التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٧٠

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٧٠

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

الأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَإنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ في ذَلِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا لِأمْرِهِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ، وخاصَّةً بِأنْ يَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، والمُسْلِمُونَ مُحاشَوْنَ عَنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ المَعْطُوفَةِ زِيادَةُ تَفْظِيعٍ لِحالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ أثْبَتَ لَهُمُ اتِّباعَهم خُطْواتِ الشَّيْطانِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَمَّنْ يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَشَبَّثُوا بِعَدَمِ مُخالَفَتِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، وأعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ.

بَلْ إضْرابُ إبْطالٍ، أيْ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ: اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ، إضْرابَ إعْراضٍ بِدُونِ حُجَّةٍ إلّا بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم.

وفِي ضَمِيرِ لَهُمُ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] .

والمُرادُ بِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، ما وجَدُوهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الشِّرْكِ كَما قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] والأُمَّةُ: المِلَّةُ وأعْظَمُ ذَلِكَ عِبادَةُ الأصْنامِ.

وقَوْلُهُ أوَلَوْ كانَ ﴿آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ كَلامٌ مِن جانِبٍ آخَرَ لِلرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾، فَإنَّ المُتَكَلِّمَ لَمّا حَكاهُ عَنْهم رَدَّ قَوْلَهم هَذا بِاسْتِفْهامٍ يُقْصَدُ مِنهُ الرَّدُّ ثُمَّ التَّعْجِيبُ، فالهَمْزَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ كِنايَةً وفي التَّعْجِيبِ إيماءً، والمُرادُ بِالإنْكارِ الرَّدُّ والتَّخْطِئَةُ لا الإنْكارُ بِمَعْنى النَّفْيِ.

و”لَوْ“ لِلشَّرْطِ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ تَقْدِيرُهُ: لاتَّبَعُوهم، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو الِارْتِباطُ الَّذِي بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وإنَّما صارَتِ الهَمْزَةُ لِلرَّدِّ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ يُجابُ عَنْهُ بِالإثْباتِ بِقَرائِنِ حالِ المُخْبَرِ عَنْهُ والمُسْتَفْهِمِ.

ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِن بَدِيعِ التَّراكِيبِ العَرَبِيَّةِ وأعْلاها إيجازًا، و”لَوْ“ في مِثْلِهِ تُسَمّى وصَلْيَةً وكَذَلِكَ ”إنَّ“ إذا وقَعَتْ في مَوْقِعِ ”لَوْ“، ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى الواوِ وأداةِ الشَّرْطِ في مِثْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّها لِلْحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّي والمَرْزُوقِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا

ونَحْوٌ مِنهُ بَيْتُ الكِتابِ:

عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبا

وذَلِكَ أنَّ الواوَ وما بَعْدَها مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِعاوِدْ كَما أنَّها وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِما قَبْلَها، وقَرِيبٌ مِن هَذا: أزُورُكَ راغِبًا فِيَّ وأُحْسِنُ إلَيْكَ شاكِرًا إلَيَّ، فَراغِبًا وشاكِرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِما قَبْلَهُما وهُما في مَعْنى الشَّرْطِ وما قَبْلَهُما نائِبٌ عَنِ الجَوابِ المُقَدَّرِ لَهُما ألا تَرى أنَّ مَعْناهُ إنْ رَغِبْتَ فِيَّ زُرْتُكَ وإنْ شَكَرْتَنِي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وسَألْتُ مَرَّةً أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِ:

عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبًا

كَيْفَ مَوْقِعُ الواوِ هُنا ؟ وأوْمَأْتُ في ذَلِكَ لَهُ إلى ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَرَأيْتُهُ كالمُصانِعِ في الجَوابِ لا قُصُورًا بِحَمْدِ اللَّهِ عَنْهُ ولَكِنْ فُتُورًا عَنْ تَكَلُّفِهِ فَأجْمَمْتُهُ، وقالَ المَرْزُوقِيُّ هُنالِكَ: قَوْلُهُ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ جَمالُكَ بِمِئْزَرٍ مُرَدًّى مَعَهُ بُرْدٌ، والحالُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما أنَّ الشَّرْطَ فِيهِ مَعْنى الحالِ، فالأوَّلُ كَقَوْلِكَ: لَأفْعَلَنَّهُ كائِنًا ما كانَ أيْ إنْ كانَ هَذا أوْ إنْ كانَ ذاكَ، والثّانِي كَبَيْتِ الكِتابِ:

عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبًا

لِأنَّ الواوَ مِنهُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما هو في بَيْتِ عَمْرٍو وفِيهِ لَفْظُ الشَّرْطِ ومَعْناهُ وما قَبْلَهُ نائِبٌ عَنِ الجَوابِ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ مَعْمُورُها خَرِبا فَعاوِدْها وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا عَلى مِئْزَرٍ فَلَيْسَ الجَمالُ بِذَلِكَ اهـ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في هَذِهِ الآيَةِ وفي نَظِيرَتِها في سُورَةِ المائِدَةِ الواوُ لِلْحالِ، ثُمَّ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّي والمَرْزُوقِيِّ أنَّ الحالَ في مِثْلِهِ مِنَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ الواوِ وهو الَّذِي نَحّاهُ البَيْضاوِيُّ هُنا ورَجَّحَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ، وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ الحالَ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: أيَتَّبِعُونَهم ولَوْ كانَ آباؤُهم، وعَلى اعْتِبارِ الواوِ واوَ الحالِ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لَيْسَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو شَأْنُها مَعَ واوِ العَطْفِ والفاءِ وثُمَّ بَلِ الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، لِأنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو تِلْكَ الحالَةُ ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ المائِدَةِ: الواوُ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ. وقُدِّرَ هُنا وفي المائِدَةِ مَحْذُوفًا هو مَدْخُولُ الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَقَدَّرَهُ هُنا: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم وقَدَّرَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: أحَسْبُهم ذَلِكَ ؟ وهَذا اخْتِلافٌ في رَأْيِهِ، فَمَن لا يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا يَجْعَلُ الهَمْزَةَ داخِلَةً عَلى جُمْلَةِ الحالِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ قِيلَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ ولا أعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِيهِ وهو وجِيهٌ جِدًّا أيْ قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ولَوْ كانَ آباؤُهم، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ تارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ الحاكِي كَما في الآيَةِ؛ أيْ يَقُولُونَهُ في كُلِّ حالٍ ولَوْ كانَ آباؤُهم إلَخْ فَهو مِن مَجِيءِ المُتَعاطِفَيْنِ مِن كَلامَيْ مُتَكَلِّمَيْنِ عَطْفَ التَّلْقِينِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وتارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَلامِ الأوَّلِ كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ وبَيْتِ الكِتابِ، وتارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ الحاكِي تَلْقِينًا لِلْمَحْكِيِّ عَنْهُ وتَقْدِيرًا لَهُ مِن كَلامِهِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:

قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ

وقِيلَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ ونَسَبَهُ الرَّضِيُّ لِلْجَرْمِيِّ وقَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِشَرْطِيَّةٍ مُخالِفَةٍ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: يَتَّبِعُونَهم إنْ كانُوا يَعْقِلُونَ ويَهْتَدُونَ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يَهْتَدُونَ وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في نَظائِرِهِ مِنَ الشَّواهِدِ وهَذا هو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعَرِّبِينَ عِنْدَنا في نَظائِرِهِ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: مُخْتارُ الرَّضِيِّ أنَّ الواوَ في مِثْلِهِ لِلِاعْتِراضِ إمّا في آخِرِ الكَلامِ كَما هُنا وإمّا في وسَطِهِ، ولَيْسَ الِاعْتِراضُ مَعْنًى مِن مَعانِي الواوِ ولَكِنَّهُ اسْتِعْمالٌ يَرْجِعُ إلى واوِ الحالِ.

