التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٤٦

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٤٦

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] إلَخِ اعْتِراضُ اسْتِطْرادٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مَطاعِنِ أهْلِ الكِتابِ في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإنَّ طَعْنَهم كانَ عَنْ مُكابَرَةٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِبْلَةَ الإسْلامِيَّةَ حَقٌّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فاسْتَطْرَدَ بِأنَّ طَعْنَهم في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ ما هو إلّا مِن مَجْمُوعِ طَعْنِهِمْ في الإسْلامِ وفي النَّبِيءِ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِطْرادِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَقَدْ عادَ الكَلامُ إلى اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.

فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ لا يَعُودُ إلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَتِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، بَلْ هو عائِدٌ إمّا إلى الرَّسُولِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمُعادٍ مُناسِبٍ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ وتَكَرَّرَ خِطابُهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فالإتْيانُ بِالضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مِنَ الِالتِفاتِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ في قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فَيَشْمَلُ رِسالَةَ الرَّسُولِ وجَمِيعَ ما جاءَ بِهِ، وإمّا إلى العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] .

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ في جَلاءِ المَعْرِفَةِ وتَحَقُّقِها فَإنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِعَلائِقِهِ مَعْرِفَةٌ لا تَقْبَلُ اللَّبْسَ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:

فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ القُرْبِ البَيِّنِ.

وخَصَّ الأبْناءَ لِشِدَّةٍ تَعَلُّقِ الآباءِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّمَلِّي مِن رُؤْيَتِهِمْ كَثِيرًا فَتَتَمَكَّنُ مَعْرِفَتُهم فَمَعْرِفَةُ هَذا الحَقِّ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ عُلَمائِهِمْ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ ”يَعْلَمُونَهُ“ إلى يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ غالِبًا بِالذَّواتِ والأُمُورِ المَحْسُوسَةِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] وقالَ زُهَيْرٌ:

فَلَأْيًا عَرَفَتُ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وتَقُولُ: عَرَفْتُ فُلانًا، لا تَقُولُ عَرَفْتُ عِلْمَ فُلانٍ، إلّا إذا أرَدْتَ أنَّ عِلْمَهُ صارَ كالمُشاهَدِ عِنْدَكَ، ولِهَذا لا يُعَدّى فِعْلُ العِرْفانِ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما تُعَدّى أفْعالُ الظَّنِّ والعِلْمِ، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِصِفَةِ العِلْمِ فَيُقالُ ”العَلِيمُ“، ولا يُوصَفُ بِصِفَةِ المَعْرِفَةِ فَلا يُقالُ اللَّهُ يَعْرِفُ كَذا، فالمَعْنى: يَعْرِفُونَ صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلاماتِهِ المَذْكُورَةَ في كُتُبِهِمْ، ويَعْرِفُونَ الحَقَّ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ. والمُرادُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أحْبارُ اليَهُودِ والنَّصارى ولِذَلِكَ عُرِّفُوا بِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ أيْ عَلِمُوا عِلْمَ التَّوْراةِ وعِلْمَ الإنْجِيلِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِالعِنادِ في أمْرِ القِبْلَةِ وفي غَيْرِهِ مِمّا جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، وذَمٌّ لَهم بِأنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَهُ وهَؤُلاءِ مُعْظَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَبْلَ ابْنِ صُورِيّا وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَبَقِيَ فَرِيقٌ آخَرُ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويُعْلِنُونَ بِهِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومِنَ النَّصارى مِثْلُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وصُهَيْبٍ.

أمّا الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكْتُمُوهُ فَلا يُعْبَأُ بِهِمْ في هَذا المُقامِ ولَمْ يَدْخُلُوا في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ولا يَشْمَلُهم قَوْلُهُ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {الذين آتَيْنَاهُمُ} : فيه ستةُ أوجهٍ أظهرُها: أنَّه مرفوع بالابتداءِ، والخبرُ وقوله «يَعْرفونه» . الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الذين آتيناهم. الثالث: النصبُ بإضمار أعني. الرابعُ: الجرُّ على البدلِ من «الظالمين» . الخامس: على الصفةِ للظالمين. السادس: النصبُ على البدلِ من {الذين أُوتُواْ الكتاب} في الآيةِ قبلَها.

