فلن يمتنع أن يكون المعطوف على هذا الفاعل اسما ظاهرا؛ لأنه تابع أو ثان ينطبق عليه ما سبق من التوسع والتيسير؛ فلا داعي للتكلف والتقدير ...
والتقدير: أرشد طلابها أم غي٣؟
ومثال المعمول المنصوب قوله تعالى في أنصار الدين {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} ، ومعنى تبوءوا الدار أعدّوها للسكنى. وهذا المعنى مناسب للدار؛ لكنه غير مناسب للإيمان، إذ لا يقال على سبيل الحقيقة: هيئوا الإيمان للسكنى؛ ومن ثم أعربت كلمة: "الإيمان" مفعول لفعل محذوف تقديره: "ألفوا" وهذه الجملة الفعلية المحذوفة معطوفة بالواو على الجملة الفعلية التي قبلها. ومنه قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
أي: وكحلن العيون؛ لأن التزجيج "وهو ترقيق الحاجب بأخذ بعض الشعر منه كي يصير منحنيا كالقوس" لا يصلح للعيون.
ومثال المعمول المجرور قولهم: ما كل سوداء فحمة، ولا بيضاء شحمة. فكلمة: "بيضاء مجرورة بمضاف محذوف معطوف على "كل" والأصل "ولا كل بيضاء شحمة". والداعي للتقدير هنا هو الفرار من العطف على معمولي عاملين مختلفين.
وإيضاح١ هذا أن كلمة: "سوداء" مضاف إليه فهي معمول، عامله هو المضاف؛ "لفظة: "كل" المذكورة" وأن "فحمة" خبر "ما" الحجازية فهي معمول، عامله: "ما"، فالعاملان مختلفان، وكذلك المعمولان. فلو عطفنا "بيضاء" على "سوداء"، و"شحمة" على "فحمة" لزم العطف بعاطف واحد "هو: الواو" على معمولين مختلفين لعاملين مختلفين -كما يقولون- وهذا لا يبيحه كثرة النحاة ... إذ يجب أن يكون العامل في المتعاطفين واحدًا، لا أكثر. وهذا الرأي أحق بالإتباع٢ ...
ملاحظة: من موضوعات الحذف الهامّة: "حذف الموصول".
حذف المعطوف عليه:
يصح عند أمن اللبس. حذف المعطوف عليه وحده إذا كانت أداة العطف هي: "الواو، أو: الفاء، أو: أم المتصلة، أو: "لا" العاطفة"
فمثال حذفه مع بقاء الواو أن يقول قاتل: مرحبا بك. فتجيب: وبك وأهلا وسهلا؛ أي: ومرحبا بك وأهلا وسهلا. فالجار والمجرور: "بك" متعلقان بكلمة: مرحبا، المحذوفة. و"أهلا": الواو حرف عطف ٠"أهلا"، معطوفة على: "مرحبا" المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف. و"سهلا" "الواو" حرف عطف. "سهلا" معطوفة على "مرحبا" المحذوفة فالمعطوف عليه هو المحذوف٦.
ومثال الحذف مع بقاء الفاء قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . والتقدير: أمكثوا فلم يسيروا١ ... ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} والتقدير: أعلمتم أن دخول الجنة يسير أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.
ومثال الحذف قبل "لا" العاطفة: "عاهدت نفسي أن أعمل الخير ... لا قليلا، وان أقول الحق ... لا بعض الأوقات" والأصل: أن أعمل الخير كثيرا لا قليلا، وأن أقول الحق كل الأوقات لا بعض الأوقات.
ملحوظة: من أمثلة حذف المعطوف عليه هو بقاء حرف العطف: "الواو"، ما سجله ابن جني في كتابه المسمى: "تفسير أرجوزة أبي نواس في تقريظ الفضل بن الربيع٢". قال عند شرحه بيت أبي نواس:
"وبلدة فيها زور ... صعراء تحظى في صعر"
ما نصه الحرفي: "قوله: وبلدة" ... قيل في هذه الواو قولان، أحدهما: أنها للعطف، والآخرك أنها عوض من "رب"؛ فكأنهم إنما هربوا من أن يجعلوها عاطفة لأنها في أول القصيدة، وأول الكلام لا يعطف. ولا يمتنع العطف على ما تقدم من الحديث والقصص؛ فكأنه كان في حديث، ثم قال: وبلدة. فكأنه وكل الكلام إلى الدلالة في الحال. ونظير هذا قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} فالضمير "الهاء" يراد به القرآن، وإن لم يجر للقرآن ذكر.
وكذلك قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب} يعني الشمس؛ فأضمرها وإن لم يحر لها ذكر. وهذا في كلام العرب واسع فاش" ا. هـ كلام ابن جني...
حذف حرف العطف وحده:
أشرنا من قبل إلى أنه يجوز حذف العاطف وحده ولا يكون هذا إلا في الواو، والفاء، وأو. فمثال الواو قوله عليه السلام: "تصدق رجل، من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره"، وما نقل من قول بعض العرب: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا، وقول الشاعر:
كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم
ومثال الفاء: قرأت الكتاب بابًا بابًا، وادخلوا الغرقة واحدًا واحدًا.
والتقدير بابًا فبابًا، وواحدًا فواحدًا.
ومثال: "أو" قولهم: أعط الرجل درهمًا، درهمين، ثلاثة..
تقديم المعطوف على المعطوف عليه:
ورد في المسموع تقديم "المعطوف" بالواو -دون غيرها- على المعطوف عليه، وهو تقديم شاذ -لا يجوز القياس عليه٣- ومنه قول الشاعر:
وأنت غريم لا أظن قضاءه ... "ولا العنزي القارظ -الدهر-" جائيًا
عنوان
أي: جاثيا هو، ولا العنزي. وقول الآخر٤:
أيا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
عطف الفعل على الفعل أو على ما يشبهه، والعكس، وعطف الجملة على الجملة:
أ- عطف الفعل وحده على كذلك:
عرفنا فيما سبق أن عطف الاسم وحده على الاسم يعد من عطف المفردات٢ بعضها على بعض، كقول الشاعر:
وكل زاد عرضة للنفاد ... غير التقى، والبر، والرشاد
وكما يجوز عطف الاسم وحده على نظيره في الاسمية عطف مفردات يجوز عطف الفعل -وحده من غير مرفوعه٣- على الفعل وحده عطف مفردات أيضا؛ نحو: "إذا تعرض وتصدى المرء لكشف معايب الناس مزقوه بسهام أقوالهم وأعمالهم. وهي سهام لن يستطيع أو يقدر احد على احتمالها٤". فالفعل: "تصدى" معطوف وحده على الفعل: "تعرض" وكذا الفعل: "يقدر" معطوف وحده على الفعل "يستطيع٥" وكل هذا من عطف المفردات؛ إذ لم يشترك الفاعل -هنا- مع فعله في العطف. فلو اشترك معه لكان العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية٦ ...
ويشترط لعطف الفعل على الفعل أمران:
أولهما: اتحادهما في الزمن١؛ بأن يكون زمنهما معا ماضيا، أو حالا، أو مستقبلا؛
سواء أكانا متحدين في النوع "أي: ماضيين، أو: مضارعين٢" أم مختلفين: فلا يمنع من عطف أحدهما على الآخر تخالفهما في النوع٣. وإذا اتحدا زمانا. فمثالا تحادها زمانا ونوعا، قوله تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ٤. وقول الشاعر في مدح عالم:
سعى وجرى٥ للعلم شوطا يروقه ... فأدرك حظا لم ينله أوائله
ومثال اتحادهما زمانا مع اختلافهما نوعا: عطف الماضي على المضارع في قوله تعالى بشأن فرعون: {يَقْدُمُ ٦ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ، فالفعل: "أورد" ماض، معطوف بالفاء على الفعل المضارع: "يقدم" وهما مختلفان نوعا، لكنهما متحدان زمانا؛ لأن مدلولهما لا يتحقق إلا في المستقبل "يوم القيامة"٧ ...
ومثال عطف المضارع على الماضي قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} فالفعل: "يجعل" مضارع مجزوم؛ لأنه معطوف على الفعل الماضي: "جعل" المبني في محل جزم١؛ لأنه جواب الشرط. وصح العطف لاتحاد زمانيهما الذي يتحقق فيه المعنى٢، وهو الزمن المستقبل ...
ثانيهما: اتحادهما إن كان مضارعين في العلامة الدالة على الإعراب -"من حركة أو سكون، أو غيرهما"- ويتبع هذا اتحاد معنيهما في النفي والإثبات؛ فإذا كان "المعطوف عليه" مضارعا مرفوعا، أو منصوبا، أو مجزوما، وجب أن يكون المضارع "المعطوف". كذلك وأن يكون معنى المعطوف كالمعطوف عليه في النفي والإثبات؛ فكما يتبعه في علامات الإعراب يتبعه فيهما معنى. فمثال المرفوعين: يفيض فيغدق نهرنا الخير على الوادي.
ومثال المنصوبين: لن يفيض النهر فيغرق الساحل. ومثال المجزومين: لم يفض نهرنا فيغرق ساحله٣ ...
زيادة وتفصيل:
نصب المضارعين معا، أو جزمهما معا بغير تكرار الناصب والجازم قبل الفعل المضارع المعطوف، دليل قاطع على أن العطف عطف فعل وحده بغير مرفوعه على فعل وحده كذلك، وليس عطف جملة على جملة؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الفعلية بغير تكرار أداة النصب أو الجزم يستلزم -حتما- أن يكون المضارع المعطوف غير منصوب ولا مجزوم؛ إذ نصبه أو جزمه يوجب أن يكون عطف فعل وحده على فعل كذلك.
أما رفع المضارعين معا في مثل: يشتد البرد البرد فتهاجر طيور كثيرة إلى بلاد دافئة فلا دليل معه على أن العطف عطف مضارع مفرد على نظيره المفرد، أو عطف جملة مضارعية على جملة مضارعية "أي: مضارع مع فاعله، على مضارع مع فاعله"، فمثل هذا الكلام صالح للأمرين عند عدم القرينة التي تعينه لأحدهما٢ ... وكذلك العطف في قول الشاعر:
قد ينعم الله بالبلوى –وإن عظمت– ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
فيصح أن يكون المعطوف هنا جملة مضارعية هي: "يبتلى الله"، والمعطوف عليه جملة مضارعية كذلك، هي: ينعم"؛ ويصح أن يكون المتعاطفان مفردين هما المضارعان، ومثل هذا يقال في الماضي في أن يكون المتعاطفان مفردين هما المضارعين، ومثل هذا يقال في الماضي في نحو: "إذا تعرض وتصدى المرء لكشف معايب الناس مزقوه بسهام أقوالهم وأفعالهم ... "١. حيث يجوز الأمران، لعدم وجود قرينة تعين نوع العطف: أهو عطف فعل ماض وحده على ماض وحده أم عطف جملة
ماضوية على جملة مثلها؟ بخلاف العطف في قوله تعالى عن الكافرين: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} حيث يتعين أن يكون عطف جملة ماضوية على جملة ماضوية، لوجود فاعل غير مستقل هو الضمير المتصل لكل فعل ماض منهما١....
