التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٤٤

(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٤٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وإفْضاءٌ لِشَرْعِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ونَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] بَعْدَ أنْ مَهَّدَ اللَّهُ بِما تَقَدَّمَ مِن أفانِينِ التَّهْيِئَةِ وإعْدادِ النّاسِ إلى تَرَقُّبِهِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١٢٠] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] . و”قَدْ“ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّحْقِيقِ ألا تَرى أهْلَ المَعانِي نَظَّرُوا ”هَلْ“ في الِاسْتِفْهامِ بِقَدْ في الخَبَرِ، فَقالُوا مِن أجْلِ ذَلِكَ إنَّ ”هَلْ“ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ فَحَرْفُ ”قَدْ“ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الفِعْلِ فَهي مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ ”إنَّ“ مَعَ الأسْماءِ ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: إنَّها جَوابٌ لِقَوْمٍ يَنْتَظِرُونَ الخَبَرَ ولَوْ أخْبَرُوهم لا يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَقُلْ قَدْ فَعَلَ كَذا اهـ. ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ حَتّى يَحْتاجَ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ بِهِ كانَ الخَبَرُ بِهِ مَعَ تَأْكِيدِهِ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْطاءِ عَنْهُ وأنْ يُطَمْئِنَهُ لِأنَّ النَّبِيءَ كانَ حَرِيصًا عَلى حُصُولِهِ ويَلْزَمُ ذَلِكَ الوَعْدُ بِحُصُولِهِ فَتَحْصُلُ كِنايَتانِ مُتَرَتِّبَتانِ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ مَعَ ”قَدْ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والمَقْصُودُ تَجَدُّدُ لازِمِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ اللّازِمِ وهو الوَعْدُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ غَلَبَ عَلى ”قَدِ“ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ رُبَّما يَفْعَلُ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:

قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ

وسَتَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والتَّقَلُّبُ مُطاوِعُ قَلَّبَهُ إذا حَوَّلَهُ وهو مِثْلُ قَلَبَهُ بِالتَّخْفِيفِ، فالمُرادُ بِتَقْلِيبِ الوَجْهِ الِالتِفاتُ بِهِ أيْ تَحْوِيلُهُ مِن جِهَتِهِ الأصْلِيَّةِ فَهو هُنا تَرْدِيدُهُ في السَّماءِ، وقَدْ أخَذُوا مِنَ العُدُولِ إلى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ الدّالَةِ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ في هَذا التَّحْوِيلِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِما في هَذا التَّحْوِيلِ مِنَ التَّرَقُّبِ والشِّدَّةِ فالتَّفْعِيلُ لِقُوَّةِ الكَيْفِيَّةِ، قالُوا كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقَعُ في رَوْعِهِ إلْهامًا أنَّ اللَّهَ سَيُحَوِّلُهُ إلى مَكَّةَ فَكانَ يُرَدِّدُ وجْهَهُ في السَّماءِ فَقِيلَ يَنْتَظِرُ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ تَقْلِيبُ وجْهِهِ عِنْدَ تَهَيُّؤِ نُزُولِ الآيَةِ وإلّا لَما كانَ يَتَرَقَّبُ جِبْرِيلَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنهُ هَذا التَّقْلِيبُ.

والفاءُ في ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فاءُ التَّعْقِيبِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ بِالصَّراحَةِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ لَها بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾، والتَّوْلِيَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، فَمَعْنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ لَنُوَجِّهَنَّكَ إلى قِبْلَةٍ تَرْضاها.

فانْتَصَبَ قِبْلَةً عَلى التَّوَسُّعِ بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ الثّانِي وأصْلُهُ: لَنُوَلِّيَنَّكَ مِن قِبْلَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .

والمَعْنى: أنَّ تَوْلِيَةَ وجْهِهِ لِلْكَعْبَةِ سَيَحْصُلُ عَقِبَ هَذا الوَعْدِ. وهَذا وعْدٌ اشْتَمَلَ عَلى أداتَيْ تَأْكِيدٍ وأداةِ تَعْقِيبٍ وذَلِكَ غايَةُ اللُّطْفِ والإحْسانِ.

وعَبَّرَ بِـ ﴿تَرْضاها﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَيْلَهُ إلى الكَعْبَةِ مَيْلٌ لِقَصْدِ الخَيْرِ بِناءً عَلى أنَّ الكَعْبَةَ أجْدَرُ بُيُوتِ اللَّهِ بِأنْ يَدُلَّ عَلى التَّوْحِيدِ كَما تَقَدَّمَ فَهو أجْدَرُ بِالِاسْتِقْبالِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، ولِأنَّ في اسْتِقْبالِها إيماءً إلى اسْتِقْلالِ هَذا الدِّينِ عَنْ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، ولَمّا كانَ الرِّضى مُشْعِرًا بِالمَحَبَّةِ النّاشِئَةِ عَنْ تَعَقُّلٍ اخْتِيرَ في هَذا المَقامِ دُونَ ”تُحِبُّها“ أوْ ”تَهْواها“ أوْ نَحْوِهِما، فَإنَّ مَقامَ النَّبِيءِ ﷺ يَرْبُو عَنْ أنْ يَتَعَلَّقَ مَيْلُهُ بِما لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ بَعْدَ انْتِهاءِ المَصْلَحَةِ العارِضَةِ لِمَشْرُوعِيَّةِ اسْتِقْبالِبَيْتِ المَقْدِسِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا جاءَ في جانِبِ قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أنْ نُسِخَتْ جاءَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الوَعْدِ وتَعْجِيلٌ بِهِ والمَعْنى: ولِّ وجْهَكَ في حالَةِ الصَّلاةِ وهو مُسْتَفادٌ مِن قَرِينَةِ سِياقِ الكَلامِ عَلى المُجادَلَةِ مَعَ السُّفَهاءِ في شَأْنِ قِبْلَةِ الصَّلاةِ.

والخُطّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن إرْضاءِ رَغْبَتِهِ، وسَيَعْقُبُهُ بِتَشْرِيكِ الأُمَّةِ مَعَهُ في الأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ .

والشَّطْرُ، بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ الطّاءِ: الجِهَةُ والنّاحِيَةُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِتِلْقاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وفَسَّرَ الجُبّائِيُّ وعَبْدُ الجَبّارِ الشَّطْرَ هُنا بِأنَّهُ وسَطُ الشَّيْءِ، لِأنَّ الشَّطْرَ يُطْلَقُ عَلى نِصْفِ الشَّيْءِ فَلَمّا أُضِيفَ إلى المَسْجِدِ والمَسْجِدُ مَكانٌ اقْتَضى أنَّ نِصْفَهُ عِبارَةٌ عَنْ نِصْفِ مِقْدارِهِ ومِساحَتِهِ وذَلِكَ وسَطُهُ، وجَعَلا شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ كِنايَةً عَنِ الكَعْبَةِ لِأنَّها واقِعَةٌ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ في نِصْفِ مِساحَتِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، أيْ تَقْرِيبًا، قالَ عَبْدُ الجَبّارِ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا وجْهانِ، حَدُّهُما: أنَّ المُصَلِّيَ لَوْ وقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ ولا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى الكَعْبَةِ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ، الثّانِي: لَوْ لَمْ نُفَسِّرِ الشَّطْرَ بِما ذَكَرْنا لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ فائِدَةٌ إذْ يُغْنِي أنْ يَقُولَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ. ولَكانَ الواجِبُ التَّوَجُّهَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لا إلى خُصُوصِ الكَعْبَةِ.

فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾، هَلّا قالَ: في السَّماءِ فَوَلِّ وجْهَكَ. إلَخْ، قُلْتُ: فائِدَتُهُ إظْهارُ الِاهْتِمامِ بِرَغْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّها بِحَيْثُ يُعْتَنى بِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ القِبْلَةِ بِجُمْلَةِ تَرْضاها.

ومَعْنى ”نُوَلِّيَنَّكَ“: نُوَجِّهَنَّكَ، وفي التَّوْجِيهِ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ لِأنَّ ولّى المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى القُرْبِ الحَقِيقِيِّ فَهو بِمَعْنى الِارْتِباطِ بِهِ، ومِنهُ الوَلاءُ والوَلِيُّ، والظّاهِرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ مِن قَبِيلِ الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: ولّى وجْهَهُ إلى كَذا ثُمَّ يُعَدُّونَهُ إلى مَفْعُولٍ ثالِثٍ بِحَرْفِ ”عَنْ“ فَيَقُولُونَ: ولّى عَنْ كَذا ويُنْزِلُونَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَفْعُولَيْنِ الآخَرَيْنِ فَيُقَدِّرُونَ: ولّى وجْهَهُ إلى جِهَةِ كَذا مُنْصَرِفًا عَنْ كَذا أيِ الَّذِي كانَ يَلِيهِ مِن قَبْلُ، وبِاخْتِلافِ هاتِهِ الِاسْتِعْمالاتِ تَخْتَلِفُ المَعانِي كَما تَقَدَّمَ.

فالقِبْلَةُ هُنا اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ المُصَلِّي وهو إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الهَيْئَةِ وإمّا مِنَ اسْمِ المَفْعُولِ كَما تَقَدَّمَ.

و﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ المَسْجِدُ المَعْهُودُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، والحَرامُ: المَجْعُولُ وصْفًا لِلْمَسْجِدِ هو المَمْنُوعُ أيِ المَمْنُوعُ مَنعَ تَعْظِيمٍ وحُرْمَةٍ فَإنَّ مادَّةَ التَّحْرِيمِ تُؤْذِنُ بِتَجَنُّبِ الشَّيْءِ فَيُفْهَمُ التَّجَنُّبُ في كُلِّ مَقامٍ بِما يُناسِبُهُ.

وقَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَ العَرَبِ وصْفُ مَكَّةَ بِالبَلَدِ الحَرامِ أيِ المَمْنُوعِ مِنَ الجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ والمُعْتَدِينَ، ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أيِ المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، وسُمِّيَ الحَرَمَ قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]، فَوَصْفُ الكَعْبَةِ بِالبَيْتِ الحَرامِ وحَرَمِ مَكَّةَ بِالحَرَمِ أوْصافٌ قَدِيمَةٌ شائِعَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَأمّا اسْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ فَهو مِنَ الألْقابِ القُرْآنِيَّةِ جُعِلَ عَلَمًا عَلى حَرِيمِ الكَعْبَةِ المُحِيطِ بِها وهو مَحَلُّ الطَّوافِ والِاعْتِكافِ ولَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بِالمَسْجِدِ في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ تَكُنْ لَهم صَلاةٌ ذاتُ سُجُودٍ والمَسْجِدُ مَكانُ السُّجُودِ، فاسْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى المِساحَةِ المَحْصُورَةِ المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ ولَها أبْوابٌ مِنها: بابُ الصَّفا وبابُ بَنِي شَيْبَةَ، ولَمّا أُطْلِقَ هَذا العَلَمُ عَلى ما أحاطَ بِالكَعْبَةِ لَمْ يَتَرَدَّدِ النّاسُ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ في المُرادِ مِنهُ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ مِنَ الأسْماءِ الإسْلامِيَّةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ وهي مَكِّيَّةٌ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ هُنا الكَعْبَةُ لِاسْتِفاضَةِ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ بِأنَّ القِبْلَةَ صُرِفَتْ إلى الكَعْبَةِ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ «أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ وأنَّهُ صَلّى إلى الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ»، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - وذَكَرَ المَسْجِدَ الحَرامَ - والمُرادُ بِهِ البَيْتُ لِأنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ البَيْتِ بِما يُجاوِرُهُ أوْ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ الفَخْرُ: وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأقُولُ: لا يُعْرَفُ هَذا عَنْ مالِكٍ في كُتُبِ مَذْهَبِهِ.