فَأمّا الشَّرْطُ المُقْتَرِنُ بِهَذِهِ الواوِ فَلِكَوْنِهِ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أوِ المَعْطُوفِ أوِ الِاعْتِراضِ مِن كَلامٍ سابِقٍ غَيْرِ شَرْطٍ، كانَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فِيهِ ضَعِيفًا لِذَلِكَ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في أنَّهُ باقٍ عَلى مَعْنى الشَّرْطِ أوِ انْسَلَخَ عَنْهُ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ، فَظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّي والمَرْزُوقِيِّ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ باقِيَةٌ ولِذَلِكَ جَعَلا يُقَرِّبانِ مَعْنى الشَّرْطِ مِن مَعْنى الحالِ يُومِئانِ إلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِ الجُمْلَةِ حالِيَّةً وكَوْنِها شَرْطِيَّةً، وإلَيْهِ مالَ البَيْضاوِيُّ هُنا وحُسَّنَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ وهو الحَقُّ، ووَجْهُ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فِيهِ أنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ إذا ذُكِرَ فِيهِ حُكْمٌ وذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ سَبَبٍ لِذَلِكَ الحُكْمِ وكانَ لِذَلِكَ السَّبَبِ أفْرادٌ أوْ أحْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنها ما هو مَظِنَّةٌ لِأنْ تَتَخَلَّفَ السَّبَبِيَّةُ عِنْدَهُ لِوُجُودِ ما يُنافِيها مَعَهُ فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِإنْ أوْ (لَوْ) دَلالَةً عَلى الرَّبْطِ والتَّعْلِيقِ بَيْنَ الحالَةِ المَظْنُونِ فِيها تَخَلُّفُ التَّسَبُّبِ وبَيْنَ الفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، لِأنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ تَدُلُّ عَلى السَّبَبِ وجُمْلَةَ الجَزاءِ تَدُلُّ عَلى المُسَبَّبِ، ويَسْتَغْنُونَ حِينَئِذٍ عَنْ ذِكْرِ الجَزاءِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن أصْلِ الكَلامِ الَّذِي عُقِّبَ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ.

وإنَّما خُصَّ هَذا النَّوْعُ بِحَرْفَيْ ”إنْ ولَوْ“ في كَلامِ العَرَبِ لِدَلالَتِهِما عَلى نُدْرَةِ حُصُولِ الشَّرْطِ أوِ امْتِناعِهِ، إلّا أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ نادِرَ الحُصُولِ جاءُوا مَعَهُ بِإنْ كَبَيْتِ عَمْرٍو، وإذا كانَ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ في نَفْسِ الأمْرِ جاءُوا مَعَهُ بِلَوْ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما أتَوْا بِلَوْ لِشَرْطٍ شَدِيدِ النُّدْرَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ المُمْتَنِعِ، فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ لَوْ مَعَهُ مَجازًا مُرْسَلًا تَبَعِيًّا.

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ ”إنْ ولَوْ“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ خَرَجَتا عَنِ الشُّرْطِيَّةِ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] أنَّ ”لَوْ“ فِيهِ لِلْفَرْضِ؛ إذْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَفْرُوضًا إعْجابَكَ حُسْنُهُنَّ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا: إنَّ الشَّرْطَ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّسْوِيَةِ وهي لا تَقْتَضِي جَوابًا عَلى الصَّحِيحِ لِخُرُوجِها عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ وإنَّما يُقَدِّرُونَ الجَوابَ تَوْضِيحًا لِلْمَعْنى وتَصْوِيرًا لَهُ اهـ. وسَمّى المُتَأخِّرُونَ مِنَ النُّحاةِ ”إنْ ولَوْ“ هاتَيْنِ وصْلِيَّتَيْنِ، وفَسَّرَهُ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ بِأنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وإذْ قَدْ تَحَقَّقْتَ مَعْنى هَذا الشَّرْطِ فَقَدْ حانَ أنْ نُبَيِّنَ لَكَ وجْهَ الحَقِّ في الواوِ المُقارِنَةِ لَهُ المُخْتَلَفِ فِيها ذَلِكَ الِاخْتِلافَ الَّذِي سَمِعْتَهُ، فَإنْ كانَ ما بَعْدَ الواوِ مُعْتَبَرًا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها فَلا شُبْهَةَ في أنَّ الواوَ لِلْحالِ وأنَّهُ المَعْنى المُرادُ وهو الغالِبُ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مِن كَلامٍ آخَرَ فَهي واوُ العَطْفِ لا مَحالَةَ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى مَضْمُونِ الكَلامِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى التَّلْقِينِ، وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أوَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها، فَإنَّ مَجِيءَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ، وكَذَلِكَ بَيْتُ ”

قالَتْ بَناتُ العَمِّ


“ المُتَقَدِّمُ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الأوَّلِ لَكِنَّهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى جَوابِ سُؤالٍ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ، فالواوُ لِلِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الرَّضِيِّ بِالِاعْتِراضِ مِثْلَ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ ∗∗∗ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ


فَإنَّ مَوْقِعَ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ مَوْقِعَ الحالِ بَلْ مَوْقِعُ رَدِّ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: أتَنْفِي عَنْ نَفْسِكَ الذَّنْبَ. وقَدْ كَثُرَ القَوْلُ في إثْباتِهِ.

