(۞سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). سورة البقرة، الآية: ١٤٢
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
قَدْ خَفِيَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الآيِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ الظّاهِرَ مِنها أنَّها إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وأنَّ القِبْلَةَ المَذْكُورَةَ فِيها هي القِبْلَةُ الَّتِي كانَتْ في أوَّلِ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ، وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْها هو نَسْخُها بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُتَرَقَّبَ طَعْنُ الطّاعِنِينَ في هَذا التَّحْوِيلِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّسْخِ أيْ بَعْدَ الآياتِ النّاسِخَةِ لِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِما هو مَعْلُومٌ مِن دَأبِهِمْ مِنَ التَّرَصُّدِ لِلطَّعْنِ في تَصَرُّفاتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً، والأصْلُ مُوافَقَةُ التِّلاوَةِ لِلنُّزُولِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ إلّا ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مُتَأخِّرًا ويُتْلى مُتَقَدِّمًا.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلَةِ المُحَوَّلَةِ القِبْلَةُ المَنسُوخَةُ وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ أعْنِي الشَّرْقَ وهي قِبْلَةُ اليَهُودِ، ولَمْ يَشْفِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأصْحابِ أسْبابِ النُّزُولِ الغَلِيلَ في هَذا عَلى أنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الآيِ الَّذِي قَبْلَها غَيْرُ واضِحَةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى تَكَلُّفِ إبْدائِها.
والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَهْمِي أنَّ مُناسَبَةَ وُقُوعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ، وهي أنَّ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَكَرَّرَ فِيها التَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ ومِلَّتِهِ والكَعْبَةِ وأنَّ مَن يَرْغَبُ عَنْها قَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، فَكانَتْ مَثارًا لِأنْ يَقُولَ المُشْرِكُونَ: ما ولّى مُحَمَّدًا وأتْباعَهُ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بِمَكَّةَ أيِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ مَعَ أنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ويَأْبى عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَكَيْفَ تَرَكَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ واسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولِأنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هَذا الغَرَضِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] . وقَوْلِهِ. ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم فَأنْبَأ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِمْ وأتى فِيهِ بِهَذا المَوْقِعِ العَجِيبِ وهو أنْ جَعَلَهُ بَعْدَ الآياتِ المُثِيرَةِ لَهُ وقَبْلَ الآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْهِ في نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ والأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ في الصَّلاةِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، لِئَلّا يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ نازِلًا بَعْدَ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فَيَشْمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ، يَقُولُونَ غَيَّرَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَهُ مِن أجْلِ اعْتِراضِنا عَلَيْهِ فَكانَ لِمَوْضِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أفْضَلُ تَمَكُّنٍ وأوْثَقُ رَبْطٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ نُزُولِها قَبْلَ آيَةِ النَّسْخِ وهي قَوْلُهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ؛ لِأنَّ مَقالَةَ المُشْرِكِينَ أوْ تَوَقُّعَها حاصِلٌ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وناشِئٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ والكَعْبَةِ.
فالمُرادُ بِالسُّفَهاءِ: المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَبْيِينُهُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾، فَقَدْ عُرِفَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ أنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اليَهُودَ أوْ أهْلَ الكِتابِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَناسَبَ أنْ يُقالَ ”سَيَقُولُونَ“ بِالإضْمارِ لِأنَّ ذِكْرَهم لَمْ يَزَلْ قَرِيبًا مِنَ الآيِ السّابِقَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] الآيَةَ.
ويُعَضِّدُنا في هَذا ما ذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ والحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِالسُّفَهاءِ المُشْرِكُونَ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ قَوْلُ الزَّجّاجِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُنافِقِينَ وقَدْ سَبَقَ وصْفُهم بِهَذا في أوَّلِ السُّورَةِ فَيَكُونُ المَقْصُودُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ، والَّذِي يَبْعَثُهم عَلى هَذا القَوْلِ هو عَيْنُ الَّذِي يَبْعَثُ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ”السُّفَهاءَ“ هُنا هُمُ المُنافِقُونَ.
أمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا السُّفَهاءَ بِاليَهُودِ فَقَدْ وقَعُوا في حَيْرَةٍ مِن مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ لِظُهُورِ أنَّ هَذا القَوْلَ ناشِئٌ عَنْ تَغْيِيرِ القِبْلَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإخْبارُ بِهِ قَبْلَ سَماعِ الآيَةِ النّاسِخَةِ لِلْقِبْلَةِ لِأنَّ الأصْلَ مُوافَقَةُ التِّلاوَةِ لِلنُّزُولِ فَكَيْفَ يَقُولُ السُّفَهاءُ هَذا القَوْلَ قَبْلَ حُدُوثِ داعٍ إلَيْهِ لِأنَّهم إنَّما يَطْعَنُونَ في التَّحَوُّلِ عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ مَسْجِدُهم وهو قِبْلَتُهم في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، ولِذَلِكَ جَزَمَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ورَوَوْا ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى البُخارِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجاءٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ «حَدِيثَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ ووَقَعَ فِيهِ: فَقالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ، ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»﴾، وأخْرَجَهُ في كِتابِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ خالِدٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيادَةِ، ولَكِنْ قالَ عِوَضَها: وكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أعْجَبَهم إذْ كانَ يُصَلّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ وأهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ولّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَهُ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن طَرِيقِ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ بِدُونِ شَيْءٍ مِن هاتَيْنِ الزِّيادَتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الزِّيادَةَ الأُولى مُدْرَجَةٌ مِن إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ، والزِّيادَةُ الثّانِيَةُ مُدْرَجَةٌ مِن عَمْرِو بْنِ خالِدٍ لِأنَّ مُسْلِمًا والتِّرْمِذِيَّ والنَّسائِيَّ قَدْ رَوَوْا حَدِيثَ البَراءِ عَنْ أبِي إسْحاقَ مِن غَيْرِ طَرِيقِ إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ إحْدى الزِّيادَتَيْنِ، فاحْتاجُوا إلى تَأْوِيلِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مِن قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ بِمَعْنى التَّحْقِيقِ لا غَيْرَ؛ أيْ قالَ السُّفَهاءُ ما ولّاهم. ووَجْهُ فَصْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَمّا قَبْلَها بِدُونِ عَطْفٍ اخْتِلافُ الغَرَضِ عَنْ غَرَضِ الآياتِ السّابِقَةِ فَهي اسْتِئْنافٌ مَحْضٌ لَيْسَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
والأوْلى بَقاءُ السِّينِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إذْ لا داعِيَ إلى صَرْفِهِ إلى مَعْنى المُضِيِّ وقَدْ عَلِمْتُمُ الدّاعِيَ إلى الإخْبارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مِنهم، وقالَ في الكَشّافِ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أنَّ العِلْمَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرابِ إذا وقَعَ، وأنَّ الجَوابَ العَتِيدَ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ وأرَدُّ لِشَغْبِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مِن وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي لِيَدُلَّ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ فِيهِ، وقالَ الفَخْرُ: إنَّهُ مُخْتارُ القَفّالِ.
وكَأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وهَذا تَكَلُّفٌ يَنْبَغِي عَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، والإخْبارُ عَنْ أقْوالِهِمُ المُسْتَقْبَلَةِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ [الإسراء: ٥١] - ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] وإذا كانَ الَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ ثُبُوتُ أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وشُيُوعُ ذَلِكَ كانَ لِتَأْوِيلِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي وجْهٌ وجِيهٌ، وكانَ فِيهِ تَأْيِيدٌ لِما أسْلَفْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
والسُّفَهاءُ: جَمْعُ سَفِيهٍ الَّذِي هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ إذا صارَ السَّفَهُ لَهُ سَجِيَّةً وتَقَدَّمَ القَوْلُ في السَّفَهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفائِدَةُ وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِنَ النّاسِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا هو التَّنْبِيهُ عَلى بُلُوغِهِمُ الحَدَّ الأقْصى مِنَ السَّفاهَةِ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في النّاسِ سُفَهاءُ غَيْرُ هَؤُلاءِ فَإذا قُسِمَ نَوْعُ الإنْسانِ أصْنافًا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفَ السُّفَهاءِ فَيُفْهَمُ أنَّهُ لا سَفِيهَ غَيْرُهم عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن صَدَرَ مِنهُ هَذا القَوْلُ هو سَفِيهٌ سَواءٌ كانَ القائِلُ اليَهُودَ أوِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ حِكايَةً لِقَوْلِ السُّفَهاءِ، وهم يُرِيدُونَ بِالضَّمِيرِ أوْ بِما يُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِهِمْ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المُسْلِمِينَ.
وفِعْلُ ﴿ولّاهُمْ﴾ أصْلُهُ مُضاعَفُ ولّى إذا دَنا وقَرُبَ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِسَبَبِ التَّضْعِيفِ، فَيُقالُ: ولّاهُ مِن كَذا أيْ قَرَّبَهُ مِنهُ ووَلّاهُ عَنْ كَذا أيْ صَرَفَهُ عَنْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ فَكَثُرَ أنْ يَحْذِفُوا حَرْفَ الجَرِّ الَّذِي يُعَدِّيهِ إلى مُتَعَلِّقٍ ثانٍ فَبِذَلِكَ عَدَّوْهُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ كَثِيرًا عَلى التَّوَسُّعِ، فَقالُوا: ولّى فُلانًا وجْهَهُ مَثَلًا دُونَ أنْ يَقُولُوا ولّى فُلانٌ وجْهَهُ مِن فُلانٍ أوْ عَنْ فُلانٍ، فَأشْبَهَ أفْعالَ كَسا وأعْطى ولِذَلِكَ لَمْ يَعْبَئُوا بِتَقْدِيمِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ عَلى الآخَرِ قالَ تَعالى ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] أصْلُهُ: فَلا تُوَلُّوا الأدْبارَ مِنهم، فالأدْبارُ هو الفاعِلُ في المَعْنى لِأنَّهُ لَوْ رُفِعَ لَقِيلَ ولِيَ دُبُرُهُ الكافِرِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] أيْ نَجْعَلُهُ والِيًا مِمّا تَوَلّى أيْ قَرِيبًا لَهُ أيْ مُلازِمًا لَهُ فَهَذا تَحْقِيقُ تَصْرِيفاتِ هَذا الفِعْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ إلَخْ، هي مَقُولُ القَوْلِ فَضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها عائِدَةٌ عَلى مُعادٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ لِئَلّا يَلْزَمَ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ ومُخالَفَةُ الظّاهِرِ في أصْلِ حِكايَةِ الأقْوالِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالتَّخْطِئَةِ واضْطِرابِ العَقْلِ.
والمُرادُ بِالقِبْلَةِ في قَوْلِهِ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الجِهَةُ الَّتِي يُوَلُّونَ إلَيْها وُجُوهَهم عِنْدَ الصَّلاةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وأخْبارُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ.
