(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٥٩
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
عَوْدٌ بِالكَلامِ إلى مَهْيَعِهِ الَّذِي فُصِلَ عَنْهُ بِما اعْتَرَضَ مِن شَرْعِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ في كَتْمِهِمْ دَلائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفاتِهِ وصِفاتِ دِينِهِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ وفي كَتْمِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ لِلْعَهْدِ، فَإنَّ المَوْصُولَ لِما يَأْتِي لَهُ المُعَرَّفُ بِاللّامِ وعَلَيْهِ فَلا عُمُومَ هُنا، وأنا أرى أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ هُنا لِلْجِنْسِ فَهو كالمُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ فَيَعُمُّ ويَكُونُ مِنَ العامِّ الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ ولا يُخَصَّصُ بِسَبَبِهِ ولَكِنَّهُ يَتَناوَلُ أفْرادَ سَبَبِهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ الصّالِحِ هو لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، لِأنَّ دَلالَةَ العامِّ عَلى صُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ، ودَلالَتُهُ عَلى غَيْرِها مِمّا يَشْمَلُهُ مَفْهُومُ العامِّ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَمُناسَبَةُ وقْعِ هاتِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها كانَ مِنَ الأفانِينِ القُرْآنِيَّةِ المُتَفَنِّنَةِ عَلى ذِكْرِ ما قابَلَ بِهِ اليَهُودُ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ وتَشْبِيهِهِمْ فِيها بِحالِ سَلَفِهِمْ في مُقابَلَةِ دَعْوَةِ أنْبِيائِهِمْ مِن قَبْلُ إلى مَبْلَغِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٠١] الآيَةَ وما قابَلَ بِهِ أشْباهُهم مِنَ النَّصارى ومِنَ المُشْرِكِينَ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ، ثُمَّ أفْضى ذَلِكَ إلى الإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ قِلَّةَ وفائِهِمْ بِوَصايا إبْراهِيمَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ وأنَّهم سَدَنَةُ بَيْتِهِ فَقالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] الآياتِ، فَنَوَّهَ بِإبْراهِيمَ وبِالكَعْبَةِ واسْتِقْبالِها وشَعائِرِها وتَخَلَّلَ ذَلِكَ رَدُّ ما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ مِن إنْكارِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] يُرِيدُ عُلَماءَهم ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْمِلَةِ فَضائِلِ الكَعْبَةِ وشَعائِرِها، فَلَمّا تَمَّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَطَفَ الكَلامَ إلى تَفْصِيلِ ما رَماهم بِهِ إجْمالًا في قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ فَرِيقًا مِنهم فَقالَ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا إلَخْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الخَطابَةِ هي إيفاءُ الغَرَضِ المَقْصُودِ حَقَّهُ وتَقْصِيرُ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ الواقِعَيْنِ في أثْنائِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى ما يُهِمُّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن تَفْصِيلِ اسْتِطْرادٍ أوِ اعْتِراضٍ تَخَلَّلَ الغَرَضَ المَقْصُودَ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافُ كَلامٍ يَعْرِفُ مِنهُ السّامِعُ تَفْصِيلَ ما تَقَدَّمَ لَهُ إجْمالُهُ، والتَّوْكِيدُ بِـ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ.
والكَتْمُ والكِتْمانُ عَدَمُ الإخْبارِ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْبَرَ بِهِ مِن حادِثٍ مَسْمُوعٍ أوْ مَرْئِيٍّ ومِنهُ كَتْمُ السِّرِّ وهو الخَبَرُ الَّذِي تُخْبِرُ بِهِ غَيْرَكَ وتَأْمُرَهُ بِأنْ يَكْتُمَهُ فَلا يُخْبِرُهُ غَيْرَهُ.
وعَبَّرَ في يَكْتُمُونَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم في الحالِ كاتِمُونَ لِلْبَيِّناتِ والهُدى، ولَوْ وقَعَ بِلَفْظِ الماضِي لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ المَعْنِيَ بِهِ قَوْمٌ مَضَوْا مَعَ أنَّ المَقْصُودَ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الحاضِرِينَ.
ويُعْلَمُ حُكْمُ الماضِينَ والآتِينَ بِدَلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ لِمُساواتِهِمْ في ذَلِكَ، والمُرادُ بِـ ما أنْزَلْنا ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِنَ الدَّلائِلِ والإرْشادِ، والمُرادُ بِـ الكِتابِ التَّوْراةُ.
