التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٧٤

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ١٧٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عَوْدٌ إلى مُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ لاحِقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] تَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِمّا أحْدَثَهُ اليَهُودُ في دِينِهِمْ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا التَّوْسِيعَ والتَّضْيِيقَ تَرَكُوا أنْ يَقْرَءُوا مِن كِتابِهِمْ ما غَيَّرُوا العَمَلَ بِأحْكامِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] كَما فَعَلُوا في تَرْكِ قِراءَةِ حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي في التَّوْراةِ حِينَ دَعا النَّبِيءُ ﷺ أحَدَ اليَهُودِ لِيَقْرَأ ذَلِكَ الحُكْمَ مِنَ التَّوْراةِ فَوَضَعَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ عَلى الكَلامِ الوارِدِ في ذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الحُدُودِ ولِجَرَيانِهِ عَلى مُناسَبَةِ إباحَةِ ما أُبِيحَ مِنَ المَأْكُولاتِ جاءَ قَوْلُهُ هُنا ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ لِقَصْدِ المُشاكَلَةِ.

وفِي هَذا تَهْيِئَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى ابْتِداءِ شَرائِعِ الإسْلامِ؛ فَإنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ إبْطالٌ لِما شَرَعَهُ أهْلُ الكِتابِ في دِينِهِمْ فَكَوْنُ التَّخَلُّصِ مُلَوَّنًا بِلَوْنَيِ الغَرَضِ السّابِقِ والغَرَضِ اللّاحِقِ.

وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِمْ بِغَيْرِ المَوْصُولِ إلى المَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ الخَيْرِ وعِلَّتِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .

والقَوْلُ في الكِتْمانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] والكِتابُ المَذْكُورُ هُنا هو الكِتابُ المَعْهُودُ مِنَ السِّياقِ وهو كِتابُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، فَيُشْبِهُ أنْ تَكُونَ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والَّذِينَ يَكْتُمُونَهُ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ يَكْتُمُونَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ويَكْتُمُونَ بَعْضَ الأحْكامِ الَّتِي بَدَّلُوها.

وقَوْلُهُ ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وهو المالُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنَ النّاسِ جَزاءً عَلى إفْتائِهِمْ بِما يُلائِمُ هَواهم مُخالِفًا لِشَرْعِهِمْ أوْ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، فالثَّمَنُ يُطْلَقُ عَلى الرِّشْوَةِ لِأنَّها ثَمَنٌ يُدْفَعُ عِوَضًا عَنْ جَوْرِ الحاكِمِ وتَحْرِيفِ المُفْتِي.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإشْهارِهِمْ لِئَلّا يَخْفى أمْرُهم عَلى النّاسِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو تَأْكِيدٌ لِلسَّبَبِيَّةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالمَوْصُولِ، وفِعْلُ يَأْكُلُونَ مُسْتَعارٌ لِأخْذِ الرِّشا المُعَبَّرِ عَنْها بِالثَّمَنِ والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ، أيْ ما يَأْكُلُونَ وقْتَ كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ إلّا النّارَ لِأنَّهُ الأصْلُ في المُضارِعِ.

والأكْلُ مُسْتَعارٌ لِلِانْتِفاعِ مَعَ الإخْفاءِ، لِأنَّ الأكْلَ انْتِفاعٌ بِالطَّعامِ وتَغْيِيبٌ لَهُ فَهو خَفِيٌّ لا يَظْهَرُ كَحالِ الرِّشْوَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِآكِلِ الرِّشْوَةِ عَلى كِتْمانِ الأحْكامِ أكْلُ نارٍ تَعَيَّنَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا، فَقِيلَ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ في تَعَلُّقِ الأكْلِ بِالنّارِ ولَيْسَتْ هي لَهُ وإنَّما لَهُ سَبَبُها أعْنِي الرِّشْوَةَ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: وهو الَّذِي يُوهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ أخِيرًا بِغَيْرِهِ، وقِيلَ هو مَجازٌ في الطَّرَفِ بِأنْ أطْلَقَ لَفْظَ النّارِ عَلى الرِّشْوَةِ إطْلاقًا لِلِاسْمِ عَلى سَبَبِهِ قالَ التَّفْتازانِيُّ: وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ في الكَشّافِ ونَظَّرَهُ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ يُوَبِّخُ امْرَأتَهُ وكانَ يَقْلاها:

أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

أرادَ الحَلْفَ بِطَرِيقَةِ الدُّعاءِ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَأْكُلَ دَمًا أيْ دِيَةَ دَمٍ فَقَدْ تَضَمَّنَ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أحَدِ أقارِبِهِ وبِذَهابِ مُرُوءَتِهِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِأخْذِ الدِّيَةِ عَنِ القَتِيلِ ولا يَرْضَوْنَ إلّا بِالقَوَدِ، واخْتارَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِن أكْلِهِمُ الرِّشا بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مَن أكْلِهِمُ النّارَ وأِطْلِقَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ.