وقَوْلُهُ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا أيْ لا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِنَ المُدْرَكاتِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في إلْزامِهِمْ بِالخَطَأِ في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ ولا تَأمُّلٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلِمَةِ شَيْءٍ.

ومُتَعَلِّقُ ولا يَهْتَدُونَ مَحْذُوفٌ أيْ إلى شَيْءٍ، وهَذِهِ الحالَةُ مُمْتَنِعَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لِأنَّ لِآبائِهِمْ عُقُولًا تُدْرِكُ الأشْياءَ، وفِيهِمْ بَعْضُ الِاهْتِداءِ مِثْلُ اهْتِدائِهِمْ إلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وإلى بَعْضِ ما عَلَيْهِ أُمُورُهم مِنَ الخَيْرِ كَإغاثَةِ المَلْهُوفِ وقِرى الضَّيْفِ وحِفْظِ العَهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُ ”لَوِ“ الشَّرْطِيَّةِ هُنا. وقَدْ أشْبَعْتُ الكَلامَ عَلى ”لَوْ“ هَذِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُوجَدُ مُفَصَّلًا في كُتُبِ النَّحْوِ، وقَدْ أجْحَفَ فِيهِ صاحِبُ المُغْنِي. ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِأحْكامِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّها ذَمٌّ لِلَّذِينَ أبَوْا أنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ، فَأمّا التَّقْلِيدُ فَهو تَقْلِيدٌ لِلْمُتَّبَعِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قولُه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} : الضميرُ في «لهم» فيه أربعةُ أقوال، أحدُها: أنه يعود على «مَنْ» في قولِهِ: {مَن يَتَّخِذُ} [البقرة: 165] وهذا بعيدٌ. الثاني: أنه يعودُ على العرب الكفَّار لأنَّ هذا حالُهم. الثالث: أنه يعودُ على اليهودِ لأنَّهم أشدُّ الناس اتِّباعاً لأسلافِهِم. الرابعُ: أنه يعودُ على الناسِ في قولِهِ: {يَا أَيُّهَا الناس} [البقرة: 168] ، قاله الطبري، وهو ظاهرٌ، إلاَّ أَنَّ ذلك يكونُ من بابِ الالتفات من الخطابِ إلى الغَيْبَةِ، وحكمتُه أنهم أُبْرِزوا في صورةِ الغائبِ الذي يُتَعَجَّبُ مِنْ فِعْلِهِ، حيث دُعِيَ إلى شريعةِ اللَّهِ والنورِ والهدى فأجابَ باتِّباع شريعةِ أبيه.

قوله: {بَلْ نَتَّبِعُ} بل هنا عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةٍ محذوفةٍ قبلها تقديرُه: لا نتَّبعُ ما أنزل اللَّهُ بل نَتَّبعُ كذا، ولا يجوزُ أنْ تكونَ معطوفةً على قولِهِ: «اتَّبِعُوا» لفسادِهِ. وقال أبو البقاء: «بل» هنا للإِضرابِ عن الأول، أي: لا نَتَّبعُ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وليس بخروجٍ من قصةٍ إلى قصةٍ يعني بذلك أنه إضرابُ إبطالٍ لا إضرابُ انتقالٍ، وعلى هذا فيقالُ: كلُّ إضرابٍ في القرآنِ فالمرادُ به الانتقالُ من قصةٍ إلى قصةٍ إلاَّ في هذه الآية، وإلاَّ في قولهِ: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه بَلْ هُوَ الحق} [السجدة: 3] فإنه محتمل للأمرين فإن اعتبرْتَ قوله: «أم يقولون افتراه» كان إضرابَ انتقالٍ، وإن اعتبرْتَ «افتراه» وحدَه كان إضرابَ إبطالٍ.

قوله: {أَلْفَيْنَا} في «ألفى» هنا قولان، أحدُهما: أنها متعدِّيةٌ إلى مفعولٍ واحدٍ، لأنها بمعنى «وَجَدَ» التي بمعنى أصابَ، فعلى هذا يكونُ «عليه» متعلِّقاً بقولِهِ «أَلْفينَا» . والثاني: أنها متعدِّية إلى اثنين، أولُهما «آباءَنا» والثاني: «عليه» ؛ فَقُدِّمَ على الأولِ. وقال أبو البقاء: «هي محتملةٌ للأمرين، أعني كونَها متعديةً لواحدٍ أو لاثنين» قال أبو البقاء: «ولامُ أَلْفَيْنَا واوٌ لأنَّ الأصلَ فيما جُهِلَ من اللاماتِ أنْ يكونَ واواً» يعني فإنَّه أوسعُ وأكثرُ فالردُّ إليه أَوْلَى.

