التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٥٤

(وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٥٤

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾

هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.

وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.

وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِن قَوْلِ الرّاوِي أنَّ ناسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، أنَّهُ تَوَهُّمٌ مِن أحَدِ الرُّواةِ عَنِ البَراءِ، فَإنَّ أوَّلَ قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وهي بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، والأصَحُّ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ» الحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ قُتِلُوا.

فالوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وتَحْبِيبٌ لِلشَّهادَةِ إلَيْهِمْ.

ولِذَلِكَ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في وقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ إلّا أنّا نَقُولُ هُنا إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِ عَزائِمِهِمْ عَنْ عَظائِمِ الأعْمالِ وقالَ هُنالِكَ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذا هُنا، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهم ما يَصْعُبُ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُمُ الخاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ هُنالِكَ، وزادَ هُنا فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَبَشَّرَهم بِأنَّهم مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذا الأمْرَ ويُعَدُّ لِذَلِكَ في زُمْرَةِ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ أيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكم لِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾

عَطَفَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ قَبْلَهُ لِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ أقْوى ما يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّبْرَ يَنْقَلِبُ شُكْرًا عِنْدَما يَرى الشَّهِيدُ كَرامَتَهُ بَعْدَ الشَّهادَةِ، وعِنْدَما يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ ولا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ القَوْلِ النّاشِئِ عَنِ اعْتِقادٍ، ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقُولُ إلّا ما يَعْتَقِدُ فالمَعْنى: ولا تَعْتَقِدُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ البَراءِ فَإنَّهُ قالَ: قُتِلَ أُناسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَأعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بِأنَّ فَضِيلَةَ شَهادَتِهم غَيْرُ مَنقُوصَةٍ.

وارْتَفَعَ أمْواتٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.

وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِي إبْطالًا لِمَضْمُونِ المَنهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولَيْسَ المَعْنى بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ لِأنَّ المُرادَ إخْبارُ المُخاطَبِينَ هَذا الخَبَرَ العَظِيمَ، فَقَوْلُهُ أحْياءٌ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ ”بَلِ“ الإضْرابِيَّةِ.

وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها حَياةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ ولا مادِّيَّةٍ بَلْ حَياةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّها زائِدَةٌ عَلى مُطْلَقِ حَياةِ الأرْواحِ، فَإنَّ لِلْأرْواحِ كُلِّها حَياةً وهي عَدَمُ الِاضْمِحْلالِ وقَبُولُ التَّجَسُّدِ في الحَشْرِ مَعَ إحْساسٍ ما بِكَوْنِها آيِلَةً إلى نَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، وأمّا حَياةُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهي حَياةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى إدْراكاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذّاتِ الجَنَّةِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والِانْكِشافاتِ الكامِلَةِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تُجْعَلُ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعى مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ وتَشْرَبُ مِن مائِها» .

والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اتِّصالَ اللَّذّاتِ بِالأرْواحِ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِ الحَواسِّ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُناسِبًا لِلْجَنَّةِ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِنَعِيمِها.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} : خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: لا تقولوا: هم أمواتٌ، وكذلك «أحياءٌ» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: بل هم أحياءٌ، وقد راعى لفظَ «مَنْ» مرةً فأَفْرَدَ في قولِه «يُقْتَلُ» ، ومعناها أخرى فَجَمَع في قولِه {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} واللامُ هنا للعِلَّة، ولا تكونُ للتبليغ، لأنهم لم يُبَلِّغوا الشهداء قولَهم هذا. والجملةُ من قولِه: «هم أمواتٌ» في محلِّ نصب بالقول لأنها محكيَّة به، وأما {بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ} فيتحمل وجهين، أحدهما ألاَّ يكونَ له محلٌّ مِنَ الإِعرابِ، بل هو إخبارٌ مِنَ الله تعالَى بأنَّهم أحياءٌ، ويُرَجِّحُه قولُه: {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} إذ المعنى لا شعورَ لكم بحياتِهم. والثاني: أن يكون محلُّه النصبُ بقولٍ محذوفٍ تقديرُه، بل قولوا هم أحياء، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ بالقولِ الأولِ لفسادِ المعنى، وحُذِفَ مفعولُ «يشعرون» «لِفَهْمِ المعنى أي: بحياتِهم.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
سبيل

