التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٦٥

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ). سورة البقرة، الآية: ١٦٥

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَضَمَّنَتْ أنَّ قَوْمًا يَعْقِلُونَ اسْتَدَلُّوا بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ فَوَحَّدُوهُ، فَناسَبَ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ شَأْنَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا لِذَلِكَ فاتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ شُرَكاءَ مَعَ قِيامِ تِلْكَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، فَهَؤُلاءُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِ اللَّهِ هُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم آنِفًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١] الآياتِ.

وقَوْلُهُ مِنَ النّاسِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ الإخْبارِ بِهِ وفائِدَةَ تَقْدِيمهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وعَطْفُهُ عَلى ذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ وكَوْنُ الخَبَرِ مِنَ النّاسِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن شَأْنِهِمْ.

و”مَن“ في قَوْلِهِ مَن يَتَّخِذُ ماصَدَقُها فَرِيقٌ لا فَرْدٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ .

والمُرادُ بِالأنْدادِ الأمْثالُ في الأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى النِّدِّ بِكَسْرِ النُّونِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . وقَوْلُهُ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْناهُ مَعَ اللَّهِ لِأنَّ ”دُونَ“ تُؤْذِنُ بِالحَيْلُولَةِ بِمَعْنى وراءَ فَإذا قالُوا اتَّخَذَهُ دُونَ اللَّهِ فالمَعْنى أنَّهُ أفْرَدَهُ وأعْرَضَ عَنِ اللَّهِ، وإذا قالُوا: اتَّخَذَهُ مِن دُونِ اللَّهِ فالمَعْنى أنَّهُ جَعَلَهُ بَعْضَ حائِلٍ عَنِ اللَّهِ أيْ أشْرَكَهُ مَعَ اللَّهِ لِأنَّ الإشْراكَ يَسْتَلْزِمُ الإعْراضَ عَنِ اللَّهِ في أوْقاتِ الشُّغْلِ بِعِبادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ.

وقَوْلُهُ مِن دُونِ اللَّهِ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَتَّخِذُ، وقَوْلُهُ يُحِبُّونَهم بَدَلٌ مَن يَتَّخِذُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ الِاتِّخاذَ يَشْتَمِلُ عَلى المَحَبَّةِ والعِبادَةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِمَن، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ أنْدادًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأنَّ فِيهِ إيهامَ الضَّمائِرِ لِاحْتِمالِ أنْ يُفْهَمَ أنَّ المُحِبَّ هُمُ الأنْدادُ يُحِبُّونَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَن تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ في هَذا الِاتِّخاذِ وهو اتِّخاذُ أنْدادٍ سَوَّوْها بِاللَّهِ تَعالى في مَحَبَّتِها والِاعْتِقادِ فِيها.

والمُرادُ بِالأنْدادِ هُنا وفي مَواقِعِهِ مِنَ القُرْآنِ، الأصْنامُ لا الرُّؤَساءُ كَما قِيلَ، وعادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ جَماعَةِ العُقَلاءِ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ يُحِبُّونَهم لِأنَّ الأصْنامَ لَمّا اعْتَقَدُوا أُلُوهِيَّتَها فَقَدْ صارَتْ جَدِيرَةً بِضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في العَرَبِيَّةِ ولَوْ بِدُونِ هَذا التَّأْوِيلِ، والمَحَبَّةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو مَيْلُ النَّفْسِ إلى الحُسْنِ عِنْدَها بِمُعايَنَةٍ أوْ سَماعٍ أوْ حُصُولِ نَفْعٍ مُحَقَّقٍ أوْ مَوْهُومٍ لِعَدَمِ انْحِصارِ المَحَبَّةِ في مَيْلِ النَّفْسِ إلى المَرْئِيّاتِ خِلافًا لِبَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، فَإنَّ المَيْلَ إلى الخُلُقِ - بِضَمِّ الخاءِ - الحَسَنِ وإلى الفِعْلِ الحَسَنِ والكَمالِ، مَحَبَّةٌ أشَدُّ مِن مَحَبَّةِ مَحاسِنِ الذّاتِ فَتَشْتَرِكُ هَذِهِ المَعانِي في إطْلاقِ اسْمِ المَحَبَّةِ عَلَيْها بِاعْتِبارِ الحاصِلِ في النَّفْسِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبَبِ حُصُولِهِ.

فالتَّحْقِيقُ أنَّ الحُبَّ يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ المَرْءِ وحُصُولِ النَّفْعِ مِنهُ وحُسْنِ السُّمْعَةِ وإنْ لَمْ يَرَهْ فَنَحْنُ نُحِبُّ اللَّهَ لِما نَعْلَمُهُ مِن صِفاتِ كَمالِهِ ولِما يَصِلُنا مِن نِعْمَتِهِ وفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ونُحِبُّ رَسُولَهُ لِما نَعْلَمُ مِن كَمالِهِ ولِما وصَلَ إلَيْنا عَلى يَدَيْهِ ولِما نَعْلَمُ مِن حِرْصِهِ عَلى هَدْيِنا ونَجاتِنا، ونُحِبُّ أجْدادَنا، ونُحِبُّ أسْلافَنا مِن عُلَماءِ الإسْلامِ، ونُحِبُّ الحُكَماءَ والمُصْلِحِينَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ولِلَّهِ دَرُّ أبِي مَدْيَنَ في هَذا المَعْنى:

وكَمْ مِن مُحِبٍّ قَدْ أحَبَّ وما رَأى وعِشْقُ الفَتى بِالسَّمْعِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى

وبِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ تَكُونُ الكَراهِيَةُ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ تَعَلُّقَ المَحَبَّةِ بِاللَّهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في الطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ طاعَةَ المُحِبِّ لِلْمَحْبُوبِ لازِمٌ عُرْفِيٌّ لَها قالَ الجَعْدِيُّ:

لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

أوْ مَجازٌ بِالحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُحِبُّونَ ثَوابَ اللَّهِ أوْ نِعْمَتَهُ لِأنَّ المَحَبَّةَ لا تَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ، إمّا لِأنَّها مِن أنْواعِ الإرادَةِ والإرادَةُ لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالجائِزاتِ وهو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ، وإمّا لِأنَّها طَلَبُ المُلائِمِ.

