(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ١٤٣
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ إلَخْ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهي مِن قَبِيلِ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، فالآيَةُ السّابِقَةُ لَمّا أشارَتْ إلى أنَّ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هُمُ المُسْلِمُونَ، وأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ لَهم ناسَبَ أنْ يَسْتَطْرِدَ لِذِكْرِ فَضِيلَةٍ أُخْرى لَهم هي خَيْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ وهي فَضِيلَةُ كَوْنِ المُسْلِمِينَ عُدُولًا خِيارًا لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ لِأنَّ الآياتِ الواقِعَةَ بَعْدَها هي في ذِكْرِ أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِأمْرِ القِبْلَةُ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ واسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَعَرُّفُ المُشارِ إلَيْهِ وما هو المُشَبَّهُ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. فاخْتَلَفَ شارِحُوهُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ وتَبْيِينِ مُرادِهِ: فَقالَ البَيْضاوِيُّ: الإشارَةُ إلى المَفْهُومِ، أيْ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] أيْ كَما جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا أوْ كَما جَعَلَنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ قِبْلَةٍ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يُومِئُ إلى أنَّ المَهْدِيَّ هُمُ المُسْلِمُونَ وإلى أنَّ المَهْدِيَّ إلَيْهِ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ وقْتَ قَوْلِ السُّفَهاءِ ما ولّاهم، عَلى ما قَدَّمْناهُ، وهَذا يَجْعَلُ الكافَ باقِيَةً عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى وصْفِ الكَشّافِ الجَعْلِ بِالعَجِيبِ كَأنَّهُ رَأى أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْحَمْلِ عَلى أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ وإنْ كانَ إشارَةَ البَعِيدِ فَهو يُسْتَعْمَلُ غالِبًا مِن دُونِ إرادَةِ بُعْدٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُشارُ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنًى تَقَدَّمَ في الكَلامِ السّابِقِ، فالإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَذْكُورٍ مُتَقَرِّرٍ في العِلْمِ فَهي جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ الإشاراتِ. وحَمَلَ شُرّاحُ الكَشّافِ الكافَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِ التَّشْبِيهِ، فَأمّا الطِّيبِيُّ والقُطْبُ فَقالا: الكافُ فِيهِ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلِ مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِجَعَلْناكم؛ أيْ مِثْلُ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم فَلَيْسَ تَشْبِيهًا ولَكِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالَةٍ والمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ يَهْدِي وهو الأمْرُ العَجِيبُ الشَّأْنِ أيِ الهُدى التّامُّ، ووَجْهُ الإتْيانِ بِإشارَةِ البَعِيدِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ وهو الَّذِي عَناهُ في الكَشّافِ بِالجَعْلِ العَجِيبِ، فالتَّعْظِيمُ هُنا لِبَداعَةِ الأمْرِ وعَجابَتِهِ، ثُمَّ إنَّ القُطْبَ ساقَ كَلامًا نَقَضَ بِهِ صَدْرَ كَلامِهِ.
وأمّا القَزْوِينِيُّ صاحِبُ الكَشْفِ والتَّفْتَزانِيُّ فَبَيَّناهُ بِأنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ كالزّائِدَةِ لا تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ فَيَصِيرُ اسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا نائِبًا مَنابَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِجَعَلْناكم، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ الجَعْلَ جَعَلْناكم أيْ فَعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ إشارَتِهِ النّائِبِ عَنْهُ لِإفادَةِ عَجابَةِ هَذا الجَعْلِ بِما مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مِن عَلامَةِ البُعْدِ المُتَعَيِّنِ فِيها لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ. والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ المُبالَغَةُ بِإيهامِ أنَّهُ لَوْ أرادَ المُشَبِّهُ أنْ يُشَبِّهَ هَذا في غَرابَتِهِ لَما وجَدَ لَهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ النّابِغَةِ: ”والسَّفاهَةُ كاسْمِها“ فَلَيْسَتِ الكافُ بِزائِدَةٍ ولا هي لِلتَّشْبِيهِ ولَكِنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الزّائِدَةِ والإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَلامُ الكَشّافِ أظْهَرُ في هَذا المَحْمَلِ فَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِتَصْرِيحِهِ في نَظائِرِهِ إذْ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلِ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم وأوْرَثْناها.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَدا صاحِبَ الكَشّافِ إلى هَذا المَحْمَلِ أنَّ اسْتِعْمالَ اسْمِ الإشارَةِ في هَذا وأمْثالِهِ لا يَطَّرِدُ فِيهِ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكَلامِ ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَّجِهُ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ ولَكِنَّ صاحِبَ الكَشّافِ قَدْ خالَفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] فَقالَ: كَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأعْدائِهِمْ. اهـ وما قالَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعٌ حَسَنٌ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْرِبِ النّاظِرُونَ فِيهِ بِعَطَنٍ. والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ أصْلَ ”كَذَلِكَ“ أنْ يَدُلَّ عَلى تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ والمُشَبَّهُ بِهِ ظاهِرٌ مُشارٌ إلَيْهِ أوْ كالظّاهِرِ ادِّعاءً، فَقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَذْكُورًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] الآيَةَ. وكَقَوْلِ النّابِغَةِ:
فَألْفَيْتُ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَفْهُومًا مِنَ السِّياقِ فَيُحْتَمَلُ اعْتِبارُ التَّشْبِيهِ ويُحْتَمَلُ اعْتِبارُ المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ كَقَوْلِ أبِي تَمامٍ:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ دَمْعُها عُذْرُ
قالَ التِّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ: الإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وهو في صَدْرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ فَقُطِعَ النَّظَرُ فِيهِ عَنِ التَّشْبِيهِ واسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْنى التَّشْبِيهِ اهـ، يَعْنِي أنَّ الشّاعِرَ أشارَ إلى الحادِثِ العَظِيمِ وهو مَوْتُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسَدِيِّ في شُعَراءِ الحَماسَةِ يَرْثِي أخاهُ.
فَهَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْ ∗∗∗ نى العِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ البَيْضاوِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ.
وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالخَيْرِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ مِمّا يَرُومُ المُتَكَلِّمُ تَشْبِيهَهُ ثُمَّ لا يَجِدُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ وفي هَذا قَطْعٌ لِلنَّظَرِ عَنِ التَّشْبِيهِ في الواقِعِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أحَدِ شُعَراءِ فَزارَةَ في الأدَبِ مِنَ الحَماسَةِ:
كَذاكَ أُدِّبْتُ حَتّى صارَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ أنِّي رَأيْتُ مِلاكَ الشِّيمَةِ الأدَبا
أيْ أُدِّبْتُ هَذا الأدَبَ الكامِنَ العَجِيبَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
كَذَلِكَ خِيمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خِيمُ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَ شُرّاحِ الكَشّافِ وهو الحَقُّ، وأوْضَحُ مِنهُ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ شَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى فِتْنَةً أخْذًا مِن فِعْلِ فَتَنّا.
والإشارَةُ عَلى هَذا المَحْمَلِ المُشارِ إلَيْهِ مَأْخُوذٌ مِن كَلامٍ مُتَأخِّرٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا لِجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن ﴿جَعَلْناكُمْ﴾، وتَأْخِيرُ المُشارِ إلَيْهِ عَنِ الإشارَةِ اسْتِعْمالٌ بَلِيغٌ في مَقامِ التَّشْوِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أوْ مِن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما لِلْبَيْضاوِيِّ إذْ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ هو الهَدْيَ المَأْخُوذَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولَعَلَّهُ رَأى لُزُومَ تَقَدُّمِ المُشارِ إلَيْهِ.
والوَسَطُ: اسْمٌ لِلْمَكانِ الواقِعِ بَيْنَ أمْكِنَةٍ تُحِيطُ بِهِ أوْ لِلشَّيْءِ الواقِعِ بَيْنَ أشْياءَ مُحِيطَةٍ بِهِ ولَيْسَ هو إلى بَعْضِها أقْرَبَ مِنهُ إلى بَعْضٍ عُرْفًا ولَمّا كانَ الوُصُولُ إلَيْهِ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ اخْتِراقِ ما يُحِيطُ بِهِ أخَذَ فِيهِ مَعْنى الصِّيانَةِ والعِزَّةِ: طَبْعًا، كَوَسَطِ الوادِي لا تَصِلُ إلَيْهِ الرُّعاةُ والدَّوابُّ إلّا بَعْدَ أكْلِ ما في الجَوانِبِ فَيَبْقى كَثِيرُ العُشْبِ والكَلَأِ، ووَضْعًا، كَوَسَطِ المَمْلَكَةِ يُجْعَلُ مَحَلَّ قاعِدَتِها ووَسَطُ المَدِينَةِ يُجْعَلُ مَوْضِعَ قَصَبَتِها لِأنَّ المَكانَ الوَسَطَ لا يَصِلُ إلَيْهِ العَدُوَّ بِسُهُولَةٍ، وكَواسِطَةِ العِقْدِ لِأنْفَسِ لُؤْلُؤَةٍ فِيهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ صارَ مَعْنى النَّفاسَةِ والعِزَّةِ والخِيارِ مِن لَوازِمِ مَعْنى الوَسَطِ عُرْفًا فَأطْلَقُوهُ عَلى الخِيارِ النَّفِيسِ كِنايَةً قالَ زُهَيْرٌ:
هُمُ وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْضِلِ
وقالَ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] .