والقِبْلَةُ في أصْلِ الصِّيغَةِ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فِعْلَةٍ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وهي زِنَةُ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى هَيْئَةِ فِعْلِ الِاسْتِقْبالِ أيِ التَّوَجُّهِ، اشْتُقَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ بِحَذْفِ السِّينِ والتّاءِ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ المُسْتَقْبِلُ مَجازًا وهو المُرادُ هُنا لِأنَّ الِانْصِرافَ لا يَكُونُ عَنِ الهَيْئَةِ قالَ حَسّانُ في رِثاءِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ
والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ القِبْلَةُ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى وزْنِ فِعْلٍ كالذِّبْحِ والطِّحْنِ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الجِهَةِ كَما قالُوا: ما لَهُ في هَذا الأمْرِ قِبْلَةٌ ولا دِبْرَةٌ أيْ وِجْهَةٌ.
وإضافَةُ القِبْلَةِ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ اخْتِصاصِها بِهِمْ إذْ لَمْ يَسْتَقْبِلْها غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُصَلِّينَ وأهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَقْبِلُونَ في صَلاتِهِمْ،
وهَذا مِمّا يُعَضِّدُ حَمْلَ السُّفَهاءُ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ، لَقِيلَ: عَنْ قِبْلَتِنا. إذْ لا يَرْضَوْنَ أنْ يُضِيفُوا تِلْكَ القِبْلَةَ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن فَسَّرَ السُّفَهاءُ بِاليَهُودِ ونَسَبَ إلَيْهِمُ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ حَمَلَ الإضافَةَ عَلى أدْنى مُلابَسَةٍ لِأنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَقْبَلُوا تِلْكَ القِبْلَةَ مُدَّةَ سَنَةٍ وأشْهُرٍ فَصارَتْ قِبْلَةً لَهم.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورِ اللَّفْظِ حِكايَةً لِقَوْلِ السُّفَهاءِ، وهم يُرِيدُونَ بِالضَّمِيرِ أوْ بِمُساوِيهِ في كَلامِهِمْ عَوْدَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ أيْ كانُوا مُلازِمِينَ لَها فَـ ”عَلى“ هُنا لِلتَّمَكُّنِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ المُلازَمَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْجِيهٍ لِلْإنْكارِ والِاسْتِغْرابِ؛ أيْ كَيْفَ عَدَلُوا عَنْها بَعْدَ أنْ لازَمُوها ولَمْ يَكُنِ اسْتِقْبالُهم إيّاها مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ فَإنَّهُمُ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ.
واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَيْسَ هَذا الِاسْتِقْبالُ مِن أصْلِ دِينِهِمْ لِأنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ إنَّما بُنِيَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَناهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا تَجِدُ في أسْفارِ التَّوْراةِ الخَمْسَةِ ذِكْرًا لِاسْتِقْبالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والصَّلاةِ والدُّعاءِ، ولَكِنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي سَنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَفي سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا أتَمَّ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ جَمَعَ شُيُوخَ إسْرائِيلَ وجُمْهُورَهم ووَقَفَ أمامَ المَذْبَحِ في بَيْتِ المَقْدِسِ وبَسَطَ يَدَيْهِ ودَعا اللَّهَ دُعاءً جاءَ فِيهِ: إذا انْكَسَرَ شَعْبُ إسْرائِيلَ أمامَ العَدُوِّ ثُمَّ رَجَعُوا واعْتَرَفُوا وصَلَّوْا نَحْوَ هَذا البَيْتِ فَأرْجِعْهم إلى الأرْضِ الَّتِي أعْطَيْتَ لِآبائِهِمْ وإذا خَرَجَ الشَّعْبُ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ وصَلَّوْا إلى الرَّبِّ نَحْوَ المَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتَها والبَيْتِ الَّذِي بَنَيْتَهُ لِاسْمِكَ فاسْمَعْ صَلاتَهم وتَضَرُّعَهم إلَخْ، وذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَجَلّى لِسُلَيْمانَ، وقالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاتَكَ وتَضَرُّعَكَ الَّذِي تَضَرَّعْتَ بِهِ أمامِي، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ شَرْطٌ في الصَّلاةِ في دِينِ اليَهُودِ وقُصاراهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ بِالصَّلاةِ والدُّعاءِ هَيْئَةٌ فاضِلَةٌ، فَلَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ التَزَمُوهُ لا سِيَّما بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ أنَّ أنْبِياءَهُمُ المَوْجُودِينَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ أمَرُوهم بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: كانَ اليَهُودُ يَظُنُّونَ أنَّ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ لَهم في القِبْلَةِ رُبَّما تَدْعُوهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُوافِقًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وجَرى كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى الجَزْمِ بِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِناءً عَلى كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، ولَمْ يَثْبُتْ هَذا مِن دِينِ اليَهُودِ كَما عَلِمْتَ، وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ ما فِيهِ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ جِهَةَ المَغْرِبِ وأنَّ النَّصارى يَسْتَقْبِلُونَ المَشْرِقَ، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ اليَهُودَ لَمْ تَكُنْ لَهم في صَلاتِهِمْ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ يَسْتَقْبِلُونَها وأنَّهم كانُوا يَتَيَمَّنُونَ في دُعائِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى صَوْبِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى اخْتِلافِ مَوْقِعِ جِهَتِهِ مِنَ البِلادِ الَّتِي هم بِها فَلَيْسَ لَهم جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن جِهاتِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها وما بَيْنَهُما، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عادَةً عِنْدَهم تَوَهَّمُوهُ مِنَ الدِّينِ وتَعَجَّبُوا مِن مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ.