وانْتَصَبَ شَطْرُ المَسْجِدِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَلِّ ولَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى تَعْمِيمِ حُكْمِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِعُمُومِ ضَمِيرَيْ كُنْتُمْ ووُجُوهَكم لِوُقُوعِهِما في سِياقِ عُمُومِ الشَّرْطِ بِحَيْثُما وحِينَما لِتَعْمِيمِ أقْطارِ الأرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ اقْتَضى الحالُ تَخْصِيصَهُ بِالخِطابِ بِهِ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ لِيَكُونَ تَبْشِيرًا لَهُ ويَعْلَمَ أنَّ أُمَّتَهُ مِثْلَهُ لِأنَّ الأصْلَ في التَّشْرِيعاتِ الإسْلامِيَّةِ أنْ تَعُمَّ الرَّسُولَ وأمَتَّهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِ أحَدِهِما، ولَمّا خِيفَ إيهامُ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ خاصًّا بِهِ أوْ أنْ تُجْزِئَ فِيهِ المَرَّةُ أوْ بَعْضُ الجِهاتِ كالمَدِينَةِ ومَكَّةَ أُرِيدَ التَّعْمِيمُ في المُكَلَّفِينَ وفي جَمِيعِ البِلادِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالعَطْفِ بِالواوِ لَكِنْ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: ووَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ. فَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ تَصْرِيحًا وتَأْكِيدًا لِدَلالَةِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن إضافَةِ شَطْرٍ إلى ضَمِيرِ ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنَّ شَطْرَ نَكِرَةٌ أشْبَهَتِ الجَمْعَ في الدَّلالَةِ عَلى أفْرادٍ كَثِيرَةٍ فَكانَتْ إضافَتُها كَإضافَةِ الجُمُوعِ، وتَأْكِيدًا لِدَلالَةِ الأمْرِ التَّشْرِيعِيِّ عَلى التَّكْرارِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ هَذا الحُكْمِ، فَكَأنَّهُ أُفِيدَ مَرَّتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ وأحْوالِهِمْ أُولاهُما إجْمالِيَّةٌ والثّانِيَةُ تَفْصِيلِيَّةٌ.

وهَذِهِ الآياتُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ هَذا الِاسْتِقْبالِ وهو حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ ذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصَّلاةِ العِبادَةُ والخُضُوعُ لِلَّهِ تَعالى، وبِمِقْدارِ اسْتِحْضارِ المَعْبُودِ يَقْوى الخُضُوعُ لَهُ فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارُهُ الطَّيِّبَةُ في إخْلاصِ العَبْدِ لِرَبِّهِ وإقْبالِهِ عَلى عِبادَتِهِ وذَلِكَ مِلاكُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ولَمّا تَنَزَّهَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الحِسُّ تَعَيَّنَ لِمُحاوِلِ اسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ مُذَكِّرًا بِهِ مِن شَيْءٍ لَهُ انْتِسابٌ خاصٌّ إلَيْهِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةً عَقْلِيَّةً مُدْرِكَةً لِلْمُجَرَّداتِ والمَعْقُولاتِ، وقُوَّةً خَيالِيَّةً مُتَصَرِّفَةً في عالَمِ الأجْسامِ، وقَلَّما تَنْفَكُّ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ عَنْ مُقارَنَةِ القُوَّةِ الخَيالِيَّةِ، فَإذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِحْضارَ أمْرٍ عَقْلِيٍّ مُجَرَّدٍ وجَبَ أنْ يَضَعَ لَهُ صُورَةً خَيالِيَّةً يُحِسُّها حَتّى تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ الخَيالِيَّةُ مُعِينَةً عَلى إدْراكِ تِلْكَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، ولَمّا كانَ العَبْدُ الضَّعِيفُ إذا وصَلَ إلى مَجْلِسِ المَلِكِ العَظِيمِ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ ويُبالِغَ في الثَّناءِ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ وفي الخِدْمَةِ لَهُ، فاسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ يَجْرِي مَجْرى كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا لِلْمَلِكِ، والقُرْآنُ والتَّسْبِيحاتُ تَجْرِي في مَجْرى الثَّناءِ عَلَيْهِ، والرُّكُوعُ والسُّجُودُ يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ. اهـ.

فَإذا تَعَذَّرَ اسْتِحْضارُ الذّاتِ المَطْلُوبَةِ بِالحِسِّ فاسْتِحْضارُها يَكُونُ بِشَيْءٍ لَهُ انْتِسابٌ إلَيْها مُباشَرَةً كالدِّيارِ أوْ بِواسِطَةٍ كالبَرْقِ والنَّسِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بِالشَّبَهِ كالغَزالِ عِنْدَ المُحِبِّينَ، وقَدِيمًا ما اسْتَهْتَرَتِ الشُّعَراءُ بِآثارِ الأحِبَّةِ كالأطْلالِ في قَوْلِهِ قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ وأقْوالِهِمْ في البَرْقِ والرِّيحِ، وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ:

دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وِدِّي وجِيرَتِي ∗∗∗ بِذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا

واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الحِسُّ فَوَسِيلَةُ اسْتِحْضارِ ذاتِهِ هي اسْتِحْضارُ ما فِيهِ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلَيْهِ تَعالى.