ويُقالُ أوْسَطُ القَبِيلَةِ لِصَمِيمِها. وأمّا إطْلاقُ الوَسَطِ عَلى الصِّفَةِ الواقِعَةِ عَدْلًا بَيْنَ خُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ فِيهِما إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ كالشَّجاعَةِ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ، والكَرَمِ بَيْنَ الشُّحِّ والسَّرَفِ، والعَدالَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والقَساوَةِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ الشَّيْءِ المَوْهُومِ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَلِذَلِكَ رُوِيَ حَدِيثُ «خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها» وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وقَدْ شاعَ هَذانِ الإطْلاقانِ حَتّى صارَ حَقِيقَتَيْنِ عُرْفِيَّتَيْنِ.
فالوَسَطُ في هَذِهِ الآيَةِ فُسِّرَ بِالخِيارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وفُسِّرَ بِالعُدُولِ، والتَّفْسِيرُ الثّانِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والجَمْعُ في التَّفْسِيرَيْنِ هو الوَجْهُ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
ووُصِفَتِ الأُمَّةُ بِوَسَطٍ بِصِيغَةِ المُذَكَّرِ لِأنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ فَهو لِجُمُودِهِ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ مِثْلُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ في الجُمُودِ والإشْعارِ بِالوَصْفِيَّةِ بِخِلافِ نَحْوِ: رَأيْتُ الزَّيْدَيْنِ هَذَيْنِ فَإنَّهُ وصَفٌ بِاسْمٍ مُطابِقٍ لِعَدَمِ دَلالَتِهِ عَلى صِفَةٍ بَلْ هو إشارَةٌ مَحْضَةٌ لا تُشْعِرُ بِصِلَةٍ في الذّاتِ. وضَمِيرُ المُخاطَبِينَ هَنا مُرادٌ بِهِ جَمْعُ المُسْلِمِينَ لِتَرَتُّبِهُ عَلى الِاهْتِداءِ لِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن صَلّى لَها، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ قَدْ فُسِّرَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأنَّها شَهادَةُ الأُمَّةِ كُلِّها عَلى الأُمَمِ فَلا يَخْتَصُّ الضَّمِيرُ بِالمَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ.
والآيَةُ ثَناءٌ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ اللَّهَ قَدِ ادَّخَرَ لَهُمُ الفَضْلَ وجَعَلَهم وسَطًا بِما هَيَّأ لَهم مِن أسْبابِهِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ بَيانًا جَعَلَ أذْهانَ أتْباعِها سالِمَةً مِن أنْ تُرَوَّجَ عَلَيْهِمُ الضَّلالاتُ الَّتِي راجَتْ عَلى الأُمَمِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا وسَطًا بِمَعْنى أنَّهم مُتَوَسِّطُونَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفْرِطِ والمُفَرِّطِ والغالِي والمُقَصِّرِ لِأنَّهم لَمْ يَغْلُوا كَما غَلَتِ النَّصارى فَجَعَلُوا المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، ولَمْ يُقَصِّرُوا كَما قَصَّرَتِ اليَهُودُ فَبَدَّلُوا الكُتُبَ واسْتَخَفُّوا بِالرُّسُلِ. واسْتَدَلَّ أهْلُ أُصُولِ الفِقْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ عُلَماءِ الأُمَّةِ أيِ المُجْتَهِدِينَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وفي بَيانِ هَذا الِاسْتِدْلالِ طُرُقٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَخْرُ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ عَدالَةِ الأُمَّةِ وخَيْرِيَّتِها فَلَوْ أقْدَمُوا عَلى مَحْظُورٍ لَما اتَّصَفُوا بِالخَيْرِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ كَوْنُ قَوْلِهِمْ حُجَّةً اهـ، أيْ لِأنَّ مَجْمُوعَ المُجْتَهِدِينَ عُدُولٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِمالِ تَخَلُّفِ وصْفِ العَدالَةِ في بَعْضِ أفْرادِهِمْ، ويُبْطِلُ هَذا أنَّ الخَطَأ لا يُنافِي العَدالَةَ ولا الخَيْرِيَّةَ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ وهَذا رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَدالَةَ الكامِلَةَ الَّتِي هي التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ تَسْتَلْزِمُ العِصْمَةَ مِن وُقُوعِ الجَمِيعِ في الخَطَأِ في الأقْوالِ والأفْعالِ والمُعْتَقَداتِ،
الطَّرِيقُ الثّانِي: قالَ البَيْضاوِيُّ: لَوْ كانَ فِيما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ باطِلٌ لانْثَلَمَتْ عَدالَتُهُمُ اهـ، يَعْنِي أنَّ الآيَةَ اقْتَضَتِ العَدالَةَ الكامِلَةَ لِاجْتِماعِ الأُمَّةِ فَلَوْ كانَ إجْماعُهم عَلى أمْرٍ باطِلٍ لانْثَلَمَتْ عَدالَتُهم أيْ كانَتْ ناقِصَةً وذَلِكَ لا يُناسِبُ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقِ الأوَّلِ،
الطَّرِيقُ الثّالِثُ: قالَ جَماعَةٌ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ وهم لا يُجْمِعُونَ عَلى خَطَأٍ فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلى الإجْماعِ في الجُمْلَةِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ عَدالَةَ الصَّحابَةِ لا تُنافِي الخَطَأ في الِاجْتِهادِ وقَدْ يَكُونُ إجْماعُهم عَنِ اجْتِهادٍ أمّا إجْماعُهم عَلى ما هو مِن طَرِيقِ النَّقْلِ فَيَنْدَرِجُ فِيما سَنَذْكُرُهُ.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ فِيها مَدْحٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّها لا لِخُصُوصِ عُلَمائِها فَلا مَعْنًى لِلِاحْتِجاجِ بِها مِن هاتِهِ الجِهَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ الَّذِي هو مِن أحْوالِ بَعْضِ الأُمَّةِ لا مِن أحْوالِ جَمِيعِها، فالوَجْهُ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعِ جَمِيعِ الأُمَّةِ فِيما طَرِيقُهُ النَّقْلُ لِلشَّرِيعَةِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّواتُرِ وبِما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وهو اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلى نِسْبَةِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أوْ صِفَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِمّا هو تَشْرِيعٌ مُؤَصَّلٌ أوْ بَيانٌ مُجْمَلٌ مِثْلُ أعْدادِ الصَّلَواتِ والرَّكَعاتِ وصِفَةِ الصَّلاةِ والحَجِّ ومِثْلُ نَقْلِ القُرْآنِ، وهَذا مِن أحْوالِ إثْباتِ الشَّرِيعَةِ، بِهِ فُسِّرَتِ المُجْمَلاتُ وأُسِّسَتِ الشَّرِيعَةُ، وهَذا هو الَّذِي قالُوا بِكَفْرِ جاحِدِ المَجْمَعِ عَلَيْهِ مِنهُ، وهو الَّذِي اعْتَبَرَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ وِفاقَ العَوامِّ واعْتَبَرَ فِيهِ غَيْرُهُ عَدَدَ التَّواتُرِ، وهو الَّذِي يَصِفُهُ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ الأُصُولِيِّينَ بِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأدِلَّةِ كُلِّها.
وأمّا كَوْنُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعِ المُجْتَهِدِينَ عَنْ نَظَرٍ واجْتِهادٍ فَلا يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ الآيَةَ يُسْتَأْنَسُ بِها لِذَلِكَ فَإنَّها لَمّا أخْبَرَتْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ وسَطًا وعَلِمْنا أنَّ الوَسَطَ هو الخِيارُ العَدْلُ الخارِجُ مِن بَيْنِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلَ عُقُولَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما تُنَشَّأُ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِنَ الِاعْتِيادِ بِالعَقائِدِ الصَّحِيحَةِ ومُجانَبَةِ الأوْهامِ السَّخِيفَةِ الَّتِي ساخَتْ فِيها عُقُولُ الأُمَمِ، ومِنَ الِاعْتِيادِ بِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ مِن طُرُقِ العُدُولِ وإثْباتِ أحْكامِها بِالِاسْتِدْلالِ اسْتِنْباطًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلَماءِ وفَهْمًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعامَّةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ عُقُولَ أفْرادِ هاتِهِ الأُمَّةِ عُقُولٌ قَيِّمَةٌ وهو مَعْنى كَوْنِها وسَطًا، ثُمَّ هَذِهِ الِاسْتِقامَةُ تَخْتَلِفُ بِما يُناسِبُ كُلَّ طَبَقَةٍ مِنَ الأُمَّةِ وكُلَّ فَرْدٍ، ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي ذُكِرَ
أثْبَتَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ قُلْنا: إنَّ هَذا المَجْمُوعَ لا يَقَعُ في الضَّلالِ لا عَمْدًا ولا خَطَأً، أمّا التَّعَمُّدُ فَلِأنَّهُ يُنافِي العَدالَةَ وأمّا الخَطَأُ فَلِأنَّهُ يُنافِي الخِلْقَةَ عَلى اسْتِقامَةِ الرَّأْيِ فَإذا جازَ الخَطَأُ عَلى آحادِهِمْ لا يَجُوزُ تَوارُدُ جَمِيعِ عُلَمائِهِمْ عَلى الخَطَأِ نَظَرًا، وقَدْ وقَعَ الأمْرانِ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ فَأجْمَعُوا عَلى الخَطَأِ مُتابَعَةً لِقَوْلِ واحِدٍ مِنهم لِأنَّ شَرائِعَهم لَمْ تُحَذِّرْهم مِن ذَلِكَ أوْ لِأنَّهم أساءُوا تَأْوِيلَها، ثُمَّ إنَّ العامَّةَ تَأْخُذُ نَصِيبًا مِن هَذِهِ العِصْمَةِ فِيما هو مِن خَصائِصِها وهو الجُزْءُ النَّقْلِيُّ فَقَطْ وبِهَذا يَنْتَظِمُ الِاسْتِدْلالُ.
وقَوْلُهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ عِلَّةٌ لِجَعْلِهِمْ وسَطًا فَإنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى كُلَّها مَنُوطَةٌ بِحِكَمٍ وغاياتٍ لِعِلْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وذَلِكَ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ لا كَصُدُورِ المَعْلُولِ عَنِ العِلَّةِ كَما يَقُولُ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ، ولا بِوُجُوبٍ وإلْجاءٍ كَما تُوهِمُهُ عِباراتُ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كانَ مُرادُهم مِنها خَيْرًا فَإنَّهم أرادُوا أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ لِذاتِهِ تَعالى لِكَمالِ حِكْمَتِهِ.
و(النّاسُ) عامٌّ والمُرادُ بِهِمُ الأُمَمُ الماضُونَ والحاضِرُونَ وهَذِهِ الشَّهادَةُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ. فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي حُكْمُ هاتِهِ الأُمَّةِ عَلى الأُمَمِ الماضِينَ والحاضِرِينَ بِتَبْرِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِالرُّسُلِ المَبْعُوثِينَ في كُلِّ زَمانٍ وبِتَضْلِيلِ الكافِرِينَ مِنهم بِرُسُلِهِمْ والمُكابِرِينَ في العُكُوفِ عَلى مِلَلِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ناسِخِها وظُهُورِ الحَقِّ، وهَذا حُكْمٌ تارِيخِيٌّ دِينِيٌّ عَظِيمٌ إذا نَشَأتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ نَشَأتْ عَلى تَعَوُّدِ عَرْضِ الحَوادِثِ كُلِّها عَلى مِعْيارِ النَّقْدِ المُصِيبِ. والشَّهادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ هي ما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُجاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتُ فَيَقُولُ نَعَمْ يا رَبِّ فَتُسْألُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكم فَيَقُولُونَ ما جاءَنا مِن نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: اللَّهُ مَن شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، فَيُجاءُ بِكم فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ عَدْلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ اهـ. فَقَوْلُهُ ”ثُمَّ قَرَأ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِن جُمْلَةِ مَعْنى الآيَةِ لا أنَّها عَيْنُ مَعْنى الآيَةِ، والظّاهِرُ مِنَ التَّعْلِيلِ هو الشَّهادَةُ الأُولى لِأنَّها المُتَفَرِّعَةُ عَنْ جَعَلْنا أُمَّةً وسَطًا، وأمّا مَجِيءُ شَهادَةِ الآخِرَةِ عَلى طِبْقِها فَذَلِكَ لِما عَرَفْناهُ مِن أنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ تَكُونُ عَلى وفْقِ أحْوالِ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] .
ومِن مُكَمِّلاتِ مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا وُجُوبُ دَعْوَتِنا الأُمَمَ لِلْإسْلامِ، لِيَقُومَ ذَلِكَ مَقامَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إيّاهم حَتّى تَتِمَّ الشَّهادَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم عَلى المُعْرِضِينَ.
والشَّهادَةُ عَلى الأُمَمِ تَكُونُ لَهم وعَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى في الآيَةِ بِتَعْدِيَتِها بِعَلى إشارَةً إلى أنَّ مُعْظَمَ شَهادَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وأهَمُّها شَهادَتُهم عَلى المُعْرِضِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ شَهِدَ لَهم إيمانُهم فالِاكْتِفاءُ بِعَلى تَحْذِيرٌ لِلْأُمَمِ مِن أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ وتَنْوِيهٌ بِالمُسْلِمِينَ بِحالَةِ سَلامَتِهِمْ مِن وصْمَةِ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ وبِحالَةِ تَشْرِيفِهِمْ بِهاتِهِ المَنقَبَةِ وهي إثْقافُ المُخالِفِينَ لَهم بِمُوجِبِ شَهادَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العِلَّةِ ولَيْسَ عِلَّةً ثانِيَةً لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بَلْ هو تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ الأُولى؛ لِأنَّ جَعْلَنا وسَطًا يُناسِبُهُ عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الشَّهادَةِ لَنا وانْتِفاءُ الشَّهادَةِ عَلَيْنا، فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَشَهادَةُ الرَّسُولِ عَلَيْنا فِيها هي شَهادَتُهُ بِذاتِهِ عَلى مُعاصِرِيهِ وشَهادَةُ شَرْعِهِ عَلى الَّذِينَ أتَوْا بَعْدَهُ إمّا بِوَفائِهِمْ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ شَرْعُهُ وإمّا بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَهي ما رُوِيَ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ مِن شَهادَةِ الرَّسُولِ بِصِدْقِ الأُمَّةِ فِيما شَهِدَتْ بِهِ، وما رُوِيَ في الحَدِيثِ الآخَرِ في المُوَطَّأِ والصِّحاحِ «فَلَيُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي فَأقُولُ يا رَبِّ أُمَّتِي فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ إنَّهم بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، فَأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي» . وتَعْدِيَةُ شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلى الأُمَّةِ بِحَرْفِ عَلى مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ وإلّا فَإنَّها شَهادَةٌ لِلْأُمَّةِ وقِيلَ بَلْ لِتَضْمِينِ شَهِيدًا مَعْنى رَقِيبًا ومُهَيْمِنًا في المَوْضِعَيْنِ كَما في الكَشّافِ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّنْوِيهِ بِالشَّهادَةِ وتَشْرِيفِها حَتّى أظْهَرَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بَعْدَ حُصُولِها، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الشّاهِدَ شَهِيدٌ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ العِلْمِ وإنْ لَمْ يَشْهَدْهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى العِلْمِ بِالسَّماعِ، والأدِلَّةِ القاطِعَةِ وإنْ لَمْ يَرَ بِعَيْنَيْهِ أوْ يَسْمَعْ بِأُذُنَيْهِ، وأنَّ التَّزْكِيَةَ أصْلٌ عَظِيمٌ في الشَّهادَةِ، وأنَّ المُزَكِّيَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ وأعْدَلَ مِنَ المُزَكّى، وأنَّ المُزَكّى لا يَحْتاجُ لِلتَّزْكِيَةِ، وأنَّ الأُمَّةَ لا تَشْهَدُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولِهَذا كانَ يَقُولُ في حَجَّةِ الوَداعِ «ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» فَجَعَلَ اللَّهَ هو الشّاهِدَ عَلى تَبْلِيغِهِ وهَذا مِن أدَقِّ النُّكَتِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لا أُراهُ إلّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِتَشْرِيفِ أمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى أنَّها تَشْهَدُ عَلى الأُمَمِ والرُّسُلِ وهي لا يَشْهَدُ عَلَيْها إلّا رَسُولُها، وقَدْ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ لِتَكُونَ الكَلِمَةُ الَّتِي تُخْتَمُ بِها الآيَةُ في مَحَلِّ الوَقْفِ كَلِمَةً ذاتَ حَرْفِ مَدٍّ قَبْلَ الحَرْفِ الأخِيرِ، لِأنَّ المَدَّ أمْكَنُ لِلْوَقْفِ وهَذا مِن بَدائِعِ فَصاحَةِ القُرْآنِ، وقِيلَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ مُفِيدٌ لِقَصْرِ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ وهو تَكَلُّفٌ ومِثْلُهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في كَلامِهِمْ.