ومما سبق يتبين الفرق اللفظي بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الفعلية٢، وهو فرق دقيق خفي على بعض العلماء المشتغلين بالنحو قديما، فقد نقل عن أحدهم قوله: إني لا أتصور لعطف الفعل على الفعل مثالا؛ لأن نحو: قام علي وقعد حامد٣ يكون فيه المعطوف جملة لا فعلا، وكذا: قام وقعد علي؛ لأن في احد الفعلين ضميرا؛ فيكون فاعلا له، ويكون الاسم الظاهر فاعلا؛ ففي الكلام جملتان معطوفتان. فقيل له: ماذا ترى في مثل: يعجبني أن تقوم وتخرج؛ بنصب المضارعين، وفي مثل: لم تقم وتخرج؛ بجزمهما. وفي مثل: يعجبني أن يقوم محمود ويخرج حليم، وفي مثل: لم يقم محمود ويخرج حليم ... ؟ فالفعل في الأمثلة
السالفة منصوب أو مجزوم؛ فما الذي نصبه أو جزمه؟ فلولا أن العطف للفعل وحده لم يمكن نصبه أو جزمه ...
ومما هو جدير بالملاحظة أن الفرق اللفظي في عطف الفعل على الفعل، يترتب عليه فرق معنوي كبير من ناحية النفي والإثبات. فالفعل إذا كان هو "المعطوف" وحده فانه يتبع الفعل "المعطوف عليه" فيهما؛ كما يتبعه في الإعراب؛ طبقا لما سبق١ وهذه التبعية في النفي قد تفد المعنى المراد -أحيانا- لو جعلنا الكلام عطف جمل؛ فعطفنا كل فعل مع فاعله على الآخر مع فاعله، أي: أن المعنى قد يختلف كثيرا باختلاف نوعي العطف، أهو عطف فعل وحد، على آخر، أم جملة فعلية على مثيلتها الجملة الفعلية؟ يتضح هذا من المثال التالي: لم يحضر قطار ويسافر يوسف. بعطف "يسافر" على "يحضر" عطف فعل مفرد على نظيره المفرد، فيكون "يسافر" مجزوما. والمعنى نفي حضور القطار، ونفي سفر يوسف أيضا، فالحضور لم يتحقق، وكذلك السفر، فالأمران لم يتحققا قطعا.
أما إن كان الفعل: "يسافر" مرفوعا فيتعين أن يكون العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ تحقيقا لنوع من الربط والاتصال بينهما. ويتعين أن يكون المعنى عدم حضور القطار. أما يوسف فسفره يحتمل أمرين باعتبارين مختلفين، فعند اعتبار الجملة الثانية مثبتة لم يتسرب إليها النفي من الأولى يكون يوسف قد سافر. وعند اعتبارها منفية لتسرب النفي إليها من الأولى يكون مقيما لم يسافر. والقرينة هي التي تعين سريان النفي من الأولى إلى الثانية، أو عدم سريانه.
ومن أمثلة فساد المعنى الذي يترتب على عطف الفعل وحده على الفعل وحده
-لا عطف جملة فعلية على جملة فعلية- قولك: "الطالب النابغة لا يتأخر مكانه عن المقام الأول، أو يكون في المقام الثاني ... " إذا كان المراد أنه في المقام الأول أو الثاني. فلو عطفنا المضارع "يكون" على المضارع "يتأخر" لصار منفيا حتما مثل المعطوف عليه قطعا، لصار المعنى: لا يتأخر عن المقام الأول، أو لا يكون في المقام الثاني، وهذا غير المراد، أما عطف الجملة الثانية كاملة على الأولى كاملة لا فيستلزم نفي الثانية فيجوز أن تبقى مثبتة المعنى أن اقتضى الأمر الثبوت برغم أن الأولى منفية -كما في هذا المثال.
ومما سبق يتبين ان عطف الفعل على الفعل يوجب سريان النفي من المتبوع إلى التابع، فهما يشتركان في النفي كما يتركان في الإثبات؛ وفي علامات الإعراب. بخلاف عطف الجملة على الجملة؛ فإن النفي فيه لا يري من المتبوع إلى التابع إلا بقرينة.
[الأشموني، أبو الحسن: "عطف الفعل على الفعل":
"وعطفك الفعل على الفعل يصيح"
بشرط اتحاد زمانيهما سواء اتحد نوعهما، نحو: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَه} ١، {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} ٢ أم اختلفا، نحو قوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ٣، {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي} ٤ الآية.
عطف الفعل على شبهة والعكس":
٥٦٤-
واعطف على اسم شبه فعل فعلا ... وعكسًا استعمل تجده سهلًا
نحو: {صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْن} ١، {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ} ٢ لاتحاد جنس المتعاطفين في التأويل؛ إذ المعطوف في المثال الأول في تأويل المعطوف عليه وفي الثاني بالعكس.
"وعكسًا استعمل نجده سهلًا"
كقوله "من الرجز":
٨٥٧-
"يا رب بيضاء من العواهج" ... أم صبي قد حبا أو دارج
وقوله "من الرجز":
٨٥٨-
"بات يعشيها بعضب باتر" ... يقصد في أسواقها وجائر
وجعل منه الناظم {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ١ وقدر الزمخشري عطف "مخرج" على "فالق"، وجعل ابن الناظم تبعًا لأصله المعطوف في البيتين في تأويل المعطوف عليه، والذي يظهر عكسه لأن المعطوف عليه وقع نعتًا، والأصل فيه أن يكون اسمًا.
خاتمة في مسائل متفرقة:
الأولى: يشترط لصحة العطف صلاحية المعطوف، أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، فالأول نحو: "قام زيد وعمرو". والثاني نحو: "قام زيد وأنا" فإنه لا يصلح "قام أنا" ولكن يصلح "قمت" والتاء بمعنى "أنا"، فإن لم يصلح هو أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل أخر له عامل يلائمه وجعل من عطف الجمل، وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النون وتاء المخاطب أو بفعل الأمر، نحو: "أقوم أنا وزيد"، و"نقوم نحن وزيد"، و"تقوم أنت وزيد"، و {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ١ أي: وليسكن زوجك. وكذلك باقيها، وكذلك المضارع المفتتح بتاء التأنيث، نحو: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} ٢ قال ذلك الناظم.
قال الشيخ أبو حيان وما ذهب إليه مخالف لما تضافرت عليه نصوص النحويين والمعربين من أن "زوجك" معطوف على الضمير المستكن في "اسكن" المؤكد بـ"أنت".
الثانية: لا يشترط في صحة العطف صحة وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه، لصحة "قام زيد وأنا" وامتناع "قام أنا وزيد".
الثالثة: لا يشترط صحة تقدير العامل بعد العاطف، لصحة "اختصم زيد وعمرو" وامتناع "اختصم زيد واختصم عمرو".
عطف الخبر على الإنشاء وعكسه":
الرابعة: في عطف الخبر على الإنشاء وعكسه خلاف منعه البيانيون، والناظم في شرح باب المفعول معه من كتاب التسهيل. وابن عصفور في شرح الإيضاح، ونقله عن الأكثرين وأجازه الصفار تلميذ ابن عصفور وجماعة مستدلين بنحو: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا} ١ في سورة البقرة {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} ٢ في سورة الصف.
قال أبو حيان: وأجاز سيبويه "جاءني زيد ومن عمرو العاقلان" على أن يكون "العاقلان" خبرًا لمحذوف، ويؤيده قوله "من الطويل":
٨٥٩-
وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول
وقوله "من الطويل":
٨٦٠-
تناغي غزالًا عند دار ابن عامر ... وكحل أماقيك الحسان بإثمد
"عطف الجملة الاسمية على الفعلية":
الخامسة: في عطف الجملة الاسمية على الفعلية وبالعكس ثلاثة أقوال:
"أحدها" الجواز مطلقًا وهو المفهوم من قول النحويين، في نحو: "قام زيد وعمرو أكرمته". إن نصب "عمرو" أرجح× لأن تناسب الجملتين أولى من تخالفهما.
و"الثاني" المنع مطلقًا.
و"الثالث" لأبي علي يجوز في الواو فقط.
السادسة: في العطف على معمولي عاملين أجمعوا على جواز العطف على معمولي
عامل واحد نحو: "إن زيدًا ذاهب وعمرًا جالس"، وعلى معمولات عامل واحد، نحو "أعلم زيدٌ عمرًا بكرًا جالسًا وأبو بكر خالد سعيدًا منطلقًا" وعلى منع العطف على معمول أكثر من عاملين، نحو: "إن زيدًا ضارب أبوه لعمرو وأخاك غلامه بكر" وأما معمولا عاملين فإن لم يكن أحدهما جارًّا، فقال الناظم هو ممتنع إجماعًا، نحو: "كان آكلًا طعامك عمرو وتمرك بكر"، وليس كذلك، بل نقل الفارسي الجواز مطلقًا عن جماعة، قيل منهم الأخفش، وإن كان أحدهما جارًّا، فإن كان مؤخرًا نحو: "زيد في الدار والحجرة عمرو" أو "وعمرو الحجرة" فنقل المهدوي أنه ممتنع إجماعًا، وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدمًا، نحو: "في الدار زيد والحجرة عمرو" أو "وعمرو الحجرة" فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وهشام، وعن الأخفش الإجازة به قال الكسائي والفراء والزجاج، وفصل قوم منهم الأعلم فقالوا إن ولي المخفوض العاطف جاز وإلا امتنع، والله أعلم.
كتاب شرح الأشمونى لألفية ابن مالك
[الأشموني، أبو الحسن]
محمد عبد الخالق عضية:
عطف الفعلية على الاسمية والعكس
صرح المبرد في المقتضب بجواز ذلك قال ٣: ٢٧٩: «وكل جملة بعدها جملة فعطفها عليها جائز. وإن لم تكن منها، نحو: جاءني زيد، وانطلق عبد الله، وأخوك قائم، إن تأتني آتك».
وكذلك ذكر أبو الفتح في الخصائص ٢: ٧١ قال: عن البيت. . . عطف جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل.
وقال الرضي ١: ٣٠٣: «ويجوز عطف الاسمية على الفعلية وبالعكس.