وأمّا النَّصارى فَإنَّهم لَمْ يَقَعْ في إنْجِيلِهِمْ تَغْيِيرٌ لِما كانَ عَلَيْهِ اليَهُودُ في أمْرِ الِاسْتِقْبالِ في الصَّلاةِ ولا تَعْيِينُ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا وجَدُوا الرُّومَ يَجْعَلُونَ أبْوابَ هَياكِلِهِمْ مُسْتَقْبِلَةً لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ بِحَيْثُ تَدْخُلُ أشِعَّةَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها مِن بابِ الهَيْكَلِ عَلى الصَّنَمِ صاحِبِ الهَيْكَلِ المَوْضُوعِ في مُنْتَهى الهَيْكَلِ عَكَسُوا ذَلِكَ فَجَعَلُوا أبْوابَ الكَنائِسِ إلى الغَرْبِ وبِذَلِكَ يَكُونُ المَذْبَحُ إلى الغَرْبِ والمُصَلُّونَ مُسْتَقْبِلِينَ الشَّرْقَ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ بُولِسَ الَّذِي أمَرَهم بِذَلِكَ، فَهَذِهِ حالَةُ النَّصارى في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّ النَّصارى مِنَ العُصُورِ الوُسْطى إلى الآنَ تَوَسَّعُوا فَتَرَكُوا اسْتِقْبالَ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلِذَلِكَ تَكُونُ كَنائِسُهم مُخْتَلِفَةَ الِاتِّجاهِ وكَذَلِكَ المَذابِحُ المُتَعَدِّدَةُ في الكَنِيسَةِ الواحِدَةِ.
وأمّا اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ في الحَنِيفِيَّةِ فالظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَنى الكَعْبَةَ اسْتَقْبَلَها عِنْدَ الدُّعاءِ وعِنْدَ الصَّلاةِ لِأنَّهُ بَناها لِلصَّلاةِ حَوْلَها فَإنَّ داخِلَها لا يَسَعُ الجَماهِيرَ مِنَ النّاسِ وإذا كانَ بِناؤُها لِلصَّلاةِ حَوْلَها فَهي أوَّلُ قِبْلَةٍ وُضِعَتْ لِلْمُصَلِّي تُجاهَها وبِذَلِكَ اشْتَهَرَتْ عِنْدَ العَرَبِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِيمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهو قائِمٌ أمّا تَوَجُّهُهُ إلى جِهَتِها مِن بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْها فَلا دَلِيلَ عَلى وُقُوعِهِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِالتِزامِ الِاسْتِقْبالِ في الصَّلاةِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ومِن جُمْلَةِ مَعانِي إكْمالِ الدِّينِ بِها كَما سَنُبَيِّنُهُ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ جِهَةً ثُمَّ تَحَوَّلُوا إلى جِهَةٍ أُخْرى ولَيْسَتِ الَّتِي تَحَوَّلَ إلَيْها المُسْلِمُونَ إلّا جِهَةَ الكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وبِذَلِكَ جاءَتِ الآثارُ. والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في هَذا ثَلاثٌ، أوَّلُها وأصَحُّها: حَدِيثُ المُوَطَّأِ؛ عَنِ ابْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «بَيْنَما النّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ» ورَواهُ أيْضًا البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مالِكٍ، ومُسْلِمٌ مِن طَرِيقِ مالِكٍ ومِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ، وفِيهِ: أنَّ نُزُولَ آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ كانَ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أثْناءِ الصَّلاةِ وأنَّهُ صَلّى الصُّبْحَ لِلْكَعْبَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو أصْلُ البابِ وهو فَصْلُ الخِطابِ، ثانِيها: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وفِيهِ: «فَمَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ وهم رُكُوعٌ في صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنادى ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَمالُوا كَما هم نَحْوَ القِبْلَةِ»، الثّالِثُ: حَدِيثُ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ فَصَلّى مَعَ النَّبِيءِ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلّى فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ في صَلاةِ العَصْرِ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ: هو يَشْهَدُ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ»، وحُمِلَ ذِكْرُ صَلاةِ الصُّبْحِ في رِوايَتَيِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وذِكْرُ صَلاةِ العَصْرِ في رِوايَةِ البَراءِ كُلٌّ عَلى أهْلِ مَكانٍ مَخْصُوصٍ، وهُنالِكَ آثارٌ أُخْرى تُخالِفُ هَذِهِ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ذَكَرَها القُرْطُبِيُّ.
فَتَحْوِيلُ القِبْلَةِ كانَ في رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ وقِيلَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ نِصْفَ شَعْبانَ مِنها.