واللَّذَّةُ لا تَحْصُلُ بِغَيْرِ المَحْسُوساتِ وكِلا الدَّلِيلَيْنِ ظاهِرُ الوَهَنِ كَما بَيَّنَهُ الفَخْرُ، وعَلى هَذا التَّفْضِيلِ بَيْنَ إطْلاقِ المَحَبَّةِ هُنا يَكُونُ التَّشْبِيهُ راجِعًا إلى التَّسْوِيَةِ في القُوَّةِ ومِنهم مَن جَعَلَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى مَجازًا وجَعَلَها في قَوْلِهِ يُحِبُّونَهم أيْضًا مَجازًا وعَلى ذَلِكَ دُرِجَ في الكَشّافِ وكانَ وجْهُهُ أنَّ الأصْلَ في تَشْبِيهِ اسْمٍ بِمِثْلِهِ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهَ فَرْدٍ مِنَ الحَقِيقَةِ بِآخَرَ مِنها. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ.

وقَوْلُهُ كَحُبِّ اللَّهِ مُفِيدٌ لِمُساواةِ الحُبَّيْنِ، لِأنَّ أصْلَ التَّشْبِيهِ المُساواةُ وإضافَةُ حُبٍّ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإضافَةِ إلى المَفْعُولِ فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ إلى المَجْهُولِ.

فالفاعِلُ المَحْذُوفُ حُذِفَ هُنا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ كَيْفَما قَدَّرْتَ حُبَّ مُحِبٍّ لِلَّهِ فَحُبُّ هَؤُلاءِ أنْدادَهم مُساوٍ لِذَلِكَ الحُبِّ، ووَجْهُ هَذا التَّعْمِيمِ أنَّ أحْوالَ المُشْرِكِينَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ الأنْدادَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الجِنَّ أوِ الكَواكِبِ ويَعْتَرِفُ بِوُجُودِ اللَّهِ ويُسَوِّي بَيْنَ الأنْدادِ وبَيْنَهُ، ويُسَمِّيهِمْ شُرَكاءَ أوْ أبْناءَ لِلَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن يَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى الإلَهِيَّةَ الكُبْرى ويَجْعَلُ الأنْدادَ شُفَعاءَ إلَيْهِ، ومِنهم مَن يَقْتَصِرُ عَلى عِبادَةِ الأنْدادِ ويَنْسى اللَّهَ تَعالى. قالَ تَعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ومِن هَؤُلاءِ صابِئَةُ العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا الكَواكِبَ، ولِلَّهِ تَعالى مُحِبُّونَ مِن غَيْرِ هَؤُلاءِ ومِن بَعْضِ هَؤُلاءِ، فَمَحَبَّةُ هَؤُلاءِ أنْدادَهم مُساوِيَةٌ لِمَحَبَّةِ مُحِبِّي اللَّهِ إيّاهُ أيْ مُساوِيَةٌ في التَّفْكِيرِ في نُفُوسِ المُحِبِّينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَيَصِحُّ أنْ تُقَدِّرَ يُحِبُّونَهم كَما يَجِبُ أنْ يُحَبَّ اللَّهُ أوْ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ إيّاهُ أوْ يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، وقَدْ سَلَكَ كُلَّ صُورَةٍ مِن هَذِهِ التَّقادِيرِ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ المُقَدَّرَ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ وهو ما قَدَّرْناهُ في أوَّلِ الكَلامِ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ إنْكارُ مَحَبَّتِهِمُ الأنْدادَ مِن أصْلِها لا إنْكارَ تَسْوِيَتِها بِحُبِّ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قُيِّدَتْ بِمُماثَلَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِتَشْوِيهِها ولِلنِّداءِ عَلى انْحِطاطِ عُقُولِ أصْحابِها، وفِيهِ إيقاظٌ لِعُيُونِ مُعْظَمِ المُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ الأصْنامَ شُفَعاءُ لَهم كَما كَثُرَتْ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في القُرْآنِ، فَنُبِّهُوا إلى أنَّهم سَوَّوْا بَيْنَ مَحَبَّةِ التّابِعِ ومَحَبَّةِ المَتْبُوعِ، ومَحَبَّةِ المَخْلُوقِ ومَحَبَّةِ الخالِقِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ فَإذا ذَهَبُوا يَبْحَثُونَ عَمّا تَسْتَحِقُّهُ الأصْنامُ مِنَ المَحَبَّةِ وتَطَلَّبُوا أسْبابَ المَحَبَّةِ وجَدُوها مَفْقُودَةً كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] مَعَ ما في هَذا الحالِ مِن زِيادَةِ مُوجِبِ الإنْكارِ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أيْ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن مَحَبَّةِ أصْحابِ الأنْدادِ أنْدادَهم، عَلى ما بَلَغُوا مِنَ التَّصَلُّبِ فِيها، ومِن مَحَبَّةِ بَعْضِهِمْ لِلَّهِ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِاللَّهِ مَعَ الأنْدادِ، لِأنَّ مَحَبَّةَ جَمِيعِ هَؤُلاءِ المُحِبِّينَ وإنْ بَلَغُوا ما بَلَغُوا مِنَ التَّصَلُّبِ في مَحْبُوبِيهِمْ لَمّا كانَتْ مَحَبَّةً مُجَرَّدَةً عَنِ الحُجَّةِ لا تَبْلُغُ مَبْلَغَ أصْحابِ الِاعْتِقادِ الصَّمِيمِ المَعْضُودِ بِالبُرْهانِ، ولِأنَّ إيمانَهم بِهِمْ لِأغْراضٍ عاجِلَةٍ كَقَضاءِ الحاجاتِ ودَفْعِ المُلِمّاتِ، بِخِلافِ حُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فَإنَّهُ حُبٌّ لِذاتِهِ وكَوْنِهِ أهْلًا لِلْحُبِّ، ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أغْراضٌ أعْظَمُها الأغْراضُ الآجِلَةُ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.