قوله: «يَعْرفونه» فيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ للذين آتيناهم كما تقدَّم في أحدِ الأوجهِ المذكورةِ في «الذين آتيناهم» . الثاني: أنه نصبٌ على الحالِ على باقيةِ الأقوالِ المذكورةِ، وفي صاحبِ الحالِ وجهان، أحدُهما: المفعولُ الأولُ لآتيناهم، والثاني: المفعولُ الثاني وهو الكتاب، لأنَّ في «يَعْرفُونه» ضميرين يعودان عليهما. والضمير في «يَعْرفونه» فيه أقوالٌ، أحدُهما: أنه يعودُ على الحقِّ الذين هو التحوُّل. الثاني: على القرآن. الثالث: على العِلْم، الرابع: على البيتِ الحرام، الخامس: على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبه بدأ الزمخشري، واختاره الزجاج وغيرُه، قالوا: وأُضْمِرَ وإنْ لم يَسْبِقْ له ذِكْرٌ لدلالة الكلامِ عليه وعَدِمِ الَّلبْسِ، ومثلُ هذا الإِضمارِ فيه تفخيمٌ له كأنَّه لشُهْرَتِه وكونِه علماً معلوماً مستغنىً عن ذِكْرِهِ بلفظِه. قال الشيخ: «بل هذا من بابِ الالتفات من الخطابِ في قوله:» قولِّ وجهَك «إلى الغيبة» .

قوله: {كَمَا يَعْرِفُونَ} الكافُ في محلِّ نَصْبٍ. إمَّا على كونِها نَعْتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: مَعرفةً كائنةً مثلَ معرفتِهم أبناءَهم أو في موضعِ نصبٍ على الحالِ من ضمير ذلك المصدرِ المعرفةِ المحذوفِ، التقديرُ: يعرفونه المعرفةَ مماثلة لعرفانهم، وهذا مذهبُ سيبويه، وتقدَّم تحقيقُ هذا. و «ما» مصدريةٌ لأنه يَنْسَبِكُ منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ كما تقدَّم تحقيقُه.

قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملةٌ اسميةٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعلِ يكتُمون، والأقربُ فيها أَنْ تكونَ حالاً لأنَّ لفظَ «يكتمُون الحق» يَدُلُّ على عِلْمه إذ الكتمُ إخفاءُ ما يُعْلَمُ، وقيل: متعلَّقُ العلم هو ما على الكاتمِ من العقابِ، أي: وهم يعلمونَ العقابَ المُرَتَّبَ على كاتم الحق، فتكونُ إذ ذاكَ حالاً مبيِّنةً.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
عرف