قُلْتُ: ولا يَضُرُّ كَوْنُ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ لِأنَّها هَيْئَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ كَقَوْلِهِ )

أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْنَ ∗∗∗ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدِ

( فالمُرَكَّبُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ ما يَأْخُذُونَ إلّا أخْذًا فَظِيعًا مُهْلِكًا فَإنْ تَناوَلَها كَتَناوُلِ النّارِ لِلْأكْلِ فَإنَّهُ كُلُّهُ هَلاكٌ مِن وقْتِ تَناوُلِها بِاليَدِ إلى حُصُولِها في البَطْنِ، ووَجْهُ كَوْنِ الرِّشْوَةِ مُهْلِكَةً أنَّ فِيها اضْمِحْلالَ أمْرِ الأُمَّةِ وذَهابَ حُرْمَةِ العُلَماءِ والدِّينِ فَتَكُونُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ عَلى وشْكِ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ.

والَّذِي يَدْعُو إلى المَصِيرِ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ هو قَوْلُهُ تَعالى في بُطُونِهِمْ فَإنَّ الرِّشْوَةَ لا تُؤْكَلُ في البَطْنِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرَكَّبُ كُلُّهُ اسْتِعارَةً، ولَوْ جُعِلَتِ الِاسْتِعارَةُ في خُصُوصِ لَفْظِ النّارِ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ مُسْتَعْمَلًا في المُرَكَّبِ الحَقِيقِيِّ، وهو لا يَصِحُّ، ولَوْلا قَوْلُهُ في بُطُونِهِمْ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ يَأْكُلُونَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في غَضَبِ الحَقِّ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَأْكُلُونَ مُسْتَقْبَلًا، أيْ ما سَيَأْكُلُونَ إلّا النّارَ عَلى أنَّهُ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وهو وجِيهٌ، ونُكْتَةُ اسْتِعارَةِ الأكْلِ هُنا إلى اصْطِلائِهِمْ بِنارِ جَهَنَّمَ هي مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالثَّمَنِ هُنا الرِّشْوَةُ، وقَدْ شاعَ تَسْمِيَةُ أخْذِ الرَّشْوَةِ أكْلًا.

وقَوْلُهُ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ نَفْيٌ لِلْكَلامِ والمُرادُ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ وهو الكِنايَةُ عَنِ الغَضَبِ، فالمُرادُ نَفْيُ كَلامِ التَّكْرِيمِ، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]، وقَوْلُهُ ولا يُزَكِّيهِمْ أيْ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَجْمَعِ، وذَلِكَ إشْعارٌ لَهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العَذابِ؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ التَّزْكِيَةُ أعْقَبَها الذَّمُّ والتَّوْبِيخُ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ ذَمِّهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ إذْ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ سُكُوتٌ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {مِنَ الكتاب} : في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه العائدُ على الموصولِ، تقديرُه: أنزله اللهُ حالَ كونِه من الكتابِ، فالعاملُ فيه «أَنْزَلَ» ، والثاني: أنه الموصولُ نفسه، فالعاملُ في الحالِ «يكتمون» .

قوله: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} الضميرُ في «به» يُحْتَمَلُ أن يعودَ على «ما» الموصولةِ، وأَنْ يعودَ على الكَتْمِ المفهومِ من قولِه: «يكتمون» وأَنْ يعودَ على الكتابِ، أظهرها أوَّلُها، ويكونُ ذلك على حَذْفِ مضافٍ، أي: يشترون بكَتْمِ ما أَنْزل.

قوله: {إِلاَّ النار} استثناءٌ مفرغٌ؛ لأن قبلَه عاملاً يَطلُبه، وهذا من مجاز الكلام، جَعَل ما هو سببٌ للنار كقولِهم: «أكل فلانٌ الدمَ» يريدون الدِّية التي بسببها الدمُ، قال:

820 - فلو أَنَّ حَيَّاً يقبلُ المالَ فِدْيةً ... لَسُقْنا إليه المالَ كالسيلِ مُفْعَما

ولكنْ أبى قومٌ أُصيب أخوهمُ ... رِضا العارِ واختاروا على اللبنِ الدِّما

وقال:

821 - أَكَلْتُ دماً إنْ لم أَرْعُكِ بِضَرَّةٍ ... بعيدةِ مَهْوى القِرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

وقال:

822 - يَأْكُلْن كَلَّ ليلةٍ إكافا ... . . . . . . . .

يريد: ثمن إكاف.