لا جَرَمَ أنَّ أوْلى المَخْلُوقاتِ بِأنْ يُجْعَلَ وسِيلَةً لِاسْتِحْضارِ الخالِقِ في نَفْسِ عَبْدِهِ هي المَخْلُوقاتُ الَّتِي كانَ وُجُودُها لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ ووَصْفِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ مَعَ تَجَرُّدِها عَنْ كُلِّ ما يُوهِمُ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالعِبادَةِ وتِلْكَ هي المَساجِدُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَرَّدَها مِن أنْ يَضَعَ فِيها شَيْئًا يُوهِمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالعِبادَةِ، ولَمْ يُسَمِّها بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَبَنى الكَعْبَةَ أوَّلَ بَيْتٍ، وبَنى مَسْجِدًا في مَكانِ المَسْجِدِ الأقْصى، وبَنى مَساجِدَ أُخْرى ورَدَ ذِكْرُها في التَّوْراةِ بِعُنْوانِ ”مَذابِحَ“، فَقَدْ بَنَتِ الصّابِئَةُ بَعْدَ نُوحٍ هَياكِلَ لِتَمْجِيدِ الأوْثانِ وتَهْوِيلِ شَأْنِها في النُّفُوسِ فَأضافُوها إلى أسْماءِ أُناسٍ مِثْلِ: ودٍّ وسُواعٍ، أوْ إلى أسْماءِ الكَواكِبِ، وذَكَرَ المَسْعُودِيُّ في مُرُوجِ الذَّهَبِ عِدَّةً مِنَ الهَياكِلِ الَّتِي أُقِيمَتْ في الأُمَمِ الماضِيَةِ لِهَذا الشَّأْنِ، ومِنها: هَيْكَلُ سَنْدُوسابَ بِبِلادِ الهِنْدِ. وهَيْكَلُ مَصْلِينا في جِهَةِ الرِّقَّةِ بَناها الصّابِئَةُ قَبْلَ إبْراهِيمَ، وكانَ آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ مِن سَدَنَتِهِ، وقِيلَ أنَّ عادًا بَنَوْا هَياكِلَ مِنها ”جِلِّقُ“ هَيْكَلُ بِلادِ الشّامِ.

فَإذا اسْتَقْبَلَ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنَ البُيُوتِ الَّتِي أُقِيمَتْ لِمُناقِضَةِ أهْلِ الشِّرْكِ ولِلدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَمْجِيدِهِ كانَ مِنَ اسْتِحْضارِ الخالِقِ بِما هو أشَدُّ إضافَةً إلَيْهِ، بَيْدَ أنَّ هَذِهِ البُيُوتَ عَلى كَثْرَتِها لا تَتَفاضَلُ إلّا بِإخْلاصِ النِّيَّةِ مِن إقامَتِها، وبِكَوْنِ إقامَتِها لِذَلِكَ وبِأسْبَقِيَّةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في هَذا الغَرَضِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ كُلَّ هَذِهِ المَعانِي ثَلاثَةً في مَعْنًى واحِدٍ، وهو الأسْبَقِيَّةُ لِأنَّ السّابِقَ مِنها قَدِ امْتازَ عَلى اللّاحِقِ بِكَوْنِهِ هو الَّذِي دَلَّ مُؤَسِّسُ ذَلِكَ اللّاحِقِ عَلى تَأْسِيسِهِ قالَ تَعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقالَ فِي ذِكْرِ مَسْجِدِ الضِّرارِ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، أيْ لِأنَّهُ أُسِّسَ بِنِيَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] فَجَعَلَهُ هُدًى لِلنّاسِ لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ فالبُيُوتُ الَّتِي أُقِيمَتْ بَعْدَهُ كَبَيْتِ المَقْدِسِ مِن آثارِ اهْتِداءٍ اهْتَداهُ بانُوها بِالبَيْتِ الأوَّلِ.

وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الكَعْبَةَ أوَّلُ هَيْكَلٍ أُقِيمُ لِلْعِبادَةِ وفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ هَيْكَلٍ أُقِيمُ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ وإعْلانِ ذَلِكَ وإبْطالِ الإشْراكِ هو الكَعْبَةُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ أوَّلُ مَن حاجَّ الوَثَنِيِّينَ بِالأدِلَّةِ وأوَّلُ مَن قاوَمَ الوَثَنِيَّةَ بِقُوَّةِ يَدِهِ فَجَعَلَ الأوْثانَ جِذاذًا، ثُمَّ أقامَ لِتَخْلِيدِ ذِكْرِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ ذَلِكَ الهَيْكَلَ العَظِيمَ لِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ يَأْتِي أنَّ سَبَبَ بِنائِهِ إبْطالُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وقَدْ مَضَتْ عَلى هَذا البَيْتِ العُصُورُ فَصارَتْ رُؤْيَتُهُ مُذَكِّرَةً بِاللَّهِ تَعالى، فَفِيهِ مَزِيَّةُ الأوَّلِيَّةِ، ثُمَّ فِيهِ مَزِيَّةُ مُباشَرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءَهُ بِيَدِهِ ويَدِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ دُونَ مَعُونَةِ أحَدٍ، فَهو لِهَذا المَعْنى أعْرَقُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الرِّسالَةِ مَعًا وهُما قُطْبا إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وفي هَذِهِ الصِّفَةِ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ.

ثُمَّ سُنَّ الحَجُّ إلَيْهِ لِتَجْدِيدِ هَذِهِ الذِّكْرى ولِتَعْمِيمِها في الأُمَمِ الأُخْرى، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أوْلى المَوْجُوداتِ بِالِاسْتِقْبالِ لِمَن يُرِيدُ اسْتِحْضارَ جَلالِ الرُّبُوبِيَّةِ الحَقَّةِ وما بُنِيَتْ بُيُوتُ اللَّهِ مِثْلُ المَسْجِدِ الأقْصى إلّا بَعْدَهُ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ، فَكانَ هو قِبْلَةَ المُسْلِمِينَ.