والبَيِّناتُ جُمَعُ بَيِّنَةٍ وهي الحُجَّةُ وشَمَلَ ذَلِكَ ما هو مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِمّا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أحْكامٍ كَثِيرَةٍ، ويَشْمَلُ الأدِلَّةَ المُرْشِدَةَ إلى الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ وأحْوالِ الرُّسُلِ وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في اتِّباعِ كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِدَلائِلِ صِدْقٍ لاسِيَّما الرَّسُولُ المَبْعُوثُ في إخْوَةِ إسْرائِيلَ وهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ ظَهَرَتْ بِعْثَتُهُ بَيْنَهم وانْتَشَرَتْ مِنهم، والهُدى هو ما بِهِ الهُدى أيِ الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ فَيَشْمَلُ آياتِ الأحْكامِ الَّتِي بِها صَلاحُ النّاسِ في أنْفُسِهِمْ وصَلاحِهِمْ في مُجْتَمَعِهِمْ.
والكِتْمانُ يَكُونُ بِإلْغاءِ الحِفْظِ والتَّدْرِيسِ والتَّعْلِيمِ، ويَكُونُ بِإزالَتِهِ مِنَ الكِتابِ أصْلًا وهو ظاهِرُهُ قالَ تَعالى: وتُخْفُونَ كَثِيرًا، يَكُونُ بِالتَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ عَنْ مُرادِ الشّارِعِ لِأنَّ إخْفاءَ المَعْنى كِتْمانٌ لَهُ، وحَذْفُ مُتَعَلَّقِ يَكْتُمُونَ الدّالِّ عَلى المَكْتُومِ عَنْهُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ يَكْتُمُونَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ لِيَتَأتّى نِسْيانُهُ وإضاعَتُهُ.
وقَوْلُهُ مِن بَعْدِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَكْتُمُونَ وذَكَرَ هَذا الظَّرْفَ لِزِيادَةِ التَّفْظِيعِ لِحالِ الكِتْمانِ وذَلِكَ أنَّهم كَتَمُوا البَيِّناتِ والهُدى مَعَ انْتِفاءِ العُذْرِ في ذَلِكَ لِأنَّهم لَوْ كَتَمُوا ما لَمْ يُبَيَّنْ لَهم لَكانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ أنْ يَقُولُوا كَتَمْناهُ لِعَدَمِ اتِّضاحِ مَعْناهُ فَكَيْفَ وهو قَدْ بُيِّنَ ووَضَحَ في التَّوْراةِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِلنّاسِ لامُ التَّعْلِيلِ أيْ بَيَّنّاهُ في الكِتابِ لِأجْلِ النّاسِ أيْ أرَدْنا إعْلانَهُ وإشاعَتَهُ أيْ جَعَلْناهُ بَيِّنًا، وفي هَذا زِيادَةُ تَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ فِيما أتَوْهُ مِنَ الكِتْمانِ، وهو أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ كِتْمانًا لِلْحَقِّ وحِرْمانًا مِنهُ هو اعْتِداءٌ عَلى مُسْتَحِقِّهِ الَّذِي جُعِلَ لِأجْلِهِ فَفِعْلُهم هَذا تَضْلِيلٌ وظُلْمٌ.
والتَّعْرِيفُ في ”النّاسِ“ لِلِاسْتِغْراقِ لِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الشَّرائِعَ لِهُدى النّاسِ كُلِّهِمْ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ؛ أيِ النّاسِ المُشَرَّعِ لَهم.
وقَوْلُهُ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، وسَّطَ اسْمَ الإشارَةِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الوارِدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ صارُوا أحْرِياءَ بِهِ لِأجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ جَعَلَتْهم كالمُشاهِدِينَ لِلسّامِعِ فَأُشِيرَ إلَيْهِمْ وهو في الحَقِيقَةِ إشارَةٌ إلى أوْصافِهِمْ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أفادَتِ الإشارَةُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الأوْصافَ هي سَبَبُ الحُكْمِ وهو إيماءٌ لِلْعِلَّةِ عَلى حَدِّ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِيَكُونَ أبْعَثَ لِلسّامِعِ عَلى التَّأمُّلِ مِنهم والِالتِفاتِ إلَيْهِمْ أوْ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ هو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا في كَلامِهِمْ.