* * *
﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾
الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] وما اتَّصَلَ بِها مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] قُصِدَ بِهِ بَيانُ الحِكْمَةِ مِن شَرْعِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ تَحْوِيلِ ذَلِكَ إلى شَرْعِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ وما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ إلى آخِرِها اعْتِراضٌ. والجَعْلُ هُنا جَعْلُ التَّشْرِيعِ بِدَلِيلِ أنَّ مَفْعُولَهُ مِن شُئُونِ التَّعَبُّدِ لا مِن شُئُونِ الخَلْقِ، وهو لَفْظُ القِبْلَةِ، ولِذَلِكَ فَفِعْلُ ”جَعَلَ“ هُنا مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى شَرَعْنا، فَهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ فَيَكُونُ المُرادُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِاسْمِهِ إلى المَوْصُولِ لِمُحاكاةِ كَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ حِينَ قالُوا ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] مَعَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ ما جَعَلْنا تِلْكَ قِبْلَةً مَعَ إرادَةِ نَسْخِها فَألْزَمْناكَها زَمَنًا إلّا لِنَعْلَمَ إلَخْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مَن عِلَلٍ وأحْوالٍ أيْ ما جَعَلْنا ذَلِكَ لِسَبَبٍ وفي حالٍ إلّا لِنُظْهِرَ مَن كانَ صادِقَ الإيمانِ في الحالَتَيْنِ حالَةِ تَشْرِيعِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وحالَةِ تَحْوِيلِ الِاسْتِقْبالِ إلى الكَعْبَةِ. وذَكَرَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ لَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتَ المَقْدِسِ حَمِيَّةً لِقِبْلَةِ العَرَبِ، واليَهُودُ كانُوا تَأوَّلُوا لِأنْفُسِهِمُ العُذْرَ في التَّظاهُرِ بِالإسْلامِ كَما قَرَّرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] فَنافَقُوا وهم يَتَأوَّلُونَ لِلصَّلاةِ مَعَهُ بِأنَّها عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى وزِيادَةٌ عَلى صَلَواتِهِمُ الَّتِي هم مُحافِظُونَ عَلَيْها إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ مَعَ أنَّ صَلاتَهم مَعَ المُسْلِمِينَ لا تَشْتَمِلُ عَلى ما يُنافِي تَعْظِيمَ شَعائِرِهِمْ إذْ هم مُسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ صارَتْ صِفَةُ الصَّلاةِ مُنافِيَةً لِتَعْظِيمِ شَعائِرِهِمْ لِأنَّها اسْتِدْبارٌ لِما يَجِبُ اسْتِقْبالُهُ فَلَمْ تَبْقَ لَهم سَعَةٌ لِلتَّأْوِيلِ فَظَهَرَ مَن دامَ عَلى الإسْلامِ وأعْرَضَ المُنافِقُونَ عَنِ الصَّلاةِ.
وجَعْلُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عِلَّةَ هَذَيْنِ التَّشْرِيعَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَحْصُلَ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ مِنَ التَّشْرِيعِ كَما يَقْتَضِيهِ لامُ التَّعْلِيلِ وتَقْدِيرُ أنْ بَعْدَ اللّامِ، وأنْ حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وهو ذاتِيٌّ لَهُ لا يَحْدُثُ ولا يَتَجَدَّدُ لَكِنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هَنا عَلَمُ حُصُولِ ذَلِكَ وهو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ الَّذِي عُلِمَ في الأزَلِ أنَّهُ سَيَقَعُ فَهَذا تَعَلُّقٌ خاصٌّ وهو حادِثٌ لِأنَّهُ كالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لِلْإرادَةِ والقُدْرَةِ وإنْ أغْفَلَ المُتَكَلِّمُونَ عَدَّهُ في تَعَلُّقاتِ العِلْمِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ كِنايَةً عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ كُلَّ مَن لَمْ يَعْلَمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ فَيَذْكُرُ عِلْمَهُ وهو يُرِيدُ عِلْمَ النّاسِ كَما قالَ إياسُ بْنُ قُبَيْصَةَ الطّائِيُّ:
وأقْدَمْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جُبّاؤُها مِن شُجاعِها
أرادَ لِيَظْهَرَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها فَأعْلَمُهُ أنا ويَعْلَمُهُ النّاسُ فَجاءَ القُرْآنُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها عَلى هَذا الأُسْلُوبِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ لِلْمُتَّبِعِ والمُنْقَلِبِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”نَعْلَمَ“ مَجازًا عَنِ التَّحَيُّزِ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ بِقَرِينَةِ كَلِمَةِ ”مَن“ المُسَمّاةُ بِمَنِ الفَصْلِيَّةِ كَما سَمّاها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ وهي في الحَقِيقَةِ مِن فُرُوعِ مَعانِي ”مَن“ الِابْتِدائِيَّةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ المُغْنِي، وهَذا لا يُرِيبُكَ إشْكالٌ يَذْكُرُونَهُ، كَيْفَ يَكُونُ الجَعْلُ الحادِثُ عِلَّةً لِحُصُولِ العِلْمِ القَدِيمِ إذْ يَتَبَيَّنُ لَكَ أنَّهُ راجِعٌ لِمَعْنًى كِنائِيٍّ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ، يُقالُ انْقَلَبَ إلى الدّارِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ في الرُّجُوعِ إلى ما كانَ وراءَهُ لِأنَّ العَقِبَيْنِ هُما خَلْفُ السّاقَيْنِ أيِ انْقَلَبَ عَلى طَرِيقِ عَقِبَيْهِ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الإسْلامِ رُجُوعًا إلى الكُفْرِ السّابِقِ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ ”نَعْلَمُ“ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنْ كانَتْ﴾ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”نَعْلَمَ مَن يَتْبَعُ الرَّسُولَ“ فَإنَّها ما كانَتْ دالَّةً عَلى الِاتِّباعِ والِانْقِلابِ إلّا لِأنَّها أمْرٌ عَظِيمٌ لا تَساهُلَ فِيهِ فَيَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ الخالِصُ مِنَ المَشُوبِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدٌ لِلْحادِثَةِ أوِ القِبْلَةِ بِاعْتِبارِ تَغَيُّرِها.
وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. والكَبِيرَةُ هُنا بِمَعْنى الشَّدِيدَةِ المُحْرِجَةِ لِلنُّفُوسِ. تَقُولُ العَرَبُ: كَبُرَ عَلَيْهِ كَذا إذا كانَ شَدِيدًا عَلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] .
* * *
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لِنَعْلَمَ أيْ لِنُظْهِرَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ونَحْنُ غَيْرُ مُضَيِّعِينَ إيمانَكم. وذِكْرُ اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّعْظِيمِ. رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ «كانَ ماتَ عَلى القِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ رِجالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى» ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ . وفي قَوْلِهِ ”قُتِلُوا“ إشْكالٌ، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ» وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمُ الآيَةَ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. والإضاعَةُ: إتْلافُ الشَّيْءِ وإبْطالُ آثارِهِ، وفُسِّرَ الإيمانُ عَلى ظاهِرِهِ، وفُسِّرَ أيْضًا بِالصَّلاةِ، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكٍ. وتَعَلَّقَ يَضِيعُ بِالإيمانِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَإنْ فُسِّرَ الإيمانُ عَلى ظاهِرِهِ كانَ التَّقْدِيرُ: لِيُضِيعَ حَقَّ إيمانِكم حِينَ لَمْ تُزَلْزِلْهُ وساوِسُ الشَّيْطانِ عِنْدَ الِاسْتِقْبالِ إلى قِبْلَةٍ لا تَوَدُّونَها، وإنْ فُسِّرَ الإيمانُ بِالصَّلاةِ كانَ التَّقْدِيرُ: ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ فَضْلَ صَلاتِكم أوْ ثَوابَها، وفي إطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلى الصَّلاةِ تَنْوِيهٌ بِالصَّلاةِ لِأنَّها أعْظَمُ أرْكانِ الإيمانِ، وعَنْ مالِكٍ: إنِّي لَأذْكُرُ بِهَذا قَوْلَ المُرْجِئَةِ الصَّلاةُ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ.
ومَعْنى حَدِيثِ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ نَسْخَ حُكْمٍ، يَجْعَلُ المَنسُوخَ باطِلًا فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارُ العَمَلِ بِهِ فَلِذَلِكَ تَوَجَّسُوا خِيفَةً عَلى صَلاةِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِثْلِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ بْنِ مَعْرُورٍ وأبِي أُمامَةَ، وظَنَّ السّائِلُونَ أنَّهم سَيَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضاءُ ما صَلَّوْهُ قَبْلَ النَّسْخِ ولِهَذا أُجِيبَ سُؤالُهم بِما يَشْمَلُهم ويَشْمَلُ مَن ماتُوا قَبْلُ، فَقالَ إيمانَكم، ولَمْ يَقُلْ: إيمانَهم. عَلى حَسَبِ السُّؤالِ.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ إضاعَةِ إيمانِهِمْ ومِنَّةٌ وتَعْلِيمٌ بِأنَّ الحُكْمَ المَنسُوخَ إنَّما يُلْغِي العَمَلَ في المُسْتَقْبَلِ لا في ما مَضى.
والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ صِفَتانِ مُشَبَّهَتانِ مُشْتَقَّةٌ أُولاهُما مِنَ الرَّأْفَةِ والثّانِيَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ. والرَّأْفَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالرَّحْمَةِ في إطْلاقِ كَلامِ الجُمْهُورِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ الزَّجّاجُ وخَصَّ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ الرَّأْفَةَ بِمَعْنى رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ أيْ أقْوى أيْ هي رَحْمَةٌ قَوِيَّةٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: الرَّأْفَةُ أشَدُّ الرَّحْمَةِ، وقالَ في المُجْمَلِ: الرَّأْفَةُ أخَصُّ مِنَ الرَّحْمَةِ ولا تَكادُ تَقَعُ في الكَراهِيَةِ، والرَّحْمَةُ تَقَعُ في الكَراهِيَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، فاسْتَخْلَصَ القَفّالُ مِن ذَلِكَ أنْ قالَ: الفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، وهي دَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضُّرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وأمّا الرَّحْمَةُ فاسْمٌ جامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ المَعْنى ويَدْخُلُ فِيهِ الإفْضالُ والإنْعامُ اهـ. وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيها واخْتارَهُ الفَخْرُ وعَبْدُ الحَكِيمِ ورُبَّما كانَ مُشِيرًا إلى أنَّ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ عُمُومًا وخُصُوصًا مُطْلَقًا وأيًّا ما كانَ مَعْنى الرَّأْفَةِ فالجَمْعُ بَيْنَ ”رَءُوفٍ ورَحِيمٍ“ في الآيَةِ يُفِيدُ تَوْكِيدَ مَدْلُولِ أحَدِهِما بِمَدْلُولِ الآخَرِ بِالمُساواةِ أوْ بِالزِّيادَةِ.