قَدَّمْنا آنِفًا أنَّ شَرْطَ اسْتِقْبالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَكُنْ مِن أحْكامِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ وكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ والمَسْجِدُ الأقْصى بُنِيَ بَعْدَ مُوسى بِما يَزِيدُ عَلى أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وغايَةُ ما كانَ مِنَ اسْتِقْبالِهِ بَعْدَ دَعْوَةِ سُلَيْمانَ أنَّهُ اسْتِقْبالٌ لِأجْلِ تَحَقُّقِ قَبُولِ الدُّعاءِ والصَّلاةِ لا لِكَوْنِهِ شَرْطًا، ثُمَّ إنِ اخْتِيارَ ذَلِكَ الهَيْكَلِ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ دَعْوَةً فَهي دَعْوَةُ نَبِيءٍ لا تَكُونُ إلّا عَنْ إلْهامٍ إلَهِيٍّ فَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ أنَّ اللَّهَ أرادَ تَعْمِيرَ البَلَدِ المُقَدَّسِ كَما وعَدَ إبْراهِيمَ ووَعَدَ مُوسى فَأرادَ زِيادَةَ تَغَلْغُلِ قُلُوبِ الإسْرائِيلِيِّينَ في التَّعَلُّقِ بِهِ فَبَيَّنَ لَهُمُ اسْتِقْبالَ الهَيْكَلِ الإيمانِيَّ الَّذِي أقامَهُ فِيهِ نَبِيُّهُ سُلَيْمانُ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَعْبَدُ مِمّا يَدْعُو نُفُوسَهم إلى الحِرْصِ عَلى بَقاءِ تِلْكَ الأقْطارِ بِأيْدِيهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ شَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الِاسْتِقْبالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ سُلَيْمانَ وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ أنْبِياءَهم لَمْ يَأْتُوا بِزِيادَةٍ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى وإنَّما أتَوْا مُعَزِّزِينَ. فَتَشْرِيعُ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْبالَ المُسْلِمِينَ في صَلاتِهِمْ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ تَكْمِيلٌ لِمَعْنى الخُشُوعِ في صَلاةِ الإسْلامِ فَيَكُونُ مِنَ التَّكَمُّلاتِ الَّتِي ادَّخَرَها اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لِتَكُونَ تَكْمِلَةُ الدِّينِ تَشْرِيفًا لِصاحِبِها ﷺ ولِأُمَّتِهِ إنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ، فَإذا كانَ الثّانِي فالأمْرُ لَنا بِالِاسْتِقْبالِ لِئَلّا تَكُونَ صَلاتُنا أضْعَفَ اسْتِحْضارًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى مِن صَلاةِ غَيْرِنا.

ولِذَلِكَ اتَّفَقَ عُلَماؤُنا عَلى أنَّ الِاسْتِقْبالَ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ كانَ مُقارِنًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في الإسْلامِ فَإنْ كانَ اسْتِقْبالُهُ جِهَةَ الكَعْبَةِ عَنِ اجْتِهادٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَعِلَّتُهُ أنَّهُ المَسْجِدُ الَّذِي عَظَّمَهُ أهْلُ الكِتابَيْنِ والَّذِي لَمْ يُداخِلْهُ إشْراكٌ ولا نُصِبَتْ فِيهِ أصْنامٌ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ دَلِيلٍ لِاسْتِقْبالِ جِهَتِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ اسْتِحْضارَ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. وإنْ كانَ اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلَعَلَّ حِكْمَتَهُ تَأْلِيفُ قُلُوبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ ولِيَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُسْلِمِينَ مَنِ اتَّبَعَهم مِن أهْلِ الكِتابِ حَقًّا ومَنِ اتَّبَعَهم نِفاقًا لِأنَّ الأخِيرَيْنِ قَدْ يَتَّبِعُونَ الإسْلامَ ظاهِرًا ويَسْتَقْبِلُونَ في صَلاتِهِمْ قِبْلَتَهُمُ القَدِيمَةَ فَلا يَرَوْنَ حَرَجًا عَلى أنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ فَإذا تَغَيَّرَتِ القِبْلَةُ خافُوا مِن قَصْدِهِمْ لِاسْتِدْبارِها فَأظْهَرُوا ما كانُوا مُسْتَبْطِنِيهِ مِنَ الكُفْرِ كَما أشارَ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ.

ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ كانَ لِخَضْدِ شَوْكَةِ مُكابَرَةِ قُرَيْشٍ وطَعْنِهِمْ في الإسْلامِ فَإنَّهُ لَوِ اسْتَقْبَلَ مَكَّةَ لَشَمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ وقالُوا هَذا بَلَدُنا ونَحْنُ أهْلُهُ واسْتِقْبالُهُ حَنِينٌ إلَيْهِ ونَدامَةٌ عَلى الهِجْرَةِ مِنهُ، كَما قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] إيماءٌ إلَيْهِ كَما قَدَّمْنا، وعَلَيْهِ فَفي تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أمْرَ قُرَيْشٍ قَدْ أشْرَفَ عَلى الزَّوالِ وأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ سَتَكُونُ الفَيْصَلَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى البَيْتِ الَّذِي هو أوْلى بِذَلِكَ وإلى جِهَتِهِ لِلْبَعِيدِ عَنْهُ.

* * *

﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] الآيَةَ.

والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ أحْبارُ اليَهُودِ وأحْبارُ النَّصارى كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِصِلَةِ ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وإنَّ أهْلَ الكِتابِ.

ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ أنَّ عِلْمَهم بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَسَبَ البِشارَةِ بِهِ في كُتُبِهِمْ يَتَضَمَّنُ أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ.

والأظْهَرُ أيْضًا أنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا عَلى الكُفْرِ لِيَظْهَرَ مَوْضِعُ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِمُؤَكِّدَيْنِ، يَقْتَضِي أنَّ ظاهِرَ حالِهِمْ إذْ أنْكَرُوا اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أنَّهم أنْكَرُوهُ لِاعْتِقادِهِمْ بُطْلانَهُ وأنَّ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَهم مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ الَّذِي هو تَهْدِيدٌ بِالوَعِيدِ.

وقَدْ دَلَّ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ عَلى القَصْرِ؛ أيْ يَعْلَمُونَ أنَّ الِاسْتِقْبالَ لِلْكَعْبَةِ هو الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ تَبَعًا لِلْعِلْمِ بِنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ قِبْلَتَهم سَتَبْطُلُ ولَعَلَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن إنْذاراتِ أنْبِيائِهِمْ، مِثْلِ:أرْمِيا وأشْعِيا المُنادِيَةِ بِخَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّ اسْتِقْبالَهُ يَصِيرُ اسْتِقْبالَ الشَّيْءِ المَعْدُومِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ ”لِلَّذِينَ أُوتُوا الكُتّابَ“ أيْ عَنْ عَمَلِهِمْ بِغَيْرِ ما عَلِمُوا فالمُرادُ: بِما يَعْمَلُونَ هَذا العَمَلَ ونَحْوَهُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ والسَّفَهِ. وهَذا الخَبَرُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ بِجَزائِهِمْ عَنْ سُوءِ صُنْعِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَ القادِرِ: ما أنا بِغافِلٍ عَنِ المُجْرِمِ، حَقِيقٌ لِعِقابِهِ إذْ لا يَحُولُ بَيْنَ القادِرِ وبَيْنَ الجَزاءِ إلّا عَدَمُ العِلْمِ فَلِذَلِكَ كانَ وعِيدًا لَهم ووَعِيدُهم يَسْتَلْزِمُ في المَقامِ الخِطابِيِّ وعْدًا لِلْمُسْلِمِينَ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ مَنزِلَتَهم فَإنَّ الوَعِيدَ إنَّما تَرَتَّبَ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا جَرَمَ أنْ سَيَلْزَمُ جَزاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ تَغْيِيرِ القِبْلَةِ، ولِأنَّ الَّذِي لا يَغْفُلُ عَنْ عَمَلِ أُولَئِكَ لا يَغْفُلُ عَنْ عَمَلِ هَؤُلاءِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتاءِ الخِطابِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ وعْدِ المُسْلِمِينَ عَلى الِامْتِثالِ لِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.