قوله: {أَوَلَوْ} الهمزةُ للإِنكار، وأمَّا الواو ففيها قولان، أحدُهما: - وإليه ذهب الزمخشري - أنها واوُ الحالِ، والثاني - وإليه ذهب أبو البقاء وابن عطية - أنها للعطفِ. وقد تقدَّم الخلافُ في هذه الهمزةِ الواقعةِ قبل الواوِ والفاءِ وثُمَّ: هل بعدَها جملةٌ مقدرةٌ؟ وهو رأيُ الزمخشري، ولذلك قَدَّرَه هنا: أيتَّبِعُونَهم ولو كانَ آباؤُهُم لا يَعْقِلُون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب، أو النيةُ بها التأخيرُ عن حرفِ العطف؟ وقد جَمَعَ الشيخ بين قولِ الزمخشري وقولِ ابن عطية فقال: «والجمعُ بينهما أنَّ هذه الجملةَ المصحوبةَ ب» لو «في مثلِ هذا السياقِ جملةٌ شريطةٌ، فإذا قال:» اضربْ زيداً ولو أَحْسَنَ إليك «فالمعنى: وإنْ أَحسَنَ إليكَ، وكذلك:» أَعْطوا السائلَ ولو جاءَ على فرسٍ «» رُدُّوا السائلَ ولو بشقَّ تمرةٍ «المعنى فيهما:» وإنْ «، وتجيء» لو «هنا تنبيهاً على أنَّ ما بعدها لم يكن يناسبُ ما قبلها، لكنها جاءت لاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعلُ، ولتدلُّ على أن المرادَ بذلك وجودُ الفعلِ في كل حالٍ، حتى في هذه الحالِ التي لا تناسبُ الفعلَ، ولذلك لا يجوزُ:» اضربْ زيداً ولو أساء إليكَ «ولا:» أَعْطُوا السائل ولو كان محتاجاً «، فإذا تقرَّر هذا فالواوُ في» ولو «في الأمثلةِ التي ذكرناها عاطفةٌ على حالٍ مقدرةٍ، والمعطوف على الحالِ حالٌ، فَصَحَّ أن يقالَ إنها للحالِ من حيثُ عطفُها جملةً حاليةً على حالٍ مقدرةٍ، وصَحَّ أن يقالَ إنها للعطف من حيث ذلك العطفُ، والمعنى - والله أعلمُ - أنها إنكارُ اتِّباعِ آبائِهِم في كلِّ حالٍ حتى في الحالة التي تناسِبُ أنْ يَتَّبِعُوهُمْ فيها وهي تَلَبُّسهم بعدمِ العَقْلِ والهدايةِ، ولذلك لا يجوزُ حذف هذه الواوِ الداخلةِ على» لو «إذا كانت تنبيهاً على أنَّ ما بعدها لم يكن مناسباً ما قبلها، وإنْ كانتِ الجملةُ الحاليةُ فيها ضميرٌ عائدٌ على ذي الحالِ، لأنَّ مجيئَها عاريةً من هذه الواو مؤذنٌ بتقييدِ الجملةِ السابقةِ بهذه الحال.

فهو يُنافي استغراقَ الأحوالِ، حتى هذه الحالُ، فهما معنيانِ مختلفانِ، ولذلك ظهر الفرقُ بين: «أَكْرِمْ زَيْداً لو جَفَاك» وبين «أكْرمْ زيداً ولو جَفَاك» انتهى. وهو كلامٌ حَسَنٌ/ وجوابُ «لو» محذوفٌ تقديرُه: لاتَّبعوهم، وقدَّره أبو البقاء: «أفكانوا يَتَّبِعونهم» وهو تفسيرُ معنىً، لأن «لو» لا تُجاب بهمزةِ الاستفهام.

قوله: {شَيْئاً} فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ به، فَيَعُمُّ جميعَ المعقولاتِ لأنها نكرةٌ في سياقِ النفي، ولا يجوزُ أن يكونَ المرادُ نَفيَ الوحدةِ فيكونَ المعنى: لا يعقلون شيئاً بل أشياءَ. والثاني: أن ينتصبَ على المصدريةِ، أي: لا يَعْقِلُون شيئاً من العقلِ. وقَدَّمَ نفيَ العقلِ على نفيِ الهدايةِ؛ لأنه تصدرُ عنه جميعُ التصرفاتِ.

