التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٤١

(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).سورة البقرة، الآية: ١٤١

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا لِزِيادَةِ رُسُوخِ مَدْلُولِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ اهْتِمامًا بِما تَضَمَّنُهُ لِكَوْنِهِ مَعْنًى لَمْ يَسْبِقْ سَماعُهُ لِلْمُخاطَبِينَ فَلَمْ يَقْتَنِعْ فِيهِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ ومِثْلُ هَذا التَّكْرِيرِ وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ لَبِيدٌ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةِ يُشَبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُها

فَإنَّهُ لَمّا شَبَّهَ الغُبارَ المُتَطايِرَ بِالنّارِ المَشْبُوبَةِ واسْتَطْرَدَ بِوَصْفِ النّارِ بِأنَّها هَبَّتْ عَلَيْها رِيحُ الشَّمالِ وزادَتْها دُخانًا وأوْقَدَتْ بِالعَرْفَجِ الرَّطِيبِ لِكَثْرَةِ دُخّانِهِ، أعادَ التَّشْبِيهَ ثانِيًا لِأنَّهُ غَرِيبٌ مُبْتَكَرٌ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
كسب
الكَسْبُ: ما يتحرّاه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع، وتحصيل حظّ، كَكَسْبِ المال، وقد يستعمل فيما يظنّ الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرّة. والكَسْبُ يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد يتعدّى إلى مفعولين، فيقال: كَسَبْتُ فلانا كذا، والِاكْتِسَابُ لا يقال إلّا فيما استفدته لنفسك، فكلّ اكْتِسَابٍ كسب، وليس كلّ كَسْبٍ اكتسابا، وذلك نحو: خبز واختبز، وشوى واشتوى، وطبخ واطّبخ، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة : 267] روي أنه قيل للنّبي ﷺ(١) : أيّ الكسب أطيب؟ فقال عليه الصلاة والسلام، «عمل الرجل بيده» ، وقال: «إنّ أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كَسْبِهِ»(٢) ، وقال تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة : 264] وقد ورد في القرآن في فعل الصالحات والسيئات، فممّا استعمل في الصالحات قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام : 158] ، وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً إلى قوله: مِمَّا كَسَبُوا [البقرة : 201-202](٣) . وممّا يستعمل في السّيّئات: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ [الأنعام : 70] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ [الأنعام : 70] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام : 120] ، ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة : 79] ، وقال: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة : 82] ، ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ [فاطر : 45] ، ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها﴾ [الأنعام : 164] ، وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ [آل عمران : 161] فمتناول لهما.
والِاكْتِسَابُ قد ورد فيهما. قال في الصالحات: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء : 32] ، وقوله: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة : 286] فقد قيل خصّ الكَسْبُ هاهنا بالصالح، والِاكْتِسَابُ بالسّيّئ، وقيل: عني بالكسب ما يتحرّاه من المَكَاسِبِ الأخرويّة، وبالاكتساب ما يتحرّاه من المكاسب الدّنيويّة، وقيل: عني بِالْكَسْبِ ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفع إلى غيره من حيثما يجوز، وبِالاكْتِسَابِ ما يحصّله لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبّه على أنّ ما يفعله الإنسان لغيره من نفع يوصّله إليه فله الثّواب، وأنّ ما يحصّله لنفسه- وإن كان متناولا من حيثما يجوز على الوجه- فقلّما ينفكّ من أن يكون عليه، إشارة إلى ما قيل: (من أراد الدّنيا فليوطّن نفسه على المصائب)(٤) ، وقوله تعالى: ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن : 15] ، ونحو ذلك.



(١) انظر سنن النسائي 7/ 241، وأخرجه أحمد 4/ 141، وفيه المسعودي، وهو ثقة لكنه اختلط.
(٢) الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أطيب ما أكل الرجل كسبه، وإنّ ولده من كسبه» أخرجه ابن حبان وصحّحه، في صحيحه برقم (1091) ، وأبو داود برقم 3530، وابن ماجة برقم (2292) ، وسنده حسن، وأحمد 6/ 31، وقال المنذري: رجاله ثقات.
(٣) الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
(٤) هذا من كلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. انظر مجمع الأمثال 2/ 274، والتمثيل والمحاضرة ص 32.