ويَسْتَلْزِمُ وعِيدًا لِلْكافِرِينَ عَلى عَكْسِ ما تَقْتَضِيهِ القِراءَةُ السّابِقَةُ؛ وعَلى القِراءَتَيْنِ فَهو تَذْيِيلٌ إجْمالِيٌّ لِيَأْخُذَ كُلٌّ حَظَّهُ مِنهُ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ الجِناسُ التّامُّ المُحَرَّفُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والجِناسُ النّاقِصُ المُضارِعُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {قَدْ نرى} : «قد» هذه قالَ فيها بعضُهم: إنها تَصْرِفُ المضارعَ إلى معنى المضيِّ، وجَعَلَ، مِنْ ذلك هذه الآيةَ وأمثالَها وقولَ الشاعر:

760 - لِقَوْمٍ لعَمْري قد نَرَى أمسِ فيهمُ ... مرابطَ للأمْهارِ والعَكَرِ الدَّهِرْ

وقال الزمخشري: «قد نرى» : ربما نرى، ومعناه كثرةُ الرؤيةِ كقول الشاعر:

761 - قد أَتْرُكُ القِرْنَ مُصَفْراً أناملُه ... كأنَّ أثوابَه مُجَّتْ بفُرْصادِ

قال الشيخ: «وشرحه هذا على التحقيق متضادٌّ، لأنه شَرَحَ» قد نرى «بربما نرى، ورُبَّ على مذهب المحققين إنما تكون لتقليلِ الشيء في نفسِه أو لتقليلِ نظيرِه: ثم قال:» ومعناه كثرةُ الرؤيةِ فهو مضادٌّ لمدلولِ رُبَّ على مذهب الجمهور. ثم هذا الذي ادَّعاه من كثرةِ الرؤيةِ لا يَدُلُّ عليه اللفظُ لأنه لم تُوضَعْ للكثرةِ «قد» مع المضارع سواءً أريد به المضيُّ أم لا، وإنما فُهِمَت الكثرةُ من متعلَّقِ الرؤيةِ وهو التقلُّبُ «.

قوله: {فِي السمآء} : في متعلَّق الجارِّ ثلاثةُ أقوال، أحدُها: أنه المصدرُ وهو» تقلُّب «، وفي» في «حينئذ وجهان، أحدُهما: أنَّها على بابِها الظرفية وهو الواضحُ. والثاني: أنَّها بمعنى» إلى «أي: إلى السماء، ولا حاجةَ لذلك، فإنَّ هذا المصدرَ قد ثَبَتَ تعدّيه ب» في «، قال تعالى: { [لاَ يَغُرَّنَّكَ] تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد} [آل عمران: 196] . والثاني من القولين: أنه» نرى «وحينئذ تكونُ» في «بمعنى» مِنْ «أي: قد نَرى مِن السماء، وذكر السماء وإن كان تعالى لا يتحيَّزُ في جهة على سبيل التشريفِ. والثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على الحالِ من» وجهِك «ذكرَه أبو البقاء فيتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فاعِلِه، ولا يجوزُ أن يكونَ مضافاً إلى منصوبهِ لأنَّ مصدرَ ذلك التقليب، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ مضافٍ من قولِه» وجهك «وهو بصرُ وجهِك لأنَّ ذلك لا يكادُ يُسْتَعملُ، بل ذكر الوجهَ لأنه أشرَفُ الأعضاءِ وهو الذي يُقَلْبه السائلُ في حاجته وقيل: كَنَى بالوجهِ عن البصر لأنه مَحَلُّه.

قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} الفاءُ هنا للتسبب وهو واضحُ، وهذا جوابُ قسمٍ محذوفٍ، أي: فوالله لَنُوَلينَّكَ، و» نُوَلِّي «يتعدَّى لاثنين: الأول الكاف والثاني» قبلةً «، و» ترضاها «الجملة في محل نصبٍ صفةً لقبلةً، قال الشيخ:» وهذا - يعني «فلنولينك» - يَدُلُّ على أَنَّ في الجملةِ السابقةِ حالاً محذوفةً تقديرُه: قد نرى تقلُّبَ وجهِك في السماءِ طالباً قبلةً غيرَ التي أنت مستقبلَها.

قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد} : «وَلَّى» يتعدَّى لاثنين أحدُهما «وجهك» والثاني «شطرَ» ويجوز أن ينتصبَ «شطر» على الظرفِ المكاني فيتعدَّى الفعلُ لواحدٍ وهو قولُ النحاس، ولَمْ يذكرِ الزمخشري غيرَه، والأولُ أوضحُ، وقد يتعدَّى إلى ثانيهما بإلى.

والشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ويكون بمعنى الجهة والنحو، قال:

762 - ألا مَنْ مُبْلِغٌ عني رسولاً ... وما تُغْني الرسالةُ شطرَ عمروِ

وقال:

763 - أقولُ لأُمِّ زِنْباعٍ أَقيمي ... صدورَ العيسِ شَطْرَ بني تميمِ

وقال:

764 - وقد أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمْ ... هَوْلٌ له ظُلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعا

وقال ابن أحمر:

765 - تَعْدُو بنا شَطْرَ نجدٍ وهيَ عاقِدَةٌ ... قد كارب العقدُ من إيقادها الحُقُبا

وقال: 766 - وأَطْعَنُ بالرُّمْحِ شَطْرَ المُلو ... كِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقال:

767 - إنَّ العَسِيرَ بها داءٌ مُخامِرُها ... وشَطْرَها نَظَرُ العينين مَحْسورُ

كل ذلك بمعنى: نحو وتِلْقاء. ويقال: شَطَرَ: بَعُد ومنه: الشاطرُ وهو الشابُّ البعيدُ من الجيرانِ الغائبِ عن منزلِه، يقال: شَطَر شُطوراً، والشَّطيرُ: البعيدُ ومنه منزل شَطِير، وشَطَر إليه أي أقبل. وقال الراغب: «وصار يُعَبَّر بالشاطر عن البعيدِ وجمعه شَطْر، والشاطر أيضاً لِمَنْ يتباعَدُ من الحقَّ وجمعُه شُطَّار.

وقوله: {حَيْثُ مَا كُنْتُمْ} في» حيثما «هنا وجهان، أظهرُهما: أنها شرطيةٌ، وشرطٌ كونِها كذلك زيادةُ» ما «بعدها خلافاً للفراء، ب» كنتم «، في محلِّ جزم بها، و» فولُّوا «جوابُها وتكون هي منصوبةً على الظرفِ بكنتم، فتكونُ هي عاملةً فيه الجزمَ، وهو عاملٌ فيها النصبَ نحو: {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى} [الإسراء: 110] واعلم أنَّ» حيث «من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافةِ فالجملةُ التي بعدها كان القياسُ يقتضي أن تكونَ في محلِّ خفضٍ بها، ولكنْ مَنَعَ من ذلك مانعٌ وهو كونُها صارَتْ من عوامل الأفعالِ. قال الشيخ:» وحيث هي ظرفُ مكانٍ مضافةً إلى الجملةٍ فهي مقتضيةٌ للخفضِ بعدَها، وما اقتضى الخفضَ لا يقتضي الجزمَ، لأنَّ عواملَ الأسماءِ لا تعملُ في الأفعالِ، والإِضافةُ موضَّحةُ لِما أُضيف، كما أنَّ الصلةَ موضِّحَةٌ فيُنافي اسمُ الشرط؛ لأنَّ اسمَ الشرطِ مبهمٌ، فإذا وُصِلَتْ ب «ما» زال منها معنى الإِضافةِ وضُمِّنَتْ معنى الشرطِ وجُوزي بها، وصارَتْ من عواملِ الأفعالِ «.

والثاني: أنها ظرفٌ غيرُ مضمَّنٍ معنى الشرط، والناصبُ له قولُه:» فَوَلُّوا «قاله أبو البقاء، وليس بشيء، لأنه متى زيدت عليها» ما «وَجَبَ تضمُّنُها معنى الشرطِ. وأصل وَلُّوا: وَلِّيُوا، فاستُثْقِلَتِ الضمة على الياءِ فَحُذِفَتْ فالتقى ساكنان فَحُذِفَ أوَّلُهما وهو الياءُ وضُمَّ ما قبلَه ليجانسَ الضميرَ فوزنه فَعُّوا. وقوله:» شَطْرَه «فيه القولان، وهما: إمَّا المفعولُ به وإمّاَ الظرفية كما تقدم.

قوله: {أَنَّهُ الحق} يُحْتمل أن تكونَ» أَنَّ «واسمُها وخبرُها سادَّةً مَسَدَّ المفعولَيْنِ ل» يَعْلَموْن «عند الجمهور، ومَسَدَّ أحدِهما عند الأخفشِ والثاني محذوفٌ على أنها تتعدَّى لاثنين، وأن تكونَ سادَّةً مسدَّ مفعولٍ واحدٍ على أنها بمعنى العرفان.

وفي الضميرِ ثلاثةُ أقوالٍ أحدُها: يعودُ على التوليِّ المدلولِ عليه بقولِه: «فولُّوا» . والثاني: على الشطر. والثالث: على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويكونُ على هذا التفاتاً من خطابه بقوله «فَلَنُوَلِّينَّكَ» إلى الغَيْبة.

قوله: {مِن رَّبِّهِمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الحق أي: الحقُّ كائناً مِنْ ربهم. وقرىء: «عمَّا يعملون» بالغَيْبة ردَّاً على الذين أوتوا الكتاب أو رَدَّاً على المؤمنين ويكون/ التفاتاً من خطابِهم بقولِه: «وجوهكم - كنتم» . وبالخطاب على ردِّه للمؤمنين وهو الظاهرُ، أو للذين على الالتفات تحريكاً لهم وتَنْشِيطاً.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
تقلب

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

قلب

قَلْبُ الشيء: تصريفه وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثّوب، وقلب الإنسان، أي: صرفه عن طريقته. قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت : 21] . والِانْقِلابُ: الانصراف، قال: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران : 144] ، وقال: ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف : 125] ، وقال: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء : 227] ، وقال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين : 31] . وقَلْبُ الإِنْسان قيل: سمّي به لكثرة تَقَلُّبِهِ، ويعبّر بالقلب عن المعاني التي تختصّ به من الرّوح والعلم والشّجاعة وغير ذلك، وقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ [الأحزاب : 10] أي: الأرواح. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق : 37] أي: علم وفهم، وكذلك: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام : 25] ، وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة : 87] ، وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال : 10] أي: تثبت به شجاعتكم ويزول خوفكم، وعلى عكسه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر : 2] ، وقوله: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب : 53] أي: أجلب للعفّة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح : 4] ، وقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر : 14] أي: متفرّقة، وقوله: ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج : 46] قيل: العقل، وقيل: الرّوح. فأمّا العقل فلا يصحّ عليه ذلك، قال: ومجازه مجاز قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة : 25] . والأنهار لا تجري وإنما تجري المياه التي فيها. وتَقْلِيبُ الشيء: تغييره من حال إلى حال نحو: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب : 66] وتَقْلِيبُ الأمور: تدبيرها والنّظر فيها، قال: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة : 48] . وتَقْلِيبُ الله القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي، قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام : 110] ، وتَقْلِيبُ اليد: عبارة عن النّدم ذكرا لحال ما يوجد عليه النادم. قال: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف : 42] أي: يصفّق ندامة.