قال ابن جني: وذلك بالواو دون الفاء وأخواتها؛ لأصالة الواو في العطف.
وفي الأشباه والنظائر ٢: ٩٧: «ذكر أبو علي الفارسي أن عطف الجملة الاسمية على الفعلية وبالعكس يجوز بالواو فقط دون سائر الحروف، نقله عنه ابن جني في (سر الصناعة)». وذكر ابن هشام في ذلك ثلاثة مذاهب. المغني ٢: ١٠٠ - ١٠١.
الآيات
١ - يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون [٣: ١١٣].
(وهم يسجدون) معطوفة أو حالية. البحر ٣: ٣٥.
٢ - قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون [٦: ٦٤].
عطف الاسمية بثم لبيان قبح فعلهم. البحر ٤: ١٥٠.
٣ - سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [٧: ١٩٣].
عطف اسمية على فعلية. البحر ٤: ٤٤٢، الجمل ٢: ٢١٦.
٤ - قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك [٦: ٥٠].
في البحر ٤: ١٣٤: «قال الزمخشري: فإن قلت: (أعلم الغيب) ما محله من الإعراب؟
قلت: النصب على محل قوله: (عندي خزائن الله) لأنه من جملة المقول. ولا يتعين ما قاله، بل الظاهر أنه معطوف على (لا أقول) لا معمول له». الكشاف ٢: ١٦.
٥ - وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة [٦: ٦١].
(ويرسل) ظاهره أن يكون معطوفًا على (وهو القاهر) عطف جملة فعلية على جملة اسمية. النهر ٤: ١٤٧، العكبري ١: ١٣٦، الجمل ٢: ٣٩.
٦ - وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ... [٦: ٨٢ - ٨٣].
(ووهبنا) معطوف على قوله: (وتلك حجتنا) عطف فعلية على اسمية البحر ٤: ١٧٢، الجمل ٢: ٦٥.
٧ - من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد [١٤: ١٦].
(ويسقى) معطوفة على الصفة قبلها عطف جملة فعلية على اسمية، فإن جعلت الصفة هي الجار والمجرور وعلقته بفعل كان من عطف فعلية على فعلية.
وقيل: عطف على محذوف، أي يلقى فيها ويسقى. الجمل ٢: ٥١١، البحر ٥: ٤١٢.
٨ - الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم [١٦: ٢٨].
الظاهر عطف (فألقوا)، على (تتوفاهم) وأجاز أبو البقاء أن يكون معطوفًا على (الذين. . .) وأن يكون مستأنفًا. البحر ٥: ٤٨٦، العكبري ٢: ٤٣.
٩ - ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب [٣٤: ٥١].
(وأخذوا) الظاهر عطفه على (فزعوا). وقيل: على (فلا فوت) لأن معناه: فلا يفوتون وأخذوا. البحر ٧: ٢٩٣.
١٠ - إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون [٤٠: ٧١].
قرأ ابن مسعود وابن عباس (والسلاسل) بالنصب على المفعول و (يسحبون)
مبنيًا للفاعل، وهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية. البحر ٧: ٤٧٤ - ٤٧٥.
١١ - عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم [٤٨: ٦].
(غضب الله) معطوفة على (عليهم دائرة السوء) عطف فعلية على اسمية الجمل ٤: ١٥٦.
١٢ - إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث [٣١: ٣٤].
(ينزل) معطوف على (عنده) وهذا يدل على قوة شبه الظرف بالفعل عند ابن جني انظر الخصائص. ١: ١٠٨، ٣: ٣٢٠.
عنوان
عطف الخبرية على الإنشائية والعكس
منع سيبويه وصف موصوفين في جملتين: إحداهما خبرية، والأخرى إنشائية. قال ١: ٢٤٧: «واعلم أنه لا يجوز: من عبد الله، وهذا زيد الرجلين الصالحين، رفعت، أو نصبت، لأنك لا تثنى إلا على من أثبته، وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم، فتجعلها بمنزلة واحدة، وإنما الصفة علم في من قد علمته».
قال الصفار: لما معها سيبويه من جهة النعت علم أن زوال النعت يصححها. المغني ٢: ١٠٠، وانظر الهمع ٢: ١٤٠.
وفي الأشباه والنظائر ٣: ٢٣٧: «وقد استعمل بديع الزمان عطف الدعاء على الخبر في بعض مقاماته، وهو قوله: (ظفرنا بصيد وحياك الله أبا زيد) وما نعلم أحدًا أنكر ذلك عليه، وإذا كان التشاكل لا يراعى في أكثر المفردات كان أجدر ألا يراعى في الجمل. . .».
الآيات
١ - ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق [٦: ١٢١].
(وإنه لفسق) مستأنفة، أو معطوفة على الطلبية، ولا يبالى بتخالفهما، وهو مذهب سيبويه، أو حالية. من السمين. الجمل ٢: ٨٣، لا موضع لها من الإعراب. البحر ٤: ٢١٣.
٢ - وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة [٧: ٧٧ - ٧٨].
(فأخذتهم) معطوفة على (ائتنا) على تقدير قرب زمان الهلاك من زمان طلب الإتيان بالوعد، أو معطوف على محذوف تقديره فوعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت، فأخذتهم الرجفة. البحر ٤: ٣٣١ - ٣٣٢.
٣ - فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [١٩: ٧٥ - ٧٦].
في الكشاف ٢: ٤٢١: «(ويزيد) معطوف على موضع (فليمدد)، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره: من كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويزيد».
في البحر ٦: ٢١٢: «ولا يصح أن يكون (ويزيد) معطوفًا على موضع (فليمدد) سواء كان دعاء أم خبرًا بصورة الأمر: لأنه في موضع الخبر، إن كانت (من) موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت (من) شرطية. . . وجملة (ويزيد) عارية من ضمير يعود على (من). . .». العكبري ٢: ٢٦١، الجمل ٣: ٧٦.
٤ - لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار [٢٤: ٥٧]
في الكشاف ٣: ٨٢: «(ومأواهم النار) عطف على (لا تحسبن الذين كفروا معجزين) كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار».
وفي البحر ٦: ٤٧٠: «قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون (ومأواهم النار) متصلاً بقوله: (لا تحسبن). . . استبعد العطف من حيث إن (لا تحسبن) نهى و (مأواهم النار) جملة خبرية، فلم يناسب عنده أن تعطف الجملة الخبرية على جملة النهي. . . والصحيح أن ذلك لا يشترط، بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضها على بعض، وإن لم تتحد في النوعية، وهو مذهب سيبويه». الجمل ٣: ٢٣٧.
٥ - لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن [٤: ١٩].
(ولا تعضلوهن) الواو عاطفة جملة طلبية على جملة خبرية. البحر ٣: ٢٠٤، العكبري ١: ٩٦.
٦ - لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا [١٩: ٤٦].
في الكشاف ٢: ٤١٣: «فإن قلت: علام عطف (واهجرني)؟
قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه (لأرجمنك) أي فاحذرني واهجرني وفي البحر ٦: ١٩٥: وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه. وليس ذلك بلازم عند سيبويه، بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية». الجمل ٣: ٦٦.
٧ - يا موسى إنه أنا العزيز الحكيم وألق عصاك [٢٧: ٩ - ١٠].
في الكشاف ٣: ١٣٤: «فإن قلت: علام عطف قوله (وألق عصاك)؟ قلت: على بورك».
في البحر ٧: ٥٦: «كأنه يرى في العطف تناسب المتعاطفين، والصحيح أنه لا يشترط ذلك، بل قوله: (وألق عصاك) معطوف على قوله: (إنه أنا الله العزيز الحكيم) عطف جملة الأمر على الجملة الخبرية. وقد أجاز سيبويه جاء زيد ومن عمرو؟».
٨ - أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله [٤٩: ١٢]
٨ - أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله [٤٩: ١٢]
(فكرهتموه) قيل: لفظه خبر، ومعناه الأمر تقديره فاكرهوه، ولذلك عطف عليه (واتقوا الله) ووضع الماضي موضع الأمر كثير في لسان العرب.
٩ - وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا [٧١: ٢٤].
(ولا تزد) معطوفة على (وقد أضلوا) البحر ٨: ٣٤٢.
وفي الكشاف ٤: ١٤٤: «فإن قلت: علام عطف قوله: (ولا تزد الظالمين)؟
قلت على قوله: (رب إنهم عصوني) على حكاية كلام نوح عليه السلام». الجمل ٤: ٤٠٧.
١٠ - إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر [١٠٨: ١ - ٢].
في العكبري ٢: ١٦١: «الفاء للتعقيب، أي عقب العطاء بالصلاة».
في المغني ١: ١٤٣: «الفاء للسببية المحضة كفاء الجواب عند أبي إسحاق، ويجب عندي أن يحمل على ذلك مثل (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك)، ونحو: ائتني فإني أكرمك، إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر، ولا العكس». ص ١٠٠.
١١ - أعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات [٢: ٢٤ - ٢٥].
في الكشاف ١: ٥١: «فإن قلت: علام عطف هذا الأمر، ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟
قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟
قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق. ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فاتقوا)».
وفي البحر ١: ١١٠: «عطف الجمل بعضها على بعض ليس من شرطه أن تتفق معاني الجمل، فعلى هذا يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة غير الخبرية». المغني ٢: ١٠٠.
١٢ - وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين [٦١: ١٣]
في الكشاف ٤: ٩٥: «فإن قلت علام عطف قوله (وبشر المؤمنين)؟ قلت على (تؤمنون) لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا». البحر ٨: ٢٦٤، المغني ٢: ١٠٠.
ج: ص: كتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم
[محمد عبد الخالق عضيمة]
كتاب ضياء السالك إلى أوضح المسالك
[محمد عبد العزيز النجار:
واعطف على اسم شبه فعل فعلا … وعكسا استعمل تجده سهلا*
أي: اعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل؛ كاسم الفاعل ونحوه، واستعمل العكس؛ وهو: أن تعطف الاسم على الفعل الواقع موقع الاسم تجد الأمر سهلا ومستساغًا.
هذا: ويجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها، كما يجوز عطف الجملة الفعلية على مثلها، بشرط اتفاقهما خبرًا أو إنشاء، ويمنع إن اختلفا في ذلك على الصحيح.
أما عطف الاسمية على الفعلية، والعكس، فجائز على الراجح، ومن الحكم المأثورة: "للباطل جولة ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، وقد تعطف الجملة على المفرد أو العكس، إذا كانت الجملة في الحالتين مؤولة بالمفرد؛ كأن تكون نعتًا؛ أو خبرًا أو حالا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾؛ أي أو قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾؛ فقاعدا معطوف على قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾.
