(الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٤٧
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الحَقُّ، وحَذْفُ المُسْنَدُ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا مِمّا جَرى عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَ جَرَيانِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّيارِ ”رَبْعٌ قَواءٌ“ وبَعْدَ ذِكْرِ المَمْدُوحِ ”فَتًى“ ونَحْوُ ذَلِكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِّينَ في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِن هَذا. والتَّعْرِيفُ في الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ وقَوْلِهِمُ: الكَرَمُ في العَرَبِ، هَذا التَّعْرِيفُ لِجُزْئَيِ الجُمْلَةِ الظّاهِرِ والمُقَدَّرِ يُفِيدُ قَصْرَ الحَقِيقَةِ عَلى الَّذِي يَكْتُمُونَهُ وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لا ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وإظْهارُ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْحَقِّ.
والِامْتِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ المِراءِ وهو الشَّكُّ، والِافْتِعالُ فِيهِ لَيْسَ لِلْمُطاوَعَةِ ومَصْدَرُ المِرْيَةِ لا يُعْرِفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو دائِمًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ، والمَقْصُودُ مِن خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ [البقرة: ١٤٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَحْذِيرُ الأُمَّةِ وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في كُلِّ تَحْذِيرٍ مُهِمٍّ لِيَكُونَ خِطابُ النَّبِيءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى وأوْلاهم بِكَرامَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن وقَعَ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الأُمَّةِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ النَّجاةِ بابٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الخِطابِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {الحق مِن رَّبِّكَ} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مبتدأٌ وخبرُه الجارُّ والمجرورُ بعده، وفي الألفِ واللامِ حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أن تكونَ للعهدِ، والإِشارةُ إلى الحقِّ الذي عليه الرسولُ عليه السلام أو إلى الحقِّ الذي في قولِه «يكتمون الحقَّ» أي: هذا الذي يكتمونه هو الحقُّ من ربك، وأن تكونَ للجنسِ على معنى الحقُّ من اللهِ لا من غيره. الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو الحقُّ من ربك، والضميرُ يعودُ على الحقِّ المكتومِ أي ما كتموه هو الحقُّ. الثالث: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: الحقُّ من ربِّك يعرفونه، والجارُّ والمجرورُ على هذين القولين في محل نصبٍ على الحالِ من «الحق» ، ويجوز أن يكونَ خبراً بعد خبرٍ في الوجهِ الثاني.
وقرأ علي بن أبي طالب: {الحقَّ من ربك} نصباً، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ على البدلِ من الحقّ المكتوم، قاله الزمخشري الثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمار «الزم» ويدلُّ عليه الخطابُ بعده [في] قوله: «فلا تكونَنَّ» الثالث: أنه يكونَ منصوباً ب «يَعْلَمون» قبلَه. وذكر هذين الوجهين ابنُ عطية، وعلى هذا الوجهِ الأخيرِ يكونُ مِمَّا وقع فيه الظاهرُ موقعَ المضمر أي: وهم يعلمونَه كائناً من ربك، وذلك سائغٌ حسنٌ في أماكنِ التفخيم والتهويل نحو: 768 - لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنهيُ عن الكونِ على صفةٍ أبلَغُ من النهيِ عن نفسِ الصفةِ فلذلك جاءَ التنزيلُ عليه: نحو {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} [الأنعام: 35] دونَ: لا تَمْتَرِ ولا تَجْهَلْ ونحوِه، وتقريرُ ذلك أنَّ قولَه: «لا تكُنْ ظالماً» نهي عن الكونِ بهذه الصفةِ، والنهيُ عن الكونِ على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفةِ، إذ النهيُ عن الكونِ على صفةٍ يَدُلُّ على عمومِ الأكوانِ المستقبلةِ عن تلكَ الصفةِ، والمعنى لا تَظْلِمْ في كل أكوانِك أي: في كل فردٍ فردٍ من أكوانِك فلا يَمُرُّ بك وقتٌ يؤخذ منك فيه ظلمٌ، فيصيرُ كأن فيه نصاً على سائرِ الأكوانِ بخلاف: لا تَظْلِمْ، فإنَّه يستلزِمُ الأكوانَ، وفَرْقٌ بين ما يَدُلَّ دلالةً بالنصِّ وبين ما يَدُلُّ دلالةً بالاستلزام.
