التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٦٢

(خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٦٢

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لِإفادَةِ حالِ فَرِيقٍ آخَرَ مُشارِكٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ في اسْتِحْقاقِ لَعْنَةِ اللَّهِ واللّاعِنِينَ وهي لَعْنَةٌ أُخْرى.

وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الكُفْرَ يُطْلَقُ كَثِيرًا في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ قالَ تَعالى ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ قُرِنُوا سابِقًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ قالَ تَعالى ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَلَمّا اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِبَيانِ لَعْنَةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ عُقُوبَةِ المُشْرِكِينَ أيْضًا فالقَوْلُ في الِاسْتِئْنافِ هُنا كالقَوْلِ في الِاسْتِئْنافِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] مِن كَوْنِهِ بَيانِيًّا أوْ مُجَرَّدًا.

وقالَ الفَخْرُ: الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ وهو شامِلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُمُونَ وغَيْرِهِمْ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أيْ لِما فِيها مِن تَعْمِيمِ الحُكْمِ بَعْدَ إناطَتِهِ بِبَعْضِ الأفْرادِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وماتُوا عَلى ذَلِكَ وأنَّهُ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً ثُمَّ لَعَنْتَهم أمْواتًا، وهو بَعِيدٌ عَنْ مَعْنى الآيَةِ لِأنَّ إعادَةَ ”وكَفَرُوا“ لا نُكْتَةَ لَها لِلِاسْتِغْناءِ بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ ماتُوا وهم كُفّارٌ، عَلى أنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ مَفادُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَعَ اسْتِثْنائِها، واللَّعْنَةُ لا يَظْهَرُ أثَرُها إلّا بَعْدَ المَوْتِ فَلا مَعْنى لِجَعْلِها لَعْنَتَيْنِ، ولِأنَّ تَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ هُنا المُشْرِكُونَ لِتَظْهَرَ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ.

وإنَّما قالَ هُنا والنّاسِ أجْمَعِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُهم أهْلُ الكِتابِ وسائِرُ المُتَدَيِّنِينَ المُوَحِّدِينَ لِلْخالِقِ بِخِلافِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ فَإنَّما يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والصّالِحُونَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ كَما تَقَدَّمَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، وعُمُومُ النّاسِ عُرْفِيٌّ أيِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُهُ خالِدِينَ فِيها تَصْرِيحٌ بِلازِمِ اللَّعْنَةِ الدّائِمَةِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ لِجَهَنَّمَ لِأنَّها مَعْرُوفَةٌ مِنَ المُقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّعْنَةِ ويُرادَ أثَرُها ولازِمُها.

وقَوْلُهُ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ أيْ لِأنَّ كُفْرَهم عَظِيمٌ يَصُدَّهم عَنْ خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلافِ كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ، نَظَرَهُ نَظْرَةً أمْهَلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ولا هم يُمْهَلُونَ في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ القَتْلِ إذْ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ دُونَ الجِزْيَةِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وهي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ.

وقِيلَ يُنْظَرُونَ هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما يَتَعَدّى بِإلى؛ أيْ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ والتَّحْقِيرِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ هُنا لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٥٩] فالمَقْصُودُ التَّجَدُّدُ لِيَكُونُوا غَيْرَ آيِسِينَ مِنَ التَّوْبَةِ.


الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {خَالِدِينَ} : حالٌ من الضمير في «عليهم» ، قوله «لا يُخَفَّفُ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً. الثاني: أن يكونَ حالاً من الضمير في «خالدين» فيكونَ حالان متداخلان. الثالث: أن يكونَ حالاً ثانيةً من الضميرِ في «عليهم» ، وذلك عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الحالِ. وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجه بناءً منه على مذهبِه في ذلك.


مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
خلد

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

خلد

الخُلُود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. يقال: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُودا(١) ، قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء : 129] ، والخَلْدُ: اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته، فلا يستحيل ما دام الإنسان حيّا استحالة سائر أجزائه(٢) ، وأصل المُخَلَّد: الذي يبقى مدّة طويلة ومنه قيل: رجل مُخَلَّد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مُخَلَّدَة: هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثم استعير للمبقيّ دائما. والخُلُودُ في الجنّة: بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة : 82] ، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة : 39] ، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها﴾ [النساء : 93] ، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة : 17] ، قيل: مبقون بحالتهم لا يعتريهم استحالة، وقيل: مقرّطون بخلدة، والخَلَدَة: ضرب من القرطة(٣) ، وإِخلادُ الشيء: جعله مبقى، والحكم عليه بكونه مبقى، وعلى هذا قوله سبحانه: ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 176] ، أي: ركن إليها ظانّا أنه يخلد فيها.


(١) انظر: الأفعال 1/ 443.

(٢) انظر: البصائر 2/ 558.

(٣) القرطة والأقراط والقراط جمع: قرط، وهو نوع من حليّ الأذن، وهذا قول ابن قتيبة في غريب القرآن ص  447

خف

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

خف

الخَفِيف: بإزاء الثّقيل، ويقال ذلك تارة باعتبار المضايفة بالوزن، وقياس شيئين أحدهما بالآخر، نحو: درهم خفيف، ودرهم ثقيل.