وأمّا عَلى اعْتِبارِ تَفْسِيرِ المُحَقِّقِينَ لِمَعْنى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فالجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ الرَّحْمَةَ القَوِيَّةَ لِمُسْتَحَقِّها ويَرْحَمُ مُطْلَقَ الرَّحْمَةِ مِن دُونِ ذَلِكَ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى الرَّحْمَةِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وتَقْدِيمُ رَءُوفٍ لِيَقَعَ لَفْظُ رَحِيمٍ فاصِلَةً فَيَكُونُ أنْسَبَ بِفَواصِلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِانْبِناءِ فَواصِلِها عَلى حَرْفٍ صَحِيحٍ مَمْدُودٍ يَعْقُبُهُ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ ووَصْفُ رَءُوفٍ مُعْتَمِدٌ ساكِنُهُ عَلى الهَمْزِ، والهَمْزُ شَبِيهٌ بِحُرُوفِ العِلَّةِ فالنُّطْقُ بِهِ غَيْرُ تامِّ التَّمَكُّنِ عَلى اللِّسانِ وحَرْفُ الفاءِ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ مِن بَطْنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا أشْبَهَ حَرْفَ اللِّينِ فَلا يَتَمَكَّنُ عَلَيْهِ سُكُونُ الوَقْفِ.
وتَقْدِيمُ بِالنّاسِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ وهو رَءُوفٌ رَحِيمٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِنايَتِهِ بِهِمْ إيقاظًا لَهم لِيَشْكُرُوهُ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لَرَءُوفٌ بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمَزَةٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِدُونِ واوٍ مَعَ ضَمِّ الهَمْزَةِ بِوَزْنِ عَضُدٍ وهو لُغَةٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ} : الكافُ فيها الوجهانِ المشهوران كما تقدَّم ذلك غيَر مرةٍ، وهما: إمَّا النصبُ على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أو على الحالِ من المصدرِ المحذوفِ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً جَعْلاً مثلَ ذلك ولكنَّ المشارَ إليه ب «ذلك» غيرُ مذكورٍ فيما تقدَّم، وإنما تقدَّم ما يَدُلُّ عليهِ واختلفوا في «ذلك» على خمسةِ أوجهٍ: أحدها أنَّ المشارَ إليه هو الهدفُ المدلولُ عليه بقولِ: {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً مثلَ ما هَدَيْناكم الثاني: أنه الجعلُ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً مثلَ ذلك الجعلِ الغريبِ الذي فيه اختصاصُكم بالهدايةِ. الثالث: قيل: المعنى كما جَعَلْنا قِبْلَتَكم متوسطةً جَعَلْناكم أمةً وسطاً. الرابع: قيل: المعنى كما جعلنا القِبْلة وسطَ الأرضِ جَعَلْناكم أمةً وسطاً. الخامس: - وهو أبْعَدُها - أنَّ المشارَ إليه قولُه: {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} أي: مثلُ ذلك الاصطفاءِ جَعَلْناكم أمةً وسطاً و «جَعَل» بمعنى صَيَّر، فيتعدَّى لاثنين، فالضميرُ مفعولٌ أولُ، و «أمةً» مفعولٌ ثانٍ ووسَطاً نعتُه. والوسَطُ بالتحريكِ: اسمٌ لما بينَ الطرفَيْن، ويُطْلَقُ على خِيارِ الشيءِ لأن الأوساطَ محميَّةٌ بالأطراف قال حبيب:
752 - كانَتْ هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَتْ ... بها الحوادثُ حتى أَصْبَحَتْ طَرَفا
ووسَطُ الوادي خيرُ موضعٍ فيه، قالَ زهير:
753 - هُمُ وسَطٌ تَرْضى الأنامُ بحُكْمِهِمْ ... إذا نَزَلَتْ إحدى الليالي بمُعْظَمِ
وقوله:
754 - وكُنْ من الناسِ جميعاً وسَطَا ... وفَرَّق بعضُهم بين وسَط بالفتح ووسْط بالتسكين، فقال: كلُّ موضع صَلَح فيه لفظُ «بَيْنَ» يقال بالسكون وإلا فبالتحريك. فتقول: جَلَسْتُ وسْطَ القومِ بالسكون. وقال الراغب: «وسَطُ الشيءِ ما له طرفان متساويا القَدْر، ويُقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول: وسَطُه صُلْبٌ، ووسْط بالسكون يُقال في الكميةِ المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو:» وسْط القوم «كذا، وتحريرُ القولِ فيه هو أن المفتوحَ في الأصلِ مصدر، ولذلك استوى في الوصف به الواحد وغيره، المؤنث والمذكرُ، والساكنُ ظرفٌ والغالبُ فيه عدمُ التصرُّفِ، وقد جاء متمكناً في قول الفرزدق:
755 - أتَتْه بمَجْلومٍ كأنَّ جبينَه ... صلاءَةُ وَرْسٍ وَسْطُها قد تَفَلَّقَا
رُوي برفع الطاءِ والضميرُ لصلاءة، وبفتحِها والضميرُ للجائية.
قوله:» لتكونوا «يجوز في هذه اللامِ وجهان، أحدهما: أن تكونَ لام» كي «فتفيدَ العلة. والثاني أن تكونَ لامَ الصيرورةِ، وعلى كلا التقديرين فهي حرفُ جر، وبعدَها أَنْ مضمرةٌ، وهي وما بعدَها في محلِّ جر، وأتى ب» شهداء «جمعَ شهيدٍ الذي/ يَدُلُّ على المبالغةِ دونَ شاهِدين وشهود جمعَيْ شاهد.
وفي» على «قولان أحدُهما: أنَّها على بابِها، وهو الظاهرُ. والثاني أنها بمعنى اللام، بمعنى: أنكم تَنْقُلون إليهم ما عَلِمْتموه من الوحي والدين، كما نقله الرسولُ عليه السلام، وكذلك القولان في» على «الأخيرة، بمعنى أن الشهادَة بمعنى التزكية منه عليه السلام لهم.
وإنما قُدِّم متعلِّق الشهادة آخِراً وقُدِّم أولاً لوجهين، أحدُهما - وهو ما ذكره الزمخشري - أن الغرضَ في الأولِ إثباتُ شهادتِهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم يكونِ الرسولِ شهيداً عليهم، والثاني: أن «شهيداً» أَشْبَهُ بالفواصلِ والمقاطعِ من «عليكم» فكان قولُه «شهيداً» تمامَ الجملةِ ومقطعَها دون «عليكم» . وهذا الوجهُ قاله الشيخُ مختاراً له رادّاً على الزمخشري مذهبَه من أنَّ تقديمَ المفعولِ يُشْعِرُ بالاختصاصِ وقد تقدَّم ذلك.
قوله: {التي كُنتَ عَلَيْهَآ} في هذه الآيةِ خمسةُ أوجهٍ أحدُها: أنَّ «القِبلْة» مفعولٌ أولُ، و {التي كُنتَ عَلَيْهَآ} مفعولٌ ثانٍ، فإنَّ الجَعْلَ بمعنى التصييرِ، وهذا ما جَزَمَ به الزمخشري فإنَّه قال: {التي كُنتَ عَلَيْهَآ} ليس بصفةٍ للقبلة، إنما هي ثاني مفعولي جَعَلَ، يريد: وما جَعَلْنَا القبلةَ الجهةَ التي كنتَ عليها، وهي الكعبةُ؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي بمكة إلى الكعبةِ، ثم أُمِر بالصلاةِ إلى صخرةِ بيتِ المَقْدِس ثم حُوِّلَ إلى الكعبةِ «.
الثاني: أنَّ» القِبلةَ «هي المفعولُ الثاني، وإنما قُدِّم، و {التي كُنتَ عَلَيْهَآ} هو الأول، وهذا ما اختارَه الشيخُ محتجَّاً له بأنَّ التصييرَ هو الانتقالُ من حالٍ إلى حالٍ، فالمتلبِّسُ بالحالةِ الأولى [هو المفعولُ الأولُ والملتبِّسُ] بالحالةِ الثانية هو المفعولُ الثاني، ألا ترى أنك تقول: جَعَلْتُ الطينَ خَزَفاً وجَعَلْتُ الجاهلَ عالِماً، والمعنى هنا على هذا التقديرِ، وما جَعَلْنا القبلةَ - الكعبة التي كانَتْ قبلةً لك أولاً ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس - قبلتك الآن إلا لِنَعْلمَ، ونسبَ الزمخشري في جَعْلِه» القبلةَ «مفعولاً أولَ إلى الوهم. وفيه نظر.
الثالث: أنَّ» القبلة «مفعولٌ أول، و» التي كنتَ «صفتَهَا، والمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديرُه: وما جعلْنا القبلةَ التي كنت عليها منسوخةً. ولَمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ قَدَّره: وما جَعَلْنَا القبلةَ التي كنت عليها قبلة، ولا طائل تحته.
