التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٧٢

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٧٢

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

اعْتِراضٌ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِالِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ ما في الأرْضِ مِنَ الطَّيِّباتِ جَرَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أنْ حَرَّمُوا ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ إلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن مَثَلِ ذَلِكَ مَعَ بَيانِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَطْعُوماتِ، وقَدْ أُعِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لِيَكُونَ خِطابُ المُسْلِمِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، ولِهَذا كانَ الخِطابُ هُنا بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والكَلامُ عَلى الطَّيِّباتِ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِلَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ الدّالِّ عَلى الإباحَةِ والِامْتِنانِ، والأمْرُ في اشْكُرُوا لِلْوُجُوبِ لِأنَّ شُكْرَ المُنَعِمِ واجِبٌ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الشُّكْرِ بِحَرْفِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى واشْكُرُوا لِي.

والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِأنَّ في الِاسْمِ الظّاهِرِ إشْعارًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهُ يُومِئُ إلى ألّا تُشْكَرَ الأصْنامُ؛ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا مِمّا عَلى الأرْضِ بِاعْتِرافِ المُشْرِكِينَ أنْفُسِهِمْ فَلا تَسْتَحِقُّ شُكْرًا. وهَذا مِن جَعْلِ اللَّقَبِ ذا مَفْهُومٍ بِالقَرِينَةِ، إذِ الضَّمِيرُ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ.

ولِذَلِكَ جاءَ بِالشَّرْطِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوهُ عَلى ما رَزَقَكم إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِأنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ أيْ إنْ كُنْتُمْ هَذا الفَرِيقَ وهَذِهِ سَجِيَّتُكم، ومِن شَأْنِ ”كانَ“ إذا جاءَتْ وخَبَرُها جُمْلَةٌ مُضارِعِيَّةٌ أنْ تَدُلَّ عَلى الِاتِّصافِ بِالعُنْوانِ لا عَلى الوُقُوعِ بِالفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أيْ إنْ كانَ هَذا العِلْمُ مِن صِفاتِكم، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ لا تُشْرِكُونَ مَعَهُ في العِبادَةِ غَيْرَهُ فاشْكُرُوهُ وحْدَهُ.

فالمُرادُ بِالعِبادَةِ هُنا الِاعْتِقادُ بِالإلَهِيَّةِ والخُضُوعُ والِاعْتِرافُ ولَيْسَ المُرادُ بِها الطّاعاتِ الشَّرْعِيَّةَ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ ما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ واشْكُرُوا.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ

الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)

قولُه تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} : مفعولُ «كُلوا» محذوفٌ، أي: كُلوا رزقَكم. وفي «مِنْ» حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ لابتداءِ الغايةِ فتتعلَّقَ ب «كلوا» . والثاني: أَنْ تكونَ تبعيضيَّة فتتعلَّق بمحذوفٍ إذ هي حالٌ من ذلك المفعولِ المقدَّرِ، أي: كُلوا رزقَكم حالَ كونِهِ بعضَ طيباتِ ما رزقناكم. ويجوزُ في رأيِ الأخفش أن تكونَ «مِنْ» زائدةً في المفعولِ به، أي: كلوا طيباتِ ما رزقناكم. و «إنْ كُنْتُمْ» شرطٌ وجوابُهُ محذوفٌ، أي: فاشكروا له. وقولُ مَنْ قال مِنَ الكوفيين إنَّها بمعنى «إذ» ضعيفٌ. و «إياه» مفعولٌ مقدَّمٌ ليُفيدَ الاختصاصَ، أو لكونِ عامِلِه رأسَ آيةٍ، وانفصالُهُ واجبٌ، ولأنه متى تأخَّر وَجَبَ اتِّصالُه إلا في ضرورةٍ كقولِهِ:

815 - إليك حتى بَلَغَتْ إيَّا كا ... وفي قولِهِ: {واشكروا للَّهِ} التفاتٌ من ضميرِ المتكلّم إلى الغَيْبَةِ، إذ لو جَرَى على الأسلوبِ الأولِ لقال: «واشكرونا» .

مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
طيب

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

طيب

يقال: طَابَ الشيءُ يَطِيبُ طَيْباً، فهو طَيِّبٌ.

قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء : 3] ، ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء : 4] ، وأصل الطَّيِّبِ: ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطّعامُ الطَّيِّبُ في الشّرع: ما كان متناولا من حيث ما يجوز، ومن المكان الّذي يجوز فإنّه متى كان كذلك كان طَيِّباً عاجلا وآجلا لا يستوخم، وإلّا فإنّه- وإن كان طَيِّباً عاجلا- لم يَطِبْ آجلا، وعلى ذلك قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 172] ، ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً﴾ [النحل : 114] ، ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة : 87] ، ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ [المؤمنون : 51] ، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف : 32] ، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة : 5] ، قيل: عنى بها الذّبائح، وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [غافر : 64] ، إشارةٌ إلى الغنيمة. والطَّيِّبُ من الإنسان: من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال، وإيّاهم قصد بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل : 32] ، وقال: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر : 73] ، وقال تعالى: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران : 38] ، وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال : 37] ، وقوله: ﴿وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور : 26] ، تنبيه أنّ الأعمال الطَّيِّبَةَ تكون من الطَّيِّبِينَ، كما روي: «المؤمن أَطْيَبُ من عمله، والكافر أخبث من عمله»(١) . قال تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء : 2] ، أي: الأعمال السّيّئة بالأعمال الصالحة، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم : 24] ، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر : 10] ، ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة : 72] ، أي: طاهرة ذكيّة مستلذّة. وقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ : 15] ، وقيل: أشار إلى الجنّة، وإلى جوار ربّ العزّة، وأما قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف : 58] ، إشارة إلى الأرض الزّكيّة، وقوله: ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة : 6] ، أي: ترابا لا نجاسة به، وسمّي الاستنجاء اسْتِطَابةً لما فيه من التَّطَيُّبِ والتَّطَهُّرِ. وقيل الأَطْيَبَانِ الأكلُ والنّكاحُ(٢) ، وطعامُ مَطْيَبَةٍ للنَّفسِ: إذا طَابَتْ به النّفسُ، ويقال لِلطَّيِّبِ: طَابٌ، وبالمدينة تمر يقال له: طَابٌ، وسمّيتِ المدينةُ طَيِّبَةً، وقوله: ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ [الرعد : 29] ، قيل: هو اسم شجرة في الجنّة(٣) ، وقيل: بل إشارة إلى كلّ مُسْتَطَابٍ في الجنّة من بقاءٍ بلا فناءٍ، وعِزٍّ بلا زوالٍ، وغنى بلا فقرٍ.

(١) الحديث تقدّم في مادة (خبث) .

(٢) انظر: البصائر 3/ 532، والمجمل 2/ 590.

وقيل: هما النوم والنكاح، وقيل: التمر واللبن. انظر: جنى الجنتين ص 20.

(٣) وهذا مرويّ عن النبي ﷺ، فقد أخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنّ رجلا قال: يا رسول الله، طوبى لمن رآك، وآمن بك.

قال: طوبى لمن رآني وآمن، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي، ولم يرني. قال رجل: وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» انظر: الدر المنثور 4/ 644، والمسند 3/ 71.


رزق

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

رزق

الرِّزْقُ يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويّا كان أم أخرويّا، وللنّصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذّى به تارة(١) ، يقال: أعطى السّلطان رِزْقَ الجند، ورُزِقْتُ علما، قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون : 10] ، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة : 3] ، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة : 172] ، وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة : 82] ، أي: وتجعلون نصيبكم من النّعمة تحرّي الكذب.

وقوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات : 22] ، قيل: عني به المطر الذي به حياة الحيوان(٢) . وقيل: هو كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون : 18] ، وقيل: تنبيه أنّ الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف : 19] ، أي: بطعام يتغذّى به. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ [ق : 10-11] ، قيل: عني به الأغذية، ويمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكلّ ذلك ممّا يخرج من الأرضين، وقد قيّضه الله بما ينزّله من السماء من الماء، وقال في العطاء الأخرويّ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران : 169] ، أي: يفيض الله عليهم النّعم الأخروية، وكذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم : 62] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات : 58] ، فهذا محمول على العموم.

والرَّازِقُ يقال لخالق الرّزق، ومعطيه، والمسبّب له، وهو الله تعالى(٣) ، ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرّزق. والرَّزَّاقُ لا يقال إلّا لله تعالى، وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر : 20] ، أي: بسبب في رزقه، ولا مدخل لكم فيه، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، أي: ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه، وسبب من الأسباب. ويقال: ارْتَزَقَ الجند: أخذوا أرزاقهم، والرَّزْقَةُ: ما يعطونه دُفْعة واحدة.

(١) وردّه الرازي في تفسيره 2/ 30.

(٢) وهو قول الضحاك، انظر: الدر المنثور 7/ 619.

(٣) انظر: الأسماء والصفات ص 86.

شكر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

شكر

الشُّكْرُ: تصوّر النّعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب عن الكشر، أي: الكشف، ويضادّه الكفر، وهو: نسيان النّعمة وسترها، ودابّة شكور: مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل: أصله من عين شكرى، أي: ممتلئة، فَالشُّكْرُ على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه. والشُّكْرُ ثلاثة أضرب: شُكْرُ القلب، وهو تصوّر النّعمة.

وشُكْرُ اللّسان، وهو الثّناء على المنعم.

وشُكْرُ سائر الجوارح، وهو مكافأة النّعمة بقدر استحقاقه.

وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ : 13] ، فقد قيل (شكرا) انتصب على التّمييز(١) . ومعناه: اعملوا ما تعملونه شكرا لله.

وقيل: (شكرا) مفعول لقوله: (اعملوا) ، وذكر اعملوا ولم يقل اشكروا، لينبّه على التزام الأنواع الثّلاثة من الشّكر بالقلب واللّسان وسائر الجوارح. قال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان : 14] ، ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران : 145] ، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل : 40] ، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، ففيه تنبيه أنّ توفية شكر الله صعب، ولذلك لم يثن بالشّكر من أوليائه إلّا على اثنين، قال في إبراهيم عليه السلام: ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل : 121] ، وقال في نوح: ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء : 3] ، وإذا وصف الله بالشّكر في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن : 17] ، فإنما يعنى به إنعامه على عباده، وجزاؤه بما أقاموه من العبادة. ويقال: ناقة شَكِرَةٌ: ممتلئة الضّرع من اللّبن، وقيل: هو أَشْكَرُ من بروق(٢) ، وهو نبت يخضرّ ويتربّى بأدنى مطر، والشَّكْرُ يكنّى به عن فرج المرأة، وعن النكاح. قال بعضهم(٣) :

271- أإن سألتك ثمن شكرها ... وشبرك أنشأت تطلّها

والشَّكِيرُ: نبت في أصل الشّجرة غضّ، وقد شَكَرَتِ الشّجرةُ: كَثُرَ غصنها.

(١) وتبعه الفيروزآبادي على هذا في البصائر 2/ 335. وقال النحاس: ونصب «شكرا» عند أبي إسحاق من وجهين: أحدهما: اعملوا للشكر، أي: لتشكروا الله عزّ وجل.

والأخرى: أن يكون التقدير: اشْكُرُوا شكرا. راجع: إعراب القرآن 2/ 661.

(٢) في اللسان: البروق: نبت ضعيف ريان، واحدها بروقة.

يقال: أشكر من بروقة. وأقصف من بروقة. راجع: اللسان (برق) ، وأساس البلاغة ص 20.

(٣) الكلام ليحيى بن يعمر، وقد قاله لرجل طالبته امرأته بمهرها.

وهو في عمدة الحفاظ (شكر) ، ومجالس ثعلب 2/ 465، وشرح أدب الكاتب ص 76، تطلّها: تبطل حقّها.