قال الشاعر:

371- كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه بعد البياع(١)

والتَّقَلُّبُ: التّصرّف، قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء : 219] ، وقال: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل : 46] . ورجل قُلَّبٌ حُوَّلٌ: كثير التّقلّب والحيلة(٢) ، والْقُلَابُ: داء يصيب القلب، وما به قَلَبَةٌ(٣) : علّة يُقَلِّبُ لأجلها، والْقَلِيبُ. البئر التي لم تطو، والقُلْبُ: الْمَقْلُوبُ من الأسورة.


(١) البيت في البصائر 4/ 288 دون نسبة، وهو لقيس بن ذريح صاحب لبنى في شرح الفصيح لابن درستويه 1/ 152، والأغاني 8/ 114.

(٢) انظر: اللسان (قلب) و (حول) .

(٣) قال ابن منظور: وما بالعليل قلبة. أي: ما به شيء، لا يستعمل إلا في النفي. انظر: اللسا ن (قل ب) .

شطر

لللمفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

شطر

شَطْرُ الشيء: نصفه ووسطه. قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة : 144] ، أي: جهته ونحوه، وقال: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة : 150] ، ويقال: شَاطَرْتُهُ شِطَاراً، أي: ناصفته، وقيل: شَطَرَ بصره، أي: نصّفه، وذلك إذا أخذ ينظر إليك وإلى آخر، وحلب فلان الدّهر أَشْطُرَهُ(١) ، وأصله في الناقة أن يحلب خلفين، ويترك خلفين، وناقة شَطُورٌ: يبس خلفان من أخلافها، وشاة شَطُورٌ: أحد ضرعيها أكبر من الآخر، وشَطَرَ: إذا أخذ شَطْراً، أي: ناحية، وصار يعبّر بِالشَّاطِرِ عن البعيد، وجمعه: شُطُرٌ، نحو:

267- أشاقك بين الخليط الشّطر(٢)

والشَّاطِرُ أيضا لمن يتباعد عن الحقّ، وجمعه: شُطَّارٌ.


(١) يقال للشخص ذي التجربة الكثيرة الذي مرت عليه ضروب من خير وشر. وانظر: جواهر الألفاظ ص 334، والبصائر 3/ 319، وأساس البلاغة ص 235، والمجمل 2/ 503.

(٢) شطر بيت لامرئ القيس، وعجزه: وفيمن أقام من الحيّ هر

هكذا في اللسان: (شطر) ، وفي ديوانه ص 68 الرواية: وفي من أقام من الحي هر ... أم الظاعنون بها في الشّطر

الجذر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

حق

أصل الحَقّ: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه[[هي عقب الباب.]] لدورانه على استقامة.

والحقّ يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحقّ[[راجع: الأسماء والصفات ص 26.]] ، قال الله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ[[سورة يونس آية 30.]] ، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس : 32] .

والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كلّه حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس : 5] ، إلى قوله: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس : 5] ، وقال في القيامة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس : 53] ، و﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة : 146] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 147] ، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة : 149] .

والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنّة والنّار حقّ، قال الله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [البقرة : 213] .

والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حقّ وقولك حقّ، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [يونس : 33] ، و﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة : 13] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ [المؤمنون : 71] ، يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصحّ أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أَحققْتُ كذا، أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال : 8] فإحقاق الحقّ على ضربين.

أحدهما: بإظهار الأدلّة والآيات، كما قال تعالى: ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء : 91] ، أي: حجة قوية.

والثاني: بإكمال الشريعة وبثّها في الكافّة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصف : 8] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة : 33] ، وقوله: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة : 1] ، إشارة إلى القيامة، كما فسّره بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين : 6] ، لأنه يحقّ فيه الجزاء، ويقال: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ، أي خاصمته في الحقّ فغلبته، وقال عمر رضي الله عنه: (إذا النساء بلغن نصّ الحقاق فالعصبة أولى في ذلك)[[المعنى أنّ الجارية ما دامت صغيرة فأمّها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بأمرها. انظر النهاية 1/ 414، ونهج البلاغة 2/ 314، ونسبه لعليّ بن أبي طالب.]] .

وفلان نَزِقُ الحِقَاق: إذا خاصم في صغار الأمور[[انظر: المجمل 1/ 215.]] ، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: ﴿كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم : 47] ، ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 103] ، وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ﴾ [الأعراف : 105] ، قيل معناه: جدير، وقرئ: حَقِيقٌ عَلى[[وبها قرأ نافع وحده. انظر: الإتحاف ص 217.]] قيل: واجب، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة : 228] ، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله ﷺ لحارث: «لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»[[عن صالح بن مسمار أنّ رسول الله ﷺ قال لحارث بن مالك: كيف أنت؟ أو: ما أنت يا حارث؟ قال: مؤمن يا رسول الله، قال: مؤمن حقا؟ قال: مؤمن حقا. قال: لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة ذلك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي عزّ وجل، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله: «مؤمن نوّر الله قلبه» . أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 106 مرسلا والبزار والطبراني، وهو حديث معضل. انظر: الإصابة 1/ 289، ومجمع الزوائد 1/ 57.]] ، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدّعيه حقّا؟

وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحقّ عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدّم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخّصا ومتزيدا، ويستعمل في ضدّه المتجوّز والمتوسّع والمتفسّح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه وبقاء تلك، وأمّا في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة[[انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 42.]] . والحِقُّ من الإبل: ما استحقّ أن يحمل عليه، والأنثى: حِقَّة، والجمع: حِقَاق، وأتت النّاقة على حقّها[[انظر: اللسان (حقق) 10/ 55.]] ، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من الع ام الماضي.