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

عرف

المَعْرِفَةُ والعِرْفَانُ: إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره، وهو أخصّ من العلم، ويضادّه الإنكار، ويقال: فلان يَعْرِفُ اللهَ ولا يقال: يعلم الله متعدّيا إلى مفعول واحد، لمّا كان مَعْرِفَةُ البشرِ لله هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يَعْرِفُ كذا، لمّا كانت المَعْرِفَةُ تستعمل في العلم القاصر المتوصّل به بتفكّر، وأصله من: عَرَفْتُ. أي: أصبت عَرْفَهُ. أي: رائحتَهُ، أو من أصبت عَرْفَهُ. أي: خدّه، يقال: عَرَفْتُ كذا. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا﴾ [البقرة : 89] ، ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف : 58] ، ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمد : 30] ، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة : 146] . ويضادّ المَعْرِفَةُ الإنكار، والعلم الجهل. قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل : 83] ، والعَارِفُ في تَعَارُفِ قومٍ: هو المختصّ بمعرفة الله، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته تعالى، يقال: عَرَّفَهُ كذا. قال تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم : 3] ، وتَعَارَفُوا: عَرَفَ بعضهم بعضا. قال: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات : 13] ، وقال: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس : 45] ، وعَرَّفَهُ: جعل له عَرْفاً. أي: ريحا طيّبا. قال في الجنّة: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد : 6] ، أي: طيّبها وزيّنها(١) لهم، وقيل: عَرَّفَهَا لهم بأن وصفها لهم، وشوّقهم إليها وهداهم. وقوله: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ﴾ [البقرة : 198] ، فاسم لبقعة مخصوصة، وقيل: سمّيت بذلك لوقوع المعرفة فيها بين آدم وحوّاء(٢) ، وقيل: بل لِتَعَرُّفِ العباد إلى الله تعالى بالعبادات والأدعية. والمَعْرُوفُ: اسمٌ لكلّ فعل يُعْرَفُ بالعقل أو الشّرع حسنه، والمنكر: ما ينكر بهما. قال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران : 104] ، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان : 17] ، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب : 32] ، ولهذا قيل للاقتصاد في الجود: مَعْرُوفٌ، لمّا كان ذلك مستحسنا في العقول وبالشّرع. نحو: ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء : 6] ، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء : 114] ، ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة : 241] ، أي: بالاقتصاد والإحسان، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق : 2] ، وقوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة : 263] ، أي: ردّ بالجميل ودعاء خير من صدقة كذلك، والعُرْفُ: المَعْرُوفُ من الإحسان، وقال: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف : 199] . وعُرْفُ الفرسِ والدّيك مَعْرُوفٌ، وجاء القطا عُرْفاً. أي: متتابعة. قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات : 1] ، والعَرَّافُ كالكاهن إلّا أنّ العَرَّافَ يختصّ بمن يخبر بالأحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية، والعَرِيفُ بمن يَعْرِفُ النّاسَ ويُعَرِّفُهُمْ، قال الشاعر:

316- بعثوا إليّ عَرِيفَهُمْ يتوسّم(٣)

وقد عَرُفَ فلانٌ عَرَافَةً: إذا صار مختصّا بذلك، فالعَرِيفُ: السّيدُ المعروفُ قال الشاعر:

317- بل كلّ قوم وإن عزّوا وإن كثروا ... عَرِيفُهُمْ بأثافي الشّرّ مرجوم(٤)

ويومُ عَرَفَةَ يومُ الوقوفِ بها، وقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف : 46] ، فإنه سور بين الجنّة والنار، والاعْتِرَافُ: الإقرارُ، وأصله: إظهار مَعْرِفَةِ الذّنبِ، وذلك ضدّ الجحود. قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك : 11] ، ﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ [غافر : 11] .

(١) انظر وضح البرهان بتحقيقنا 2/ 235.

(٢) وهذا قول الضحاك: انظر: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1/ 306.

(٣) هذا عجز بيت، وشطره: أو كلما وردت عكاظ قبيلة

والبيت لطريف بن تميم العنبري، وهو في اللسان (عرف) ، وكتاب سيبويه 2/ 378، وشرح الأبيات لابن السيرافي 2/ 389.

(٤) البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص 64، والمفضليات ص 401، وال لسان  (عرف) .