والمتراءُ: افْتِعال من المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، ومنه المِراء قال:
769 - فإيَّاك إيَّاكَ المِراءَ فإنَّه ... إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشَّرِّ جَالِبُ
ومارَيْتُه: جَادَلْتُه وشاكَلْتُه فيما يَدَّعِيه، وافتَعَل فيه بمعنى تَفَاعلَ يقال: تَمارَوْا في كذا وامتَرَوْا فيه نحو: تجاوَروا، واجتوروا. وقال الراغب: «المِرْيَةُ: التَّرَدُّدُ في الأمر وهي أخصُّ من الشك، والامتراءُ والمُماراةُ: المُحاجَّةُ فيما فيه مِرْية، وأصلَهُ من مَرَيْتُ الناقةَ إذا مسحتُ ضَرْعَها للحَلْبِ» ففرَّق بين المِرْيةِ والشَّكِ كما تَرَى، وهذا كما تقدَّم له الفرقُ بين الرَّيْبَ والشك، وأنشدَ الطبري قولَ الأعشى:
770 - تَدُرُّ على أَسْؤُقِ المُمْتَرِي ... ن رَكْضاً إذا ما السرابُ ارْجَحَنْ
شاهداً على أنَّ الممترينَ الشاكُّون، قال: «ووَهِمَ في ذلك لأن أبا عبيدةَ وغيرَه قالوا: الممترون في البيت هم الذين يَمْرُون الخيلَ بأرجلِهم همزاً لتجريَ [كأنهم] يَتَحَلَّبون الجَرْيَ منها» .
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
الحق
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
حق
أصل الحَقّ: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه[[هي عقب الباب.]] لدورانه على استقامة.
والحقّ يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحقّ[[راجع: الأسماء والصفات ص 26.]] ، قال الله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ[[سورة يونس آية 30.]] ، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس : 32] .
والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كلّه حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس : 5] ، إلى قوله: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس : 5] ، وقال في القيامة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس : 53] ، و﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة : 146] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 147] ، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 149] .
والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنّة والنّار حقّ، قال الله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [البقرة : 213] .
والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حقّ وقولك حقّ، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [يونس : 33] ، و﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة : 13] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ [المؤمنون : 71] ، يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصحّ أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أَحققْتُ كذا، أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال : 8] فإحقاق الحقّ على ضربين.
أحدهما: بإظهار الأدلّة والآيات، كما قال تعالى: ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء : 91] ، أي: حجة قوية.
والثاني: بإكمال الشريعة وبثّها في الكافّة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصف : 8] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة : 33] ، وقوله: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة : 1] ، إشارة إلى القيامة، كما فسّره بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين : 6] ، لأنه يحقّ فيه الجزاء، ويقال: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ، أي خاصمته في الحقّ فغلبته، وقال عمر رضي الله عنه: (إذا النساء بلغن نصّ الحقاق فالعصبة أولى في ذلك)[[المعنى أنّ الجارية ما دامت صغيرة فأمّها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بأمرها. انظر النهاية 1/ 414، ونهج البلاغة 2/ 314، ونسبه لعليّ بن أبي طالب.]] .
وفلان نَزِقُ الحِقَاق: إذا خاصم في صغار الأمور[[انظر: المجمل 1/ 215.]] ، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: ﴿كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم : 47] ، ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 103] ، وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ﴾ [الأعراف : 105] ، قيل معناه: جدير، وقرئ: حَقِيقٌ عَلى[[وبها قرأ نافع وحده. انظر: الإتحاف ص 217.]] قيل: واجب، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة : 228] ، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله ﷺ لحارث: «لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»[[عن صالح بن مسمار أنّ رسول الله ﷺ قال لحارث بن مالك: كيف أنت؟ أو: ما أنت يا حارث؟ قال: مؤمن يا رسول الله، قال: مؤمن حقا؟ قال: مؤمن حقا. قال: لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة ذلك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي عزّ وجل، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله: «مؤمن نوّر الله قلبه» . أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 106 مرسلا والبزار والطبراني، وهو حديث معضل. انظر: الإصابة 1/ 289، ومجمع الزوائد 1/ 57.]] ، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدّعيه حقّا؟
وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحقّ عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدّم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخّصا ومتزيدا، ويستعمل في ضدّه المتجوّز والمتوسّع والمتفسّح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه وبقاء تلك، وأمّا في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة[[انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 42.]] . والحِقُّ من الإبل: ما استحقّ أن يحمل عليه، والأنثى: حِقَّة، والجمع: حِقَاق، وأتت النّاقة على حقّها[[انظر: اللسان (حقق) 10/ 55.]] ، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من العام الماضي.
رب
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
رب
الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن)[[هذا من حديث صفوان بن أمية لأبي سفيان يوم حنين قالها لما انهزم الناس أول المعركة من المسلمين انظر: الروض الأنف 4/ 124، والنهاية لابن الأثير 2/ 180.]] . فالرّبّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرّبّ مطلقا إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ : 15] .
