(أن) المفسرة:
قال ابن مالك(١): "المفسرة تمتاز بأنها لا تقع إلا بعد ما فيه معنى القول دون حروفه نحو قوله -تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك)"
وقال الزمخشري(٢): "وبذلك فسر قوله عز وجل: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا)، وقوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم).
حذف أن المفسرة:
قال (٣) السمين الحلبي في قوله تعالى (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله...) في (لا تعبدون) ثمانية أوجه: "الثامن منها: أن يكون التقدير: أن لا تعبدون، وهي (أن) المفسرة، لأن في قوله: {أخذنا ميثاق بني إسرائيل} إيهاما كما تقدم، وفيه معنى القول، ثم حذفت (أن) المفسرة، ذكره الزمخشري. وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى".
الفرق بين (أن) المفسرة (وأي) المفسرة:
• أن المفسرة، وهي التي يحسن في موضعها أي، وعلامتها أن تقع بعد جملة فيها معنى القول، دون حروفه. نحو (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك). ولا تقع بعد صريح القول، خلافا لبعضهم(٤) .
• (أي) المفسرة أعم من (أن) المفسرة، لأن أي تدخل على الجملة والمفرد، وتقع بعد القول وغيره(٥)،
قال الشاعر:
وترمينني بالطرف، أي: أنت مذنب ... وتقلينني، لكن إياك لا أقلي
وذهب قوم إلى أن أي التفسيرية اسم فعل، معناه عوا أو افهموا.
تنبه:
مذهب البصريين أن المفسرة قسم ثالث. ونقل عن الكوفيين أنها عندهم المصدرية.
إعراب الجملة الواقعة بعد أن المفسرة:
قال عباس(٦) حسن: قال صاحب المغني: "الجملة المفسرة لا محل لها مطلقا". ولكن الصبان في حاشيته ناقض هذا عند الكلام على "أن" المفسرة. وقال: إن الجملة المفسرة التي لا محل لها من الإعراب هي الجملة التي ليست في معنى المفرد، كالتي في مثل: "محمد أكرمته" إذ الأصل: أكرمت محمدا أكرمته -أما التي تفسر المفعول بعد "أن"- فالظاهر أنها في محل نصب، تبعا لما فسرته؛ لأنها في معنى هذا اللفظ، فيحل المفرد محلها. ثم أيد الصبان رأيه هذا بكلام نقله عن بعض المحققين.
وإذا كان لها محل من الإعراب كالمفرد الذي تفسيره فما موقعها؟ أتكون مفعولا مثله، أم بدلا، أم عطف بيان؟
تكون بدلا أو عطف بيان؛ لأن البدل والبيان هما اللذان يسايران التفسير ويناسبانه...
وشيء آخر هام أيضا:
إذا جاء بعد "أن" الصالحة للتفسير مضارع مسبوق بكلمة: "لا" نحو: أشرت إليه أن لا تفعل، جاز رفعه على اعتبار "لا" نافية. وجزمه على اعتبارها ناهية، و"أن" في الحالتين مفسره، وجاز نصبه على اعتبار "لا" نافية، و"أن" مصدرية. فإن حذفت "لا" امتنع الجزم، وصح الرفع أو النصب.
لكن صرح الصبان بأنه يصح على الجزم بلا الناهية اعتبار "أن" مصدرية؛ اعتمادا على الرأي الأصح الذي يبيح دخولها على الأمر والنهي... وقد جاء في حاشية الخضري ما نصه:
"وصل "أن" بالماضي اتفاق، وبالأمر عند سيبويه، بدليل الجار عليها في نحو: كتبت إليه بأن قم أو لا تقعد. إذ لا يدخل إلى على الاسم، فتؤول بمصدر طلبي، أي: كتبت إليه بالأمر بالقيام؛ كما قدر الزمخشري في قوله: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك) ، أي: بالأمر بالإنذار، فلا يفوت معنى الطلب.
ورده الدماميني بأن كل موضع وقع فيه الأمر هو محتمل لكون "أن" فيه تفسيرية؛ بمعنى: "أي"؛ كهذه الآية، ونحو: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك) ونحو (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) . ونحو: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) ، أي: انطلقت ألسنتهم فكل ذلك -إن لم يقدر فيه الجار- هي فيه إما تفسيرية؛ "لسبقها بجملة فيها معنى القول دون حروفه؛ ووقوع جملة بعدها، وخولها من الجار لفظا"، ولا حاجة إلى تقديره كما يقول سيبويه -وإما زائدة؛ كالمثال: "أي كتبت إليه بأن قم"، أي: بهذا اللفظ. زيدت "أن" كراهة دخول الجار على الفعل ظاهرا، وإن كان في الواقع اسما، لقصد لفظه". ا. هـ.
وإذا دخلت "أن" على الماضي والأمر باعتبارها مصدرية فإنها لا تغير زمنهما، ولا يكون لهما محل تنصبه -كما جاء في المغني عن الكلام عليها- خلافا لرأي ضعيف آخر.
(١) ابن مالك - شرح الكافية الشافية ج٣ ص١٥٢٢
(٢) الزمخشري- المفصل في صنعة الإعراب ٤٢٨
(٣) السمين الحلبي- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون ج١ ص٤٦١
(٤) ابن أم قاسم المرادي - الجنى الداني في حروف المعاني ص٢٢١
(٥) ابن أم قاسم المرادي - الجنى الداني في حروف ص٢٣٣
(٦) عباس حسن - النحو الوافي.