الرابع: أن» القبلةَ «مفعولٌ أولُ، و» إلا لِنَعْلَمَ «هو المفعولُ الثاني، وذلك على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: وما جعلنا صَرْفَ القِبْلةِ التي كنت عليها إلاَّ لنعلمَ، نحو قولِك: ضَرْبُ زيدٍ للتأديبِ، أي: كائنٌ أو ثابتٌ للتأديبِ.
الخامس: أنَّ» القبلةَ «مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ، و {التي كُنتَ عَلَيْهَآ} صفةٌ لذلك المحذوفِ، والتقديرُ: وما جَعَلْنا القبلةَ القبلةَ التي، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيفٌ. وفي قوله» كنت «وجهان أحدهما: أنها زائدةُ، ويُروَى عن ابن عباس أي: أنتَ عليها، وهذا منه تفسيرُ معنىً لا إعراب.
والقِبْلَةُ في الأصلِ اسمٌ للحالة التي عليها المقابِلُ نحو: الجلْسة، وفي التعارف صار اسماً للمكان المقابل المتوجِّه إليه للصلاة.
وقال قطرب: «يقولون:» ليس له قِبْلَةٌ «أي جهةٌ يتوجه إليها» . وقال غيره: إذا تقابل رجلان فكلُّ واحدٍ قِبْلَةٌ للآخرِ.
قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} قد تقدَّم أنه في أحدِ الأوجهِ يكون مفعولاً ثانياً، وأمَّا على غيره فهو استثناءٌ مفرغ من المفعولِ له العامِّ، أي: ما سببُ تحويل القبلة لشيء من الأشياء إلا لكذا. وقوله «لنعلم» ليس على ظاهره فإن علمَه قديمٌ غيرُ حادثٍ فلا بدَّ من تأويلِهِ وفيه أوجهٌ، أحدُها: لتمييز التابع من الناكص إطلاقاً للسببِ وإرادةَ المسبَّبِ. وقيل: على حَذْفِ مضافٍ أي لنعلمَ رسولَنا فَحَذَفَ، أو أرادَ بذلك تَعلُّقَ العلمِ بطاعتِهم وعِصْيانِهم في أمرِ القبِّلَه.
قوله: {مَن يَتَّبِعُ} في «مَنْ» وجهان، أحدُهما: أنها موصولةٌ، و «يتَّبع» صلتُها، والموصولُ وصلتُه في محلِّ المفعولِ ل «نعلم» لأنه يتعدَّى إلى واحدٍ. والثاني: أنها استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ و «يتَّبعُ» خبرهُ، والجملةُ في محلِّ نصبٍ لأنَّها معلِّقة للعلم، والعلم على بابِه، وإليه نحا الزمخشري في أحدِ قوليه. وقد رَدَّ أبو البقاء هذا الوجهَ فقال: «لأنَّ يُوجِبُ أَنْ تُعَلَّق» نعلم «عن العملِ، وإذا عُلِّقَتْ عنه لم يَبْقَ ل» مِنْ «ما تتعلَّقُ به لأنَّ ما بعد الاستفهامِ لا يتعلَّق بما قبله، ولا يَصِحُّ تعلُّقها بيتَّبعُ لأنها في المعنى متعلِّقةٌ بنَعْلَمَ، وليس المعنى: أيُّ فريقٍ يَتَّبعُ مِمَّنْ ينقلب» انتهى. وهو رَدٌّ واضحُ إذ ليس المعنى على ذلك، إنما المعنى على أَنْ يتعلَّقَ مِمَّنْ ينقلِبُ بنعلمَ نحو: عَلِمْتُ مَنْ أحسنَ إليك ممَّنْ أساءَ، وهذا يُقَوِّي التَجوُّزَ بالعِلْمِ عن التمييز؛ فإنَّ العلمَ لا يتعدَّى بمِنْ إلا إذا أريد به التمييزُ. وقرأ الزهري: «إلا ليُعْلَمَ» على البناءِ للمفعولِ، وهي قراءةٌ واضحةٌ لا تَحْتاجُ إلى تأويلٍ، فإنَّا [لا] نُقَدِّرُ ذلك الفاعل غيرَ اللهِ تعالى.
قوله: {على عَقِبَيْهِ} في محلِّ نَصْبٍ على الحال، أي: يَنْقِلِبُ مرتدَّاً راجعاً على عَقِبَيْه، وهذا مجازٌ، وقُرىء «على عَقْبَيْه» بسكون القاف وهي لغةُ تميم.
قوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} «إنْ» هي المخففةُ من الثقيلةِ دَخَلَتْ على ناسخِ المبتدأ والخبر، وهو أغلبُ أحوالِها، واللامُ للفرقِ بينها وبين إنْ النافيةِ، وهل هي لامُ الابتداءِ أو لامٌ أخرى أُتِيَ بها للفرقِ؟ خلافٌ مشهور، وزعم الكوفيون أنها بمعنى «ما» النافية وأنَّ اللام بمعنى إلاَّ، والمعنى: ما كانت إلا كبيرةً، نقل ذلك عنهم أبو البقاء، وفيه نظرٌ ليس هذا موضعَ تحريرِه.
والقراءةُ المشهورةُ نصبُ «كبيرةً» «على خبر» كان «واسمُ كانَ مضمرٌ فيها يعودُ على التَّوْلِيَةِ أو الصلاةِ أو القِبلةِ المدلولِ عليها بسياقِ الكلامِ وقرأ اليزيدي [عن أبي عمرو] برفعِها، وفيه تأويلان، أحدُهما - وذكره الزمخشري -: أنَّ» كان «زائدةٌ، وفي زيادتها عاملةً نظرٌ لا يَخْفى، وقد استدلَّ الزمخشري على ذلك بقوله:
756 - فكيفَ إذا مَرَرْتَ بدارِ قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
فإنَّ قولَه «كرام» صفةٌ لجيران، وزادَ بينهما «كانوا» وهي رافعةٌ للضميرِ، ومَنْ مَنَع ذلك تأوَّل «لنا» خبراً مقدماً، وجملةُ الكونِ صفةٌ لجيران. والثاني: أنَّ «كان» غيرُ زائدةٍ، بل يكونُ «كبيرةً» خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وإنْ كانَتْ لهي كبيرةٌ، وتكونُ هذه الجملةُ في محلّّ نصبٍ خبراً لكانت، ودخلت لام الفرقِ على الجملة الواقعةِ خبراً، وهو توجيهٌ ضعيفٌ، ولكن لا تُوَجَّه هذه القراءةُ الشاذةُ بأكثرَ مِنْ ذلك.
قوله: {إِلاَّ عَلَى الذين} متعلِّقٌ ب «كبيرة» ، وهو استثناءٌ مفرغٌ، فإنْ قيل: لَمْ يتقدَّمْ هنا نفيٌ ولا شبهُه، وشرطُ الاستثناءِ المفرَّغِ تَقَدَّمُ شيءٍ من ذلك، فالجوابُ أنَّ الكلام وإن كان موجَباً لفظاً فإنه في معنى النفي، إذ المعنى أنَّها لا تَخِفُّ ولا تَسْهُلُ إلا على الذينَ، وهذا التأويلُ بعينِه قد ذكروه في قوله: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45] ، وقال الشيخ: «هو استثناءٌ من مستنثىً محذوفٍ تقديرُه: وإنْ كانت لكبيرةً على الناسِ إلا على الذين، وليسَ استثناءً مفرغاً لأنه لم يتقدَّمْه نفيٌ ولا شِبْهُه» وقد تقدم جوابُ ذلك.
قوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ} في هذا التركيب وما أشبهه مِمَّا ورد في القرآن وغيرِه نحو: {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ} [آل عمران: 179] {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ} [آل عمران: 179] قولان أحدُهما: - قول البصريين - وهو أنَّ خبرَ «كان» محذوفٌ، وهذه اللامُ تُسَمَّى لامَ الجحود ينتصِبُ الفعلُ بعدها بإضمار «أَنْ» وجوباً، فينسبكُ منها ومن الفعلِ مصدرٌ مُنْجَرٌّ بهذه اللامِ، وتتعلَّق هذه اللامُ بذلك الخبرِ المحذوفِ، والتقديرُ: وما كان اللهُ مريداً لإِضاعةِ أعمالِكم، وشرطُ لام الجحودِ عندهم أن يتقدَّمَها كونٌ منفيٌّ. واشترط بعضُهم مع ذلك أن يكونَ كوناً ماضياً. ويُفَرَّقُ بينها وبينَ لام كي ما ذكرنا من اشتراطِ تقدُّمِ كونٍ منفيٍّ، ويَدُلُّ على مذهبِ البصريين التصريحُ بالخبرِ المحذوفِ في قوله: /
757 - سَمَوْتَ ولم تَكُنْ أَهْلاً لِتَسْمُو ... . . . . .
