(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٥٥
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾
عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:
فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:
فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البَيْضُ كالدُّمى
أيْ مِن مَحاسِنِ امْرَأةٍ غَيْرِ امْرَأتِهِ.
وقَوْلِ أبى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إذا ما تَقاضى المَرْءَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ تَقاضاهُ شَيْءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
أيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أيْ مِنِ الغَناءِ.
وكَأنَّ مُراعاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمالَيْنِ في كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ هو الَّذِي دَعا الشَّيْخَ عَبَدَ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ إلى الحُكْمِ بِحُسْنِ وقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ في بَيْتِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ وبَيْتِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وبِقِلَّتِها وتَضاؤُلِها في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الفَلَكُ الدَّوّارُ أبْغَضْتَ سَعْيَهُ ∗∗∗ لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرانِ
لِأنَّها في بَيْتِ أبِي الطَّيِّبِ لا يَتَعَلَّقُ بِها مَعْنى التَّقْلِيلِ كَما هو ظاهِرٌ ولا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوى التَّنْوِيعِ هُنا إذْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ أنَّ مُعَوِّقَ الفَلَكِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا.
والمُرادُ بِالخَوْفِ والجُوعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِما مَعانِيها المُتَبادِرَةُ وهي ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنِ القِلَّةِ وتَألُّبِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، كَما وقَعَ في يَوْمِ الأحْزابِ إذْ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأمّا الجُوعُ فَكَما أصابَهم مِن قِلَّةِ الأزْوادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ونَقْصِ الأمْوالِ ما يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ بِنَخِيلِهِمْ في خُرُوجِهِمْ إلى الغَزْوِ، ونَقْصُ الأنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الوِلادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسائِهِمْ كَما قالَ النّابِغَةُ:
شُعَبُ العِلافِيّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ∗∗∗ والمُحْصَناتُ عَوازِبُ الأطْهارِ
وكَما قالَ الأعْشى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صاحِبَ اليَمامَةِ، بِكَثْرَةِ غَزَواتِهِ:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المَجْدِ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وكَذَلِكَ نَقْصُ الأنْفُسَ بِالِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُصِيبُهم في خِلالِ ذَلِكَ وفِيما بَعْدَهُ مِن مَصائِبَ تَرْجِعُ إلى هاتِهِ الأُمُورِ.
والكَلامُ عَلى الأمْوالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ولَنَبْلُوَنَّكم، والخُطّابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِمُناسَبَةِ أنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ ولَنَبْلُوَنَّكم وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَمِيرَ فِيهِ عِنْدَ مَن تَحَقَّقَ أسالِيبَ العَرَبِ ورَأى في كَلامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسِهِ.
وأُفِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو حُصُولُ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ والهُدى لِلصّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في تَعَلُّقِ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْراتُهم بِواسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إسْنادُ البَلْوى إلى اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ الرَّسُولِ، وإسْنادُ البِشارَةِ بِالخَيْرِ الآتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ.
