(وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ).
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾
إذْ ظَرْفٌ وقَعَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ظَرْفِ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أيْ لَوْ تَراهم في هَذَيْنِ الحالَيْنِ حالَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وهي حالَةٌ فَظِيعَةٌ، وتَشْتَمِلُ عَلى حالِ اتِّخاذٍ لَهم وتَبْرِيءِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وهي حالَةٌ شَنِيعَةٌ وهُما حاصِلانِ في زَمَنٍ واحِدٍ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ ”إذْ“ هُنا ماضِيًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ في المَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّ ”إذْ“ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها ظَرْفًا لِلْماضِي عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ النُّحاةِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ الفِعْلِ الماضِي الَّذِي مَعَها فَتَكُونُ تَرْشِيحًا لِلتَّبَعِيَّةِ، وإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّها تَرِدُ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو الأصَحُّ ونَسَبَهُ في التَّسْهِيلِ إلى بَعْضِ النُّحاةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] عَلى أنْ يَكُونَ إذْ تَحُسُّونَهم هو المَوْعُودَ بِهِ، وقالَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، فَيَكُونُ المَجازُ في فِعْلِ تَبَرَّأ خاصَّةً.
والتَّبَرُّؤُ تَكَلُّفُ البَراءَةِ وهي التَّباعُدُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِ قُرْبِهِ أنْ يَكُونَ مُضِرًّا ولِذَلِكَ يُقالُ: تَبارّا إذا أبْعَدَ كُلٌّ الآخَرَ مِن تَبِعَةٍ مُحَقَّقَةٍ أوْ مُتَوَقَّعَةٍ.
والَّذِينَ اتُّبِعُوا بِالبِناءِ إلى المَجْهُولِ هُمُ الَّذِينَ ضَلَّلُوا المُشْرِكِينَ ونَصَّبُوا لَهُمُ الأنْصابَ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ اتُّبِعُوا أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ إلى مُتابَعَتِهِمْ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ أيْ نُجازِيهِمْ عَلى إخْلافِهِمْ.
ومَعْنى بَراءَتِهِمْ مِنهم تَنَصُّلُهم مِن مَواعِيدِ نَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي وعَدُوهم في الدُّنْيا والشَّفاعَةِ فِيهِمْ، وصَرَفُهم عَنِ الِالتِحاقِ بِهِمْ حِينَ هُرِعُوا إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ورَأوُا العَذابَ حالِيَّةٌ أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رَأوْا أسْبابَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ أُعِدَّ لِمَن أضَلَّ النّاسَ فَجَعَلُوا يَتَباعَدُونَ مِن أتْباعِهِمْ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ المُضَلِّلِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ العَذابِ مَجازًا في إحْساسِ التَّعْذِيبِ كالمَجازِ في قَوْلِهِ تَعالى يَمَسُّهُمُ العَذابُ، فَمَوْقِعُ الحالِ هَنا حَسَنٌ جِدًّا وهي مُغْنِيَةٌ عَنِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقامُ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ مُوجِبِ هَذا التَّبَرُّؤِ فَإنَّهُ غَرِيبٌ فَيُقالُ: رَأوُا العَذابَ، فَلَمّا أُرِيدَ تَصْوِيرُ الحالِ وتَهْوِيلُ الِاسْتِفْظاعِ عُدِلَ عَنِ الِاسْتِئْنافِ إلى الحالِ قَضاءً لِحَقِّ التَّهْوِيلِ واكْتِفاءً بِالحالِ عَنِ الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَوْقِعَهُما مُتَقارِبٌ، ولا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ لِأنَّ مَعْناها حِينَئِذٍ يَصِيرُ إعادَةً لِمَعْنى جُمْلَةِ ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ( فَتَصِيرُ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَها ويَفُوتُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ. وضَمِيرُ رَأوُا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ عائِدٌ إلى فَرِيقَيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا والَّذِينَ اتُّبِعُوا.
وجُمْلَةُ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ أيْ وإذْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى كِلا الفَرِيقَيْنِ.
والتَّقَطُّعُ الِانْقِطاعُ الشَّدِيدُ لِأنَّ أصْلَهُ مُطاوِعُ قَطَّعَهُ بِالتَّشْدِيدِ مُضاعِفُ قَطَعَ بِالتَّخْفِيفِ.