والمَقْصُودُ تَنْقِيصُ المُشْرِكِينَ حَتّى في إيمانِهِمْ بِآلِهَتِهِمْ فَكَثِيرًا ما كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْها إذا لَمْ يَجِدُوا مِنها ما أمَّلُوهُ.

فَمَوْرِدُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المَحَبَّتَيْنِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها التَّشْبِيهُ مُخالِفٌ لِمَوْرِدِ التَّفْضِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا، لِأنَّ التَّسْوِيَةَ ناظِرَةٌ إلى فَرْطِ المَحَبَّةِ وقْتَ خُطُورِها، والتَّفْضِيلُ ناظِرٌ إلى رُسُوخِ المَحَبَّةِ وعَدَمِ نُزُولِها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الكَشّافِ ومُصَرَّحٌ بِهِ في كَلامِ البَيْضاوِيِّ مَعَ زِيادَةِ تَحْرِيرِهِ، وهَذا يُغْنِيكَ عَنِ احْتِمالاتٍ وتَمَحُّلاتٍ عَرَضَتْ هُنا لِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ وبَعْضِ شُرّاحِ الكَشّافِ.

ورُوِيَ أنَّ امْرَأ القَيْسِ لَمّا أرادَ قِتالَ بَنِي أسَدٍ حِينَ قَتَلُوا أباهُ حُجْرًا مَلِكَهم مَرَّ عَلى ذِي الخُلَصَةِ الصَّنَمِ الَّذِي كانَ بِتَبالَةَ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنِ فاسْتَقْسَمَ بِالأزْلامِ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ الصَّنَمِ فَخَرَجَ لَهُ القَدَحُ النّاهِي ثَلاثَ مَرّاتٍ فَكَسَرَ تِلْكَ القِداحَ ورَمى بِها وجْهَ الصَّنَمِ وشَتَمَهُ وأنْشَدَ:

لَوْ كُنْتَ يا ذا الخُلَصِ المُوتُورا

مِثْلِي وكانَ شَيْخُكَ المَقْبُورا ∗∗∗ لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ العُداةِ زُورا

ثُمَّ قَصَدَ بَنِي أسَدٍ فَظَفِرَ بِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي مَلْكانَ جاءَ إلى سَعْدٍ الصَّنَمِ بِساحِلِ جُدَّةَ وكانَ مَعَهُ إبِلٌ فَنَفَرَتْ إبِلُهُ لَمّا رَأتِ الصَّنَمَ فَغَضِبَ المَلْكانِيُّ عَلى الصَّنَمِ ورَماهُ بِحَجَرٍ وقالَ:

أتَيْنا إلى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنا ∗∗∗ فَشَتَّتَنا سَعْدٌ فَما نَحْنُ مِن سَعْدِ

وهَلْ سَعِدٌ إلّا صَخْرَةٌ بِتَنَوْفَةٍ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ لا تَدْعُو لِغَيٍّ ولا رُشْدِ

وإنَّما جِيءَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ بِواسِطَةِ كَلِمَةِ أشَدُّ قالَ التَّفْتَزانِيُّ: آثَرَ أشَدُّ حُبًّا عَلى ”أحَبُّ“ لِأنَّ أحَبَّ شاعَ في تَفْضِيلِ المَحْبُوبِ عَلى مَحْبُوبٍ آخَرَ تَقُولُ: هو أحَبُّ إلَيَّ، وفي القُرْآنِ ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] إلَخْ.

يَعْنِي أنَّ فِعْلَ أحَبَّ هو الشّائِعُ وفِعْلَ حُبَّ قَلِيلٌ، فَلِذَلِكَ خَصُّوا في الِاسْتِعْمالِ كُلًّا بِمَواقِعَ نَفْيًا لِلَّبْسِ فَقالُوا: أحَبَّ وهو مُحِبٌّ وأشَدُّ حُبًّا، وقالُوا: حَبِيبٌ مِن حَبَّ وأحَبُّ إلَيَّ مِن حَبَّ أيْضًا.

* * *

﴿ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَمّا كانَ شَرْحًا لِحالِ ضَلالِهِمُ الفَظِيعِ في الدُّنْيا مِنَ اتِّخاذِ الأنْدادِ لِلَّهِ مَعَ ظُهُورِ أدِلَّةِ وحْدانِيَّتِهِ، حَتّى كانَ قَوْلُهُ ومِنَ النّاسِ مُؤْذِنًا بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَما قَدَّمْنا، وزِيدَ في شَناعَتِهِ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأحَبُّوها كَحُبِّهِ، ناسَبَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ، أيْ ذَكَرَ عاقِبَتَهم مِن هَذا الصَّنِيعِ ووَصَفَ فَظاعَةَ حالِهِمْ في الآخِرَةِ كَما فَظَّعَ حالَهم في الدُّنْيا.

قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ) ولَوْ تَرى ( بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخِطابَ، وذَلِكَ لِتَناهِي حالِهِمْ في الفَظاعَةِ والسُّوءِ، حَتّى لَوْ حَضَرَها النّاسُ لَظَهَرَتْ لِجَمِيعِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فالَّذِينَ ظَلَمُوا مَفْعُولُ تَرى عَلى المَعْنَيَيْنِ، وإذْ ظَرْفُ زَمانٍ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ في الأوَّلِ والثّانِي لِتَعَلُّقِها في المَوْضِعَيْنِ بِالمَرْئِيّاتِ، ولِأنَّ ذَلِكَ مَوْرِدُ المَعْنى، إلّا أنَّ وقْتَ الرُّؤْيَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، إذِ المَعْنى: لَوْ تَراهُمُ الآنَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ حالَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ، فَيَكُونُ الَّذِينَ ظَلَمُوا فاعِلَ يَرى والمَعْنى أيْضًا لَوْ يَرَوْنَ الآنَ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَرى لِدَلالَةِ المُقامِ، وتَقْدِيرُهُ: لَوْ يَرَوْنَ عَذابَهم أوْ لَوْ يَرَوْنَ أنْفُسَهم أوْ يَكُونُ إذِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ؛ أيْ لَوْ يَنْظُرُونَ الآنَ ذَلِكَ الوَقْتَ فَيَكُونُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا

والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مُقامِ الإضْمارِ لِيَكُونَ شامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ، وجَعَلَ اتِّخاذَهُمُ الأنْدادَ ظُلْمًا لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى عِدَّةِ حُقُوقٍ. فَقَدِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ، واعْتَدَوْا عَلى مَن جَعَلُوهم أنْدادًا لِلَّهِ عَلى العُقَلاءِ مِنهم مِثْلِ المَلائِكَةِوَعِيسى، ومِثْلِ ودٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم كانُوا رِجالًا صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا ماتُوا اتَّخَذَ قَوْمُهم لَهم تَماثِيلَ ثُمَّ عَبَدُوها، ومِثْلِ اللّاتِ يَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ رَجُلٌ كانَ يَلِتُّ السَّوِيقَ لِلْحَجِيجِ وأنَّ أصْلَهُ اللّاتُّ بِتَشْدِيدِ التّاءِ، فَبِذَلِكَ ظَلَمُوهم إذْ كانُوا سَبَبًا لِهَوْلٍ يَحْصُلُ لَهم مِنَ السُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ وقالَ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] الآيَةَ، وقالَ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ، وظَلَمُوا أنْفُسَهم في ذَلِكَ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْرِيَةِ في الدُّنْيا ولِلْعَذابِ في الآخِرَةِ وظَلَمُوا أعْقابَهم وقَوْمَهُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم في هَذا الضَّلالِ فَتَمْضِي عَلَيْهِ العُصُورُ والأجْيالُ، ولِذَلِكَ حَذَفَ مَفْعُولَ ظَلَمُوا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ظَلَمُوا بِمَعْنى أشْرَكُوا كَما هو الشّائِعُ في القُرْآنِ قالَ تَعالى عَنْ لُقْمانَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وعَلَيْهِ فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ صارَ كاللَّقَبِ.

وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والغَرَضُ مِنها التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّ حُبَّهم لِلَّهِ صارَ أشَدَّ مِن حُبِّهِمُ الأنْدادَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وهَذا كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: «لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسَيِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ» .

وتَرْكِيبُ ”ولَوْ تَرى“ وما أشْبَهَهُ نَحْوُ ”لَوْ رَأيْتَ“ مِنَ التَّراكِيبِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ فَبُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ، وقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُها في القُرْآنِ.

وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ في تَصْوِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ، ونَظِيرُهُ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿ولَوْ أنَّ قُرْءانًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ المَرْزُوقِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الشَّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:

وقَدْ ساءَنِي ما جَرَّتِ الحَرْبُ بَيْنَنا بَنِي عَمِّنا لَوْ كانَ أمْرًا مُدانِيا

: حَذْفُ الجَوابِ في مِثْلِ هاتِهِ المَواضِعِ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى المُرادِ بِدَلِيلِ أنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ ثُمَّ سَكَتَ تَزاحَمَ عَلى العَبْدِ مِنَ الظُّنُونِ المُعْتَرِضَةِ لِلتَّوَعُّدِ ما لا يَتَزاحَمُ لَوْ نَصَّ عَلى ضَرْبٍ مِنَ العَذابِ، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا.

وقَوْلُهُ أنَّ القُوَّةَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ”العَذابِ“ أوْ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّ ذَلِكَ العَذابَ مِن أحْوالِهِمْ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ لِطُولِ البَدَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا والتَّعْلِيلُ بِمَضْمُونِ الجَوابِ المُقَدَّرِ أيْ لَرَأيْتَ ما هو هائِلٌ لِأنَّهُ عَذابُ اللَّهِ ولِلَّهِ القُوَّةُ جَمِيعًا.

وجَمِيعًا اسْتُعْمِلَ في الكَثْرَةِ فَقُوَّةُ غَيْرِهِ كالعَدَمِ، وهَذا كاسْتِعْمالِ ألْفاظِ الكَثْرَةِ في مَعْنى القُوَّةِ وألْفاظِ القِلَّةِ في مَعْنى الوَهَنِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:

قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُلِمِّ يُصِيبُهُ ∗∗∗ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ

أرادَ شَدِيدَ الغَرامِ.

وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ) إنَّ القُوَّةَ ( عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ماذا أرى وما هَذا التَّهْوِيلُ ؟ فَقِيلَ: إنَّ القُوَّةَ ولا يَصِحُّ كَوْنُها حِينَئِذٍ لِلتَّعْلِيلِ الَّتِي تُغْنِي غَناءَ الفاءِ كَما هي في قَوْلِ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في مَواقِعِ احْتِياجِ ما قَبْلَها لِلتَّعْلِيلِ حَتّى تَكُونَ صَرِيحَةً فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”إذْ يُرَوْنَ العَذابَ“ بِضَمِّ الياءِ أيْ إذْ يُرِيهِمُ اللَّهُ العَذابَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى التَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ القُوَّةَ أيْ جَمِيعَ جِنْسِ القُوَّةِ ثابِتٌ لِلَّهِ، وهو مُبالَغَةٌ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِقُوَّةِ غَيْرِهِ فَمَفادُ جَمِيعٍ هُنا مَفادُ لامِ الِاسْتِغْراقِ في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ.

وقَدْ جاءَ لَوْ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ بِشَرْطِ مُضارِعٍ ووَقَعَ في كَلامِ الجُمْهُورِ مِنَ النُّحاةِ أنَّ ”لَوْ“ لِلشَّرْطِ في الماضِي وأنَّ المُضارِعَ إذا وقَعَ شَرْطًا لَها يُصْرَفُ إلى مَعْنى الماضِي إذا أُرِيدَ اسْتِحْضارُ حالَةٍ ماضِيَةٍ، وأمّا إذا كانَ المُضارِعُ بَعْدَها مُتَعَيِّنًا لِلْمُسْتَقْبَلِ فَأوَّلَهُ الجُمْهُورُ بِالماضِي في جَمِيعِ مَواقِعِهِ وتَكَلَّفُوا في كَثِيرٍ مِنها كَما وقَعَ لِصاحِبِ المِفْتاحِ، وذَهَبَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ ”لَوْ“ حَرْفٌ بِمَعْنى إنَّ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ لا لِلِامْتِناعِ، وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ والخُلاصَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ وهو يُرِيدُ القِلَّةَ النِّسْبِيَّةَ لِوُقُوعِ الماضِي وإلّا فَهو وارِدٌ في القُرْآنِ وفَصِيحِ العَرَبِيَّةِ.

والتَّحْقِيقُ أنَّ الِامْتِناعَ الَّذِي تُفِيدُهُ لَوْ مُتَفاوِتُ المَعْنى ومَرْجِعُهُ إلى أنَّ شَرْطَها وجَوابَها مَفْرُوضانِ فَرْضًا وغَيْرُ مَقْصُودٍ حُصُولُ الشَّرْطِ، فَقَدْ يَكُونُ مُمْكِنَ الحُصُولِ وقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا، ولِذَلِكَ كانَ الأوْلى أنْ يُعَبِّرَ بِالِانْتِفاءِ دُونَ الِامْتِناعِ لِأنَّ الِامْتِناعَ يُوهِمُ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ الحُصُولِ فَأمّا الِانْتِفاءُ فَأعَمُّ، وأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ بَعْدَها ماضِيًا أوْ مُضارِعًا لَيْسَ لِمُراعاةِ مِقْدارِ الِامْتِناعِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِمَقاصِدَ أُخْرى مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِ مَفادِ الفِعْلَيْنِ في مَواقِعِها في الشُّرُوطِ وغَيْرِها، إذْ كَثِيرًا ما يُرادُ تَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِلَوْ في المُسْتَقْبَلِ نَحْوُ قَوْلِ تَوْبَةَ:

ولَوْ تَلْتَقِي أصْداؤُنا بَعْدَ مَوْتِنا ∗∗∗ ومِن بَيْنِ رَمْسَيْنا مِنَ الأرْضِ سَبْسَبُ

لَظَلَّ صَدى صَوْتِي وإنْ كُنْتُ رِمَّةً ∗∗∗ لِصَوْتِ صَدى لَيْلى يَهَشُّ ويَطْرَبُ

فَإنَّهُ صَرِيحٌ في المُسْتَقْبَلِ ومِثْلُهُ هَذِهِ الآيَةُ.


الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قوله تعالى: {مَن يَتَّخِذُ} : «مَنْ» في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ وخبرُه الجارُّ قبلَه، ويجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أن تكون موصولةً. الثاني: أن تكونَ موصوفةً، فعلى الأولِ لا محلَّ للجملةِ بعدها، وعلى الثاني محلُّها الرفعُ، أي: فريقٌ أو شخصٌ متَّخِذٌ؛ وأَفْرَدَ الضميرَ في «يتَّخذ» حَمْلاً على لفظِ «مَنْ» .

قوله: {مِن دُونِ الله} متعلِّقٌ بيتَّخذ. والمرادُ بدون هنا: غَيْر، وأصلُها أن تكونَ ظرفَ مكانٍ نادرةَ التصرُّف؛ وإنما أَفْهَمَتْ معنى «غير» مجازاً؛ وذلك أنك إذا قلت: «اتخذتُ من دونِك صديقاً» أصلُه: اتَّخَذْتُ من جهةٍ ومكانٍ دونَ جهتِك ومكانِك صديقاً، فهو ظرفٌ مجازيٌّ. وإذا كان المكانُ المتَّخَذُ منه الصديقُ مكانَك وجهتُك منحطةً عنه ودونه لزم أن يكونَ غيراً لأنه ليس إياه، ثم حُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه مع كونه غيراً فصارت دلالته على الغيريَّة بهذا الطريق لا بطريقِ الوَضْع لغةً، وقد تقدَّم تقريرُ شيءٍ من هذا أول السورةِ. و «يتَّخِذُ» يَفْتَعِلُ من الأخْذِ، وهي متعدِّيَةٌ إلى واحد وهو: أَنْداداً «. وقد تقدَّم الكلامُ على» أنداداً أيضاً واشتقاقه.