واخْتَلَفُوا في أنَّ اسْتِقْبالَهُ ﷺ بَيْتَ المَقْدِسِ هَلْ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أوْ بَعْدَها، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَمّا فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ كانَ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ فَلَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ، قالَهُ بَعْضُهم وهو ضَعِيفٌ، وقِيلَ كانَ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ وهو في مَكانٍ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ أمامَهُ مِن جِهَةِ الشَّرْقِ فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ مَعًا، ولَمْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ. واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ ثُمَّ نَسَخَهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ودَلِيلُهم قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الكَعْبَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ واخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ اسْتِئْلافًا لِلْيَهُودِ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ مِنَ النَّبِيءِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] دالًّا عَلى أنَّهُ اجْتَهَدَ فَرَأى أنْ يَتَّبِعَ قِبْلَةَ الدِّينَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ ومَعَ ذَلِكَ كانَ يَوَدُّ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا غُيِّرَتِ القِبْلَةُ قالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ وقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ قالُوا: اشْتاقَ مُحَمَّدٌ إلى بَلَدِهِ وعَنْ قَرِيبٍ يَرْجِعُ إلى دِينِكم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ ونُسِبَ إلى البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ أنَّ أوَّلَ مَن صَلّى نَحْوَ الكَعْبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو سَعِيدِ بْنُ المُعَلّى، وفي الحَدِيثِ ضَعْفٌ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَوابٌ قاطِعٌ، مَعْناهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها سَواءٌ في أنَّها مَواقِعُ لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ المُعَظَّمَةِ، فالجِهاتُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبَعًا لِلْأشْياءِ الواقِعَةِ فِيها المَمْلُوكَةِ لَهُ، ولَيْسَ مُسْتَحِقَّةً لِلتَّوَجُّهِ والِاسْتِقْبالِ اسْتِحْقاقًا ذاتِيًّا. وذِكْرُ المَشْرِقُ والمَغْرِبِ مُرادٌ بِهِ تَعْمِيمُ الجِهاتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ الكِنايَةَ عَنِ الأرْضِ كُلِّها لِأنَّ اصْطِلاحَ النّاسِ أنَّهم يُقَسِّمُونَ الأرْضَ إلى جِهَتَيْنِ شَرْقِيَّةٍ وغَرْبِيَّةٍ بِحَسَبِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها، والمَقْصُودُ أنْ لَيْسَ لِبَعْضِ الجِهاتِ اخْتِصاصٌ بِقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وإنَّما يَكُونُ أمْرُهُ بِاسْتِقْبالِ بَعْضِ الجِهاتِ لِحِكْمَةٍ يُرِيدُها كالتَّيَمُّنِ أوِ التَّذَكُّرِ فَلا بِدْعَ في التَّوَلِّي لِجِهَةٍ دُونَ أُخْرى حَسَبَ ما يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾، إشارَةٌ إلى وجْهِ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ إلى الكَعْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ تَرْجِيحِ التَّوْلِيَةِ إلى الكَعْبَةِ عَلى التَّوْلِيَةِ إلى غَيْرِها لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ هو الهُدى دُونَ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلّا أنَّ هَذا التَّعْرِيضَ جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُنْصِفِ مِن حَيْثُ ما في قَوْلِهِ مَن يَشاءُ مِنَ الإجْمالِ الَّذِي يُبَيِّنُهُ المَقامُ فَإنَّ المَهْدِيَّ مِن فَرِيقَيْنِ كانا في حالَةٍ واحِدَةٍ وهو الفَرِيقُ الَّذِي أمَرَهُ مَن بِيَدِهِ الهُدى بِالعُدُولِ عَنِ الحالَةِ الَّتِي شارَكَهُ فِيها الفَرِيقُ الآخَرُ إلى حالَةِ اخْتُصَّ هو بِها، فَهَذِهِ الآيَةُ بِهَذا المَعْنى فِيها إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أقْوى مِن آيَةِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]
وقَدْ سَلَكَ في هَذا الجَوابِ لَهم طَرِيقَ الإعْراضِ والتَّبْكِيتِ لِأنَّ إنْكارَهم كانَ عَنْ عِنادٍ لا عَنْ طَلَبِ الحَقِّ فَأُجِيبُوا بِما لا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الحَيْرَةَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم حِكْمَةُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ ولا أحَقِّيَّةُ الكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبالِ وذَلِكَ ما يَعْلَمُهُ المُؤْمِنُونَ.
فَأمّا إذا جَرَيْنا عَلى قَوْلِ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اليَهُودِ اسْتِقْبالَ جِهَةِ المَغْرِبِ وإلى النَّصارى اسْتِقْبالَ جِهَةِ المَشْرِقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَيَأْتِي عَلى تَفْسِيرِهِمْ أنْ نَقُولَ إنَّ ذِكْرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ إشارَةٌ إلى قِبْلَةِ النَّصارى وقِبْلَةِ اليَهُودِ، فَيَكُونُ الجَوابُ جَوابًا بِالإعْراضِ عَنْ تَرْجِيحِ قِبْلَةِ المُسْلِمِينَ لِعَدَمِ جَدْواهُ هُنا، أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إيماءً إلى قِبْلَةِ الإسْلامِ، والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هُنا وسِيلَةُ الخَيْرِ وما يُوَصِّلُ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ هَدْيٍ إلى خَيْرٍ ومِنهُ الهَدْيُ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ جِهَةٍ. فَجُمْلَةُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ ولا يَحْسُنُ جَعْلُها بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ لِعَدَمِ وُضُوحِ اشْتِمالِ جُمْلَةِ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ عَلى مَعْنى جُمْلَةِ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إذْ مَفادُ الأُولى أنَّ الأرْضَ جَمِيعَها لِلَّهِ أيْ فَلا تَتَفاضَلُ الجِهاتُ ومَفادُ الثّانِيَةِ أنَّ الهُدى بِيَدِ اللَّهِ.
واتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أيِ التَّوَجُّهَ إلَيْها شَرْطٌ مِن شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ والنّافِلَةِ إلّا لِضَرُورَةٍ في الفَرِيضَةِ كالقِتالِ والمَرِيضِ لا يَجِدُ مَن يُوَجِّهُهُ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ أوْ لِرُخْصَةٍ في النّافِلَةِ لِلْمُسافِرِ إذا كانَ راكِبًا عَلى دابَّةٍ أوْ في سَفِينَةٍ لا يَسْتَقِرُّ بِها. فَأمّا الَّذِي هو في المَسْجِدِ الحَرامِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ مِن أحَدِ جَوانِبِها ومَن كانَ بِمَكَّةَ في مَوْضِعٍ يُعايِنُ مِنهُ الكَعْبَةَ فَعَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ الَّتِي يُعايِنُها فَإذا طالَ الصَّفُّ مِن أحَدِ جَوانِبِ الكَعْبَةِ وجَبَ عَلى مَن كانَ مِن أهْلِ الصَّفِّ غَيْرَ مُقابِلٍ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الكَعْبَةِ أنْ يَسْتَدِيرَ بِحَيْثُ يُصَلُّونَ دائِرِينَ بِالكَعْبَةِ صَفًّا وراءَ صَفٍّ بِالِاسْتِدارَةِ، وأمّا الَّذِي تَغِيبُ ذاتُ الكَعْبَةِ عَنْ بَصَرِهِ فَعَلَيْهِ الِاجْتِهادُ بِأنْ يَتَوَخّى أنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَتَها فَمِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: يَتَوَخّى المُصَلِّي جِهَةَ مُصادَفَةِ عَيْنِ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ خَطٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ لَوَجَدَ وجْهَهُ قُبالَةَ جِدارِها، وهَذا شاقٌّ يَعْسُرُ تَحَقُّقُهُ إلّا بِطَرِيقِ إرْصادِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذا بِاسْتِقْبالِ العَيْنِ وبِاسْتِقْبالِ السَّمْتِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ القَصّارِ واخْتارَهُ أحَدُ أشْياخِ أبِي الطَّيِّبِ عَبْدِ المُنْعِمِ الكِنْدِيُّ، ونَقَلَهُ المالِكِيَّةُ عَنِ الشّافِعِيِّ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: يَتَوَخّى المُصَلِّي أنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَةَ أقْرَبِ ما بَيَّنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ مَشى بِاسْتِقامَةٍ لَوَصَلَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذا بِاسْتِقْبالِ الجِهَةِ أيْ جِهَةِ الكَعْبَةِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المالِكِيَّةِ واخْتارَهُ الأبْهَرِيُّ والباجِيُّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وهو مِنَ التَّيْسِيرِ ورَفْعِ الحَرَجِ، ومَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَسْتَدِلُّ بِمَوْضِعِ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ في مَسْجِدِهِ لِأنَّ اللَّهَ أذِنَ رَسُولَهُ بِالصَّلاةِ فِيهِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ «أنَّ جُبَيْرَ هو الَّذِي أقامَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِبْلَةَ مَسْجِدِهِ» .
وبَيَّنَ المازِرِيُّ مَعْنى المُسامَتَةِ: بِأنْ يَكُونَ جُزْءٌ مِن سَطْحِ وجْهِ المُصَلّى وجُزْءٌ مِن سَمْتِ الكَعْبَةِ طَرَفَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وذَلِكَ مُمْكِنٌ بِكَوْنِ صَفِّ المُصَلِّينَ كالخَطِّ المُسْتَقِيمِ الواصِلِ بَيْنَ طَرَفَيْ خَيْطَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ خَرَجا مِنَ المَرْكَزِ إلى المُحِيطِ في جِهَتِهِ، لِأنَّ كُلَّ نُقْطَةٍ مِنهُ مَمَرٌّ لِخارِجٍ مِنَ المَرْكَزِ إلى المُحِيطِ اهـ، واسْتَبْعَدَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ هَذا الكَلامَ بِأنَّ تَكْلِيفَ البَعِيدِ اسْتِقْبالَ عَيْنِ البَيْتِ لا يُطاقُ، وبِإجْماعِهِمْ عَلى صِحَّةِ صَلاةِ ذَوِي صَفٍّ مِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُ البَيْتِ خَمْسَةُ أذْرُعٍ، فَبَعْضُ هَذا الصَّفِّ خارِجٌ عَنْ سِمَةِ البَيْتِ قَطْعًا ووافَقَهُ القَرافِيُّ ثُمَّ أجابَ بِأنَّ البَيْتَ لِمُسْتَقْبِلِيهِ كَمَرْكَزِ دائِرَةٍ لِمُحِيطِها والخُطُوطُ الخارِجَةُ مِن مَرْكَزٍ لِمُحِيطِهِ كُلَّما قَرُبَتْ مِنهُ اتَّسَعَتْ ولا سِيَّما في البُعْدِ.
فَإذا طالَتِ الصُّفُوفُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم إنَّما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْها بِأنَّها قِبْلَةُ الصَّلاةِ.