والثاني: يقال باعتبار مضايفة الزّمان، نحو: فرس خفيف، وفرس ثقيل: إذا عدا أحدهما أكثر من الآخر في زمان واحد. الثالث: يقال خفيف فيما يستحليه الناس، وثقيل فيما يستوخمه، فيكون الخفيف مدحا، والثقيل ذمّا، ومنه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال : 66] ، ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ [البقرة : 86] ، وأرى أنّ من هذا قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً﴾ [الأعراف : 189] . الرّابع: يقال خفيف فيمن يطيش، وثقيل فيما فيه وقار، فيكون الخفيف ذمّا، والثقيل مدحا. الخامس: يقال خفيف في الأجسام التي من شأنها أن ترجحن إلى أسفل كالأرض والماء، يقال: خَفَّ يَخِفُّ خَفّاً وخِفَّةً، وخَفَّفَه تَخْفِيفاً وتَخَفَّفَ تَخَفُّفاً، واستخففته، وخَفَّ المتاع: الخفيف منه، وكلام خفيف على اللسان، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ [الزخرف : 54] ، أي: حملهم أن يخفّوا معه، أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم، وقيل: معناه وجدهم طائشين، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون : 102-103] ، فإشارة إلى كثرة الأعمال الصّالحة وقلّتها، ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم : 60] ، أي: لا يزعجنّك ويزيلنّك عن اعتقادك بما يوقعون من الشّبه، وخفّوا عن منازلهم: ارتحلوا منها في خفّة، والخُفُّ: الملبوس، وخُفُّ النّعامة والبعير تشبيها بخفّ الإنس ان.

حاشية

نظر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

نظر

النَّظَرُ: تَقْلِيبُ البَصَرِ والبصيرةِ لإدرَاكِ الشيءِ ورؤيَتِهِ، وقد يُرادُ به التَّأَمُّلُ والفَحْصُ، وقد يراد به المعرفةُ الحاصلةُ بعد الفَحْصِ، وهو الرَّوِيَّةُ.

يقال: نَظَرْتَ فلم تَنْظُرْ. أي: لم تَتَأَمَّلْ ولم تَتَرَوَّ، وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ﴾ [يونس : 101] أي: تَأَمَّلُوا. واستعمال النَّظَرِ في البَصَرِ أكثرُ عند العامَّةِ، وفي البصيرةِ أكثرُ عند الخاصَّةِ، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة : 22-23] ويقال: نَظَرْتُ إلى كذا: إذا مَدَدْتَ طَرْفَكَ إليه رَأَيْتَهُ أو لم تَرَهُ، ونَظَرْتُ فِيهِ: إذا رَأَيْتَهُ وتَدَبَّرْتَهُ، قال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية : 17] نَظَرْتَ في كذا: تَأَمَّلْتَهُ. قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات : 88-89] ، وقوله: تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف : 185] فذلك حَثٌّ على تَأَمُّلِ حِكْمَتِهِ في خَلْقِهَا. ونَظَرَ اللَّهُ تعالى إلى عِبَادِهِ: هو إحسانُهُ إليهم وإفاضَةُ نِعَمِهِ عليهم. قال تعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران : 77] ، وعلى ذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين : 15] ، والنَّظَرُ: الانْتِظَارُ. يقال: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ وأَنْظَرْتُهُ. أي: أَخَّرْتُهُ. قال تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود : 122] ، وقال: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس : 102] ، وقال: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد : 13] ، ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر : 8] ، قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الأعراف : 15-16] ، وقال: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود : 55] ، وقال: ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة : 29] ، وقال: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان : 29] ، فنفى الإِنْظارَ عنهم إشارةً إلى ما نبَّه عليه بقوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف : 34] ، وقال: ﴿إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ [الأحزاب : 53] أي: منتظرين، وقال: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل : 35] ، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة : 210] ، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف : 66] وقال: ﴿ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [ص : 15] ، وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف : 143] ، فَشَرْحُهُ وبَحْثُ حَقَائِقِهِ يَخْتَصُّ بغير هذا الكتابِ. ويُستعمَل النَّظَرُ في التَّحَيُّرِ في الأمور. نحو قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة : 55] ، وقال: ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف : 198] ، وقال: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى : 45] ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس : 43] ، فكلّ ذلك نظر عن تحيُّر دالٍّ على قِلَّة الغِنَاءِ. وقوله: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة : 50] ، قيل: مُشَاهِدُونَ، وقيل: تَعْتَبِرُونَ، وقول الشاعر:

447- نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَل(١)

فتنبيهٌ أنه خانَهُمْ فَأَهْلَكَهُمْ. وحَيٌّ نَظَرٌ. أي: مُتَجَاوِرُونَ يَرَى بعضُهم بعضاً، كقولِ النبي ﷺ: «لَا يَتَرَاءَى نَارَاهُمَا»(٢) . والنَّظِيرُ: المَثِيلُ، وأصلُه المُنَاظِرُ، وكأنه يَنْظُرُ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِهِ فيُبَارِيهِ، وبه نَظْرَةٌ. إشارةٌ إلى قول الشاعر:

448- وقَالُوا بِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْجِنِّ نَظْرَةٌ(٣) والمُنَاظَرَةُ: المُبَاحَثَةُ والمُبَارَاةُ فِي النَّظَرِ، واسْتِحْضَارُ كلِّ ما يَرَاهُ بِبَصِيرَتِهِ، والنَّظَرُ: البَحْثُ، وهو أَعَمُّ مِنَ القِيَاسِ، لأنَّ كلَّ قياسٍ نَظَرٌ، ولَيْسَ كُلُّ نَظَرٍ قِيَاساً.


(١) الشطر للبيد، وقد تقدّم في مادة (بهل) .

(٢) الحديث تقدّم في مادة (رأى) .

(٣) شطر بيت، وعجزه: [ولو صدقوا قالوا به نظرة الإنس]

وهو في الغيث المسجم 1/ 263 دون نسبة.