وقوله: {فِي بُطُونِهِمْ} يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أَنْ يتعلَّقَ بقولِه: «يأكلون» فهو ظرفٌ له. قال أبو البقاء: «وفيه حَذْفُ مضافٍ أي طريق بطونهم، ولا حاجةَ إلى ما قاله من التقدير. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من النارِ. قال أبو البقاء:» والأجْوَدُ أن تكونَ الحالُ هنا مقدرةً لأنها وقتَ الأكلِ ليسَتْ في بطونِهم، وإنما تَؤُولُ إلى ذلك، والتقدير، ثابتةً أو كائنةً في بطونهم قال: «وَيَلْزَمُ من هذا تقديمُ الحالِ على حرف الاستثناءِ وهو ضعيفٌ، إلا أن يُجْعَلَ المفعولُ محذوفاً، و» في بطونِهم «حالاً من أو صفةً له، أي: في بطونهم شيئاً يعني فيكونُ» إلا النار «منصوباً على الاستثناءِ التام، لأنه مستثنى من ذلك المحذوفِ. إلا أنه قال بعد ذلك» وهذا الكلامُ في المعنى على المجازِ، وللإِعرابِ حكمُ اللفظ. والثالثُ: أن يكونَ صفةً أو حالاً من مفعول «كُلوا» محذوفاً كما تقدَّم تقريرُه.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كتم

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

كتم

الْكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْماً وكِتْمَاناً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 140] ، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 146] ، ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة : 283] ، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران : 71] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 37] فَكِتْمَانُ الفضل: هو كفران النّعمة، ولذلك قال بعده: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ [النساء : 37] ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] قال ابن عباس: إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام : 23] فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا(١) . وقال الحسن: في الآخرة مواقف في بعضها يكتمون، وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم: ﴿لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] هو أن تنطق جوارحهم.

(١) أخرجه ابن جرير 5/ 94.

ثمن

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

ثمن

قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف : 20] . الثَّمَنُ: اسم لما يأخذه البائع في مقابلة البيع، عينا كان أو سلعة. وكل ما يحصل عوضا عن شيء فهو ثمنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ [آل عمران : 77] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ [النحل : 95] ، وقال: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا﴾ [البقرة : 41] ، وأَثْمَنْتُ الرَّجُلَ بمتاعه وأَثْمَنْتُ لَهُ: أكثرت له الثمن، وشيء ثَمِين: كثير الثمن، والثَّمَانِيَة والثَّمَانُون والثُّمُن في العدد معروف. ويقال: ثَمَّنْتُهُ: كنت له ثامنا، أو أخذت ثمن ماله، وقال عزّ وجلّ: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف : 22] ، وقال تعالى: ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص : 27] . والثَّمِين: الثُّمْن، قال الشاعر:

83- فما صار لي في القسم إلا ثمينها(١)

وقوله تعالى: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء : 12] .

(١) هذا عجز بيت، وشطره: وألقيت سهمي بينهم حين أوخشوا

وينسب إلى يزيد بن الطثرية، وهو في ديوانه ص 97، والمجمل 1/ 162، واللسان (ثمن) ، وعقد الخلاص ص 282.

زكا

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

زكا

أصل الزَّكَاةِ: النّموّ الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة.

يقال: زَكَا الزّرع يَزْكُو: إذا حصل منه نموّ وبركة.

وقوله: ﴿أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ [الكهف : 19] ، إشارة إلى ما يكون حلالا لا يستوخم عقباه، ومنه الزَّكاةُ: لما يخرج الإنسان من حقّ الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النّفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعا، فإنّ الخيرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزَّكَاةَ بالصّلاة في القرآن بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة : 43] ، وبِزَكَاءِ النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبا لذلك، نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [الشمس : 9] ، وتارة ينسب إلى الله تعالى، لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ [النساء : 49] ، وتارة إلى النّبيّ لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم، نحو: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة : 103] ، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ [البقرة : 151] ، وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك، نحو: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً﴾ [مريم : 13] ، ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ [مريم : 19] ، أي: مُزَكًّى بالخلقة، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالما وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة بل بتوفيق إلهيّ، كما يكون لجلّ الأنبياء والرّسل. ويجوز أن يكون تسميته بالمزكّى لما يكون عليه في الاستقبال لا في الحال، والمعنى: سَيَتَزَكَّى، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون : 4] ، أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكّيهم الله، أو لِيُزَكُّوا أنفسهم، والمعنيان واحد. وليس قوله: «للزّكاة» مفعولا لقوله: «فاعلون» ، بل اللام فيه للعلة والقصد. وتَزْكِيَةُ الإنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو محمود وإليه قصد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [الشمس : 9] ، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى : 14] .

والثاني: بالقول، كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم : 32] ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقّا؟ فقال: مدح الرّجل نفسه.