والكَلامُ عَلى الصَّبْرِ وفَضائِلِهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
ووَصْفُ الصّابِرِينَ بِأنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا﴾ إلَخْ لِإفادَةِ أنَّ صَبْرَهم أكْمَلُ الصَّبْرِ إذْ هو صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ المُصِيبَةِ أنَّهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يَجْزَعُونَ مِمّا يَأْتِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَيُثِيبُهم عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا القَوْلُ المُطابِقُ لِلِاعْتِقادِ إذِ الكَلامُ إنَّما وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ القَوْلُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ تَعْبِيرًا عَمّا في الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَن قالَ هاتِهِ الكَلِماتِ بِدُونِ اعْتِقادٍ لَها فَضْلٌ وإنَّما هو كالَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ، وقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ لِتَكُونَ شِعارَهم عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَقْوى بِالتَّصْرِيحِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الحِسِّ، ولِأنَّ في تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إعْلانًا لِهَذا الِاعْتِقادِ وتَعْلِيمًا لَهُ لِلنّاسِ. والمُصِيبَةُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والتَّوْكِيدُ بِإنَّ في قَوْلِهِمْ إنّا لِلَّهِ لِأنَّ المُقامَ مَقامُ اهْتِمامٍ، ولِأنَّهُ يُنْزِلُ المُصابَ فِيهِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعالى وعَبْدًا لَهُ إذْ تُنْسِيهِ المُصِيبَةُ ذَلِكَ ويَحُولُ هَوْلُها بَيْنَهُ وبَيْنَ رُشْدِهِ. واللّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ السّابِقَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا بَيانٌ لِجَزاءِ صَبْرِهِمْ. والصَّلَواتُ هُنا مَجازٌ في التَّزْكِياتِ والمَغْفِراتِ ولِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها الرَّحْمَةُ الَّتِي هي مِن مَعانِي الصَّلاةِ مَجازًا في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وحَقِيقَةُ الصَّلاةِ في كَلامِ العَرَبِ أنَّها أقْوالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ لِأحَدٍ، ولِذَلِكَ كانَ أشْهَرُ مَعانِيها هو الدُّعاءَ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] ولِأجْلِ ذَلِكَ كانَ إسْنادُ هَذا الفِعْلِ لِمَن لا يُطْلَبُ الخَيْرُ إلّا مِنهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجازِ في لازِمِ المَعْنى وهو حُصُولُ الخَيْرِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ أوْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ دالَّةً عَلى الرَّحْمَةِ وإيصالِ ما بِهِ النَّفْعُ مِن رَحْمَةٍ أوْ مَغْفِرَةٍ أوْ تَزْكِيَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضِيلَةِ صِفَتِهِمْ إذِ اهْتَدَوْا لِما هو حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ المَصائِبُ ولَمْ تَكُنْ لَهم حاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ في مَقامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِنَ الأكْدارِ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَجْعَلُونَ المَصائِبَ سَبَبًا في اعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ قَوْلِ ما لا يَلِيقُ أوْ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ هَذا هو الدِّينَ المَرْضِيَّ لِلَّهِ لَما لَحِقَنا عَذابٌ ومُصِيبَةٌ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ حَذَّرَنا اللَّهُ أمْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، والقَوْلُ الفَصْلُ أنَّ جَزاءَ الأعْمالِ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِها، وقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ المُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ في الدُّنْيا عَلى سُوءِ أدَبٍ أوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجاتِ النَّفْسِ، ولَها أحْوالٌ ودَقائِقُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها العَبْدُ إذا راقَبَ نَفْسَهُ وحاسَبَها، ولِلَّهِ تَعالى في الحالَيْنِ لُطْفٌ ونِكايَةٌ يَظْهَرُ أثَرُ أحَدِهِما لِلْعارِفِينَ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} : هذا جوابُ قسمٍ محذوفٍ، ومتى كان جوابُه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً وَجَبَ تلقِّيه باللامِ وإحدى النونين خلافاً للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجِيز البصريونَ ذلك إلا في ضرورةٍ. وفُتِح الفعل المضارعُ لاتصالِه بالنونِ وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك وما فيه من الخلاف.
قوله: «بشيءٍ» متعلِّقٌ بقولِه: «لَنَبْلُوَنَّكَ» والباءُ معناها الإِلصاقُ، وقراءةُ الجمهورِ على إفرادِ «شيء» ومعناها الدَّلالةُ على التقليلِ، إذ لو جَمَعَه لاحتمل أن يكون ضروباً من كل واحد. وقرأ الضحاك بن مزاحم «بأشياء» على الجمعِ، وقراءةُ الجمهور لا بُدَّ فيها من حذفٍ تقديرُه: وبشيءٍ من الجوعِ وبشيءٍ من النقصِ، وأمّا قراءةُ الضحاك فلا تحتاجُ إلى هذا، وقولُه «من الخوف» في محلِّ جرٍّ صفةً لشيء فيتعلَّقُ بمحذوفٍ.
قوله: {وَنَقْصٍ} فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ معطوفاً على «شيء» والمعنى: بشيءٍ من الخوفِ وبنقصٍ، والثاني: أن يكونَ معطوفاً على الخوفِ، أي: وبشيءٍ من نَقْصِ الأموال، والأولُ أَوْلَى لاشتراكِهما في التنكيرِ.