فريق

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

فرق

الفَرْقُ يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتبارا بالانشقاق، والفرق يقال اعتبارا بالانفصال. قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة : 50] ، والفِرْقُ: القطعة المنفصلة، ومنه: الفِرْقَةُ للجماعة المتفرّدة من النّاس، وقيل: فَرَقُ الصّبح، وفلق الصّبح. قال: ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء : 63] ، والفَرِيقُ: الجماعة المتفرّقة عن آخرين، قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ [آل عمران : 78] ، ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة : 87] ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى : 7] ، ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي﴾ [المؤمنون : 109] ، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [مريم : 73] ، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [البقرة : 85] ، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة : 146] ، وفَرَقْتُ بين الشّيئين: فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. قال تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ [المائدة : 25] ، وقوله تعالى: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ [المرسلات : 4] ، يعني: الملائكة الّذين يفصلون بين الأشياء حسبما أمرهم الله، وعلى هذا قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان : 4] ، وقيل: عمر الفَارُوقُ رضي الله عنه لكونه فارقا بين الحقّ والباطل، وقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء : 106] ، أي: بيّنا فيه الأحكام وفصّلناه. وقيل: (فَرَقْنَاهُ) أي: أنزلناه مُفَرَّقاً، والتَّفْرِيقُ أصله للتّكثير، ويقال ذلك في تشتيت الشّمل والكلمة. نحو: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة : 102] ، ﴿رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [طه : 94] ، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة : 285] ، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة : 136] ، إنما جاز أن يجعل التّفريق منسوبا إلى (أحد) من حيث إنّ لفظ (أحد) يفيد في النّفي، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام : 159] ، وقرئ: فَارَقُوا(١) والفِراقُ والْمُفَارَقَةُ تكون بالأبدان أكثر. قال: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف : 78] ، وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ [القيامة : 28] ، أي: غلب على قلبه أنه حين مفارقته الدّنيا بالموت، وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء : 150] ، أي: يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرّسل خلاف ما أمرهم الله به. وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء : 152] ، أي: آمنوا برسل الله جميعا، والفُرْقَانُ أبلغ من الفرق، لأنه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل، وتقديره كتقدير: رجل قنعان: يقنع به في الحكم، وهو اسم لا مصدر فيما قيل، والفرق يستعمل في ذلك وفي غيره، وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ [الأنفال : 41] ، أي: اليوم الذي يفرق فيه بين الحقّ والباطل، والحجّة والشّبهة، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [الأنفال : 29] ، أي: نورا وتوفيقا على قلوبكم يفرق به بين الحق والباطل(٢) ، فكان الفرقان هاهنا كالسّكينة والرّوح في غيره، وقوله: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ [الأنفال : 41] ، قيل: أريد به يوم بدر(٣) ، فإنّه أوّل يوم فُرِقَ فيه بين الحقّ والباطل، والفُرْقَانُ: كلام الله تعالى، لفرقه بين الحقّ والباطل في الاعتقاد، والصّدق والكذب في المقال، والصالح والطّالح في الأعمال، وذلك في القرآن والتوراة والإنجيل، قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ [البقرة : 53] ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ [الأنبياء : 48] ، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ [الفرقان : 1] ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [البقرة : 185] .

والفَرَقُ: تَفَرُّقُ القلب من الخوف، واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصّدع والشّقّ فيه. قال تعالى: ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة : 56] ، ويقال: رجل فَرُوقٌ وفَرُوقَةٌ، وامرأة كذلك، ومنه قيل للناقة التي تذهب في الأرض نادّة من وجع المخاض: فَارِقٌ وفَارِقَةٌ(٤) ، وبها شبّه السّحابة المنفردة فقيل: فَارِقٌ، والْأَفْرَقُ من الدّيك: ما عُرْفُهُ مَفْرُوقٌ، ومن الخيل: ما أحد وركيه أرفع من الآخر، والفَرِيقَةُ: تمر يطبخ بحلبة، والفَرُوقَةُ: شحم الكليتين.


(١) وبها قرأ حمزة والكسائي. من المفارقة، وهي الترك. انظر: الإتحاف ص 220.

(٢) وهو قول ابن جريح وابن زيد. انظر: روح المعاني 9/ 196.

(٣) وهو قول ابن عباس وابن مسعود. انظر: الدر المنثور 4/ 71.

(٤) انظر: المجمل 3/ 718.

كتم

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

كتم

الْكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْماً وكِتْمَاناً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 140] ، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 146] ، ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة : 283] ، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران : 71] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 37] فَكِتْمَانُ الفضل: هو كفران النّعمة، ولذلك قال بعده: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ [النساء : 37] ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] قال ابن عباس: إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام : 23] فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا(١) . وقال الحسن: في الآخرة مواقف في بعضها يكتمون، وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم: ﴿لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] هو أن تنطق جوارحهم.

(١) أخرجه ابن جرير 5/ 94.