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
نزل

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

نزل

النُّزُولُ في الأصل هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ.

يقال: نَزَلَ عن دابَّته، ونَزَلَ في مكان كذا: حَطَّ رَحْلَهُ فيه، وأَنْزَلَهُ غيرُهُ. قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون : 29] ونَزَلَ بكذا، وأَنْزَلَهُ بمعنًى، وإِنْزَالُ الله تعالى نِعَمَهُ ونِقَمَهُ على الخَلْق، وإعطاؤُهُم إيّاها، وذلك إمّا بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإمّا بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللّباس، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف : 1] ، ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ [الشورى : 17] ، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ [الحديد : 25] ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ [الزمر : 6] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ [الفرقان : 48] ، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ : 14] ، و﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف : 26] ، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة : 114] ، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [البقرة : 90] ومن إنزال العذاب قوله: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت : 34] . والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُهُ مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقرئ: نزل(١) وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء : 106] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر : 9] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ﴾ [الزخرف : 31] ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء : 198] ، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ [التوبة : 26] ، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة : 26] ، ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد : 20] ، ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد : 20] فإنَّما ذَكَرَ في الأوّلِ «نُزِّلَ» ، وفي الثاني «أُنْزِلَ» تنبيهاً أنّ المنافقين يَقْتَرِحُونَ أن يَنْزِلَ شَيْءٌ فَشَيْءٌ من الحثِّ على القِتَال لِيَتَوَلَّوْهُ، وإذا أُمِرُوا بذلك مَرَّةً واحدةً تَحَاشَوْا منه فلم يفعلوه، فهم يَقْتَرِحُونَ الكثيرَ ولا يَفُونَ منه بالقليل. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان : 3] ، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر : 1] وإنّما خُصَّ لفظُ الإنزالِ دُونَ التَّنزيلِ، لما رُوِيَ: (أنّ القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمّ نَزَلَ نَجْماً فَنَجْماً)(٢) . وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة : 97] فَخَصَّ لفظَ الإنزالِ ليكونَ أعمَّ، فقد تقدَّم أنّ الإنزال أعمُّ من التَّنزيلِ، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر : 21] ، ولم يقل: لو نَزَّلْنَا، تنبيهاً أنَّا لو خَوَّلْنَاهُ مَرَّةً ما خَوَّلْنَاكَ مِرَاراً لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً [الحشر : 21] . وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق : 10-11] فقد قيل: أراد بإنزالِ الذِّكْرِ هاهنا بِعْثَةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وسمَّاه ذكراً كما سُمِّيَ عيسى عليه السلام كلمةً، فعَلَى هذا يكون قوله: «رَسُولًا» بدلا من قوله: «ذِكْراً» ، وقيل: بل أراد إنزالَ ذِكْرِهِ، فيكونُ «رسولًا» مفعولًا لقوله: ذِكْراً. أي: ذِكْراً رَسُولًا. وأمّا التَّنَزُّلُ فهو كالنُّزُولِ به، يقال: نَزَلَ المَلَكُ بكذا، وتَنَزَّلَ، ولا يقال: نَزَلَ الله بكذا ولا تَنَزَّلَ، قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء : 193] وقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ [القدر : 4] ، ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم : 64] ، ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ﴾ [الطلاق : 12] ولا يقال في المفتَرَى والكَذِبِ وما كان من الشَّيطان إلَّا التَّنَزُّلُ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء : 210] ، ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ﴾ الآية [الشعراء : 221-222] .

والنُّزُلُ: ما يُعَدُّ للنَّازل من الزَّاد، قال: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا﴾ [السجدة : 19] وقال: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران : 198] وقال في صفة أهل النار: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ إلى قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ(٣) ، ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة : 93] . وأَنْزَلْتُ فلانا: أَضَفْتُهُ. ويُعَبَّرُ بِالنَّازِلَةِ عن الشِّدَّة، وجَمْعُهَا نَوَازِلُ، والنِّزَالُ في الحرْبِ: المُنَازَلة، ونَزَلَ فلانٌ: إذا أتى مِنًى، قال الشاعر:

436- أَنَازِلَةٌ أَسْمَاءُ أَمْ غَيْرُ نَازِلَةٍ(٤)

والنُّزَالَةُ والنُّزْلُ يُكَنَّى بهما عن ماءِ الرَّجُل إذا خَرَجَ عنه، وطعامٌ نُزُلٌ، وذو نُزُلٍ: له رَيْعٌ، وَحَظٌّ نَزِلٌ: مُجْتَمَعٌ، تشبيهاً بالطَّعامِ النُّزُلِ.