وقَدِ اجْتَمَعَ في الآيَةِ إيماءانِ إلى وجْهِ تَرَتُّبِ اللَّعْنِ عَلى الكِتْمانِ، وهُما الإيماءُ بِالمَوْصُولِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَيْرِ أيْ عِلَّتِهِ وسَبَبِهِ، والإيماءُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أحْرَوِيَّتِهِمْ بِذَلِكَ، فَكانَ تَأْكِيدُ الإيماءِ إلى التَّعْلِيلِ قائِمًا مُقامَ التَّنْصِيصِ عَلى العِلَّةِ.
واللَّعْنُ الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ مَعَ إذْلالٍ وغَضَبٍ، وأثَرُهُ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ بِالحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ وبِالعَذابِ في جَهَنَّمَ، وأمّا لَعْنُ النّاسِ إيّاهم فَهو الدُّعاءُ مِنهم بِأنْ يُبْعِدَهُمُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَعَنَهم أيْضًا فِيما مَضى إذْ كُلُّ سامِعٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ لَعْنِهِمْ بِالزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾، وكَرَّرَ فِعْلَ يَلْعَنُهم مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ لِاخْتِلافِ مَعْنى اللّاعِنِينَ فَإنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ، واللَّعْنُ مِنَ البَشَرِ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ عَكْسُ ما وقَعَ في ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ صَلاةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ واحِدَةٌ وهي الذِّكْرُ الحَسَنُ.
والتَّعْرِيفُ في اللّاعِنُونَ لِلِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ أيْ يَلْعَنُهم كُلُّ لاعِنٍ، والمُرادُ بِاللّاعِنِينَ المُتَدَيِّنُونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ المُنْكَرَ وأصْحابَهُ ويَغْضَبُونَ لِلَّهِ تَعالى ويَطَّلِعُونَ عَلى كِتْمانِ هَؤُلاءِ فَهم يَلْعَنُونَهم بِالتَّعْيِينِ وإنْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى تَعْيِينِهِمْ فَهم يَلْعَنُونَهم بِالعُنْوانِ العامِّ أيْ حِينِ يَلْعَنُونَ كُلَّ مَن كَتَمَ آياتِ الكِتابِ حِينَ يَتْلُونَ التَّوْراةَ. ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُبَيِّنُوا التَّوْراةَ ولا يُخْفُوها كَما قالَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ اللَّعْنَةِ عَلى إضاعَةِ عَهْدِ اللَّهِ في التَّوْراةِ مَرّاتٍ، وأشْهَرُها العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في حُورِيبَ حَسْبَما جاءَ في سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ، والعَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في مُؤابٍ وهو الَّذِي فِيهِ اللَّعْنَةُ عَلى مَن تَرَكَهُ وهو في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ والعِشْرِينَ والإصْحاحِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ ومِنهُ: أنْتُمْ واقِفُونَ اليَوْمَ جَمِيعُكم أمامَ الرَّبِّ إلَهِكم. . . لِكَيْ تَدْخُلُوا في عَهْدِ الرَّبِّ وقَسَمِهِ لِئَلّا يَكُونَ فِيكُمُ اليَوْمَ مُنْصَرِفٌ عَنِ الرَّبِّ. . . فَيَكُونُ مَتى يَسْمَعُ كَلامَ هَذِهِ اللَّعْنَةِ يَتَبَرَّكُ في قَلْبِهِ. . . حِينَئِذٍ يَحُلُّ غَضَبُ الرَّبِّ وغَيْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَتَحُلُّ عَلَيْهِ كُلُّ اللَّعَناتِ المَكْتُوبَةِ في هَذا الكِتابِ ويَمْحُو الرَّبُّ اسْمَهُ مِن تَحْتِ السَّماءِ ويَفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلْبَشَرِ مِن جَمِيعِ أسْباطِ إسْرائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَناتِ العَهْدِ المَكْتُوبَةِ في كِتابِ الشَّرِيعَةِ هَذا. . . لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِماتِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ.
وفِي الإصْحاحِ الثَلاثِينَ: ومَتى أتَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الأُمُورُ البَرَكَةُ واللَّعْنَةُ جَعَلْتُهُما قُدّامَكَ.
وفِيهِ: أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ السَّماءَ والأرْضَ قَدْ جَعَلْتُ قُدّامَكَ الحَياةَ والمَوْتَ، البَرَكَةَ واللَّعْنَةَ. فَقَوْلُهُ تَعالى﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم بِاللَّعْنَةِ المَسْطُورَةِ في التَّوْراةِ فَإنَّ التَّوْراةَ مَتْلُوَّةٌ دائِمًا بَيْنَهم فَكُلَّما قَرَأ القارِئُونَ هَذا الكَلامَ تَجَدَّدَتْ لَعْنَةُ المَقْصُودِينَ بِهِ، والَّذِينَ كَتَمُوا ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى هم أيْضًا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ فَإذا قَرَءُوا لَعْنَةَ الكاتِمِينَ فَقَدْ لَعَنُوا أنْفُسَهم بِألْسِنَتِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ يَلْعَنُونَ المُجْرِمِينَ والظّالِمِينَ غَيْرَ الكاتِمِينَ ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى فَهم غَيْرُ مَشْمُولِينَ في هَذا العُمُومِ، وبِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ اللّاعِنُونَ بِاللّامِ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا.