والأسْبابُ جَمْعُ سَبَبٍ وهو الحَبْلُ الَّذِي يُمَدُّ لِيُرْتَقى عَلَيْهِ في النَّخْلَةِ أوِ السَّطْحِ، وقَوْلُهُ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ هَيْئَتَهم عِنْدَ خَيْبَةِ أمَلِهِمْ حِينَ لَمْ يَجِدُوا النَّعِيمَ الَّذِي تَعِبُوا لِأجْلِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ وقَدْ جاءَ إبّانَهُ في ظَنِّهِمْ فَوَجَدُوا عِوَضَهُ العَذابَ، بِحالِ المُرْتَقِي إلى النَّخْلَةِ لِيَجْتَنِيَ الثَّمَرَ الَّذِي كَدَّ لِأجْلِهِ طُولَ السَّنَةِ فَتَقَطَّعَ بِهِ السَّبَبُ عِنْدَ ارْتِقائِهِ فَسَقَطَ هالِكًا، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمَ كُلُّهم حِينَئِذٍ أنْ لا نَجاةَ لَهم فَحالُهم كَحالِ السّاقِطِ مِن عُلْوٍ لا تُرْجى لَهُ سَلامَةٌ، وهي تَمْثِيلِيَّةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّها الهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ تَشْتَمِلُ عَلى سَبْعَةِ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِواحِدٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها وهي: تَشْبِيهُ المُشْرِكِ في عِبادَتِهِ الأصْنامَ واتِّباعِ دِينِها بِالمُرْتَقِي بِجامِعِ السَّعْيِ، وتَشْبِيهُ العِبادَةِ وقَبُولِ الآلِهَةِ مِنهُ بِالحَبْلِ المُوَصِّلِ، وتَشْبِيهُ النَّعِيمِ والثَّوابِ بِالثَّمَرَةِ في أعْلى النَّخْلَةِ لِأنَّها لا يَصِلُ لَها المَرْءُ إلّا بَعْدَ طُولٍ وهو مُدَّةُ العُمُرِ، وتَشْبِيهُ العُمُرِ بِالنَّخْلَةِ في الطُّولِ، وتَشْبِيهُ الحِرْمانِ مِنَ الوُصُولِ لِلنَّعِيمِ بِتَقْطِيعِ الحَبْلِ، وتَشْبِيهُ الخَيْبَةِ بِالبُعْدِ عَنِ الثَّمَرَةِ، وتَشْبِيهُ الوُقُوعِ في العَذابِ بِالسُّقُوطِ المُهْلِكِ. وقَلَّما تَأْتِي في التَّمْثِيلِيَّةِ صُلُوحِيَّةِ أجْزاءِ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ فِيها لِأنْ تَكُونَ تَشْبِيهاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والوارِدُ في ذَلِكَ يَكُونُ في أشْياءَ قَلِيلَةٍ كَقَوْلِ بِشارٍ الَّذِي يُعَدُّ مِثالًا في الحُسْنِ:
كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهُ
فَلَيْسَ في البَيْتِ أكْثَرُ مِن تَشْبِيهاتٍ ثَلاثَةٍ.
فالباءُ في بِهِمْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ أيْ فَسَقَطُوا، وهَذا المَعْنى هو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ لِأنَّ الحَبْلَ لَوْ تَقَطَّعَ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْمُرْتَقِي عَلَيْهِ لَما كانَ في ذَلِكَ ضُرٌّ إذْ يُمْسِكُ بِالنَّخْلَةِ ويَتَطَلَّبُ سَبَبًا آخَرَ يَنْزِلُ فِيهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُهم أوْ نَحْوَهُ، فَمَن قالَ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى عَنْ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوِ التَّعْدِيَةِ فَقَدْ بَعُدَ عَنِ البَلاغَةِ، وبِهَذِهِ الباءِ تَقُومُ مَعْنى التَّمْثِيلِيَّةِ بِالصّاعِدِ إلى النَّخْلَةِ بِحَبْلٍ، وهَذا المَعْنى فائِتٌ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
تَقَطَّعَ أسْبابُ اللُّبانَةِ والهَوى ∗∗∗ عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَماةَ وشَيْزَرا
وقَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أظْهَرُ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ ضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ عائِدانِ إلى مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّ في صِلَةِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا تَنْبِيهًا عَلى إغاظَةِ المَتْبُوعِينَ وإثارَةِ حَسْرَتِهِمْ وذَلِكَ عَذابٌ نَفْسانِيٌّ يُضاعِفُ العَذابَ الجُثْمانِيَّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
و”لَوْ“ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لِحَرْفِ ”لَوْ“ وأصْلُها الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَ شَرْطُها وجَوابُها واسْتُعِيرَتْ لِلتَّمَنِّي بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ الشَّيْءَ العَسِيرَ المَنالِ يَكْثُرُ تَمَنِّيهِ، وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ الشَّرْطِ والجَوابِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْ ثَبَتَتْ لَنا كَرَّةٌ لَتَبَرَّأْنا مِنهم، وانْتَصَبَ ما كانَ جَوابًا عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي وشاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ مِن مَعانِي ”لَوْ“ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ وأصْلُهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ، وهو في الآيَةِ مُرَشَّحٌ بِنَصْبِ الجَوابِ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ إلى مَحَلٍّ كانَ فِيهِ الرّاجِعُ وهي مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ ولِذَلِكَ تُطْلَقُ في القُرْآنِ عَلى الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لِأنَّهُ رُجُوعٌ لِمَكانٍ سابِقٍ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الكَرَّةِ هُنا لِظُهُورِهِ.