قوله: {يُحِبُّونَهُمْ} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «مَنْ» في أحدِ وجهَيْها، والضميرُ المرفوعُ يعودُ عليها باعتبارِ المعنى بعد اعتبارِ اللفظِ في «يتَّخِذُ» . والثاني: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ صفةً لأنداداً، والضميرُ المنصوبُ يعودُ عليهم، والمرادُ بهم الأصنامُ، وإنما جمعَ العقلاءَ لمعاملتهم لهم معاملةَ العقلاءِ، أو يكونُ المرادُ بهم مَنْ عُبِد من دونِ الله عقلاءَ وغيرهم، ثم غَلَّبَ العقلاءَ على غيرِهم. الثالث: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في «يَتَّخِذ» ، والضميرُ المرفوعُ عائدٌ على ما عاد عليه الضميرُ في «يتَّخِذُ» ، وجُمِعَ حَمْلاً على المعنى كما تقدَّم.

قوله: {كَحُبِّ الله} الكافُ في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: يُحِبُّونهم حباً كحُبِّ اللَّهِ، وإمَّا على الحالِ من المصدرِ المعرَّفِ كما تقدَّمَ تقريرُه غيرَ مرةٍ. والحُبُّ: إرادةُ ما تراه وتظنه خيراً، وأصلهُ من حَبَبْتُ فلاناً: أصبْتُ حبة قلبِه نحو: كَبِدْتُه. وأَحْبَبْتُه: جَعَلْتُ قلبي مُعَرَّضاً بأن يحبَّه، لكن أكثر الاستعمالِ أن يُقال: أَحْبَبْتُه فهو محبوب، ومُحَبّ قليلٌ كقوله:

799 - ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غيرَه ... مني بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ

والحُبُّ في الأصلِ مصدرُ حَبَّه، وكان قياسُه فتحَ الحاءِ، ومضارِعُه يَحُبُّ بالضم وهو قياسُ فِعْل المضعَّف وشَذَّ كسرُه، ومحبوب أكثر من مُحَبّ، ومُحِبّ أكثر من حابّ، وقد جُمِع الحبُّ لاختلافِ أنواعِه، وقال:

800 - ثلاثَةُ أحبابٍ فَحُبُّ علاقةٍ ... وحُبُّ تِمِلاَّقٍ وحُبُّ هو القتلُ

والحُبُّ مصدرٌ مضافٌ لمنصوبه والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كحبِّهم الله أو كحبِّ المؤمنين الله، بمعنى أنهم سَوَّوا بين الحُبَّين: حبِّ الأندادِ وحُبِّ اللهِ.

وقال ابن عطية: «حُبّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللفظ، وهو في التقدير مضافٌ للفاعلِ المضمرِ تقديرُه: كحبِّكم اللَّهَ أو كَحبِّهم اللَّهَ حَسْبَ ما قَدَّر كلَّ وجهٍ منها فرقةٌ «. انتهى، وقوله» للفاعل المضمر «يريد أنَّ ذلك الفاعلَ مِنْ جنسِ الضمائر وهو:» كُمْ «أو» هِمْ «، أو يكونُ يُسَمِّى الحَذْف أضماراً وهو اصطلاحٌ شائعٌ، ولا يريد أن الفاعلَ مضمرٌ في المصدرِ كما يُضْمَرُ في الأفعالِ لأنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ لبعضِهم، مردودٌ بأنَّ المصدرَ اسمُ جنسٍ؛ واسمُ الجنسِ لا يُضْمَرُ فيه لجمودِه.

وقال الزمخشري:» كحُبِّ اللهِ: كتعظيمِ اللهِ، والخُضوعُ له، أي: كما يُحَبُّ اللهُ، على أنَّه مصدرٌ مبنيٌّ من المفعولِ، وإنما استُغْنِيَ عن ذِكْرِ مَنْ يُحِبُّه لأنه غيرُ ملتبسٍ «. انتهى. أمّا جَعْلُه المصدرَ من المبني للمفعول فهو أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ: أعني الجوازَ مطلقاً. والثاني: المنعُ مطلقاً وهو الصحيحُ. والثالث: التفصيلُ بين الأفعالِ التي لم تُسْتَعْمَلْ إلا مبنيةً للمفعولِ فيجوزُ نحو: عَجِبْتُ من جنونِ زيدٍ بالعلمِ، ومنه الآيةُ الكريمةُ فإنَّ الغالِبَ في» حُبّ «أن يُبْنى للمفعولِ، وبَيْنَ غيرها فلا يجوزُ، واستدلَّ مَنْ أجازه مطلقاً بقول عائشة:» نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قَتْلِ الأبتر وذو الطُّفْيَتَيْن «برفعِ» ذو «عطفاً على محلّ» الأبتر «لأنه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه تقديراً أي: أن يُقْتَلَ الأبترُ. ولتقريرِ هذه الأقوالِ موضعٌ غيرُ هذا.

وقد رَدَّ الزجاجُ تقديرَ مَنْ قَدَّر فاعل المصدرِ المؤمنين أو ضميرَهم، وقال:» ليس بشيء «، والدليلُ على نقضه قولُه بعدُ: {والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} ، ورجَّحَ أن يكونَ فاعلُ المصدرِ ضميرَ المتَّخِذين، أي: يُحِبُّون الاصنامَ كما يُحِبُّون الله، لأنهم أَشْرَكوها مع الله تعالى فَسَوَّوا بين الله وبين أوثانِهم في المحبَّةِ» . وهذا الذي قاله الزجّاجُ من الدليلِ واضحٌ؛ لأنَّ التسوية بين مَحَبَّةِ الكفار لأوثانهم وبين محبةِ المؤمنين لله ينافي قوله: {والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} فإنَّ فيه نفيَ المساواةِ.