واعْلَمْ أنَّ لامَ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ واسِطَةٌ بَيْنَ لامِ الحَقِيقَةِ ولامِ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ.
وإنَّما عَدَلَ إلى التَّعْرِيفِ مَعَ أنَّهُ كالنَّكِرَةِ مُبالَغَةً في تَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ صارَ مَعْرُوفًا لِأنَّ المُنَكَّرَ مَجْهُولٌ، أوْ يَكُونُ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْ يَلْعَنُهُمُ الَّذِينَ لَعَنُوهم مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوْصَوْا بِإعْلانِ العَهْدِ وأنْ لا يَكْتُمُوهُ.
ولَمّا كانَ في صِلَةِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ إيماءٌ كَما قَدَّمْناهُ فَكُلُّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا مِن قَبِيلِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ مِن غَيْرِ أُولَئِكَ يَكُونُ حَقِيقًا بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ الإشارَةِ وخَبَرُهُ فَإنَّ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ في ذِكْرِ القَصَصِ الماضِيَةِ أنْ يَعْتَبِرَ بِها المُسْلِمُونَ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كُلَّ ما ذَمَّ اللَّهُ أهْلَ الكِتابِ عَلَيْهِ فالمُسْلِمُونَ مُحَذَّرُونَ مِن مِثْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ - لَمّا قالَ النّاسُ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الرِّوايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - فَقالَ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُكم حَدِيثًا بَعْدَ أنْ قالَ النّاسُ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ الآيَةَ وساقَ الحَدِيثَ.
فالعالِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُمَ مِن عِلْمِهِ ما فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ لِأنَّ كَتْمَ الهُدى إيقاعٌ في الضَّلالَةِ سَواءٌ في ذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي بَلَغَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الخَبَرَ كالقُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ والعِلْمِ الَّذِي يَحْصُلُ عَنْ نَظَرٍ كالِاجْتِهاداتِ إذا بَلَغَتْ مَبْلَغَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأنَّ فِيها خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ القِياسِ الَّذِي تُومِئُ إلَيْهِ العِلَّةُ أنْ يَبُثَّ في النّاسِ ما يُوقِعَهم في أوْهامٍ بِأنْ يُلَقِّنَها وهو لا يُحْسِنُ تَنْزِيلَها ولا تَأْوِيلَها، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ» وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُعْلَمُ أنَّ النّاسَ لا يُحْسِنُونَ وضْعَهُ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ الحَجّاجَ قالَ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ: «حَدِّثْنِي بِأشَدِّ عُقُوبَةٍ عاقَبَها النَّبِيءُ، فَذَكَرَ لَهُ أنَسٌ حَدِيثَ العَرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا الذَّوْدَ فَقَطَعَ النَّبِيءُ ﷺ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتَرَكَهم في الحَرَّةِ يَسْتَقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ حَتّى ماتُوا، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الحَسَنَ البَصْرِيَّ، قالَ: ودِدْتُ أنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ، أوَيَتَلَقَّفُونَ مِن ظاهِرِهِ ما يُوافِقُ هَواهم فَيَجْعَلُونَهُ مَعْذِرَةً لَهم فِيما يُعامِلُونَ بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلْمِ» . قالَ ابْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ: لا يَحِلُّ لِلْعالِمِ أنْ يَذْكُرَ لِلظّالِمِ تَأْوِيلًا أوْ رُخْصَةً يَتَمادى مِنها إلى المَفْسَدَةِ كَمَن يَذْكُرُ لِلظّالِمِ ما قالَ الغَزالِيُّ في الإحْياءِ مِن أنَّ بَيْتَ المالِ إذا ضَعُفَ واضْطُرَّ السُّلْطانُ إلى ما يُجَهِّزُ بِهِ جُيُوشَ المُسْلِمِينَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم فَلا بَأْسَ أنْ يُوَظِّفَ عَلى النّاسِ العُشْرَ أوْ غَيْرَهُ لِإقامَةِ الجَيْشِ وسَدِّ الخَلَّةِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وذِكْرُ هَذِهِ المَظْلَمَةِ مِمّا يُحْدِثُ ضَرَرًا فادِحًا في النّاسِ.