والقولُ الثاني للكوفيين: وهو أنَّ اللامَ وما بعدَها في محلِّ الخبرِ، ولا يُقَدِّرون شيئاً محذوفاً، ويزعمون أنَّ النصبَ في الفعلِ بعدَها بنفسِها لا بإضمارِ أَنْ، وأنَّ اللامَ للتأكيدِ، وقد رَدَّ عليهم أبو البقاء فقال: «وهو بَعيدٌ لأنَّ اللاَم لامُ الجرِّ و» أَنْ «بعدها مُرادَةٌ، فيصيرُ التقدير على قولهم: وما كان الله إضاعةَ إيمانكم، وهذا الردُّ هنا لازمٍ لهم، فإنَّهم لم يقولوا بإضمارِ» أَنْ «بعد اللام كما قَدَّمْتُ نقلَه عنهم، بل يزعمون النصبَ بها وأنها زائدةٌ للتأكيدِ، ولكنْ للردِّ عليهم موضعٌ غيرُ هذا.
واعلم أنَّ قولَك: «ما كان زيدٌ ليقومَ» بلامِ الجحودِ أَبْلَغُ من: «ما كان زيدٌ يقومُ» ، أمَّا على مذهبِ البصريين فواضحٌ، وذلك أنَّ مع لام الجحود نفيَ الإرادةِ للقيام والتهيئةِ، ودونَها نفيٌ للقيامِ فقط، ونفيُ التهيئةِ والإِرادة للفعلِ أبلغُ من نفيِ الفعلِ، إذ لا يلزمُ من نفي الفعل نفيُ إرادتِه، وأمَّا على مذهبِ الكوفيين فلأنَّ اللامَ عندهم للتوكيد والكلامُ مع التوكيدِ أبلغُ منه بلا توكيدٍ.
وقرأ الضَّحاك: «ليُضَيِّع» بالتشديد، وذلك أن أَضاع وضَيَّع بالهمزةِ أو التضعيف للنقلِ من «ضاع» القاصر، يقال: ضاع الشيء يضيع، وأضَعْتُه أي أهملته فلم أحفظْه، وأمّا ضاعَ المِسْك يَضوع أي: فاحَ فمادةٌ أخرى.
قوله: {لَرَءُوفٌ} قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر: لَرُؤفٌ على وزن: نَدُس، وهي لغةٌ فاشية كقوله:
758 - وشَرُّ الظالمينَ فلا تَكُنْهُ ... يقاتِلُ عَمَّه الرَّؤُفَ الرَّحيما
وقال آخر:
759 - يَرَى للمُسلمين عليه حَقَّاً ... كحقِّ الوالدِ الرَّؤُفِ الرحيمِ وقرأ الباقون: «لَرَؤُوف» على زنة شَكُور، وقرأ أبو جعفر: «لَرَوُفٌ» من غير همزٍ، وهذا دأبُه في كلِّ همزةٍ ساكنةٍ أو متحركةٍ. والرأفة: أشدُّ الرحمة فهي أخصُّ منها، وفي رؤوف لغتان أَخْرَيَان لم تَصِلْ إلينا بهما قراءةٌ وهما: رَئِفٌ على وزن فَخِذ، ورَأْفٌ على وزن صَعْب. وإنما قُدِّم على «رحيم» لأجلِ الفواصل.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أمّة
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
أم
الأُمُّ بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته.
ولهذا قيل لحوّاء: هي أمنا، وإن كان بيننا وبينها وسائط. ويقال لكل ما كان أصلا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه أمّ، قال الخليل: كلّ شيء ضمّ إليه سائر ما يليه يسمّى أمّا[[من أول الباب إلى هاهنا نقله الفيروزآبادي حرفيا في البصائر 2/ 111، وانظر العين 8/ 433.]] ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ [الزخرف : 4][[وانظر: المخصص 13/ 181.]] أي: اللوح المحفوظ وذلك لكون العلوم كلها منسوبة إليه ومتولّدة منه. وقيل لمكة أم القرى، وذلك لما روي: (أنّ الدنيا دحيت من تحتها)[[وهذا مرويّ عن قتادة كما أخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر. راجع الدر المنثور 3/ 316.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 28، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وهو صحابي، وابن جرير 1/ 548 من كلام ابن عباس.]] ، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام : 92] ، وأمّ النجوم: المجرّة[[راجع: الجمهرة 1/ 20، واللسان (أمم) 12/ 32.]] . قال:
23- بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك[[هذا عجز بيت لتأبّط شرّا، وصدره: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي
وهو في ديوانه ص 156، والجمهرة 1/ 11، وشرح الحماسة للتبريزي 1/ 49، والمخصص 13/ 181.]] وقيل: أم الأضياف وأم المساكين[[وأمّ المساكين كنية زينب بنت خزيمة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، سميت بذلك لكثرة معروفها. راجع سير أعلام النبلاء 2/ 218.]] ، كقولهم: أبو الأضياف[[أبو الأضياف هو إبراهيم الخليل عليه السلام، فهو أول من أضاف الضيف.]] ، ويقال للرئيس: أمّ الجيش كقول الشاعر:
24- وأمّ عيال قد شهدت نفوسهم[[الشطر للشنفرى، وعجزه: إذا أطعمتهم أو تحت وأقلّت
وهو في الجمهرة 1/ 21، والمفضليات ص 110، واللسان (أمم) .]].
وقيل لفاتحة الكتاب: أمّ الكتاب لكونها مبدأ الكتاب، وقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة : 9] أي: مثواه النار فجعلها أمّا له، قال: وهو نحو مَأْواكُمُ النَّارُ [الحديد : 15] ، وسمّى الله تعالى أزواج النبيّ ﷺ أمهات المؤمنين فقال: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب : 6] لما تقدّم في الأب، وقال: ﴿ابْنَ أُمَ﴾ [طه : 94] ولم يقل: ابن أب، ولا أمّ له يقال على سبيل الذم، وعلى سبيل المدح، وكذا قوله: ويل أمّه[[قال ابن منظور: وقوله: ويل أمّه فهو مدح خرج بلفظ الذم.]] ، وكذا: هوت أمّه[[قال ابن بري: قوله: هوت أمّه يستعمل على جهة التعجب كقولهم: قاتله الله ما أسمعه!.]] والأمّ قيل: أصله: أمّهة، لقولهم جمعا: أمهات، وفي التصغير: أميهة[[لأنّ الجمع والتصغير يردّان الأشياء لأصولها، فأصلها هاء على هذا. وهذا قول الخليل في العين 8/ 424.]] .
وقيل: أصله من المضاعف لقولهم: أمّات وأميمة. قال بعضهم: أكثر ما يقال أمّات في البهائم ونحوها، وأمهات في الإنسان.
* والأُمّة:
كل جماعة يجمعهم أمر ما إمّا دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها: أمم، وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام : 38] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسّرفة[[هي دويبّة غبراء تبني بيتا حسنا تكون فيه، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أصنع من سرفة.]] ، ومدّخرة كالنمل ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع.
وقوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة : 213] أي: صنفا واحدا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود : 118] أي: في الإيمان، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران : 104] أي: جماعة يتخيّرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف : 22] أي: على دين مجتمع. قال:
25- وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع[[هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
وهو في ديوانه ص 81، والغريبين 1/ 93، واللسان (أمم) .]].
وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف : 45] أي: حين، وقرئ (بعد أمه)[[وهي مروية عن شبيل بن عزرة الضبعي، وهي قراءة شاذة. راجع القرطبي 9/ 201، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 143.]] أي: بعد نسيان. وحقيقة ذلك: بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.
وقوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل : 120] أي: قائما مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وروي: «أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمّة وحده»[[الحديث في مسند الطيالسي ص 32 عن سعيد بن زيد أنه قال للنبيّ ﷺ: إنّ أبي كان كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له، قال: «نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» . راجع الإصابة 1/ 70، وأخرجه أبو يعلى، وإسناده حسن، انظر: مجمع الزوائد 9/ 420.]] . وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران : 113] أي: جماعة، وجعلها الزجاج هاهنا للاستقامة، وقال: تقديره: ذو طريقة واحدة[[معاني القرآن 1/ 458.]] ، فترك الإضمار أولى.
* والأُمِّيُّ:
هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة : 2] قال قطرب: الأُمِّيَّة: الغفلة والجهالة، فالأميّ منه، وذلك هو قلة المعرفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة : 78] أي: إلا أن يتلى عليهم.
قال الفرّاء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، و﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف : 157] قيل: منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامّي، لكونه على عادة العامّة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى : 6] . وقيل: سمّي بذلك لنسبته إلى أمّ القرى.
* والإِمام:
المؤتمّ به، إنسانا كأن يقتدى بقوله أو فعله، أو كتابا، أو غير ذلك محقّا كان أو مبطلا، وجمعه: أئمة. وقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء : 71] أي: بالذي يقتدون به، وقيل: بكتابهم[[انظر: الغريبين 1/ 95.]] ، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ [الفرقان : 74] . قال أبو الحسن: جمع آم[[أبو الحسن الأخفش، وقال: الإمام هاهنا جماعة، كما قال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي راجع: معاني القرآن للأخفش 2/ 423.]] ، وقال غيره: هو من باب درع دلاص، ودروع دلاص[[قال في اللسان: ودرع دلاص: برّاقة ملساء لينة، والجمع دلص، وقد يكون الدلاص جمعا مكسّرا.