قوله: {مِّنَ الأموال} فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ متعلِّقاً بنَقْصٍ لأنه مصدرُ نَقَص، وهو يتعدَّى إلى واحد، وقد حُذِفَ، أي: ونقصِ شيء مِنْ كذا. الثاني: أن يكونَ في محلِّ جر صفةً لذلك المحذوفِ، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي: ونقصِ شيءٍ كائنٍ مِنْ كذا. الثالث: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ نُصِبَ بهذا المصدرِ المنوَّنِ، والتقديرُ: ونقصٍ شيئاً كائناً من كذا، ذكره أبو البقاء، ويكونُ معنى «مِنْ» على هذين الوجهين التبعيضَ. الرابع: أن يكونَ في محلّ جَرٍّ صفةً ل «نَقْص» ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أيضاً، أي: نقصٍ كائنٍ من كذا، وتكونُ «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ. الخامس: أن تكونَ «مِنْ» زائدةً عند الأخفش، وحينئذ لا تَعَلُّق لها بشيءٍ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
بلى
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بلى
يقال: بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلَاءً، أي: خلق، ومنه قيل لمن سافر: بلو سفر وبلي سفر، أي: أبلاه السفر، وبَلَوْتُهُ: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وقرئ: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ(١) [يونس : 30] ، أي: تعرف حقيقة ما عملت، ولذلك قيل: بلوت فلانا: إذا اختبرته، وسمّي الغم بلاءً من حيث إنه يبلي الجسم، قال تعالى: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة : 49] ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الآية [البقرة : 155] ، وقال عزّ وجل: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات : 106] ، وسمي التكليف بلاء من أوجه:
- أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء.
- والثاني: أنّها اختبارات، ولهذا قال الله عزّ وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد : 31] .
- والثالث: أنّ اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر.
والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: (بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر)(٢) ، ولهذا قال أمير المؤمنين: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله(٣) .
وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء : 35] ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً(٤) [الأنفال : 17] ، وقوله عزّ وجل: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة : 49] ، راجع إلى الأمرين، إلى المحنة التي في قوله عزّ وجل: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [البقرة : 49] ، وإلى المنحة التي أنجاهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ [الدخان : 33] ، راجع إلى الأمرين، كما وصف كتابه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت : 44] .
وإذا قيل: ابْتَلَى فلان كذا وأَبْلَاهُ فذلك يتضمن أمرين: أحدهما تعرّف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني ظهور جودته ورداءته، وربما قصد به الأمران، وربما يقصد به أحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلا كذا وأبلاه فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يجهل من أمره إذ كان الله علّام الغيوب، وعلى هذا قوله عزّ وجل: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة : 124] .
ويقال: أَبْلَيْتُ فلانا يمينا: إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها(٥) .
بَلَى: ردّ للنفي نحو قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة : 80-81] ، أو جواب لاستفهام مقترن بنفي نحو: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: ﴿بَلى﴾ [الأعراف : 172] .
و (نعم) يقال في الاستفهام المجرّد نحو: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا: ﴿نَعَمْ﴾ [الأعراف : 44] ، ولا يقال هاهنا: بلى فإذا قيل: ما عندي شيء فقلت: بلى فهو ردّ لكلامه، وإذا قلت نعم فإقرار منك.
قال تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل : 28] ، ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ : 3] ، ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى﴾ [الزمر : 71] ، ﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ [غافر : 50] .
(١) وهي قراءة الجميع عدا حمزة والكسائي.
(٢) انظر الزهد لابن المبارك ص 182، والرياض النضرة للطبري 4/ 314، وسنن الترمذي 3/ 307.
(٣) انظر ربيع الأبرار 1/ 45.
(٤) وانظر: بصائر ذوي التمييز 2/ 274، فقد نقل الفيروزآبادي غالب هذا الباب.
(٥) انظر: اللسان (بلا) 14/ 84.
خوف
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
✕
خوف
الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية.
قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء : 57] ، وقال: ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنعام : 81] ، وقال تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة : 16] ، وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء : 3] ، وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء : 35] ، فقد فسّر ذلك بعرفتم(١) ، وحقيقته: وإن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم. والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرّعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكفّ عن المعاصي واختيار الطّاعات، ولذلك قيل: لا يعدّ خائفا من لم يكن للذنوب تاركا. والتَّخويفُ من الله تعالى: هو الحثّ على التّحرّز، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر : 16] ، ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان، والمبالاة بتخويفه فقال: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران : 175] ، أي: فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله، ويقال: تخوّفناهم أي: تنقّصناهم تنقّصا اقتضاه الخوف منه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ [مريم : 5] ، فخوفه منهم: أن لا يراعوا الشّريعة، ولا يحفظوا نظام الدّين، لا أن يرثوا ماله كما ظنّه بعض الجهلة، فالقنيّات الدّنيويّة أخسّ عند الأنبياء عليهم السّلام من أن يشفقوا عليها. والخِيفَةُ: الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، قال تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا: لا تَخَفْ [طه : 67] ، واستعمل استعمال الخوف في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد : 13] ، وقوله: ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم : 28] ، أي: كخوفكم، وتخصيص لفظ الخيفة تنبيها أن الخوف منهم حالة لازمة لا تفارقهم، والتَّخَوُّفُ: ظهور الخوف من الإنسان، قال: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل : 47] .
(١) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 126: قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ: أي قنتم.
صبر
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
صبر
الصَّبْرُ: الإمساك في ضيق، يقال: صَبَرْتُ الدّابّة: حبستها بلا علف، وصَبَرْتُ فلانا: خلفته خلفة لا خروج له منها، والصَّبْرُ: حبس النّفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عمّا يقتضيان حبسها عنه، فَالصَّبْرُ لفظ عامّ، وربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النّفس لمصيبة سمّي صبرا لا غير، ويُضَادُّهُ الجزع، وإن كان في محاربة سمّي شجاعة، ويضادّه الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمّي رحب الصّدر، ويضادّه الضّجر، وإن كان في إمساك الكلام سمّي كتمانا، ويضادّه المذل، وقد سمّى الله تعالى كلّ ذلك صبرا، ونبّه عليه بقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة : 177] ، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ [الحج : 35] ، ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ﴾ [الأحزاب : 35] ، وسمّي الصّوم صبرا لكونه كالنّوع له، وقال عليه السلام: «صيام شهر الصَّبْرِ وثلاثة أيّام في كلّ شهر يذهب وحر الصّدر»(١) ، وقوله تعالى: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة : 175] ، قال أبو عبيدة(٢) : إنّ ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتجّ بقول أعرابيّ قال لخصمه: ما أَصْبَرَكَ على الله، وهذا تصوّر مجاز بصورة حقيقة، لأنّ ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار، وقول من قال(٣) : ما أعملهم بعمل أهل النار، وذلك أنه قد يوصف بالصّبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارا بحال الناظر إليه، واستعمال التّعجّب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق، وقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصابِرُوا﴾ [آل عمران : 200] ، أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم، وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم : 65] ، أي: تحمّل الصّبر بجهدك، وقوله: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان : 75] ، أي: بما تحمّلوا من الصّبر في الوصول إلى مرضاة الله، وقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف : 18] ، معناه: الأمر والحثّ على ذلك، والصَّبُورُ: القادر على الصّبر، والصَّبَّارُ يقال: إذا كان فيه ضرب من التّكلّف والمجاهدة، قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى : 33] ، ويعبّر عن الانتظار بالصّبر لما كان حقّ الانتظار أن لا ينفكّ عن الصّبر بل هو نوع من الصّبر، قال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور : 48] ، أي: انتظر حكمه لك على الكافرين.
(١) الحديث عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن الأعرابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر» أخرجه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه البزار عن ابن عباس، ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد 3/ 199، والمسند 5/ 154.
(٢) انظر: مجاز القرآن 1/ 64، ومعاني القرآن للفراء 1/ 103.
(٣) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجّاج 1/ 245.