ومَن أخْطَأ القِبْلَةَ أوْ نَسِيَ الِاسْتِقْبالَ حَتّى فَرَغَ مِن صَلاتِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ إعادَةُ صَلاتِهِ عِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ إلّا أنَّ مالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ أنْ يُعِيدَها ما لَمْ يَخْرُجِ الوَقْتُ ولَمْ يَرَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ وهَذا بِناءً عَلى أنَّ فَرْضَ المُكَلَّفِ هو الِاجْتِهادُ في اسْتِقْبالِ الجِهَةِ، وأمّا الشّافِعِيُّ فَأوْجَبَ عَلَيْهِ الإعادَةَ أبَدًا بِناءً عَلى أنَّهُ يَرى أنَّ فَرْضَ المُكَلَّفِ هو إصابَةُ سَمْتِ الكَعْبَةِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {مِنَ الناس} : في محلِّ نصبٍ على الحالِ، من «السفهاء» والعاملُ فيها «سيقولُ» وهي حالٌ مبيِّنة فإنَّ السَّفَه كما يوصف به الناسُ يُوْصَفُ به غيرُهم من الجمادِ والحيوانِ، وكما يُنْسَبُ القولُ إليهم حقيقةً يُنْسَبُ لغيرهم مجازاً فَرَفَع المجازَ بقولِه: «مِن الناسِ» ذكره ابن عطية وغيرُه.
قوله: {مَا وَلاَّهُمْ} «ما» مبتدأٌ وهي استفهاميةٌ، والجملةُ بعدها خبرٌ عنها، و «عن قِبْلَتِهم» متعلقٌ ب «وَلاَّهم» ، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ في قولِه «عليها» أي: على توجُّهِهَا أو اعتقادِها، وجملةُ الاستفهامِ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والاستعلاءُ في قولِه «عليها» مجازٌ، نَزَّلَ مواظَبَتَهم على المحافظةِ عليها منزلةَ مَنِ استعلى على الشيء.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سفه
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
سفه
السَّفَهُ: خفّة في البدن، ومنه قيل: زمام سَفِيهٌ: كثير الاضطراب، وثوب سَفِيهٌ: رديء النّسج، واستعمل في خفّة النّفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدّنيويّة، والأخرويّة، فقيل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة : 130] ، وأصله سَفِهَتْ نفسه، فصرف عنه الفعل(١) ، نحو: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص : 58] ، قال في السَّفَهِ الدّنيويّ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ [النساء : 5] ، وقال في الأخرويّ: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾ [الجن : 4] ، فهذا من السّفه في الدّين، وقال: ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة : 13] ، فنبّه أنهم هم السّفهاء في تسمية المؤمنين سفهاء، وعلى ذلك قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة : 142] .
(١) قال السمين الحلبي: قوله: «نفسه» في نصبه سبعة أوجه، أحدها- وهو المختار-: أن يكون مفعولا به، لأنّ ثعلبا والمبرّد حكيا أنّ «سفه» بكسر الفاء يتعدّى بنفسه.
ثم ذكر، الثالث: أنه منصوب على إسقاط حرف الجرّ، تقديره: سفه في نفسه. وراجع: الدر المصون 2/ 120، فقد أجاد وأفاد، وجمع وأوعى.
ولي
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
ولي
الوَلَاءُ والتَّوَالِي: أن يَحْصُلَ شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النّسبة، ومن حيث الدّين، ومن حيث الصّداقة والنّصرة والاعتقاد، والوِلَايَةُ النُّصْرةُ(١) ، والوَلَايَةُ: تَوَلِّي الأمرِ، وقيل: الوِلَايَةُ والوَلَايَةُ نحو: الدِّلَالة والدَّلَالة، وحقيقته: تَوَلِّي الأمرِ. والوَلِيُّ والمَوْلَى يستعملان في ذلك كلُّ واحدٍ منهما يقال في معنى الفاعل. أي: المُوَالِي، وفي معنى المفعول. أي: المُوَالَى، يقال للمؤمن: هو وَلِيُّ اللهِ عزّ وجلّ ولم يرد مَوْلَاهُ، وقد يقال: اللهُ تعالى وَلِيُّ المؤمنين ومَوْلَاهُمْ، فمِنَ الأوَّل قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 257] ، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف : 196] ، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران : 68] ، ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد : 11] ، ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال : 40] ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى﴾ [الحج : 78] ، قال عزّ وجلّ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة : 6] ، ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم : 4] ، ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ﴾ [الأنعام : 62] والوالِي الذي في قوله: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ [الرعد : 11] بمعنى الوَلِيِّ، ونفى الله تعالى الوَلَايَةَ بين المؤمنين والكافرين في غير آية، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة : 51](٢) ، ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [التوبة : 23] ، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ [الأعراف : 3] ، ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال : 72] ، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [الممتحنة : 1] ، تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إلى قوله: وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ [المائدة : 80-81](٣) وجعل بين الكافرين والشّياطين مُوَالاةً في الدّنيا، ونفى بينهم المُوَالاةَ في الآخرة، قال الله تعالى في المُوَالاةُ بينهم في الدّنيا: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة : 67] وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف : 27] ، ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء : 76] فكما جعل بينهم وبين الشّيطان مُوَالاةً جعل للشّيطان في الدّنيا عليهم سلطانا فقال: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل : 100] ونفى المُوَالاةَ بينهم في الآخرة، فقال في مُوَالاةِ الكفارِ بعضهم بعضا: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً﴾ [الدخان : 41] ، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت : 25] ، ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ الآية [القصص : 63] ، وقولهم تَوَلَّى إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الوَلَايَةِ، وحصوله في أقرب المواضع منه يقال: وَلَّيْتُ سمعي كذا، ووَلَّيْتُ عيني كذا، ووَلَّيْتُ وجهي كذا: أقبلت به عليه، قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة : 144] ، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة : 144] وإذا عدّي ب (عن) لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض وترك قربه. فمن الأوّل قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة : 51] ، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة : 56] . ومن الثاني قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران : 63] ، ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية : 23] ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ [آل عمران : 64] ، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد : 38] ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن : 12] ، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ [الأنفال : 40] ، ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [آل عمران : 82] والتَّوَلِّي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال : 20] أي: لا تفعلوا ما فعل الموصوفون بقوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً﴾ [نوح : 7] ولا ترتسموا قولَ من ذُكِرَ عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت : 26] ويقال: وَلَّاهُ دُبُرَهُ: إذا انهزم.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ [آل عمران : 111] ، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال : 16] ، وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم : 5] أي: ابنا يكون من أَوْلِيَائِكَ، وقوله: ﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ [مريم : 5] قيل: ابن العمّ، وقيل مَوَالِيهَ. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ﴾ [الإسراء : 111] ، فيه نفي الوَلِيِّ بقوله عزّ وجلّ: مِنَ الذُّلِّ إذ كان صالحو عباده هم أَوْلِيَاءُ اللهِ كما تقدم لكن مُوَالاتُهُمْ ليستولي هو تعالى بهم، وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا﴾ [الكهف : 17] ، والوَلِيُّ: المطرُ الذي يَلِي الوَسْمِيَّ، والمَوْلَى يقال للمعتِقِ، والمعتَقِ، والحليفِ، وابنِ العمِّ، والجارِ، وكلِّ من وَلِيَ أمرَ الآخرِ فهو وَلِيُّهُ، ويقال: فلان أَوْلَى بكذا. أي أحرى، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب : 6] ، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران : 68] ، ﴿فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما﴾ [النساء : 135] ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال : 75] وقيل: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ [القيامة : 34] من هذا، معناه: العقاب أَوْلَى لك وبك، وقيل: هذا فعل المتعدّي بمعنى القرب، وقيل: معناه انزجر.