والكافُ في كَما تَبَرَّءُوا لِلتَّشْبِيهِ اسْتُعْمِلَتْ في المُجازاةِ لِأنَّ شَأْنَ الجَزاءِ أنْ يُماثِلَ الفِعْلَ المَجازى قالَ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، وهَذِهِ الكافُ قَرِيبَةٌ مِن كافِ التَّعْلِيلِ أوْ هي أصْلُها، وأحْسَنُ ما يَظْهَرُ فِيهِ مَعْنى المُجازاةِ في غَيْرِ القُرْآنِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:
أهُزُّ بِهِ في نَدْوَةِ الحَيَّ عِطْفَهُ ∗∗∗ كَما هَزَّ عِطْفِي بِالهِجانِ الأوارِكِ
ويُمْكِنُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الكافِ وبَيْنَ كافِ التَّعْلِيلِ أنَّ المَذْكُورَ بَعْدَها إنْ كانَ مِن نَوْعِ المُشَبَّهِ كَما في الآيَةِ وبَيْتِ أبِي كَبِيرٍ جُعِلَتْ لِلْمُجازاةِ، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ وما بَعْدَ الكافِ باعِثٌ عَلى المُشَبَّهِ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
والمَعْنى أنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَما عَلِمُوا الحَقِيقَةَ وانْكَشَفَ لَهم سُوءُ صَنِيعِهِمْ فَيَدْعُوهُمُ الرُّؤَساءُ إلى دِينِهِمْ فَلا يُجِيبُونَهم لِيُشْفُوا غَيْظَهم مِن رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ خَذَلُوهم ولِتَحْصُلَ لِلرُّؤَساءِ خَيْبَةٌ وانْكِسارٌ كَما خَيَّبُوهم في الآخِرَةِ.
فَإنْ قُلْتَ: هم إذا رَجَعُوا رَجَعُوا جَمِيعًا عالِمِينَ بِالحَقِّ فَلا يَدْعُوهُمُ الرُّؤَساءُ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ حَتّى يَمْتَنِعُوا مِن إجابَتِهِمْ، قُلْتُ بابُ التَّمَنِّي واسْعٌ، فالأتْباعُ تَمَنَّوْا أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا عالِمِينَ بِالحَقِّ ويَعُودَ المَتْبُوعُونَ في ضَلالِهِمُ السّابِقِ وقَدْ يُقالُ اتَّهَمَ الأتْباعُ مَتْبُوعِيهِمْ بِأنَّهم أضَلُّوهم عَلى بَصِيرَةٍ لِعِلْمِهِمْ غالِبًا والأتْباعُ مَغْرُورُونَ لِجَهْلِهِمْ فَهم إذا رَجَعُوا جَمِيعًا إلى الدُّنْيا رَجَعَ المَتْبُوعُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّضْلِيلِ عَلى عِلْمٍ بِناءً عَلى أنَّ ما رَأوْهُ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَرُعْهم لِأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ مُوقِنِينَ بِالمَصِيرِ إلَيْهِ ورَجَعَ الأتْباعُ عالِمِينَ بِمَكْرِ المَتْبُوعِينَ فَلا يُطِيعُونَهم.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِقِصَّةِ تَبَرِّي المَتْبُوعِينَ مِن أتْباعِهِمْ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ لِلْإراءَةِ المَأْخُوذَةِ مِن يُرِيهِمْ عَلى أُسْلُوبِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُرِيهِمْ عَواقِبَ أعْمالِهِمْ إراءً مِثْلَ هَذا الإراءِ إذْ لا يَكُونُ إراءٌ لِأعْمالِهِمْ أوْقَعَ مِنهُ فَهو تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ يُرامُ أنْ يُرِيَهم أعْمالَهم في كَيْفِيَّةٍ شَنِيعَةٍ فَلَمْ يُوجَدْ أشْنَعُ مِن هَذِهِ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ في نَحْوِ شِعْرِي شِعْرِي، أوْ بِمُرادِفِهِ نَحْوُ والسَّفاهَةُ كاسْمِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ (﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾) حالٌ مِن أعْمالِهِمْ ومَعْنى ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ يُرِيهِمْ ما هو عَواقِبُ أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأعْمالَ لا تُدْرَكُ بِالبَصَرِ لِأنَّها انْقَضَتْ فَلا يُحِسُّونَ بِها.