(١) وهي قراءة ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. الإتحاف ص 334.

(٢) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل على رسول الله نجوما بجواب كلام الناس.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال: نزل القرآن جملة على جبريل، وكان جبريل يجيء بعد إلى النبي ﷺ. الدر المنثور 7/ 398.

(٣) الآيات: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة : 52-56] .

(٤) الشطر لعامر بن الطفيل، وعجزه: أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله

وهو في ديوانه ص 104، وشرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 262، والمجمل 3/ 864.

لفى

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

لفى

أَلْفَيْتُ: وجدت. قال الله: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة : 170] ، ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾ [يوسف : 25] .

عقل

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

عقل

العَقْل يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ، ولهذا قال أمير المؤمنين رضي الله عنه:

327- رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع

328- ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع

329- كما لا ينفع الشّمس ... وضوء العين ممنوع(١)

وإلى الأوّل أشار ﷺ بقوله: «ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل»(٢) وإلى الثاني أشار بقوله: «ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى»(٣) وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت : 43] ، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ(٤) إلى قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ(٥) ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعِقَال، وعَقْل الدّواء البطن، وعَقَلَتِ المرأة شعرها، وعَقَلَ لسانه: كفّه، ومنه قيل للحصن: مَعْقِلٌ، وجمعه مَعَاقِل. وباعتبار عقل البعير قيل: عَقَلْتُ المقتول: أعطيت ديته، وقيل: أصله أن تعقل الإبل بفناء وليّ الدّم، وقيل: بل بعقل الدّم أن يسفك، ثم سمّيت الدّية بأيّ شيء كان عَقْلًا، وسمّي الملتزمون له عاقلة، وعَقَلْتُ عنه: نبت عنه في إعطاء الدّية، ودية مَعْقُلَة على قومه: إذا صاروا بدونه، واعْتَقَلَهُ بالشّغزبيّة(٦) : إذا صرعه، واعْتَقَلَ رمحه بين ركابه وساقه، وقيل: العِقَال: صدقة عام، لقول أبي بكر رضي الله عنه (لو منعوني عقالا لقاتلتهم)(٧) ولقولهم: أخذ النّقد ولم يأخذ العِقَالَ(٨) ، وذلك كناية عن الإبل بما يشدّ به، أو بالمصدر، فإنه يقال: عَقَلْتُهُ عَقْلًا وعِقَالًا، كما يقال: كتبت كتابا، ويسمّى المكتوب كتابا، كذلك يسمّى المَعْقُولُ عِقَالًا، والعَقِيلَةُ من النّساء والدّرّ وغيرهما: التي تُعْقَلُ، أي: تحرس وتمنع، كقولهم: علق مضنّة(٩) لما يتعلّق به، والمَعْقِلُ: جبل أو حصن يُعْتَقَلُ به، والعُقَّالُ: داء يعرض في قوائم الخيل، والعَقَلُ: اصطكاك فيها.

(١) الأبيات في ديوانه ص 121، وأدب الدنيا والدين ص 15، وإحياء علوم الدين 1/ 86.

(٢) الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنّ الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي» .

قال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه 1/ 83، وحلية الأولياء 7/ 318، وكشف الخفاء 1/ 236.

(٣) الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله» ا. هـ. قال العراقي: أخرجه ابن المحبّر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء 1/ 83. قلت: داود بن المحبّر كذّاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنّفه موضوعات. مات سنة 206 هـ. انظر: تقريب التهذيب ص 200.

(٤) الآية: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ ... سورة البقرة: آية 171.

(٥) الآية: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ ... سورة البقرة: آية 171.

(٦) الشّغزبيّة: ضرب من العقل.

(٧) وقال أبو بكر هذا لما ارتدّت العرب ومنعت الزكاة. وانظر: فتح الباري 3/ 262.

(٨) انظر: جمهرة اللغة 3/ 129.

(٩) قال ابن منظور: ويقال: هذا الشيء علق مضنّة، أي: يضنّ به، وجمعه أعلاق. انظر: اللسان (علق) .