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

سبل

السَّبِيلُ: الطّريق الذي فيه سهولة، وجمعه سُبُلٌ، قال: ﴿وَأَنْهاراً وَسُبُلًا﴾ [النحل : 15] ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ [الزخرف : 10] ، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف : 37] ، يعني به طريق الحق، لأنّ اسم الجنس إذا أطلق يختصّ بما هو الحقّ، وعلى ذلك: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس : 20] ، وقيل لسالكه سَابِلٌ، وجمعه سَابِلَةٌ، وسبيل سابل، نحو شعر شاعر، وابن السَّبِيلِ: المسافر البعيد عن منزله، نسب إلى السّبيل لممارسته إيّاه، ويستعمل السَّبِيلُ لكلّ ما يتوصّل به إلى شيء خيرا كان أو شرّا، قال: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل : 125] ، ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف : 108] ، وكلاهما واحد لكن أضاف الأوّل إلى المبلّغ، والثاني إلى السّالك بهم، قال: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 169] ، ﴿إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر : 29] ، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام : 55] ، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ [النحل : 69] ، ويعبّر به عن المحجّة، قال: قُلْ: ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف : 108] ، ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة : 16] ، أي: طريق الجنة، ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة : 91] ، ﴿فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى : 41] ، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾ [الشورى : 42] ، ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء : 42] ، وقيل: أَسْبَلَ السّتر، والذّيل، وفرس مُسْبَلُ الذّنب، وسَبَلَ المطرُ، وأَسْبَلَ، وقيل للمطر: سَبَلٌ ما دام سَابِلًا، أي: سائلا في الهواء، وخصّ السَّبَلَةُ بشعر الشّفة العليا لما فيها من التّحدّر، والسُّنْبُلَةُ جمعها سَنَابِلُ، وهي ما على الزّرع، قال: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ﴾ [البقرة : 261] ، وقال: ﴿سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف : 46] ، وأَسْبَلَ الزّرعُ: صار ذا سنبلة، نحو: أحصد وأجنى، والْمُسْبِلُ اسم القدح الخامس.

حاشية

موت

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

موت

أنواع الموت بحسب أنواع الحياة: فالأوّل: ما هو بإزاء القوَّة النامية الموجودة في الإنسان والحيوانات والنّبات. نحو قوله تعالى: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الروم : 19] ، ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [ق : 11] .

الثاني: زوال القوّة الحاسَّة. قال: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ [مريم : 23] ، ﴿أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم : 66] .

الثالث: زوال القوَّة العاقلة، وهي الجهالة.

نحو: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام : 122] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل : 80] .

الرابع: الحزن المكدِّر للحياة، وإيّاه قصد بقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ

بِمَيِّتٍ [إبراهيم : 17] .

الخامس: المنامُ، فقيل: النّوم مَوْتٌ خفيف، والموت نوم ثقيل، وعلى هذا النحو سمّاهما الله تعالى توفِّيا. فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام : 60] ، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر : 42] ، وقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ [آل عمران : 169] فقد قيل: نفي الموت هو عن أرواحهم فإنه نبّه على تنعّمهم، وقيل: نفى عنهم الحزن المذكور في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ [إبراهيم : 17] ، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران : 185] فعبارة عن زوال القوّة الحيوانيَّة وإبانة الرُّوح عن الجسد، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر : 30] فقد قيل: معناه: ستموت، تنبيها أن لا بدّ لأحد من الموت كما قيل:

429- والموت حتم في رقاب العباد(١)

وقيل: بل الميّت هاهنا ليس بإشارة إلى إبانة الرُّوح عن الجسد، بل هو إشارة إلى ما يعتري الإنسان في كلّ حال من التّحلُّل والنَّقص، فإن البشر ما دام في الدّنيا يموت جزءا فجزءا، كما قال الشاعر:

430- يموت جزءا فجزءا(٢)

وقد عَبَّرَ قوم عن هذا المعنى بِالْمَائِتِ، وفصلوا بين الميّت والمائت، فقالوا: المائت هو المتحلّل، قال القاضي عليّ بن عبد العزيز(٣) : ليس في لغتنا مائت على حسب ما قالوه، والْمَيْتُ: مخفَّف عن الميِّت، وإنما يقال: موتٌ مائتٌ، كقولك: شِعْرٌ شَاعِرٌ، وسَيْلٌ سَائِلٌ، ويقال: بَلَدٌ مَيِّتٌ ومَيْتٌ، قال تعالى: ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر : 9] ، ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [الزخرف : 11] وَالمَيْتةُ من الحَيوان: ما زال روحه بغير تذكية، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة : 3] ، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام : 145] والْمَوَتَانُ بإزاء الحيوان، وهي الأرض التي لم تَحْيَ للزَّرع، وأرض مَوات. ووقع في الإبل مَوَتَانٌ كثير، وناقة مُميتةٌ، ومُميتٌ: مات ولدها، وإِمَاتَةُ الخمر: كناية عن طَبْخها، والمُسْتَمِيتُ المتعرِّض للموت، قال الشاعر:

431- فأعطيت الجعالة مستميتا(٤)

والمَوْتَةُ: شِبه الجنون، كأنه من موْتِ العلم والعقل، ومنه: رجل مَوْتَانُ القلب، وامرأة مَوْتانةٌ


(١) هذا عجز بيت، وقبله: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد

منخرق الكفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد

قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد

وهذه الأبيات كان زيد بن علي يتمثل بها، وهي في البيان والتبيين 4/ 58- 59، والشطر في عمدة الحفاظ (موت) ، وهي لمحمد بن عبد الله في زهر الآداب 1/ 39.