والحَسْرَةُ حُزْنٌ في نَدامَةٍ وتَلَهُّفٍ وفِعْلُهُ كَفَرِحَ، واشْتِقاقُها مِنَ الحَسْرِ وهو الكَشْفُ لِأنَّ الكَشْفَ عَنِ الواقِعِ هو سَبَبُ النَّدامَةِ عَلى ما فاتَ مِن عَدَمِ الحَيْطَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ لِقَصْدِ التَّذْيِيلِ لِمَضْمُونِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ تَعَيَّنَ أنَّ تَمَنِّيَهُمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا وحُدُوثَ الخَيْبَةِ لَهم مَن صُنْعِ رُؤَسائِهِمْ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا إدْخالُ ألَمِ الحَسَراتِ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَهم باقُونَ في النّارِ عَلى كُلِّ حالٍ.
وعُدِلَ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: (( وما يَخْرُجُونَ) ) . إلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ أنَّهُ مِن صِفاتِهِمْ، ولَيْسَ لِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا نُكْتَةٌ، إلّا أنَّهُ الأصْلُ في التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في مِثْلِ هَذا إذْ لا تَتَأتّى بِسِوى هَذا التَّقْدِيمِ، فَلَيْسَ في التَّقْدِيمِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصٍ لِما عَلِمْتَ ولِأنَّ التَّقْدِيمَ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ المَعانِي، بَلِ الِاخْتِصاصُ مَفْرُوضٌ في تَقْدِيمِهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ خاصَّةً، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ بِأنَّ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ هُنا كَمَوْقِعِهِ في قَوْلِ المُعَذَّلِ البَكْرِيِّ:
هم يَفْرِشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ∗∗∗ وأجْرَدَ سَبّاقٍ يَبُذُّ المَغالِيا
فِي دَلالَتِهِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ لا عَلى الِاخْتِصاصِ اهـ.
وادَّعى صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ قَدْ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] فالوَجْهُ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ المُشْتَقِّ لا يُفِيدُ بِذاتِهِ التَّخْصِيصَ وقَدْ يُسْتَفادُ مِن بَعْضِ مَواقِعِهِ مَعْنى التَّخْصِيصِ بِالقَرائِنِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ما يُفِيدُ التَّخْصِيصَ ولا ما يَدْعُو إلَيْهِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} : منصوبٌ بعد الفاء بِأَنْ مضمرةً في جواب التمني الذي أُشْرِبته «لو» ، ولذلك أُجيبت بجواب «ليت» الذي في قوله: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز «، وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمني فهل هي الامتناعيةُ المفتقرةُ إلى جوابٍ أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ؟ الصحيحُ أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدَّرٌ في الآيةِ تقديرُه: لتبرَّأنا ونحوُ ذلك. وقيل:» لو «في هذه الآيةِ ونظائرها لِما كان سَيَقَعُ لوقوع غيره، وليس فيها معنى التمني، والفعلُ منصوبٌ ب» أَنْ «مضمرةً على تأويلِ عَطْفِ اسم على اسم وهو» كَرَّة «والتقديرُ: لو أنَّ لنا كرةً فتبرُّؤاً فهو من باب قوله:
805 - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... . . . . . .