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾ [آل عمران : 80] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبّب الأسباب، والمتولّي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة : 1] ، و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات : 126] ، ويقال: رَبُّ الدّار، ورَبُّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف : 42] ، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف : 50] ، وقوله: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف : 23] ، قيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربّاه[[وهو قول أكثر المفسرين، ويرجّحه قوله: «أكرمي مثواه» .]] ، والأوّل أليق بقوله. والرَّبَّانِيُّ قيل: منسوب إلى الرّبّان، ولفظ فعلان من: فعل يبنى نحو: عطشان وسكران، وقلّما يبنى من فعل، وقد جاء نعسان. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ الذي هو المصدر، وهو الذي يربّ العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إليه، ومعناه، يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التحقيق متلازمان، لأنّ من ربّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ، أي: الله تعالى، فالرّبّانيّ كقولهم: إلهيّ، وزيادة النون فيه كزيادته في قولهم: لحيانيّ، وجسمانيّ[[راجع: تفسير القرطبي 4/ 122، وعمدة الحفاظ: ربّ.]] . قال عليّ رضي الله عنه: (أنا ربّانيّ هذه الأمّة) والجمع ربّانيّون. قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة : 63] ، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران : 79] ، وقيل: ربّانيّ لفظ في الأصل سريانيّ، وأخلق بذلك[[قال السمين: فقد اختار غير المختار. عمدة الحفاظ: ربّ.]] ، فقلّما يوجد في كلامهم، وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران : 146] ، فالرِّبِّيُّ كالرّبّانيّ. والرّبوبيّة مصدر، يقال في الله عزّ وجلّ، والرِّبَابَة تقال في غيره، وجمع الرّبّ أرْبابٌ، قال تعالى: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف : 39] ، ولم يكن من حقّ الرّبّ أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلّا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه، والرّبّ لا يقال في التّعارف إلّا في الله، وجمعه أربّة، وربوب، قال الشاعر:
173- كانت أربّتهم بهز وغرّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا[[البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/ 44، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) .
قال ابن فارس: والمعاهدون أربة. وبهز: حيّ من سليم.]]
وقال آخر:
174- وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربّتني فضعت ربوب[[البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص 43، والمجمل 2/ 371، واللسان (ربب) ، والمفضليات ص 394.
ومطلع القصيدة: طحا بك قلب في الحسان ... بعيد الشباب عصر حان مشيب]]
ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَةُ، ولما يجمع فيه القدح ربابة، واختصّ الرّابّ والرّابّة بأحد الزّوجين إذا تولّى تربية الولد من زوج كان قبله، والرّبيب والرّبيبة بذلك الولد، قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء : 23] ، وربّبت الأديم بالسّمن، والدّواء بالعسل، وسقاء مربوب، قال الشاعر:
175- فكوني له كالسّمن ربّت بالأدم[[هذا عجز بيت لعمرو بن شأس، يخاطب امرأته، وكانت تؤذي ابنه عرارا، فقال لها: فإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب الغمم
فإن كنت مني، أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسّمن ربّ له بالأدم
أراد بالأدم النحي، يقول لزوجته: كوني له كسمن ربّ أديمه، أي: طلي بربّ التمر. انظر: اللسان (ربب) ، والتمثيل والمحاضرة ص 282، وسمط اللآلئ 2/ 803.]]
والرَّبَابُ: السّحاب، سمّي بذلك لأنّه يربّ النبات، وبهذا النّظر سمّي المطر درّا، وشبّه السّحاب باللّقوح. وأَرَبَّتِ السّحابة: دامت، وحقيقته أنها صارت ذات تربية، وتصوّر فيه معنى الإقامة فقيل: أَرَبَّ فلانٌ بمكان كذا تشبيها بإقامة الرّباب، وَ «رُبَّ» لاستقلال الشيء، ولما يكون وقتا بعد وقت، نحو: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر : 2] .
مرى
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
مرى
المِرْيَةُ: التّردّد في الأمر، وهو أخصّ من الشّكّ. قال تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج : 55] ، ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ [هود : 109] ، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ [السجدة : 23] ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت : 54] والامتراء والمُمَارَاة: المحاجّة فيما فيه مرية. قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم : 34] ، ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر : 63] ، ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم : 12] ، ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً﴾ [الكهف : 22] وأصله من: مَرَيْتُ النّاقةَ: إذا مسحت ضرعها للحل.