قال عباس حسن:
ج- عطف الجملة على الجملة.
يجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها الاسمية؛ نحو: الرياضة نافعة، والمداومة المحمودة عليها لازمة. وقولهم: "الرأي الصادق أمانة، وكتمانه عد الحاجة إليه خيانة": وقول الشاعر:
الصدق يألفة الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدني الأخيب١
كما يجوز عطف الفعلية على الفعلية٢ -بشرط اتفاقهما خبرا أو إنشاء- ولو اختلف زمان الفعلين فيهما٣؛ فمثال اتحاد الزمن فيهما: وصلت الطائرة وفرح المسافرون بالوصول سالمين٤ يفرح المنتصر ويفرح أهله وأعوانه٥ ...
كل واشرب، والبس، في غير مخيلة١ ولا كبر٢ ...
ومثال اختلاف الزمن: وصل اليوم الغائب ويسافر غدًا يحاسب المرء على عمله يوم الحساب، ورأى المسيء عاقبة ما كان منه.
أما الجملة الفعلية الاميرية٣ -أو غيرها من الجمل الإنشائية الأخرى- فلا تعطف إلا على جملة فعلية متحدة معها في الزمن، نحو قوله تعالى للصائمين: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .
وبهذه المناسبة نذكر أن النحاة اختلفوا في جواز عطف الجملتين المختلفتين إنشاء وخبرا، وعطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس.
فأما عطف المختلفتين إنشاء وخبرا فالأحسن إتباع الرأي الذي يمنعه٤: فوضوح هذا الرأي. وبعده من التكلف، وخلوه من الحذف والتقدير:
فلا يصح عطف الثانية على الأولى في مثل: داوم على الطاعات، ودوام أهلك. ولا في مثل: هذا البحر وأنزل للعوم فيه.
وأما عطف الاسمية على الفعلية والعكس فجائز١ -في أرجح الآراء- إن لم يختلفا خبرا وإنشاء؛ فيصح عطف الثانية على الأولى في مثل: أحب الزراعة، والصناعة تفيدني٢. ومثل: الصناعة مفيدة لنا أحب الزراعة. ومن الأمثال المأثورة: "للباطل جولة، ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها و ... و ...
أما عطف الجملة على المفرد، والعكس فسيجيء٣كتاب النحو الوافي
[عباس حسن]
تعريف العطف
عنوان
عطف الفعل على الفعل
عطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس
عطف الجملة
حروف العطف:
الواو
الفاء
ثم
حتى
أم
أو
إما
أم
لكن
لا
بل
التشريك وما لا يقتضيه
الفصل بين المتعاطفين
الحذف في أسلوب العطف
تقديم المعطوف على المعطوف عليه:
عطف الفعل على الفعل أو على ما يشبهه، والعكس، وعطف الجملة على الجملة:
كتاب كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي — علاء الدين عبد العزيز البخاري:
وَقَالُوا: لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ الشَّرِكَةَ وَاعْتَبَرُوا بِالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ وَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي اللُّغَةِ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَيْنَهُمَا لِافْتِقَارِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إلَى مَا تَتِمُّ بِهِ فَإِذَا تَمَّ بِنَفْسِهِ لَمْ تَجِبْ الشَّرِكَةُ إلَّا فِيمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ وَهَذَا أَكْثَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُحْصَى
________ شرحه:
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ إنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَصُورَتَهُ أَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ مَتَى دَخَلَ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ فَالْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ تُشَارِكُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهَا فِي الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ نَاقِصًا يُشَارِكُ الْجُمْلَةَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهَا فِي خَبَرِهِ وَحُكْمِهِ جَمِيعًا وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْقِرَانَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ بِوَاوِ النَّظْمِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣] يُوجِبُ سُقُوطَ الزَّكَاةِ عَنْ الصَّبِيِّ كَسُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنْهُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْحُكْمِ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فِي اللُّغَةِ وَلِهَذَا يُسَمَّى وَاوُ الْعَطْفِ عِنْدَهُمْ وَمُوجِبُ الْعَطْفِ هُوَ الِاشْتِرَاكُ وَمُطْلَقُ الِاشْتِرَاكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ مُتَعَرِّيًا عَنْ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِي خَبَرِهِ وَحُكْمِهِ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِالشَّرِكَةِ فِي الْحُكْمِ إذَا كَانَا كَلَامَيْنِ تَامَّيْنِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَاعْتَبِرُوا بِالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كَلَامِ النَّاسِ يُوجِبُ الْقِرَانُ الِاشْتِرَاكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ يُوجِبُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ جَمِيعًا بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَلَامَيْنِ تَامًّا مُفِيدًا بِنَفْسِهِ فَكَذَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ
وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي اللُّغَةِ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِنَفْسِهِ وَيَنْفَرِدَ بِحُكْمِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو لِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ جَعْلَ الْكَلَامَيْنِ كَلَامًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ فَإِنَّهَا لَمَّا احْتَاجَتْ إلَى الْخَبَرِ أَوْجَبَ عَطْفُهَا عَلَى الْكَامِلَةِ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ ضَرُورَةَ الْإِفَادَةِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ عُدِمَتْ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ عَلَى مِثْلِهَا فَلَمْ يَثْبُتْ الشَّرِكَةُ.
متن:
وَهَذَا أَيْ عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِدُونِ الشَّرِكَةِ كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى
وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ: إنَّ الْعِتْقَ بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ تَامًّا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ قَاصِرٌ
شرحه:
مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: ٢٤] .
وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ} [الحج: ٥] وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: ١٥] وَقَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف: ٢٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ فَهَذِهِ جُمَلٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَمْ تُشَارِكْ مَا تَقَدَّمَهَا فِي الْإِعْرَابِ فَأَنَّى تُشَارِكُهَا فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَثْبُتُ لِلِافْتِقَارِ قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ كَانَ تَامًّا إيقَاعًا لَكِنَّهُ قَاصِرٌ تَعْلِيقًا أَيْ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّ غَرَضَهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ لَا التَّنْجِيزُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ شَرْطًا عَلَى حِدَةٍ فَصَارَ نَاقِصًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْغَرَضُ وَقَدْ عَطَفَهُ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَثْبُتُ الشَّرِكَةُ لِلِافْتِقَارِ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ طَلَاقُ عَمْرَةَ بِالشَّرْطِ بَلْ يُتَنَجَّزُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَرَضُهُ التَّعْلِيقَ لَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَعَمْرَةُ لِأَنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ يَصْلُحُ خَبَرًا لَهُ فَيَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بِالْعَطْفِ وَحَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ التَّنْجِيزُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لِلثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعَمْرَةُ طَالِقٌ أَنَّ طَلَاقَ عَمْرَةَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ أَيْضًا لِأَنَّ غَرَضَهُ تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ زَيْنَبَ وَتَعْلِيقُ نَفْسِ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ عَمْرَةَ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِعَادَةِ الْخَبَرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَبْدِي حُرٌّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ فِي قَوَانِينِ عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ رِعَايَةَ التَّنَاسُبِ شَرْطٌ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَدَرَجَاتُ الْحَمْلِ ثَلَثُونِ وَكُمُّ الْخَلِيفَةِ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَفِي عَيْنِ الذُّبَابِ جُحُوظٌ وَكَانَ جَالِينُوسُ مَاهِرًا فِي الطِّبِّ وَالْخَتْمُ فِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَالْقِرْدُ شَبِيهٌ بِالْآدَمِيِّ سُجِّلَ عَلَيْهِ بِكَمَالِ السَّخَافَةِ أَوْ عُدَّ مَسْخَرَةً مِنْ الْمَسَاخِرِ فَدَلَّ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ.
قُلْنَا لَا نُنْكِرُ أَنَّ التَّنَاسُبَ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ وَلَكِنَّا نُنْكِرُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهِ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَبِالْمُحْتَمَلِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ وَهَذَا كَالْمَفْهُومِ فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ الْكَلَامِ وَعَلَيْهِ بُنِيَ عِلْمُ الْمَعَانِي وَلَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ افْتِقَارَ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فِي أَمْرٍ يُوجِبُ الشَّرِكَةَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي تَامًّا بِنَفْسِهِ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى إلَى آخِرِهِ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَاخْتُلِفَ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ فَعِنْدَنَا لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ تَتْمِيمًا لِلْحَدِّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْبَلُ لِلْفِسْقِ فَإِنَّهُ بِالْقَذْفِ بِلَا شُهُودٍ هَتَكَ سِتْرَ الْعِفَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَصَارَ بِهِ فَاسِقًا وَلِهَذَا لَزِمَهُ الْحَدُّ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِارْتِكَابِ جَرِيمَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْفِسْقِ وَإِذَا ثَبَتَ فِسْقُهُ بِالْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْحَدِّ أَيْضًا لِوُجُودِ الْفِسْقِ وَيَقْبَلُ إذَا تَابَ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَهُ لِزَوَالِ الْفِسْقِ بِالتَّوْبَةِ كَسَائِرِ الْفَسَقَةِ إذَا تَابُوا وَعِنْدَنَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ تَتْمِيمًا لِلْحَدِّ وَسَبَبُهُ الْقَذْفُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ إتْيَانِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ لَا نَفْسَ
هنا
وَعَلَى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] : إنَّ قَوْلَهُ {فَاجْلِدُوهُمْ} [النور: ٤] جَزَاءٌ وَقَوْلَهُ لَا تَقْبَلُوا وَإِنْ كَانَ تَامًّا وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَزَاءً وَاحِدًا مُفْتَقِرًا إلَى الشَّرْطِ فَجُعِلَ مُلْحَقًا بِالْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ جُرْحَ الشَّهَادَةِ إيلَامٌ كَالضَّرْبِ
ــ
شرح
الْقَذْفِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
وَرُبَّمَا يَكُونُ حِسْبَةً مِنْ الْقَاذِفِ إذْ عَلِمَ إصْرَارَهُ وَوَجَدَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ فَإِذَا عَجَزَ لَمْ يَكُنْ قَذْفُهُ حِسْبَةً وَإِقَامَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ بَلْ كَانَ هَتْكًا لِلسِّتْرِ لَا غَيْرَ وَأَنَّهُ حَرَامٌ شَرْعًا فَصَارَ سَبَبًا لِلْحَدِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا نَسْمَعُ بَيِّنَةَ الْقَاذِفِ عَلَى إثْبَاتِ مَا قَذَفَ وَلَوْ كَانَ قَذْفُهُ كَبِيرَةً بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا وَلَا مَعْمُولًا بِحُكْمِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ كَبِيرَةً بِالْعَجْزِ فَإِذَا عَجَزَ وَصَارَ الْقَذْفُ حِينَئِذٍ فِسْقًا لَزِمَ الْقَاضِي إقَامَةُ الْحَدِّ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِظُهُورِ فِسْقِهِ وَلَكِنَّهَا بَعْدَ الْقَذْفِ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْسُقْ بَعْدُ وَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُقْبَلُ بَعْدُ وَإِنْ تَابَ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ وَأَصْلَ الْحَدِّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ لَا يَسْقُطُ أَيْضًا وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَمَسَّكُوا فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِهِمْ بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: ٤] مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَقَوْلُهُ {فَاجْلِدُوهُمْ} [النور: ٤] جَزَاءٌ لَهُ وَلِهَذَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ أَيْ مَنْ رَمَى مُحْصَنَةً فَاجْلِدُوهُ وقَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْأُولَى لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ تَامٍّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا بِنَفْسِهِ وَالْوَاوُ لِلنَّظْمِ فَلَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَقَوْلَهُ عَزَّ اسْمُهُ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: ٤] جُمْلَةٌ تَامَّةٌ أَيْضًا وَلَكِنَّهَا فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا أَيْ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا لِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ بِذَلِكَ الرَّمْيِ فَكَانَتْ مُتَّصِلَةً بِمَا تَقَدَّمَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ اللَّاحِقِ بِهَا يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلَيْهِمَا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْجَمْلِ الْمَعْطُوفَةِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْكُلِّ عَلَى مَا
بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْكُلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْقِطَ الْكُلَّ بِالتَّوْبَةِ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِزَوَالِ الْفِسْقِ وَالْجَلْدَ لِزَوَالِ الْقَذْفِ بِإِكْذَابِ النَّفْسِ إلَّا أَنَّ الْجَلْدَ حَقُّ الْمَقْذُوفِ فَتَوْبَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعْفِيَهُ فَلَا جُرْمَ إذَا اسْتَعْفَاهُ فَعَفَا عَنْهُ سَقَطَ الْحَدُّ أَيْضًا.
وَأَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَالُوا: إنَّ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: ٤] مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ كَمَا قَالَ: وَلَكِنَّ نَفْسَ الرَّمْيِ لَا يَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْجِنَايَةِ وَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْجِنَايَةِ إلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِالشُّهُودِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا لِتَرَجُّحِ جَانِبِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الشَّرْطِ فَكَانَ الْكُلُّ شَرْطًا لِلْجَزَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ: الدَّارَ ثُمَّ تُكَلِّمُ زَيْدًا فَهِيَ طَالِقٌ كَانَ دُخُولُ الدَّارِ مَعَ كَلَامِ زَيْدٍ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَإِنَّمَا عَطَفَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ لِأَنَّ إقَامَةَ الشُّهُودِ تَتَرَاخَى عَنْ الْقَذْفِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ وَلَا تُقَامُ عَقِيبَ الرَّمْيِ مُتَّصِلًا بِهِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ بِقَوْلِهِ {فَاجْلِدُوهُمْ} [النور: ٤] فَتَعَلَّقَ الْجَلْدُ بِهِ وَصَارَ مِنْ حُكْمِهِ مِثْلَهُ فِي قَوْله تَعَالَى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: ٢] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] فَشَارَكَهُ فِي كَوْنِهِ جَزَاءً وَاحِدًا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَامًّا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَصْمُ
وَأَلَا تَرَى أَنَّهُ فُوِّضَ إلَى الْأَئِمَّةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: ٤] فَلَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِأَنَّ الْجَزَاءَ مَا يُقَامُ ابْتِدَاءً بِوِلَايَةِ الْإِمَامِ فَأَمَّا الْحِكَايَةُ عَنْ حَالٍ قَائِمَةٍ فَلَا فَاعْتُبِرَ تَمَامُهَا بِصِيغَتِهَا فَكَانَتْ فِي حَقِّ الْجَزَاءِ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْمُبْتَدَأَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: ٢٤] وَمِثْلُ قَوْلِهِ {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: ٥] {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: ١٥] وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَطَعَ قَوْلَهُ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الِاتِّصَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَقُلْنَا نَحْنُ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ أَنَّ الْقَذْفَ سَبَبٌ وَالْعَجْزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ بِصِفَةِ التَّرَاخِي وَالرَّدَّ حَدٌّ مُشَارِكٌ لِلْجَلْدِ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالْوَاوِ وَالْعَجْزَ عَطْفٌ بِثُمَّ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَزَاءً وَاحِدًا مُفْتَقِرٌ إلَى الشَّرْطِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ وَيَصِيرُ الْكُلُّ حَدًّا لِلْقَذْفِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَتَغْرِيبُ عَامٍ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْبِكْرِ لِلْعَطْفِ وَلَكِنَّا لَمْ نَجْعَلْ التَّقْرِيبَ حَدًّا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِغْرَاءِ عَلَى ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ دُونَ الزَّجْرِ فَأَمَّا رَدُّ الشَّهَادَةِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَلْدِ وَأَنَّهُ صَالِحٌ لِتَتْمِيمِ الْحَدِّ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ تُقَامُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَقْذُوفِ عَلَى مَا عُرِفَ وَحَقُّهُ فِي زَوَالِ مَا لِحَقِّهِ مِنْ الْعَارِ بِتُهْمَةِ الزِّنَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِأَنْ يَصِيرَ الْقَاذِفُ مُكَذِّبُ الشَّهَادَةِ مَرْدُودَ الْكَلَامِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَلَّمُ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ وَإِبْطَالِ كَلَامِهِ فَوْقَ مَا يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ فَيَصْلُحُ عُقُوبَةً فَيَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ ثُمَّ جَرِيمَةُ الْقَاذِفِ بِاللِّسَانِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حَدٌّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْجَرِيمَةُ فَكَانَ جَزَاءً وِفَاقًا كَشَرْعِيَّةِ حَدِّ السَّرِقَةِ فِي الْيَدِ الَّتِي هِيَ آلَةُ الْأَخْذِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِّ وَهُوَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ فِي إهْدَارِ قَوْلِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي إقَامَةِ الْجَلْدِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا رَدَّ الشَّهَادَةِ مُتَمِّمًا لِلْحَدِّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ لِأَنَّهُ إيلَامٌ بَاطِنًا كَالْقَذْفِ إلَّا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ وَلَا يَنْزَجِرُ بِهِ عَنْ الْقَذْفِ فَضَمَّ إلَيْهِ الْإِيلَامَ الْحِسِّيَّ لِيَشْمَلَ الزَّاجِرُ الْجَمِيعَ وَيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ عَامًّا وَجُعِلَ الرَّدُّ تَتْمِيمًا لَهُ لِيَكُونَ جَزَاءً وِفَاقًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] شَهَادَةٌ يُقِيمُهَا الْقَاذِفُ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ بِدَلِيلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ يَعْنِي إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ لَا تَقْبَلُوا لِأَجْلِهِمْ شَهَادَةً عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِمْ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْقَاذِفَ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْتُمْ لَقِيلَ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ قُلْنَا: الْمُرَادُ شَهَادَتُهُ فِي الْحَوَادِثِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِمَنْ حُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا قَامَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ تُقْبَلُ وَيَصِيرُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وقَوْله تَعَالَى لَهُمْ شَهَادَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ شَهَادَتُهُمْ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ دَارُك وَهَذِهِ دَارٌ لَك وَالدَّالُّ عَلَيْهِ أَنَّ شَهَادَةً نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي النَّفْيِ فَيُوجِبُ الْعُمُومَ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُهَا لِأَنَّ شَهَادَةً تُقِيمُهَا عَلَى سَائِرِ حُقُوقِهِ مَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ: وَلَا تَقْبَلُوا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ الْقَبُولِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حَدًّا لِأَنَّ الْحَدَّ فِعْلٌ يَلْزَمُ لِلْإِمَامِ إقَامَتُهُ لَا حُرْمَةُ فِعْلٍ وَلَيْسَ فِيهَا فِعْلٌ وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَصَوُّرِهِ وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ وَالْإِبْطَالُ فَوْقَ النَّهْيِ. قُلْنَا قَوْلُكُمْ النَّهْيُ لَا يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ مُسَلَّمٌ غَيْرَ أَنَّ النَّهْيَ الْمُحَرِّمَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ دَلَّنَا عَلَى بُطْلَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالْحَدِّ الَّذِي أُمْضِيَ عَلَى الْقَاذِف
كتاب كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي
[علاء الدين عبد العزيز البخاري]
الكتاب: كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي
المؤلف: علاء الدين، عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت ٧٣٠ هـ)
وبهامشه: «أصول البزدوي» [وقد تم وضعها بأعلى الصفحات في هذه النسخة الإلكترونية]
محمد عيد:
[العطف في الأفعال]
من المعلوم أن الأفعال ثلاثة "ماضٍ ومضارع وأمر" وأقدم هنا الملاحظات التالية حولها في عطف النسق:
أ- إذا عطف فعل أمر على أمر آخر فليس من عطف الأفعال أو بعبارة أخرى: ليس من عطف المفردات، بل هو من عطف الجمل أقول: "ذاكِرْ واجتهدْ واترك الباقِيَ لله" فهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات وكذلك الشأن في كل فعل يستتر فيه الضمير وجوبا.
ب- قال ابن هشام نصا: ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما سواء اتحد نوعاهما أم اختلفا ا. هـ.
ومعنى ذلك أنه يُعطف ماضٍ على ماضٍ ومضارع على مضارع أو يعطف مضارع على ماضٍ والعكس بشرط أن يتحدا في الزمن وإن اختلفا في الصيغة.
تقول: "تَدَثَّرَ فنام المُجْهَدُ" وتقول: "يُحيي ويُميتُ ربُّ الناس" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ (١).
- قول القرآن: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢).
ج- يمكن العطف بين الفعل وما يشبه الفعل من الأسماء -كاسم الفاعل أو المفعول- تقول "يسمعُ الحاكم العادلُ رأيَ الرعيَّةِ ومستجيبٌ لطلباتهم" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ (٣).