ويكونُ جواب لو محذوفاً أيضاً كما تقدَّم. وقال أبو البقاء:» فنتبرأ «منصوبٌ بإضمار أنْ تقديرُه: لو أنّ لنا أن نرجِع فنتبرأ» فَحَلَّ «كرة» إلى قولِه «أَنْ نَرْجِعَ» لأنه بمعناه وهو قريبٌ، إلاَّ أنَّ النَّحْويين يُؤَوِّلون الفعلَ المنصوبَ بمصدرٍ ليَعْطِفُوهُ على الاسم قبلَه، ويتركون الاسمَ على حالِه، وذلك لأنه قد يكونُ اسماً صريحاً غير مصدرٍ نحو: «لولا زيدٌ ويخرج لأكرمتُك» فلا يتأتّى تأويله بحرف مصدري وفعلٍ. والقائل بأنّ «لو» التي للتمني لا جوابَ لها استدلَّ بقول الشاعر:
806 - فلو نَبْشُ المقابرِ عن كُلَيْبٍ ... فَتُخْبَر بالذَّنائِبِ أيُّ زُورِ
وهذا لا يَصِحُّ فإنَّ جوابَها في البيتِ بعدَه وهو قولُه:
807 - بيومِ الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عيناً ... وكيف لقاءُ مَنْ تحتَ القبورِ
واستدلَّ هذا القائلُ أيضاً بأنَّ «أنَّ» تُفْتَحُ بعد «لو» كما تُفْتَحُ بعدَ ليت في قولِه:
808 - يا ليتَ أنَّا ضَمَّنا سَفينَهْ ... حتَّى يعودَ البحرُ كَيَّنُونَهْ
وههنا فائدةٌ ينبغي أن يُنتبه لها وهي: أنَّ النحاة قالوا: «كلُّ موضعٍ نُصِبَ فيه المضارعُ بإضمارِ أَنْ بعد الفاء إذا سَقَطَت الفاءُ جُزِم إلا في النفي» ، [و] ينبغي أَنْ يُزادَ هذا الموضعُ أيضاً فيُقال: وإلا في جوابِ التمني ب «لو» ، فإنَّه يُنْصبُ المضارع فيه بإضمار «أَنْ» بعدَ الفاء الواقعةِ جواباً له، ومع ذلك لو سَقَطَت هذه الفاءُ لم يُجْزَمْ. قال الشيخ: «والسببُ في ذلك أنها محمولةٌ على حرف التمني وهو ليت، والجزمُ في جوابِ ليت إنما هو لتضَمُّنِها معنى الشرط أو لدلالتِها على كونِه محذوفاً على اختلافِ القولين فصارت» لو «فرع الفرع، فَضَعُفَ ذلك فيها.
قوله:» كما «الكافُ موضعُها نصبٌ: إمَّا على كونِها نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، أي: تبرُّؤاً مثلَ تبرئتهم، وإمَّا على الحالِ من ضمير المصدر المُعرَّفِ المحذوفِ أي: نتبَّرؤه - أي التبرؤ - مشابهاً لتبرئتهم، كما تقدَّم تقريره غيرَ مرةٍ.
وقال ابنُ عطية: «الكافُ في قوله» كما «في موضعِ نصبٍ على النعت: إمَّا لمصدرٍ أو لحالٍ تقديرُه: متبرئين كما» . قال الشيخ: «وأمّاً قولُه» لحال تقديرُه متبرئين كما «فغيرُ واضحٍ، لأنَّ» ما «مصدريةٌ فصارَتِ الكافُ الداخلةُ عليها من صفاتِ الأفعال، ومتبرئين من صفاتِ الأعيانِ فكيف يُوصف بصفاتِ الأفعالِ» قال: «وأيضاً لا حاجةَ لتقدير هذه الحال؛ لأنها إذ ذاك تكونُ حالاً مؤكدةً، وهي خلافُ الأصلِ، وأيضاً فالمؤكَّد ينافيه الحذفُ لأنَّ التأكيدَ يُقَوِّيه فالحَذْفُ يناقِضُه» .
قوله: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ} في هذه الكافِ قولان، أحدُهما: أنَّ موضعَها نصبٌ: إمَّا نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المصدرِ المعرَّفِ، أي: يُريهم رؤيةً كذلك، أو يَحْشُرهم حشراً كذلك، أو يَجْزيهم جزاءً كذلك، أو يُريهم الإِراءةَ مشبهةً كذلك ونحوُ هذا. والثاني: أن يكونَ موضعُها رفعاً على انه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ كذلك أو حَشْرُهم كذلك قاله أبو البقاء. قال الشيخ: «وهو ضعيفٌ لأنه يقتضي زيادةَ الكافَ وحَذْفَ مبتدأ، وكلاهما على خلاف الأصل» . والإِشارةُ بذلك إلى إرءَتِهم تلك الأهوال، والتقدير: مثلَ إراءتهم الأهوال يُريهم اللهَ أعمالهم حسراتٍ، وقيل: الإِشارة إلى تبرؤ بعضِهم مِنْ بعضٍ.