وقَدْ سَألَ سُلْطانُ قُرْطُبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعاوِيَةَ الدّاخِلُ يَحْيى بْنَ يَحْيى اللَّيْثِيَّ عَنْ يَوْمٍ أفْطَرَهُ في رَمَضانَ عامِدًا غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ عَلى قُرْبانِ بَعْضِ جَوارِيهِ فِيهِ فَأفْتاهُ بِأنَّهُ يَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا والفُقَهاءُ حاضِرُونَ ما اجْتَرَءُوا عَلى مُخالَفَةِ يَحْيى فَلَمّا خَرَجُوا، سَألُوهُ: لِمَ خَصَصْتَهُ بِأحَدِ المُخَيَّراتِ ؟ فَقالَ: لَوْ فَتَحْنا لَهُ هَذا البابَ لَوَطِئَ كُلَّ يَوْمٍ وأعْتَقَ أوْ أطْعَمَ فَحَمَلْتُهُ عَلى الأصْعَبِ لِئَلّا يَعُودَ اهـ. قُلْتُ فَهو في كَتْمِهِ عَنْهُ الكَفّارَتَيْنِ المُخَيَّرِ فِيهِما قَدْ أعْمَلَ دَلِيلَ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الجُرْأةِ عَلى حُرْمَةِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ.
فالعالِمُ إذا عُيِّنَ بِشَخْصِهِ لِأنْ يُبَلِّغَ عِلْمًا أوْ يُبَيِّنَ شَرْعًا وجَبَ عَلَيْهِ بَيانُهُ مِثْلَ الَّذِينَ بَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإبْلاغِ كُتُبِهِ أوْ لِدَعْوَةِ قَوْمِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا بِشَخْصِهِ فَهو لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ما يَعْلَمُهُ قَدِ احْتاجَتِ الأُمَّةُ إلى مَعْرِفَتِهِ مِنهُ خاصَّةً بِحَيْثُ يَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهِ في صُقْعٍ أوْ بَلَدٍ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلى أُناسٍ طَلَبُ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِ أوْ يَتَعَسَّرُ بِحَيْثُ إنْ لَمْ يُعَلِّمْها إيّاهُ ضَلَّتْ مِثْلُ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الِاعْتِقادِ، فَهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيانُهُ وُجُوبًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ إنِ انْفَرَدَ بِهِ في عَصْرٍ أوْ بَلَدٍ، أوْ كانَ هو أتْقَنَ لِلْعِلْمِ فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ «إنَّ النّاسَ لَكم تَبَعٌ وإنَّ رِجالًا يَأْتُونَكم يَتَفَهَّمُونَ أوْ يَتَعَلَّمُونَ فَإذا جاءُوكم فاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» .
وإنْ شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِن أمْثالِهِ كانَ وُجُوبُهُ عَلى جَمِيعِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عَلى الكِفايَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ما يُعَلِّمُهُ مِن تَفاصِيلِ الأحْكامِ وفَوائِدِها الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ أوْ طائِفَةً مِنهم، فَإنَّما يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا أوْ كِفايَةً عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنْ يُبَيِّنَ ما دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيانِهِ، ومِمّا يُعَدُّ قَدْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيانِهِ أنْ تُعَيَّنَ لَهُ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ لِيُعَلِّمَهم فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعَلِّمَهم ما يَرى أنَّ في عِلْمِهِمْ بِهِ مَنفَعَةً لَهم وقُدْرَةً عَلى فَهْمِهِ وحُسْنِ وضْعِهِ، ولِذَلِكَ وجَبَ عَلى العالِمِ إذا جَلَسَ إلَيْهِ النّاسُ لِلتَّعَلُّمِ أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ العِلْمِ ما لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى تَلَقِّيهِ وإدْراكِهِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ الكِتْمانَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ وأنَّ أعْلاها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وبَقِيَّةُ المَراتِبِ تُؤْخَذُ بِالمُقايَسَةِ، وهَذا يَجِيءُ أيْضًا في جَوابِ العالِمِ عَمّا يُلْقى إلَيْهِ مِنَ المَسائِلِ فَإنْ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِذَلِكَ أوْ كانَ قَدْ عُيِّنَ لِلْجَوابِ مِثْلُ مَن يُعَيَّنُ لِلْفَتْوى في بَعْضِ الأقْطارِ فَعَلَيْهِ بَيانُهُ إذا عَلِمَ احْتِياجَ السّائِلِ ويَجِيءُ في انْفِرادِهِ بِالعِلْمِ أوْ تَعْيِينِهِ لِلْجَوابِ وفي عَدَمِ انْفِرادِهِ الوَجْهانِ السّابِقانِ في الوُجُوبِ العَيْنِيِّ والوُجُوبِ الكِفائِيِّ.