(٢) لم أجده.

(٣) القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، كان قاضي القضاة بالري، وهو من الفقهاء الشافعية. وصاحب القصيدة الشهيرة التي يقول فيها: يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

توفي سنة 366 هـ. انظر: أخباره في وفيات الأعيان 3/ 278، وطبقات الشافعية 3/ 459، ومعجم الأدباء 14/ 14.

(٤) هذا شطر بيت لشقيق بن سليك الأسدي، وعجزه: خفيف الحاذ من فتيان جرم

وهو في شرح الحماسة للتبريزي 2/ 142، وقد تقدّم في مادة (جعل) .


شعر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

شعر

الشَّعْرُ معروف، وجمعه أَشْعَارٌ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها﴾ [النحل : 80] ، وشَعَرْتُ: أصبت الشَّعْرَ، ومنه استعير: شَعَرْتُ كذا، أي علمت علما في الدّقّة كإصابة الشَّعر، وسمّي الشَّاعِرُ شاعرا لفطنته ودقّة معرفته، فَالشِّعْرُ في الأصل اسم للعلم الدّقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التّعارف اسما للموزون المقفّى من الكلام، والشَّاعِرُ للمختصّ بصناعته، وقوله تعالى حكاية عن الكفّار: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ [الأنبياء : 5] ، وقوله: ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات : 36] ، ﴿شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [الطور : 30] ، وكثير من المفسّرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفّى، حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كلّ لفظ يشبه الموزون من نحو: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد : 1] . وقال بعض المحصّلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من الكلام أنّه ليس على أساليب الشّعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام(١) من العجم فضلا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإنّ الشعر يعبّر به عن الكذب، والشَّاعِرُ: الكاذب حتى سمّى قوم الأدلة الكاذبة الشّعريّة، ولهذا قال تعالى في وصف عامّة الشّعراء: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ [الشعراء : 224] ، إلى آخر السّورة، ولكون الشِّعْرِ مقرّ الكذب قيل: أحسن الشّعر أكذبه. وقال بعض الحكماء: لم ير متديّن صادق اللهجة مفلقا في شعره. والْمَشَاعِرُ: الحواسّ، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات : 2] ، ونحو ذلك، معناه: لا تدركونه بالحواسّ، ولو في كثير ممّا جاء فيه لا يَشْعُرُونَ

: لا يعقلون، لم يكن يجوز، إذ كان كثير ممّا لا يكون محسوسا قد يكون معقولا.

ومَشَاعِرُ الحَجِّ: معالمه الظاهرة للحواسّ، والواحد مشعر، ويقال: شَعَائِرُ الحجّ، الواحد: شَعِيرَةٌ، قال تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج : 32] ، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة : 198] ، ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة : 2] ، أي: ما يهدى إلى بيت الله، وسمّي بذلك لأنها تُشْعَرُ، أي: تُعَلَّمُ بأن تُدمى بِشَعِيرَةٍ، أي: حديدة يُشعر بها.

والشِّعَارُ: الثّوب الذي يلي الجسد لمماسّته الشَّعَرَ، والشِّعَارُ أيضا ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب، أي: يعلّم. وأَشْعَرَهُ الحبّ، نحو: ألبسه، والْأَشْعَرُ: الطّويل الشعر، وما استدار بالحافر من الشّعر، وداهية شَعْرَاءُ(٢) ، كقولهم: داهية وبراء، والشَّعْرَاءُ: ذباب الكلب لملازمته شعره، والشَّعِيرُ: الحبّ المعروف، والشِّعْرَى: نجم، وتخصيصه في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم : 49] ، لكونها معبودة لقوم منهم.


(١) الغتمة: العجمة في المنطق، من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وتقول: بقيت بين ثلّة أغتام، كأنهم ثلة أغنام. انظر: أساس البلاغة ص 320، وذكر هذا الكلام الراغب في مقدمة تفسيره ص 108.

(٢) انظر: المجمل 2/ 505، والجمهرة 2/ 342، وأساس البلاغة ص 236، والغريب المصنف.


(١) الغتمة: العجمة في المنطق، من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وتقول: بقيت بين ثلّة أغتام، كأنهم ثلة أغنام. انظر: أساس البلاغة ص 320، وذكر هذا الكلام الراغب في مقدمة تفسيره ص 108.

(٢) انظر: المجمل 2/ 505، والجمهرة 2/ 342، وأساس البلاغة ص 236، والغريب المصنف.