- قول الراجز "جندب بن عمرو":
يا ليتني عَلِقتُ غيرَ حَارِجْ
قبل الصّباحِ ذاتَ خَلْقٍ بارِجْ
أُمَّ صبيٍّ قد حَبَا أو دارِجْ (٤)
كتاب النحو المصفى
[محمد عيد]
بعض الأحكام في العطف
المسالة ١٢٢:
بعض أحكام –في العطف– عامة متفرقة ١:
"منها: -شرط صحة العطف- تقدير العامل على العاطف -الضمير العائد على المتعاطفين- الفصل بين الفاء والواو ومعطوفهما -تقدم المعطوف- عطف الجملة على المفرد والعكس، وقد سبق٢ بيان المراد من المفرد -العطف على التوهم- المغيرة بين المتعاطفين -معنى المعطوف وحكمه إذا كان المعطوف عليه كنية- جواز القطع في عطف النسق عطف الزمان على المكان، وعكسه".
١ يشترط لصحة العطف أن يكون المعطوف صالحا بنفسه، أو بما هو بمعناه لمباشرة العامل المذكور أي: للوقوع بعده مباشرة" من غير أن يمنع من ذلك مانع نحوي٣ فمثال الأول: دخل سعيد وسليم؛ إذ يصح دخل سليم. والثاني قام سعيد وأنا، فالضمير "أنا" لا يصلح فاعلا للفعل: "قام٤ ولكن "تاء" المتكلم التي هي ضمير بمعناه تصلح؛ فتقول: قمت.
فإن لم يصلح المعطوف ولا شيء بمعناه لمباشرة العامل المذكور أضمر له عامل مقدر يناسبه، وصار مع عامله المقدر جملة معطوفة على الجملة السابقة، "أي: صار الكلام عطف جمل" وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع الذي يعرب فاعلا لمضارع مبدوء بالهمزة أو بالنون أو بتاء المخاطب، أو بتاء التأنيث، وكالمعطوف على الفاعل المستتر لفعل الأمر، ومن الأمثلة لكل ما سبق: أتعاون أنا والجار، نتعاون نحن والجيران، تتعاون أنت والجار، تتعاون فاطمة والجار، أمكن أنت وزوجك الجنة. فكل معطوف من هذه المعطوفات لا يصلح لمباشرة العامل "إذ لا يقال: أتعاون الجار، نتعاون الجيران، تتعاون
الجار، تتعاون الجار، اسكن زوجك ... " فلما كان المعطوف غير صالح لمباشرة العامل المذكور في الكلام وجب أن يقدر له عامل آخر يناسب؛ كان يقال: أتعاون أنا ويتعاون الجار ... اسكن أنت وليكن زوجك الجنة ...
هذا كلام كثير من النحاة، وفيه تعقيد وتكلف لا داعي له، ولا يتفق مع قولهم: "قد يغتغفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل" ... "ورددوا هذه القاعدة هنا وفي أبوابه أخرى"١ فمن الخير الأخذ بها والعطف المباشر على الفاعل المستتر، وعدم الالتفات هنا إلى التقدير، والحذف والتضييق بغير فائدة أو دفع ضرر إلا مجاراة الخيال٢.
٢- لا يشترط من الوجهة المعنية٣ صحة تقدير العامل بعد العاطف، فمن الصحيح أن تقول: تخاصم المأمون والأمين، مع أنه لا يصح من لوجهة٣ المعنوية أن يقال تخاصم المأمون وتخاصم الأمين، إذ الفعل: "تخاصم" لا يقع إلا من متعدد؛ فلا يكتفي بأن يقع بعده واحد. ولا تعدد هنا بعد كل فعل من الفعلين.
٣- كل ضمير يعود على المعطوف والمعطوف عليه معا يجب مطابقته: لهما؛ بشرط أن تكون أداة العطف هي: "الواو"، أو "حتى"؛ نحو العم والأخ حضرا الجسم حتى الأظافر اعتنيت بنظافتهما٤ ...
فان كان حرف العطف هو: "الفاء"، أو "ثم" وكان الضمير في الخبر عائدا على المعطوف والمعطوف عليه جاز حذف الخبر من أحدهما؛ نحو: محمود فحامد قام، ويجوز تقديم الخبر على الحذف من الثاني؛ نحو: محموا قام فحامد، ويجوز مطابقة الضمير بغير حذف، نحو: محمود فحامد قاما ... و"ثم" كالفاء فيما سبق.
فان لم يكن الضمير في الخبر وجبت المطابقة، نحو: جاءني الوالد والعم فقمت لهما" وأقبل علي وسليم وهما صديقان ...
وأما: "لا"، و"بل"، و"أو"١، و"أم"، و"لكن"، و"إما" "عند من يعتبرها عاطفة"، فمطابقة الضمير معها وعدم المطابقة راجعة إلى قصد المتكلم "فان قصد احد المتعاطفين -وذلك واجب في الإخبار- وجب إفراد الضمير؛ نحو: الأخ لا الصديق جاءني، الأخ بل الصديق خرج، أمسعود أم منصور زارك؟ إسماعيل أو فاطمة حياني، إذ المعنى: حياني أحدهما. ويراعى تغليب المذكر. أما في غير الأخبار فتقول: زارني إما العم وإما الخال فأكرمته، أصديقا قابلت أم عدوا فتركته، ما جاءني أحمد لكن سليم فاستقبلته خير استقبال.
وإن قصدتهما معا وجبت المطابقة؛ نحو: حسن لا حسين جاءني مع أني دعوتهما، وعاصم أو سليم دعاني حين ذهبت إليهما ... "وقد سبقت الإشارة لهذا".
٤- لا يجوز الفصل بين الفاء ومعطوفها إلا في الضرورة الشعرية٢، فلا يقال: فلان ورثة أبوه مالا ففي القوم جاها. وإنما يقال: فلان ورثة أبوه مالا فجاها في القوم. ويصح الفصل بين غيرها ومعطوفه بالظرف أو الجار والمجرور "ويدخل القسم في هذا"، نحو: تعبت ثم عندك جلست، نزل المطر ثم والله طلعت الشمس، ما أهنت أحدا لكن في البيت المسيء ...
أما الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فقد سبق٣ بيانه.
٥- لا يتقدم المعطوف على المعطوف عليه إلا شذوذا فيقتصر فيه على المسموع، وقيل يجوز في الضرورة الشعرية. والأولى إهمال هذا الرأي؛ ومنه قول القائل:
أبا نخلة من ذات عرق ... عليك -ورحمة الله– السلام
يريد: عليك السلام ورحمة الله وقد سبقت الإشارة: لهذا١.
٦- وقد تعطف الجملة على المفرد –أحيانا- أو العكس، إذا كانت الجملة في الحالتين بمنزلة لمفرد؛ لأنها مؤولة به، كان تكون: نعتا، أو حالا، أو: خبرا، أو: مفعولا لظن وما في حكمها ...
فمن عطف المفرد على الجملة ما ورد من مثل: ألفيت الشجاع يهزم خصمه وفاتكا به. فكلمة: "فاتكا" منصوبة؛ لأنها معطوفة على الجملة الفعلية المركبة من المضارع "يهزم" وفاعله" وهذه الجملة بمنزلة المفرد المنصوب؛ لأنها المفعول الثاني للفعل: "ألفي". ومن هذا كلمة: "مصدقا" الثانية في قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} فالجملة الاسمية: "فيه هدى" في محل نصب، حال من الإنجيل، وكلمة: "مصدقا" التي بعدها معطوفة عليها، منصوبة؛ مراعاة لمحل المعطوف عليه....٢ومثل هذا قول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء ... وجنات وعينا سلسبيلا
فالجملة الاسمية "لهم جزاء" في محل نصب؛ لأنها المفعول الثاني للفعل: "وجد" وقد روعي هذا المحل فجاء المعطوفان "جنات وعينا" منصوبين تبعا لذلك المحل٢.
ومن عطف الجملة على المفرد قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا ٣ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} ، أي: قائلين٤.
ومن عطف المفرد على شبه الجملة قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} ، فقاعدا عطف على "لجبنه": لتأويل شبه الجملة بمفرد، وهو: مجنوب.
التفاصيل
٧- هناك نوع من العطف، يرتضيه بعض النحاة، ويسميه: "العطف على التوهم". ومن أوضح أمثلته عندهم العطف "بفاء السببية" على معطوف مأخوذ من مضمون الجملة التي قبلها. ذلك أن "فاء السببية" تقتضي عطف المصدر المؤول بعدها على مصدر صريح قبلها "وهذا المصدر الصريح قد يكون مذكورا صراحة قبلها؛ نحو: ما الشجاعة تهورا فتهمل الحذر، وقد يكون غير مذكور فيتصيد؛ نحو: ما أنت مسيء إليك. أي: ما تكون منك إساءة يترتب عليها أن نسيء لك.
فإن لم يوجد قبل فاء السببية مصدر صريح ولا ما يصلح أن يتصيد منه المصدر "كالجملة الاسمية التي يكون فيها الخبر جامدًا؛ نحو: ما أنت عمر فنهابك" فبعض النحاة يمنع نصب المضارع، وبعض آخر يجيز تصيد مصدر من مضمون الجملة السابقة التي فيها الخبر جامدا، ويكون الكلام عطف جملة على جملة، ومن لازم معناها؛ كان يقال في المثال السالف: ما يثبت كونك عمر، فهيبتنا إياك٢ ...
يقول النحاة: إن "المغايرة" هي الأصل الغالب في عطفه النسق بين المتعاطفين. يريدون: أن يكون المعطوف مغايرا المعطوف عليه في لفظه وفي معناه معا فلا يعطف الشيء على نفسه. هذا هو الأصل الغالب، لكن العرب قد تعطف -لغرض بلاغتي- الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظان: كقولهم ... "وألفي قولها كذبًا ومينا" فقد عطفوا المين على الكذب "ومعناهما واحد، واللفظان مختلفان" لغرض بلاغي هو تقوية معنى المعطوف عليه وتأكيده. وهذا النوع من العطف -على قلته قياسي١ ...
وقد يعطفون الخاص على العام وعكسه لغرض بلاغي كذلك؛ فمن الأول قوله تعالى في صورة البقرة: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فقد عطف "الصلاة الوسطى" ومن معانيها: صلاة العصر ... -على "الصلوات"، والمعطوف خاص؛ لأنه نوع بعض المعطوف عليه العام الذي يشمله مع غيره من الأنواع الأخرى.
ومن الثاني قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} فقد عطف الجملة الفعلية: "ظلموا" على الجملة الفعلية: "فعلوا" والمعطوف هنا عام، والمعطوف عليه خاص؛ لأنه داخل في مضمون المعطوف الذي يشمله وغيره٢ ...
٩- إذا كان المعطوف عليه كنية لوحظ فيه وفي المعطوف ما سبقت الإشارة إليه في "أ" منص٤٤٤.