وفِي غَيْرِ هَذا فَهو في خِيَرَةٍ أنْ يُجِيبَ أوْ يَتْرُكَ.
وبِهَذا يَكُونُ تَأْوِيلُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ» فَخَصَّصَ عُمُومَهُ في الأشْخاصِ والأحْوالِ بِتَخْصِيصاتٍ دَلَّتْ عَلَيْها الأدِلَّةُ قَدْ أشَرْنا إلى جُماعِها. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ أنَّ الحَدِيثَ وارِدٌ في كِتْمانِ الشّاهِدِ بِحَقِّ شَهادَتِهِ.
والعُهْدَةُ في وضْعِ العالِمِ نَفْسَهُ في المَنزِلَةِ اللّائِقَةِ بِهِ مِن هَذِهِ المَنازِلِ المَذْكُورَةِ عَلى ما يَأْنَسُهُ مِن نَفْسِهِ في ذَلِكَ وما يَسْتَبْرِئُ بِهِ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ.
والعُهْدَةُ في مَعْرِفَةِ أحْوالِ الطّالِبِينَ والسّائِلِينَ عَلَيْهِ لِيُجْرِيَها عَلى ما يَتَعَيَّنُ إجْراؤُها عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ عَلى ما يَتَوَسَّمُهُ مِن أحْوالِهِمْ والأحْوالِ المُحِيطَةِ بِهِمْ، فَإنْ أشْكَلَ عَلَيْهِ الأمْرُ في حالِ نَفْسِهِ أوْ حالِ سائِلِهِ فَلْيَسْتَشِرْ أهْلَ العِلْمِ والرَّأْيِ في الدِّينِ.
ويَجِبُ أنْ لا يَغْفُلَ عَنْ حِكْمَةِ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى والهُدى حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ ضابِطًا لِما يُفْضِي إلَيْهِ كِتْمانُ ما يُكْتَمُ.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ أيْ فَهم لا تَلْحَقُهُمُ اللَّعْنَةُ، وهو اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ مَنصُوبٌ عَلى تَمامِ الكَلامِ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ إلَخْ. وشَرْطٌ لِلتَّوْبَةِ أنْ يُصْلِحُوا ما كانُوا أفْسَدُوا وهو بِإظْهارِ ما كَتَمُوهُ وأنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ فَلا يَكْفِي اعْتِرافُهم وحْدَهم أوْ في خَلَواتِهِمْ، فالتَّوْبَةُ هُنا الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ كِتْمانِهِمُ الشَّهادَةَ لَهُ الوارِدَةَ في كُتُبِهِمْ، وإطْلاقُ التَّوْبَةِ عَلى الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وارِدٌ كَثِيرًا لِأنَّ الإيمانَ هو تَوْبَةُ الكافِرِ مِن كُفْرِهِ، وإنَّما زادَ بَعْدَهُ وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا لِأنَّ شَرْطَ كُلِّ تَوْبَةٍ أنْ يَتَدارَكَ التّائِبُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا أضاعَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي تابَ عَنْهُ.
ولَعَلَّ عَطْفَ وبَيَّنُوا عَلى ”أصْلَحُوا“ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
وقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَيْرِ بَيانٍ بَلْ لِفائِدَةٍ جَدِيدَةٍ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَثْنى الَّذِينَ تابُوا فَقَدْ تَمَّ الكَلامُ وعَلِمَ السّامِعُ أنَّ مَن تابُوا مِنَ الكاتِمِينَ لا يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ولا يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ، وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ مُسْنَدٌ إلَيْهِ يُمَثِّلُ النُّكْتَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وقُرِنَتِ الجُمْلَةُ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَيْءٍ زائِدٍ عَلى مَفادِ الِاسْتِثْناءِ وهو أنَّ تَوْبَتَهم يَعْقُبُها رِضى اللَّهِ عَنْهم.
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَلَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلِ نَزَلَ مَنزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ ومَعَهُ راحِلَتُهُ عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً فاسْتَيْقَظَ وقَدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ حَتّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ والعَطَشُ وما شاءَ اللَّهُ، قالَ أرْجِعُ إلى مَكانِي فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ» .