وقرأ أبو رجاء: «يَحُبُّونهم» من «حَبَّ» ثلاثياً، و «أَحَبَّ» أكثرُ، وفي المثل: «مَنْ حَبَّ طَبَّ» .

قولُه: {أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} المفضلُ عليه محذوفٌ، وهم المتخذون الأنداد، أي: أشدُّ حباً لله من المتخذين الأنداد لأوثانِهم، وقال أبو البقاء: «ما يتعلَّقُ به» أشدّ «محذوفٌ تقديرُه:» أشدُّ حباً لله مِنْ حُبِّ هؤلاء للأندادِ «والمعنى: أنَّ المؤمنين يُحِبُّون الله أكثرَ مِنْ محبَّةِ هؤلاء أوثَانَهم. ويُحْتَملُ أن يكونَ المعنى أنَّ المؤمنين يُحِبُّون الله تعالى أكثر مِمَّا يُحِبُّه هؤلاء المتَّخِذون؛ لأنهم لم يَشْرَكوا معه غيره.

وأتى بأشدَّ متوصِّلاً بها إلى أَفْعَل التفضيل من مادة الحب لأن «حُبَّ» مبنيٌّ للمفعولِ والمبنيُّ للمفعولِ لا يُتَعَجَّبُ منه ولا يُبْنَى منه أفعل للتفضيل، فلذلك أتى بما يَجُوز ذلك فيه. فأمَّا قولُهم: «ما أحبَّه إلي» فشاذٌّ على خلافٍ في ذلك بين النحويين. و «حباً» تمييزٌ منقولٌ من المبتدأ تقديرُه: حُبُّهم للهِ أشَدُّ.

قوله: {وَلَوْ يَرَى الذين} جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره، ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءت الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة: قرأ ابنُ عامر ونافع: «ولو ترى» بتاءِ الخطابِ، و «أن القوة» و «أن الله بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر:» إذ يُرَوْن «بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون:» ولو يرى «بياء الغيبة،» أنَّ القوة «و» أنَّ الله « بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر:» ولو تَرَى «بالخطاب،» إن القوة «و» إن الله «بكسرهما، وقرأت طائفةٌ:» ولو يرى «بياء الغيبة،» إن القوة «و» إن الله «بكسرهما. إذا تقرَّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرِ جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قولِه:» أن القوة «ومنهم مَنْ قدَّره بعد قولِه:» وأنَّ الله شديدُ العذابِ «/ وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمَّا مَنْ قَدَّره قبل» أنَّ القوةَ «فيكونُ» أنَّ القوةَ «معمولاً لذلك الجوابِ. وتقديرُه على قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ لله جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلُّ سامعٍ. وعلى قراءةِ الكسرِ في» إنّ «يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ لله جميعاً، والخلافُ في المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما كُسِرَتْ» إنَّ «لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: أنه مكرِمٌ للضِّيفان» عِلَّةٌ لقولِك «أَحْسَنَ إليك» .

وقال ابنُ عطية: «تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقَرُّوا له لأقَرُّوا أنَّ القوةَ لله جميعاً» وناقشه الشيخ فقال: «كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف» إذ «وهو الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ» لو «غيرُ مُرَتَّبٍ على ما يلي» لو «، لأنَّ رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَُّبُ عليها إقرارُهم بأنّ القوة لله جميعاً، وهو نظيرُ قولِك:» يا زيدُ لو ترى عَمْراً في وقتِ ضَرْبِه لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه «فإقرارُه بقدرةِ الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد» انتهى.

وتقديرُه على قراءةِ «يرى» بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل «يرى» «الذين ظلموا» ، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فيُقَدَّرُ: لَعَلِمَ أنَّ القوة.

وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قولِه: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة «ترى» بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلَّ بهم، ويكونُ فتحُ «أنَّ» على أنه مفعولٌ من أجلِه، أي: لأنَّ القوةَ لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: «أكرِمْ زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ» ، أو تكونُ جملةً معترضةً بين «لو» وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءةِ «ولو يرى» بالغيبة إن كان فاعلُ «يرى» ضميرَ السامعِ: لاستعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه «الذين» كان التقديرُ: لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ «أنَّ» على أنها معمولةٌ ليرى، على أن يكونَ الفاعلُ «الذين ظلموا» ، والرؤيةُ هنا تحتِملُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ مفعولٍ واحدٍ.

وأمَّا قراءةُ «يرى الذين» بالغَيبة وكسرِ «إنَّ» و «إنَّ» فيكونُ الجوابُ قولاً محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضميرَ الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه «الذين» : لقالوا: ويكونُ مفعولُ «يرى» محذوفاً أي: لو يرى حالهم. ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحَذْفُ جوابِ «لو» شائعٌ مستفيضٌ، وكثُر حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُه وذهابُ النفسِ كلَّ مذهبٍ فيه بخلافِ ما لو ذُكِر، فإنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه، وقد وَرَدَ في أشعارهم ونثرِهم حَذْفُه كثيراً. قال امرؤ القيس: 801 - وجَدِّكَ لو شيءُ أتانا رسولُه ... سِواك ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا

وقال النابغة:

802 - فما كان بين الخيرِ لو جاءَ سالماً ... أبو حُجُرٍ إلاَّ ليالٍ قلائِلُ

ودَخَلَتْ «إذ» وهي ظرفُ زمانٍ ماضٍ في أثناءِ هذه المستقبلات تقريباً للأمر، وتصحيحاً لوقوعِه، كما وَقَعَتْ صيغة المضيِّ موقعَ المستقبل لذلك كقولِهِ: {ونادى أَصْحَابُ الجنة} [الأعراف: 44] {ونادى أَصْحَابُ النار} [الأعراف: 50] ، وكما قال الأشتر:

803 - بَقَّيْتُ وَفْرِي وانحرَفْتُ عن العُلَى ... ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عَبُوسِ

إِنْ لم أشُنَّ على ابن حربٍ غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ

فأوقع «بَقَّيْتُ» و «انحَرَفْتُ» - وهما بصيغة المضيِّ - موقِعَ المستقبلِ لتعليقهما على مستقبلٍ وهو قولُه: «إنْ لم أشُنَّ» .