١٠- الصحيح جواز "القطع"٣ في المعطوف عطف نسق؛ كما أشرنا من قبل٤ وهو كثير في المعطوفات المتعددة التي كانت في أصلها نعوتا، ثم فصل بينها بحرف العطف؛ فصارت معطوفات بعد أن كانت نعوتا. وحجة القائلين بصحته وقوعه في أفصح الكلام. ومن الأمثلة كلمة: "الصابرين" من قوله تعالى في سورة البقرة: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ} فقد نصبت كلمة: "الصابرين" بسبب "القطع" ولو كانت معطوفة لرفعت كسائر المعطوفات المرفوعة التي قبلها، ومثل كلمة: "المقيمين" من قوله: في سورة النساء.
{لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} ، ومثل كلمة: "القائلون" فيما أنشده الكسائي لبعض فصحاء العرب:
وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين، ولما يظعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار نخليها؟
ومثل: ما أنشده الفراء لبعضهم كذلك:
إلى الملك القرم١ وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المردحم
وذا الرأي حين تغم الأمور ... بذات الصليل٢، وذات اللجم٣
فقد نضبت كلمتي: "ليث" و"ذا" على الاعتبار السابق٤ ...
١١- هل يصح عطف الزمان على المكان وعكسه؟ الأحسن الأخذ بالرأي الذي يجيزه عند أمن اللبس؛ نحو قابلتك أمام بيتك هذا ويوم الخميس أو: قابلتك يوم الخميس وأمام بيتك٥.
= "هل يجوز عطف الزمان على المكان وعكسه؟ قال في المعني: أجاز الفارسي في قوله تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} أن يكون "يوم القيامة" معطوفا على محل هذه. ا. هـ. قال الدماميني: إن أريد بالدنيا الأزمنة السابقة ليوم القيامة فلا أشكال في عطفه عليها؛ لأن كلا منهما زمان. وإن أريد بها هذه الدار من حيث هي مكان، ففيه عطف زمان على مكان، وفي الكشاف ما يقتضي منعه؛ فإنه لما تكلم في تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} قال: فإن قلت: كيف عطف الزمان على المكان، وهو يوم حنين على المواطن؟ قلت معناه: وموطن يوم حنين، أو: في أيام كثيرة، ويجوز أن يراد بالمواطن: "الوقت"؛ كمقتل الحسين، ا. هـ.
ووجهه بعض الأفاضل بأن الفعل مقتض لظرف اقتضاءه لظرف المكان؛ فلا يجوز جعل حدهما تابعًا للآخر: فلا يعطف عليه كما لا يعطف المفعول فيه على المفعول به، ولا المفعول على الفاعل، ولا المصدر على شيء من ذلك، وبأن ظرف الزمان ينتصب على الظرفية مطلقًا، بخلاف ظرف المكان؛ فإنه يشترط فيه الإبهام. فلما اختلفا من هذه الجهة لم يجز عطفه أحدهما على الآخر. لعدم سماع عطف أحدهما على الآخر.
"لكن جوزه بعضهم؛ لاشتراكهما في الظرفية؛ تقول ضربت زيدا يوم الجمعة وفي المسجد، أو: في المسجد ويوم الجمعة؛.... وعليه جرى ابن المنير في الانتصاف مناقشا به صاحب الكشاف". انتهى كل ما قاله الصبان فيما سبق حرفيا، وأردفه بأنه نقله باختصار.
وهذا الرأي الأخير هو الأنسب. إلا أن المثال الذي ساقه خال من بيان الطريقة في إعرابه. ثم هو لا يخلو من لبس، إذ لا دلالة معه على أن الضرب الذي وقع يوم الجمعة، أهو الذي وقع في المسجد أم هو ضرب آخر. فلا بد من قرينة.
وقد سبق للمسألة السالفة إشارة موجزة في باب: "الظرف"، ج٢ م٧٨ في آخر الكلام على أحكام الظرف بنوعيه.
أم
النوع الأول: "المتصلة"، وهي المسبوقة بكلام مشتمل على همزة التسوية٢، أو على همزة استفهام يراد منها ومن "أمْ" التعيين "ويكون معناهما في هذه الحالة هو: "أيّ" الاستفهامية"٣. فالمتصلة قسمان٤، ولكل منهما علامة تميزه من الآخر:
أ- علامة: "أمْ" المتصلة بهمزة التسوية أن تكون متوسطة بين جملتين خبريتين، قبلهما معًا همزة تسوية٥، وكلتا الجملتين صالحة لأن يحل محلها هي والأداة التي تسبقها٦ مصدر مؤول من هذه الجملة؛ فهما جملتان في تأويل مفردين ويبين هذه المفردين "واو" عاطفة تُغْنى عن "أم"؛ كقولهم: على
العقلاء أن يعملوا برأي الخبير الأمين، فإن العمل برأيه غُنْم؛ سواءٌ أيوافق الرأيُ هواهم أم يخالفه". والتقدير: موافقةُ الرأي هواهم ومخالفتُه سواء. ومثل: "سؤال الناس مَذَلة وهوان؛ سواء أكان المسؤول قريبًا أم كان غريبًا". أي: سواءٌ كونُ المسؤول قريبًا وكونه غريبًا. فقد حل محل الجملة الفعلية الأولى في المثالين ومعها همزة التسوية، مصدر مؤول من الهمزة والجملة معًا؛ هو مصدر الفعل١ المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه "فاعلًا كان، أو اسمًا لناسخ ... " وحل محل الجملة الفعلية الثانية في المثالين ومعها "أمْ" مصدر مؤول هو مصدر الفعل المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه كذلك، وجاءت "الواو" بدلًا من "أمْ" في المثالين؛ لتعاطف المصدر الثاني المؤول على نظيره المصدر الأول. ويعرب المصدر الأول على حسب حاجة الجملة ... فيعرب في المثالين السالفين خبرًا، مبتدؤه كلمة: "سواء" أو العكس. وقد يعرب في غيرهما مفعولًا به، أو ... أو.. على حسب الموقع ... ويعرب المصدر المؤول الثاني معطوفًا على الأول بالواو.
والجملتان إما فعليتان كما رأينا –وهو الأكثر، ومنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ، والتقدير: إنذارك٢ وعدنُه سواءٌ. وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} ، والتقدير: جزعنا وصبرنا سواء٣ وإما اسميتان كقول الشاعر:
وَلَسْتُ أُبالي بعد فقْديَ مالكًا ... أَمَوْتِيَ ناءٍ أَم هُوَ الآَنَ واقعُ
والتقدير: لست أبالي نَأىَ١ موتى وقوعه الآن. وإما مختلفتان بأن تكون الأولى "وهي المعطوف عليها" فعلية: والثانية "وهي المعطوفة" اسمية كقوله تعالى عن الأصنام: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} , والتقدير: سواء عليكم دعاؤُكُم إياهم وصمْتُكُم. أو العكس، نحو: لا يبالي الحرّ في إنجاز العمل أرئيسهُ حاضر أم يغيب. والتقدير: لا يبالي الحرُّ حضورَ رئيسه وغيابه٢. والمصدر المؤول هنا مفعول به ... والجملة بمعنى: سواءٌ على الحرّ أرئيسه حاضر أم غائب.
وليس من اللازم أن تكون همزة التسوية مسبوقة بكلمة "سواء" فقد يغنى عنها ما يدل دلالتها في التسوية؛ نحو: "ما أبالي" ... أو ما يشبهها من هذه الناحية٣ إنما اللازم أن تكون مسبوقة بكلمة: "سواء" أو بما يؤدي (حاشية: ٢ العطف في الآية يؤيد الرأي الأرجح الذي يبيح عطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس. بالطريقة الموضحة هناك "انظر ص٦٥٥".)
معناها؛ كما في بعض الأمثلة السابقة.
هذا، ولا شأن لهمزة التسوية بالاستفهام فقد تركته نهائيًا وتمضحت للتسوية.
حكم هذا القسم:
مما سبق يتبين أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تَعطف إلا جملة على جملة وكلتا الجملتين خبرية بمنزلة الفرد؛ لأنها صالحة مع الأداة لأن يحل محلها مصدر مؤول. ولا شأن لها بعطف المفردات إلا نادرًا؛ لا يقاس عليه، ومن صور هذا النادر القليل الذي لا يقاس عليه أن تتوسط بين مفرد وجملة١؛ كقول القائل:
سواءٌ عليك النَّفْر٢ أم بتَّ ليلةً ... بأَهلِ القِباب من عُمَيْر٣ بن عامر
وعلامة: "أم" المسبوقة بهمزة التَّعيين أن تكون متوسطة بين شيئين، ينسب لواحد غير معين منهما أمر يعلمه المتكلم. ولكنه لا يعلم –على وجه التعيين– صاحبه منهما، وقبلهما معًا همزة استفهام، يراد منها ومن "أم" تعيين أحد هذين الشيئين٤، وتحديد المختص منهما بالأمر الذي يعرفه المتكلم، ويَسأل
عن صاحبه الحقيقيّ؛ ليعرفه على وجه اليقين، لا التردد والشك؛ نحو: أعَمّك مسَافر أم أخوك؟ فقد وقعت "أمْ" بين شيئين، هما: "عم" و"أخ" وقبلهما همزة استفهام١ يريد المتكلم بها و"بأمْ" أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينًا قاطعًا يدل على المسافر منهما دون الآخر. فالمتكلم يعلم يقينًا أن أحدهما مسَافر؛ لكم مَِن منهما؟ هذا هو ما يجهله المتكلم، ويريد أن يعرفه بغير تشكك فيه؛ إذ لا يدري؛ أهو: العم أم الأخ؟، ومن أجله يطْلب من المخاطب أن يُعَيِّن له المسافر تعيينًا مضبوطًا، ويحدده تحديدًا يؤدي إلى كشف حقيقته وذات، فيمكن بعد هذا إسناد السَّفر إليه وحده، ونسبيته إليه، دون غيره. فالسفر المجرد ليس موضع السؤال؛ لأنه غير مجهول للمتكلم، إنما المجهول الذي يسأل عنه ويريد أن يعرفه هو تعيين أحدهما، وتخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر.