فَجاءَ في الآيَةِ نَظْمٌ بَدِيعٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا الَّذِينَ تابُوا انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ اللَّعْنَةُ فَأتُوبُ عَلَيْهِمْ. أيْ أرْضى، وزادَ تَوَسُّطُ اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْلِيلِ وهو إيجازٌ بَدِيعٌ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {مَآ أَنزَلْنَا} : مفعول بيكتمون، و «أَنْزلنا» صلتُه وعائدُه محذوفٌ، أي أنزلناه. و «من البيناتِ» يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها حالٌ من ما الموصولةِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائناً من البينات. الثاني: أَنْ يتعلَّق بأنزلنا فيكونَ مفعولاً به قالَه أبو البقاء، وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنه إذا كان مفعولاً به لم يتعدَّ الفعلُ إلى ضميرٍ، وإذا لم يتعدَّ إلى ضميرِ الموصولِ بقي الموصولُ بلا عائدٍ. الثالث: أن يكونَ حالاً من الضميرِ العائدِ على الموصولِ، والعاملُ فيه «أنزلنا» لأنه عاملٌ في صاحبها.
قوله: {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} متعلِّقٌ بيكتُمون ولا يتعلَّقُ بأَنْزَلْنا لفسادِ المعنى، لأنَّ الإِنزالَ لم يكُنْ بعد التبيين، وأمَّا الكتمان فبعد التبيين. والضميرُ في بَيَّنَّاه يعودُ على «ما» الموصولةِ. وقرأ الجمهور «بَيَّنَّاه» ، وقرأ طلحة بن مصرف «بَيَّنه» على ضمير الغائبِ وهو التفاتٌ من التكلمِ إلى الغَيْبةِ. و «الناس» متعلِّقٌ بالفعلِ قبلَه.
وقوله: {فِي الكتاب} يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ بقوله: «بَيَّنَّاه» . والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنَّه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «بَيَّنَّاه» أي: بَيَّنَّاه حالَ كونِه مستقراً كائناً في الكتاب.
قوله: {أولئك يَلعَنُهُمُ} يجوز في «أولئك» وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ مبتدأً و «يلعنُهم» خبرُه والجملةُ خبرُ «إنَّ الذين» /. والثاني: أن يكونَ بدلاً من « الذين» و «يَلْعَنُهم» الخبرُ لأنَّ قولَه: «ويَلْعَنُهم اللاعنون» يَحْتَمل أنْ يكونَ معطوفاً على ما قبلَه وهو «يلعنهم الله» وأَنْ يكونَ مستأنفاً. وأتى بصلةِ الذينَ فعلاً مضارعاً وكذلك بفعل اللعنةِ دلالةً على التجدُّد والحُدوث، وأَنَّ هذا يتجدَّد وقتاً فوقتا، وكررت اللعنة تأكيداً في ذمِّهم. وفي قوله «يَلْعَنُهم اللهُ» التفاتٌ إذ لو جرى على سننِ الكلامِ لقال: نلعنهم لقوله: «أنزلنا» ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الض ميرِ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كتم
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
كتم
الْكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْماً وكِتْمَاناً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 140] ، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 146] ، ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة : 283] ، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران : 71] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 37] فَكِتْمَانُ الفضل: هو كفران النّعمة، ولذلك قال بعده: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ [النساء : 37] ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] قال ابن عباس: إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام : 23] فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا(١) . وقال الحسن: في الآخرة مواقف في بعضها يكتمون، وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم: ﴿لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء : 42] هو أن تنطق جوارحهم.
(١) أخرجه ابن جرير 5/ 94.
بين
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بين
بَيْن موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً(١) [الكهف : 32] ، يقال: بَانَ كذا أي: انفصل وظهر ما كان مستترا منه، ولمّا اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استعمل في كلّ واحد منفردا، فقيل للبئر البعيدة القعر: بَيُون، لبعد ما بين الشفير والقعر لانفصال حبلها من يد صاحبها. وبان الصبح: ظهر، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ(٢) [الأنعام : 194] ، أي: وصلكم. وتحقيقه: أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء : 88] ، وعلى ذلك قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآية [الأنعام : 94] .