ويقال: وَلِيَ الشيءُ الشيءَ، وأَوْلَيْتُ الشيءَ شيئا آخرَ أي: جعلته يَلِيهِ، والوَلَاءُ في العتق: هو ما يورث به، و «نهي عن بيع الوَلَاءِ وعن هبته»(٤)، والمُوَالاةُ بين الشيئين: المتابعة.
(١) قال الفراء: وكسر الواو في الولاية أعجب إليّ من فتحها، لأنها إنما تفتح أكثر من ذلك إذا كانت في معنى النصرة، وكان الكسائي يفتحها ويذهب بها إلى النصرة. انظر: معاني القرآن 1/ 418.
(٢) الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ.
(٣) الآية: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ....
(٤) عبد الله بن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع الولاء وعن هبته. أخرجه البخاري في العتق، باب بيع الولاء وهبته 5/ 167، ومسلم برقم (1506) .
شاء
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
شيء
الشَّيْءُ قيل: هو الذي يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، وعند كثير من المتكلّمين هو اسم مشترك المعنى إذ استعمل في الله وفي غيره، ويقع على الموجود والمعدوم. وعند بعضهم: الشَّيْءُ عبارة عن الموجود(١) ، وأصله: مصدر شَاءَ، وإذا وصف به تعالى فمعناه: شَاءَ، وإذا وصف به غيره فمعناه الْمَشِيءُ، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد : 16] ، فهذا على العموم بلا مثنويّة إذ كان الشيء هاهنا مصدرا في معنى المفعول. وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً﴾ [الأنعام : 19] ، فهو بمعنى الفاعل كقوله: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون : 14] .
والْمَشِيئَةُ عند أكثر المتكلّمين كالإرادة سواء، وعند بعضهم: المشيئة في الأصل: إيجاد الشيء وإصابته، وإن كان قد يستعمل في التّعارف موضع الإرادة، فالمشيئة من الله تعالى هي الإيجاد، ومن الناس هي الإصابة، قال: والمشيئة من الله تقتضي وجود الشيء، ولذلك قيل: (ما شَاءَ الله كان وما لم يَشَأْ لم يكن)(٢) ، والإرادة منه لا تقتضي وجود المراد لا محالة، ألا ترى أنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر : 31] ، ومعلوم أنه قد يحصل العسر والتّظالم فيما بين الناس، قالوا: ومن الفرق بينهما أنّ إرادة الإنسان قد تحصل من غير أن تتقدّمها إرادة الله، فإنّ الإنسان قد يريد أن لا يموت، ويأبى الله ذلك، ومشيئته لا تكون إلّا بعد مشيئته لقوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان : 30] ، روي أنّه لما نزل قوله: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير : 28] ، قال الكفّار: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ(٣) ، وقال بعضهم: لولا أن الأمور كلّها موقوفة على مشيئة الله تعالى، وأنّ أفعالنا معلّقة بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات : 102] ، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً﴾ [الكهف : 69] ، ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ﴾ [هود : 33] ، ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [يوسف : 69] ، ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف : 188] ، ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف : 89] ، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف : 24] .
(١) قال صاحب الجوهرة: وعندنا الشيء هو الموجود ... وثابت في الخارج الموجود
(٢) هذا حديث لا قول، عن زيد بن ثابت وأبي الدرداء أنّ النبيّ ﷺ قال: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» أخرجه البيهقي في الاعتقاد والهداية ص 106، وأخرجه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت أنّ رسول الله علّمه دعاء وأمره أن يتعاهد به أهله، كلّ يوم حين يصبح: لبيّك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو نذرت من نذر، أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديك، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير ... » الحديث.
قال الهيثمي: وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف. انظر: مسند أحمد 5/ 191، ومجمع الزوائد 10/ 116.
وسئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول: ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
(٣) أخرج هذا ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة. انظر: الدر المنثور 8/ 436.