ويقال: درع دلاص، وأدرع دلاص، للواحد والجمع على لفظ واحد.]] ، وقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص : 5] وقال: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص : 41] جمع إمام.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس : 12] فقد قيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ، والأَمُّ: القصد المستقيم، وهو التوجه نحو مقصود، وعلى ذلك: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة : 2] وقولهم: أَمَّهُ: شجّه، فحقيقته إنما هو أن يصيب أمّ دماغه، وذلك على حدّ ما يبنون من إصابة الجارحة لفظ فعلت منه[[وفي ذلك يقول شيخنا حفظه الله: فعل صوغها من الأعيان ... مطّرد عند ذوي الأذهان
نحو ظهرته كذا رقبته ... وقس كذلك إلى يددته.]] ، وذلك نحو: رأسته، ورجلته، وكبدته، وبطنته: إذا أصيب هذه الجوارح.
* و«أَمْ»
إذا قوبل به ألف الاستفهام فمعناه: أي[[راجع: الجنى الداني ص 225، ومغني اللبيب ص 61- 62.]] نحو: أزيد أم عمرو، أي: أيّهما، وإذا جرّد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع بل، نحو: ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ [ص : 63] أي: بل زاغت.
* و«أمَّا»
حرف يقتضي معنى أحد الشيئين، ويكرّر نحو: ﴿أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ [يوسف : 41] ، ويبتدأ بها الكلام نحو: أمّا بعد فإنه كذا.
وسط
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
وسط
وَسَطُ الشيءِ: ما له طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمّيّة المتّصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وَسَطُهُ صلبٌ، وضربت وَسَطَ رأسِهِ بفتح السين.
ووَسْطٌ بالسّكون. يقال في الكمّيّة المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين. نحو: وَسْطِ القومِ كذا. والوَسَطُ تارة يقال فيما له طرفان مذمومان.
يقال: هذا أَوْسَطُهُمْ حسبا: إذا كان في وَاسِطَةِ قومه، وأرفعهم محلّا، وكالجود الذي هو بين البخل والسّرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتّفريط، فيمدح به نحو السّواء والعدل والنّصفة، نحو: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة : 143] وعلى ذلك قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم : 48] وتارة يقال فيما له طرف محمود، وطرف مذموم كالخير والشّرّ، ويكنّى به عن الرّذل. نحو قولهم: فلان وَسَطُ من الرجال تنبيها أنه قد خرج من حدّ الخير. وقوله: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة : 238] ، فمن قال: الظّهر(١) ، فاعتبارا بالنهار، ومن قال: المغرب(٢) ، فلكونها بين الرّكعتين وبين الأربع اللّتين بني عليهما عدد الرّكعات، ومن قال: الصّبح(٣) فلكونها بين صلاة اللّيل والنهار.
قال: ولهذا قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ الآية [الإسراء : 78] . أي: صلاته. وتخصيصها بالذّكر لكثرة الكسل عنها إذ قد يحتاج إلى القيام إليها من لذيذ النّوم، ولهذا زيد في أذانه: (الصّلاة خير من النّوم)(٤) ، ومن قال: صلاة العصر(٥) فقد روي ذلك عن النبيّ ﷺ(٦) ، فلكون وقتها في أثناء الأشغال لعامّة الناس بخلاف سائر الصلوات التي لها فراغ، إمّا قبلها، وإمّا بعدها، ولذلك توعّد النّبيّ ﷺ فقال: «من فاته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله»(٧) .
(١) وبه قال ابن عمر، فقد أخرج الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى؟
فقال: كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجّه فيها رسول الله إلى القبلة: الظهر. الدر المنثور 1/ 719.
وبه قال زيد بن ثابت كما أخرجه عنه مالك في الموطأ. الزرقاني على الموطأ 1/ 285.
(٢) روى ذلك ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس وابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب. الزرقاني على الموطأ 1/ 286.
(٣) أخرج مالك أنّ عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وقال مالك: وقول عليّ وابن عباس أحبّ ما سمعت إليّ في ذلك. الزرقاني على الموطأ 1/ 285.
وهذا القول محكيّ عن ابن عمر أيضا وعطاء وطاوس وعكرمة. انظر: الدر المنثور 1/ 917.
(٤) قال الترمذي: فسّر ابن المبارك وأحمد أنّ التثويب أن يقول المؤذّن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول صحيح، ويقال لها: التثؤّب أيضا، وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه، روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم. راجع: عارضة الأحوذي 1/ 215، وشرح الموطأ للزرقاني 1/ 144، ومعالم السنن 1/ 155.
(٥) وهو قول أكثر العلماء. وقاله من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية، وهو الصحيح عند الحنفية والحنابلة، وذهب إليه أكثر الشافعية.
انظر: الزرقاني 1/ 286، وفتح الباري 8/ 194.
(٦) ففي الحديث أنه ﷺ قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا» .
انظر: فتح الباري في التفسير 8/ 195، ومسلم في المساجد رقم 627.
(٧) أخرجه الشيخان عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال: «إنّ الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» . انظر: فتح الباري في المواقيت 2/ 24، ومسلم في المساجد رقم 626، ومالك في الموطأ 1/ 11، وغيرهم.
عقب
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
عقب
العَقِبُ: مؤخّر الرّجل، وقيل: عَقْبٌ، وجمعه: أعقاب، وروي: «ويل للأعقاب من النّار»(١) واستعير العَقِبُ للولد وولد الولد. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف : 28] ، وعَقِبِ الشّهر، من قولهم: جاء في عقب الشّهر، أي: آخره، وجاء في عَقِبِه: إذا بقيت منه بقيّة، ورجع على عَقِبِه: إذا انثنى راجعا، وانقلب على عقبيه، نحو رجع على حافرته(٢) ، ونحو: ﴿فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ [الكهف : 64] ، وقولهم: رجع عوده على بدئه(٣) ، قال: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران : 144] ، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران : 144] ، و﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال : 48] ، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون : 66] . وعَقَبَهُ: إذا تلاه عقبا، نحو دبره وقفاه، والعُقْبُ والعُقْبَى يختصّان بالثّواب نحو: ﴿خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ [الكهف : 44] ، وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد : 22] ، والعاقِبةَ إطلاقها يختصّ بالثّواب نحو: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص : 83] ، وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا﴾ [الروم : 10] ، وقوله تعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ﴾ [الحشر : 17] ، يصحّ أن يكون ذلك استعارة من ضدّه، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] . والعُقُوبَةُ والمعاقبة والعِقَاب يختصّ بالعذاب، قال: ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص : 14] ، ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الحشر : 4] ، ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل : 126] ، ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج : 60] .
والتَّعْقيبُ: أن يأتي بشيء بعد آخر، يقال: عَقَّبَ الفرسُ في عدوه. قال: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد : 11] ، أي: ملائكة يتعاقبون عليه حافظين له. وقوله: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد : 41] ، أي: لا أحد يتعقّبه ويبحث عن فعله، من قولهم: عَقَّبَ الحاكم على حكم من قبله: إذا تتبّعه. قال الشاعر:
325- وما بعد حكم الله تعقيب(٤)
ويجوز أن يكون ذلك نهيا للنّاس أن يخوضوا في البحث عن حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، ويكون ذلك من نحو النّهي عن الخوض في سرّ القدر(٥) . وقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل : 10] ، أي: لم يلتفت وراءه. والاعتقاب: أن يتعاقب شيء بعد آخر كاعتقاب اللّيل والنهار، ومنه: العُقْبَة أن يتعاقب اثنان على ركوب ظهر، وعُقْبَة الطائر: صعوده وانحداره، وأَعقبه كذا: إذا أورثه ذلك، قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً﴾ [التوبة : 77] ، قال الشاعر:
326- له طائف من جنّة غير معقب(٦)
أي: لا يعقب الإفاقة، وفلان لم يُعْقِبْ، أي: لم يترك ولدا، وأعقاب الرّجل: أولاده. قال أهل اللغة: لا يدخل فيه أولاد البنت، لأنهم لم يعقبوه بالنّسب، قال: وإذا كان له ذرّيّة فإنّهم يدخلون فيها، وامرأة مِعْقَابٌ: تلد مرّة ذكرا ومرّة أنثى، وعَقَبْتُ الرّمح: شددته بالعَقَبِ، نحو: عصبته: شددته بالعصب، والعَقَبَةُ: طريق وعر في الجبل، والجمع: عُقُب وعِقَاب، والعُقَاب سمّي لتعاقب جريه في الصّيد، وبه شبّه في الهيئة الرّاية، والحجر الذي على حافتي البئر، والخيط الذي في القرط، واليعقوب: ذكر الحجل لما له من عقب الجري(٧) .
(١) الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: تخلّف النبيّ عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار. أخرجه البخاري في الوضوء باب غسل الرجلين 1/ 265، ومسلم برقم (241) .
(٢) ومثلها يقال: ارتدّ على أدباره، ونكس على رأسه، وارتكس في أمره. انظر: جواهر الألفاظ ص 384.
(٣) ومثله يقال: عاد إلى أصله، واعتمد على جذله، وصار في معدنه، وتبوّأ ضواحي عطنه، وأوى إلى محكم أساسه.
انظر: جواهر الألفاظ ص 222.
(٤) لم أجده.
(٥) لقوله ﷺ: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» أخرجه الطبراني وأبو نعيم.
(٦) هذا عجز بيت لامرئ القيس، ويروى: به عرّة أو طائف غير معقب
وصدره: ويخصد في الآري حتى كأنما
وهو في ديوانه ص 34.
(٧) انظر: المجمل 3/ 620.