وقيل: أَوْقَعَ «إذ» موقع «إذا» وقيل: زمن الآخرة متصلٌ بزمن الدنيا، فقامَ أحدُهما مقامَ الآخر لأنَّ المجاور للشيءِ يقوم مقامه، وهكذا كلَّ موضعٍ وَقَع مثلَ هذا، وهو في القرآن كثيرٌ.

وقراءةُ ابنِ عامر «يُرَوْنَ العذاب» مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتُ لاثنين، أولُهما قامَ مَقامَ الفاعلِ وهو الواو، والثاني هو «العذابُ» ، وقراءةُ الباقين واضحةٌ.

وقال الراغبُ: «قوله» : «أنَّ القوة» بدلٌ من «الذين» قال: «وهو ضعيفٌ» قال الشيخ: «ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَه على الذين ظلموا» . وقال في «المنتخب» : «قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من قراءة التاء» ، قال: «لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم» وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتان.

قوله: {جَمِيعاً} حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً، لأنَّ تقديره: «أنَّ القوةَ كائنةٌ لله جميعاً» ، ولا جائزٌ أن يكونَ حالاً من القوة، فإنَّ العاملٍ في الحال هو العاملُ في صاحبِها، و «أنَّ» لا تعملُ في الحال، وهو مُشْكلٌ، فإنَّهم أجازوا في «ليت» أن تعمل في الحال، وكذا «كأنَّ» لِما فيها من معنى الفعل - وهو التمني والتشبيه - فكان ينبغي أن يجوزَ ذلك في «أنَّ» لِما فيها من معنى التأكيد. و «جميع» في الأصل: فَعِيل من الجَمْعِ، وكأنه اسمُ جمعٍ، فلذلك يُتْبَع تارةً بالمفرد، قال تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} [القمر: 44] ، وتارةً بالجمعِ، قال تعالى: {جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] ، ويَنْتَصِبُ حالاً، ويؤكد به بمعنى «كل» ، ويَدُلُّ على الشمول كدلالةِ «كل» ، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان، تقول: «جاء القومُ جميعُهم» لا يلزُم أَنْ يكونَ مجيئُهم في زمنٍ واحدٍ، وقد تقدَّم ذلك في الفرقِ بينها وبين «جاؤوا معاً» .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
تخذ

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

تخذ

تَخِذَ بمعنى أخذ، قال:

79- وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق(١)

واتّخذ: افتعل منه، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف : 50] ، ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً﴾ [البقرة : 80] ، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم : 81] ، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة : 125] ، ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [الممتحنة : 1] ، ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف : 77] .

(١) البيت للممزق العبدي، شاعر جاهلي، وهو في الأصمعيات ص 165، واللسان (فحص) ، والحيوان 5/ 281، والجمهرة 2/ 163، والأفعال 3/ 367.

دون

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

دون

يقال للقاصر عن الشيء: دون، قال بعضهم: هو مقلوب من الدّنوّ، والأدون: الدّنيء وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران : 118] ، أي: ممّن لم يبلغ منزلته منزلتكم في الدّيانة، وقيل: في القرابة. وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ [النساء : 48] ، أي: ما كان أقلّ من ذلك، وقيل: ما سوى ذلك، والمعنيان يتلازمان. وقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة : 116] ، أي: غير الله، وقيل: معناه إلهين متوصّلا بهما إلى الله. وقوله لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام : 51] ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(١) أي: ليس لهم من يواليهم من دون أمر الله. وقوله: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا [الأنعام : 71] ، مثله. وقد يغرى بلفظ دون، فيقال: دونك كذا، أي: تناوله، قال القتيبيّ: يقال: دَانَ يَدُونُ دَوْناً: ضعف(٢).


(١) سورة العنكبوت: آية 22، وفي المطبوعة (وما لهم) وهو تصحيف.

(٢) انظر: المجمل 2/ 341.

(١) سورة العنكبوت: آية 22، وفي المطبوعة (وما لهم) وهو تصحيف.

(٢) انظر: المجمل 2/ 341.

ندد

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

ندد

نَدِيدُ الشيءِ: مُشارِكه في جَوْهَره، وذلك ضربٌ من المُماثلة، فإنّ المِثْل يقال في أيِّ مشاركةٍ كانتْ، فكلّ نِدٍّ مثلٌ، وليس كلّ مثلٍ نِدّاً، ويقال: نِدُّهُ ونَدِيدُهُ ونَدِيدَتُهُ، قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً﴾ [البقرة : 22] ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً﴾ [البقرة : 165] ، ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً﴾ [فصلت : 9] وقرئ: (يوم التَّنَادِّ) [غافر : 32](١) أي: يَنِدُّ بعضُهم من بعض. نحو: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس : 34] .

(١) وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس والضحاك والأعرج وأبو صالح بتشديد الدال. انظر: البصائر 5/ 31.