و «بَيْن» يستعمل تارة اسما وتارة ظرفا، فمن قرأ: ﴿بينكم﴾ [الأنعام : 94] ، جعله اسما، ومن قرأ: بَيْنَكُمْ جعله ظرفا غير متمكن وتركه مفتوحا، فمن الظرف قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات : 1] ، وقوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة : 12] ، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ [ص : 22] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف : 61] ، فيجوز أن يكون مصدرا، أي: موضع المفترق. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [النساء : 92] . ولا يستعمل «بين» إلا فيما كان له مسافة، نحو: بين البلدين، أو له عدد ما اثنان فصاعدا نحو: الرجلين، وبين القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرّر، نحو: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت : 5] ، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ [طه : 58] ، ويقال: هذا الشيء بين يديك، أي: متقدما لك، ويقال: هو بين يديك أي: قريب منك، وعلى هذا قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف : 17] ، و﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ [مريم : 64] ، ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس : 9] ، ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة : 46] ، ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ [ص : 8] ، أي: من جملتنا، وقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ : 31] ، أي: متقدّما له من الإنجيل ونحوه، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال : 1] ، أي: راعوا الأحوال التي تجمعكم من القرابة والوصلة والمودة.
ويزاد في بين «ما» أو الألف، فيجعل بمنزلة «حين» ، نحو: بَيْنَمَا زيد يفعل كذا، وبَيْنَا يفعل كذا، قال الشاعر:
76- بينا يعنّقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء، سلفع(٣)
يقال: بَانَ واسْتَبَانَ وتَبَيَّنَ نحو عجل واستعجل وتعجّل وقد بَيَّنْتُهُ. قال الله سبحانه: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت : 38] ، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم : 45] ، ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام : 55] ، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة : 256] ، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ [آل عمران : 118] ، ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف : 63] ، ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل : 44] ، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل : 39] ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران : 97] ، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ﴾ [البقرة : 185] . ويقال: آية مُبَيَّنَة اعتبارا بمن بيّنها، وآية مُبَيِّنَة اعتبارا بنفسها، وآيات مبيّنات ومبيّنات.
والبَيِّنَة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وسمي الشاهدان بيّنة لقوله عليه السلام: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»(٤) ، وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود : 17] ، وقال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال : 42] ، ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [الروم : 9] .
والبَيَان: الكشف عن الشيء، وهو أعمّ من النطق، لأنّ النطق مختص بالإنسان، ويسمّى ما بيّن به بيانا. قال بعضهم: البيان يكون على ضربين: أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدلّ على حال من الأحوال من آثار الصنعة.
والثاني بالاختبار، وذلك إما يكون نطقا، أو كتابة، أو إشارة. فممّا هو بيان بالحال قوله: ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 62] ، أي: كونه عدوّا بَيِّن في الحال. تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [إبراهيم : 10] .
وما هو بيان بالاختبار فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل : 43-44] ، وسمّي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره نحو: ﴿هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران : 138] .
وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانا، نحو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة : 19] ، ويقال: بَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ: إذا جعلت له بيانا تكشفه، نحو: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل : 44] ، وقال: ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص : 70] ، و﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات : 106] ، ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف : 52] ، أي: يبيّن، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف : 18] .
(١) ونقل هذا السيوطي عنه في الإتقان 2/ 209.
(٢) وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة ويعقوب وخلف وشعبة عن عاصم وابن عامر الشامي برفع (بينكم) ، وقرأ نافع وحفص والكسائي وأبو جعفر (بينكم) بنصب النون.
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/ 37، وشمس العلوم 1/ 205، واللسان (بين) ، وغريب الحديث للخطابي 2/ 469.
(٤) الحديث أخرجه البيهقي 8/ 279، والدارقطني 3/ 111، ولمسلم: «البيّنة على المدعي» وليس فيه: «واليمين ... » (انظر: صحيح مسلم رقم 1171) ، وقال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين، وأخرجه الدارقطني بلفظ: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة» وفيه ضعف، وله عدة طرق متعددة لكنها ضعيفة، انظر: كشف الخفاء 1/ 289.
لعن
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
لعن
اللَّعْنُ: الطّرد والإبعاد على سبيل السّخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدّنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره. قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ [النور : 7] ، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [المائدة : 78] ، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة : 159] . واللُّعْنَةُ: الذي يلتعن كثيرا، واللُّعَنَةُ الذي يلعن كثيرا(١) ، والْتَعَنَ فلان: لعن نفسه.
والتَّلَاعُنُ والْمُلَاعَنَةُ: أن يلعن كلّ واحد منهما نفسه أو صاحبه.
(١) راجع مادة (ب رم) .