والرؤيةُ هنا تحتملُ وَجْهَيْن، أحدُهما: أن تكونَ بصريةً، فتتعدَّى لاثنين بنقل الهمزة، أولُهُما الضميرُ والثاني «أعمالَهم» و «حسراتٍ» على هذا حالٌ من «أعمالهم» . والثاني: أن تكون قلبية، فتتعدَّى لثلاثة ثالثُها «حسرات» و «عليهم» يجوزُ فيه وجهان: أن يتعلَّق ب «حسراتٍ» لأنَّ «يَحْسَر» يُعَدَّى بعلى، ويكونَ ثمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: على تفريطهم. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ لأنَّها صفةٌ لحَسَرات، فهي في محل نصبٍ لكونِها صفةً لمنصوبٍ.
والكَرَّةُ: العَوْدَةُ، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرَّاً، قال:
809 - أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي ... أفيها كانَ حَتْفِي أَمْ سِواها
والحسرةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ، وهو تألمُ القلب بانحساره عما يُؤمِّلهُ، واشتقاقُها: إمَّا من قولِهم: بعيرٌ حَسِير، أي: منقطعُ القوةِ أو مِنَ الحَسْرِ وهو الكِشْفُ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كر
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
كر
الْكَرُّ: العطف على الشيء بالذّات أو بالفعل، ويقال للحبل المفتول: كَرٌّ، وهو في الأصل مصدر، وصار اسما، وجمعه: كُرُورٌ.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء : 6] ، ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء : 102] ، ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ [البقرة : 167] ، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر : 58] والْكِرْكِرَةُ: رحى زَوْرِ البعير، ويعبّر بها عن الجماعة المجتمعة، والْكَرْكَرَةُ: تصريف الرّيحِ السّحابَ، وذلك مُكَرَّرٌ من كَرَّ.
عمل
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
عمل
العَمَلُ: كلّ فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخصّ من الفعل(١) ، لأنّ الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعَمَلُ قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العَمَلُ في الحيوانات إلّا في قولهم: البقر العَوَامِلُ، والعَمَلُ يستعمل في الأَعْمَالِ الصالحة والسّيّئة، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ [البقرة : 277] ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ﴾ [النساء : 124] ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء : 123] ، ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم : 11] ، وأشباه ذلك. إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود : 46] ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ(٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ [التوبة : 60] : هم المتولّون على الصّدقة، والعَمَالَةُ: أجرته، وعَامِلُ الرُّمْحِ: ما يلي السّنان، والْيَعْمُلَةُ: مشتقّة من الْعَمَلِ(٣) .
(١) قال أبو هلال العسكري: والفرق بين الفعل والعمل: أنّ العمل إيجاد الأثر في الشيء. يقال: فلان يعمل الطين خزفا، ويعمل الخوص زنبيلا، والأديم سقاء. ولا يقال: يفعل ذلك، لأنّ فعل الشيء عبارة عمّا وجد في حال كان قبلها مقدورا، سواء كان عن سبب أو لا. انظر: الفروق اللغوية ص 109- 110.
(٢) في المطبوعة والمخطوطات: والذين يعملون السيئات لهم عذاب شديد وهذا خطأ والصحيح ما أثبتناه، وهي الآية 10 من سورة فاطر. والظاهر أن الخطأ من المؤلف نفسه لأنه استشهد به في مادة (عمل) . [استدراك]
(٣) اليعملة: الناقة.
حسر
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
حسر
الحسر: كشف الملبس عمّا عليه، يقال: حسرت عن الذراع، والحاسر: من لا درع عليه ولا مغفر، والمِحْسَرَة: المكنسة، وفلان كريم المَحْسَر، كناية عن المختبر، وناقة حَسِير: انحسر عنها اللحم والقوّة، ونوق حَسْرَى، والحاسر: المُعْيَا لانكشاف قواه، ويقال للمعيا حاسر ومحسور، أمّا الحاسر فتصوّرا أنّه قد حسر بنفسه قواه، وأما المحسور فتصوّرا أنّ التعب قد حسره، وقوله عزّ وجل: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك : 4] ، يصحّ أن يكون بمعنى حاسر، وأن يكون بمعنى محسور، قال تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء : 29] . والحَسْرةُ: الغمّ على ما فاته والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غمّ، أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران : 156] ، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الحاقة : 50] ، وقال تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر : 56] ، وقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة : 167] ، وقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ [يس : 30] ، وقوله تعالى: في وصف الملائكة: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء : 19] ، وذلك أبلغ من قولك: (لا يحسرون) .