ومن الأمثلة أيضًا: أعادلٌ واليكم أم جائز؟ فقد وقعت "أم" بين شيئين؛ هما: عادل وجائر، وقبلهما معًا همزة الاستفهام التي يريد المتكلم بها وبأمْ استبانة أحد الشيئين، وتحديدهُ، وتعيينه، ليقتصر المعنى عليه، وينسب إليه وحده. ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليًا، ولا يشك في وجوده، ولكن الذي يجهله ويريد أن يعرفه من المخاطب هو: تعيين هذا الوالي، وتحديد أمره؛ بحيث يكون واحدًا محددًا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقًا. وتسمى هذه الهمزة: "بالمغْنية عن كلمة: "أيّ" لأنها مع "أم" يغنيان عن كلمة: "أي" في طلب التعيين، وليست الهمزة وحدها -فمعنى؛ أعمك مسافر أمْ أخوك؟ هو: أيّهما المسافر؟ ومعنى أعادل وإليكم أم جائز: أيّ الأمرين واقع ومحقق؟
حكم هذا القسم:
يشترط في: "أمْ" هذه –كما سبق– أن تتوسط بين الشيئين اللذّين يراد
تعيين أحدهما؛ فيقع قبلها واحد منهما، ويقع بعدها الآخر١؛ كما في الأمثلة٢.
ولما كان التعيين والتحديد هما الغرض من الاتيان "بأمْ" هذه ومعها همزة الاستفهام التي قبلها وجب أن يجيء الجواب مشتملًا على ما يحقق الغرض؛ فيتضمن النص الصريح بذكر أحد الشيئين وحده. فيقال في المثال الأول: "العم ... " مع الاقتصار على هذا. أو: "الأخ ... " مع الاقتصار عليه. ويقال في المثال الثاني: "عادل" كذلك، أو "جائز".
ولا يصح أن يقال في الإجابة عن السؤالين وأشباههما: نعَم، أوْ: لا؛ لأن الإجابة بأحد هذين الحرفين –أو بأخواتهما من أحرف الجواب– لا تفيد تعيينًا، ولا تحديدًا، وإنما تفيد الموافقة على الشيء المسؤول عنه أو المخالفة. وهذه الموافقة أو المخالفة لا تحقق الغرض المقصود من استعمال "أمْ" المتصلة المسبوقة بهمزة الاستفهام على الوجه الذي شرحناه٣.
ولهذا القسم من قسمى "أم" المتصلة صور مختلفة؛ منها:
١- أن تقع بين مفردين متعاطفين بها، وبينهما فاصل لا يسأل عنه المتكلم -وهذه الصورة هي الغالبة- كأن يقول قائل لآخر: شاهدت اليوم سباق السباحين؛ أمحمد هو الذي فاز أم محمود؟ فالمراد من السؤال تعيين واحد من الاثنين، وقد توسط بينهما أمر ليس موضوع الاستفهام، لأنه أمر معروف للمتكلم، وهو الفوز، أما المجهول الذي يريد أن يعرفه فهو الفائز.
وقد تقع بين مفردين تعطفاهما، مع تأخر شيء عنها لا يسأل عنه المتكلم؛ تقول في المثال السالف: أمحمد أم محمود هو الذي فاز؟ وكأن يقول قائل: كتاب "العقد الفريد" كتاب أدبي نفيس، فتقول: نعم سمعت اسمه يتردد كثيرًا. ولكن أغال أم رخيص كتاب "العقد الفريد"؟ فأنت تسأل عن غلوه ورخصه، وتطلب بسؤال تعيين أحدهما، وليست تسأل عن الكتاب ذاته، فإنك تعرفه ...
ومن الأمثلة السسالفة يتبين أ، الذي يلي الهمزة مباشرة هو واحد مما يتجه إليه الاستفهام، يراد معرفته وتعيينه، أما الذي لا يتجه إليه الاستفهام فيتوسط أو يتأخر١. وهذا الحكم هو الأكبر والأول، ولكنه ليس بالواجب؛ فليس من المحتم أن يلي الهمزة أحد المرين اللذين يتجه إليهما الاستفهام لطلب التعيين. بل يصح -عن أمن اللبس- أن يقال: أكتاب "العقد الفريد" غالٍ أم رخيص؟ وهذا -بالرغم من صحته- قليل، ودرجته البلاغية ضئيلة ومراعاة الأكثر هي الأحسن.
٢- ومنها: أن تقع بين جملتين ليستا في تأويل مصدر٢، وتعطف ثانيتهما على الأولى، وهما، إما فعليتان، نحو: أزراعة مارست، أم زاولت التجارة؟ وإما اسميتان، نحو: أضيفك مقيم غدًا أم ضيفك مسافر؟ وإما مختلفان، نحو: أأنت كتبت رسالة لأخيك الغائب أم أبوك كاتبها؟
٣- ومنها: أن تقع بين مفرد وجملة؛ كقوله تعالى: {إِنْ ٣ أَدْرِي
أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ ١ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} .
فملخص ما يقال في "أم المتصلة" أنها تنحصر في قسمين؛ قسم مسبوق بهمزة التسوية، ولا تعطف فيه إلا الجمل التي هي في حكم المفرد، "لأن كل جملة منها مؤولة بالمصدر المنسبك"، وقسم مسبوق بهمزة استفهام يُطالب بها وبأمْ التعيين، وتعطف فيه المفردات حينًا والجمل حينًا آخر، أو المفرد والفعل٢.
وإنما سميت "أم" في القسمين: "متصلة" لوقوعها بين شيئين مرتبطين ارتباطًا كلاميًا وثيقًا، لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يستقيم المعنى إلا بهما معًا. لأن التسوية في النوع الأول وطلب التعيين في النوع الثاني لا يتحققان إلا بين متعدد، وهذا التعدد لا يتحقق إلا بما قبلها وما بعدها مجتمعين.
وتسمى كذلك في هذين القسمين: "أمْ المعادِلة" للهمزة؛ لأنها في القسم الأول تدخل على الجملة الثانية المعادلة للجملة الأولى في إفادة التسوية، وهذه الجملة الثانية هي التي تفيد المعادلة في التَّسوية٣، وليست "أم". فغير أن "أم" تعتبر معادلة للهمزة ولا "أم" في إفادة التسوية المباشرة.
ولأنها في النوع الثاني تعادل الهمزة في إفادة الاستفهام.ويجب في النوعين أن يتأخر عنها المنفيّ؛ -كما أشرنا١- مثل: سواء عليَّ أغضب الظالم لأم لم يغضب. ولا يصح: سواء عليَّ أم يغضب الظالم أم غضِب١. وفي مثل: أمطرٌ نزل أم لم ينزل؟ لا يصح: ألم ينزل مطر أم نزل؟
الفرق بين قسمي "أمْ" التي بعد همزة التسوية عن "أمْ" التي يراد بها وبهمزة الاستفهام التعيين في أربعة أمور:
أولها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا حتميًا٢؛ لأن المعنى معها على الإخبار؛ وليس على الاستفهام؛ فقد تركت الاستفهام إلى الإخبار بالتسوية؛ بخلاف الأخرى. فإنها باقية على الاستفهام. فتحتاج للجواب.
ثانيها: أن الكلام مع الواقعة بعد همزة التسوية قابل للتصديق والتكذيب٣ إذ هو خبر –كما أسلفنا– بخلاف الأخرى؛ فإن الكلام معها إنشائي؛ لا دخل للتصديق والتكذيب فيه؛ لبقاء الاستفهام على حقيقته في الغالب.
ثالثها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تقع بين جملتين –ومن النادر الذي لا يقاس عليه ألا تكون كذلك، كما سبق٤– أما الأخرى فقد تكون بين الجمل أو المفردات، أو بين مفرد وجملة.
رباعهما: أن الجملتين اللتين تتوسطهما "أم" الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تكونا في تأويل مفردين؛ لأن كلاّ منهما في تأويل مصدر منسبك. بخلاف اللتين تتوسطهما "أم" الأخرى، فلا يصح تأويل واحدة منها بمفرد؛ لعدم وجود سبكْ ولا غيره مما يجعلها في حكم المفرد١
زيادة وتفصيل:
أ- يصح في الأسلوب المشتمل على "أم" المتصلة الاستغناء عن الهمزة بنوعيها إن عُلم أمرها، ولم يوقع حذفها في لبس. فمثال حذف همزة التسوية: "سواء على الشريف راقَبه الناس أم لم ياقبوه؛ فلن يرتكب إثمًا، ولن يقع في محظور". والأصل: أراقبه الناس ... ، ومثال حذف الأخرى قول الشاعر:
لعَمْرُك ما أَدري –وإِنْ كنت داريًا- ... بسبع رَمَيْنَ الجمرَ أَمْ بثَمانِ؟
يريد: أبسبع أم بثمان؟ وتظل حالات: "أم" وأحكامها بعد حذف الهمزة كما كانت قبل حذفها١.
ب- من النادر الذي لا يقاس عليه أن تحذف "أم" المتصلة مع معطوفها كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب، إني لأَمره ... سميع؛ فما أَدري أَرُشْدٌ طِلابُها ... ؟
يريد: أم غيَ. وقول الآخر:
أراك فلا أَدري أَهَمٌّ هممته؟ ... وذو الهمّ قِدْمًا خاشع متضائل ...
يريد: أهمًٌ أم غيره٢ ... ؟
قيل: إن الهمزة للتصديق فلا تحتاج لمعادل –وستجيء إشارة للحذف في ص٦٣٧-.
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
✕
﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدࣰاۗ سُبۡحَـٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلࣱّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ﴾ [البقرة ١١٦]
قوله تعالى: {اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ} : الجمهورُ: «وقالوا» بالواوِ عطفاً لهذِه الجملةِ الخبريةِ على ما قبلَها وهو أحسنُ في الربط. وقيل: هي معطوفةً على قوله: «وسعى» فيكونُ قد عَطَفَ على الصلة مع الفعلِ بهذه الجملِ الكثيرة، وهذا ينبغي أن يُنَزَّه القرآنُ عن مِثْله. وقرأ ابن عامر - وكذلك هي في مصاحف الشام - «قالوا» من غير واوٍ، وذلك يَحْتمل وجهين، أحدُهما: الاستئنافُ. الثاني: حَذْفُ حرفِ العطفِ وهو مرادٌ، استغناء عنه بربطِ الضميرِ بما قبلَ هذه الجملةِ. و «اتَّخَذَ» بجوزُ أن يكونَ بمعنى عَمِل وَصنَع، فيتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّر، فيتعدَّى لاثنين، ويكونُ الأولُ هنا محذوفاً تقديرُه: «وقالوا اتَّخذَ اللهُ بعضَ الموجودات ولداً» إلا أنَّه مع كثرةِ دَوْرِ هذا التركيبِ لم يُذْكَرْ معها إلا مفعولٌ واحدٌ: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً} [الأنبياء: 26] ، {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ} [المؤمنون: 91] {وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 92] . والوَلَدُ: فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبْض والنَّقْص، وهو غيرُ مقيسٍ، والمصدرُ: الوِلادة والوَليديَّة، وهذا الثاني غريبٌ جداً.
المصدر
كتاب شرح الأشمونى لألفية ابن مالك
[الأشموني، أبو الحسن]
كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية
[الشاطبي الأصولي النحوي]