(أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). سورة البقرة، الآية: ١٥٧
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾
عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:
فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:
فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البَيْضُ كالدُّمى
أيْ مِن مَحاسِنِ امْرَأةٍ غَيْرِ امْرَأتِهِ.
وقَوْلِ أبى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إذا ما تَقاضى المَرْءَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ تَقاضاهُ شَيْءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
أيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أيْ مِنِ الغَناءِ.
وكَأنَّ مُراعاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمالَيْنِ في كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ هو الَّذِي دَعا الشَّيْخَ عَبَدَ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ إلى الحُكْمِ بِحُسْنِ وقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ في بَيْتِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ وبَيْتِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وبِقِلَّتِها وتَضاؤُلِها في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الفَلَكُ الدَّوّارُ أبْغَضْتَ سَعْيَهُ ∗∗∗ لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرانِ
لِأنَّها في بَيْتِ أبِي الطَّيِّبِ لا يَتَعَلَّقُ بِها مَعْنى التَّقْلِيلِ كَما هو ظاهِرٌ ولا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوى التَّنْوِيعِ هُنا إذْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ أنَّ مُعَوِّقَ الفَلَكِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا.
والمُرادُ بِالخَوْفِ والجُوعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِما مَعانِيها المُتَبادِرَةُ وهي ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنِ القِلَّةِ وتَألُّبِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، كَما وقَعَ في يَوْمِ الأحْزابِ إذْ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأمّا الجُوعُ فَكَما أصابَهم مِن قِلَّةِ الأزْوادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ونَقْصِ الأمْوالِ ما يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ بِنَخِيلِهِمْ في خُرُوجِهِمْ إلى الغَزْوِ، ونَقْصُ الأنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الوِلادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسائِهِمْ كَما قالَ النّابِغَةُ:
شُعَبُ العِلافِيّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ∗∗∗ والمُحْصَناتُ عَوازِبُ الأطْهارِ
وكَما قالَ الأعْشى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صاحِبَ اليَمامَةِ، بِكَثْرَةِ غَزَواتِهِ:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المَجْدِ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وكَذَلِكَ نَقْصُ الأنْفُسَ بِالِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُصِيبُهم في خِلالِ ذَلِكَ وفِيما بَعْدَهُ مِن مَصائِبَ تَرْجِعُ إلى هاتِهِ الأُمُورِ.
والكَلامُ عَلى الأمْوالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ولَنَبْلُوَنَّكم، والخُطّابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِمُناسَبَةِ أنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ ولَنَبْلُوَنَّكم وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَمِيرَ فِيهِ عِنْدَ مَن تَحَقَّقَ أسالِيبَ العَرَبِ ورَأى في كَلامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسِهِ.
وأُفِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو حُصُولُ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ والهُدى لِلصّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في تَعَلُّقِ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْراتُهم بِواسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إسْنادُ البَلْوى إلى اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ الرَّسُولِ، وإسْنادُ البِشارَةِ بِالخَيْرِ الآتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ.
والكَلامُ عَلى الصَّبْرِ وفَضائِلِهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
ووَصْفُ الصّابِرِينَ بِأنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا﴾ إلَخْ لِإفادَةِ أنَّ صَبْرَهم أكْمَلُ الصَّبْرِ إذْ هو صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ المُصِيبَةِ أنَّهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يَجْزَعُونَ مِمّا يَأْتِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَيُثِيبُهم عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا القَوْلُ المُطابِقُ لِلِاعْتِقادِ إذِ الكَلامُ إنَّما وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ القَوْلُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ تَعْبِيرًا عَمّا في الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَن قالَ هاتِهِ الكَلِماتِ بِدُونِ اعْتِقادٍ لَها فَضْلٌ وإنَّما هو كالَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ، وقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ لِتَكُونَ شِعارَهم عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَقْوى بِالتَّصْرِيحِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الحِسِّ، ولِأنَّ في تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إعْلانًا لِهَذا الِاعْتِقادِ وتَعْلِيمًا لَهُ لِلنّاسِ. والمُصِيبَةُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والتَّوْكِيدُ بِإنَّ في قَوْلِهِمْ إنّا لِلَّهِ لِأنَّ المُقامَ مَقامُ اهْتِمامٍ، ولِأنَّهُ يُنْزِلُ المُصابَ فِيهِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعالى وعَبْدًا لَهُ إذْ تُنْسِيهِ المُصِيبَةُ ذَلِكَ ويَحُولُ هَوْلُها بَيْنَهُ وبَيْنَ رُشْدِهِ. واللّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ السّابِقَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا بَيانٌ لِجَزاءِ صَبْرِهِمْ. والصَّلَواتُ هُنا مَجازٌ في التَّزْكِياتِ والمَغْفِراتِ ولِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها الرَّحْمَةُ الَّتِي هي مِن مَعانِي الصَّلاةِ مَجازًا في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وحَقِيقَةُ الصَّلاةِ في كَلامِ العَرَبِ أنَّها أقْوالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ لِأحَدٍ، ولِذَلِكَ كانَ أشْهَرُ مَعانِيها هو الدُّعاءَ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] ولِأجْلِ ذَلِكَ كانَ إسْنادُ هَذا الفِعْلِ لِمَن لا يُطْلَبُ الخَيْرُ إلّا مِنهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجازِ في لازِمِ المَعْنى وهو حُصُولُ الخَيْرِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ أوْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ دالَّةً عَلى الرَّحْمَةِ وإيصالِ ما بِهِ النَّفْعُ مِن رَحْمَةٍ أوْ مَغْفِرَةٍ أوْ تَزْكِيَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضِيلَةِ صِفَتِهِمْ إذِ اهْتَدَوْا لِما هو حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ المَصائِبُ ولَمْ تَكُنْ لَهم حاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ في مَقامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِنَ الأكْدارِ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَجْعَلُونَ المَصائِبَ سَبَبًا في اعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ قَوْلِ ما لا يَلِيقُ أوْ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ هَذا هو الدِّينَ المَرْضِيَّ لِلَّهِ لَما لَحِقَنا عَذابٌ ومُصِيبَةٌ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ حَذَّرَنا اللَّهُ أمْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، والقَوْلُ الفَصْلُ أنَّ جَزاءَ الأعْمالِ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِها، وقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ المُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ في الدُّنْيا عَلى سُوءِ أدَبٍ أوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجاتِ النَّفْسِ، ولَها أحْوالٌ ودَقائِقُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها العَبْدُ إذا راقَبَ نَفْسَهُ وحاسَبَها، ولِلَّهِ تَعالى في الحالَيْنِ لُطْفٌ ونِكايَةٌ يَظْهَرُ أثَرُ أحَدِهِما لِلْعارِفِينَ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {أولئك} : مبتدأٌ، و «صلواتٌ» مبتدأٌ ثانٍ، و «عليهم» خبرُه مقدَّمٌ عليه، والجملةُ خبرُ قولِه «أولئك» ، ويجوزُ أَنْ تكونَ «صلوات» فاعلاً بقوله: «عليهم» . قال أبو البقاء: «لأنه قد قَوِيَ بوقوعِهِ خبراً. والجملةُ من قولِه:» أولئك «وما بعدَه خبرُ» الذين «على أحِد الأوجه المتقدِّمِة، أو لا محلَّ لها على غيرِه من الأوجه، و» قالوا «هو العاملُ في» إذا «لأنه جوابُها، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، وتقدَّم أنها هل تقتضي التكرارَ أم لا؟ قوله: {إِنَّا للَّهِ} » إنَّ واسمُها وخبرُها في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والأصل: إنَّنا بثلاث نوناتٍ، فَحُذِفَتِ الأخيرةُ من إنَّ لا الأولى، لأنه قد عُهِدَ حَذْفُها، ولأنها طَرَفٌ والأطرافُ أَوْلَى بالحَذْفِ، لا يُقال: «إنها لو حُذِفَتِ الثانيةُ لكانَتْ مخففةً، والمخففةُ لا تعملُ على الأفصح فكانَ ينبغي أن تُلْغَى فينفصلَ الضميرُ المرفوعُ حينئذٍ إذ لا عمل لها فيه، فدلَّ عَدَمُ ذلك على أنَّ المحذوفَ النونُ الأولى» لأنَّ هذا الحَذْفَ حَذْفٌ لتوالي الأمثالِ لا ذاك الحَذْفُ المعهود في «إنَّ» و «أصابَتْهم مصيبةٌ» من التجانسِ المغاير، إذ إحدى كلمتي المادةِ اسمٌ والأخرى فِعْلٌ، ومثلُه: {أَزِفَتِ الآزفة} [النجم: 57] {وَقَعَتِ الواقعة} [الواقعة: 1] قوله: {وَرَحْمَةٌ} عَطْفٌ على الصلاة وإن كانَتْ بمعناها، فإنَّ الصلاةَ من الله رحمةٌ لاختلافِ اللفظين كقولِه:
778 - وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراهِشَيْهِ ... وأَلْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنَا
وقوله:
779 - أَلا حَبَّذا هِنْدٌ وأرضٌ بها هندٌ ... وهندٌ أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
قولُه: {مِّن رَّبِّهِمْ} فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لصلوات، و «مِنْ» للابتداءِ، فهو في محلِّ رفعٍ أي: صلواتٌ كائنةٌ من ربهم. والثاني: أن يتعلَّقَ بما تَضَمَنَّه قولُه «عليهم» من الفعل إذا جَعَلْناه رافعاً لصلوات رَفْعَ الفاعلِ، فعلى الأولِ يكونُ قد حَذَفَ الصفةَ بعد «رحمة» أي: ورحمةٌ منه، وعلى الثاني لا يَحْتاج إلى ذلك. وقولُه {وأولئك هُمُ المهتدون} نظيرُ: {وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 5] .
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
صلا
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
صلا
أصل الصَّلْيُ الإيقادُ بالنار، ويقال: صَلِيَ بالنار وبكذا، أي: بلي بها، واصْطَلَى بها، وصَلَيْتُ الشاةَ: شويتها، وهي مَصْلِيَّةٌ. قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ [يس : 64] ، وقال: ﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى﴾ [الأعلى : 12] ، ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ [الغاشية : 4] ، ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ [الانشقاق : 12] ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء : 10] ، قرئ: سَيَصْلَوْنَ(١) بضمّ الياء وفتحها، ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها﴾ [المجادلة : 8] ، ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر : 26] ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة : 94] ، وقوله: ﴿لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل : 15-16] ، فقد قيل: معناه لا يَصْطَلِي بها إلّا الأشقى الذي. قال الخليل: صَلِيَ الكافرُ النار: قاسى حرّها(٢) ، ﴿يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة : 8] ، وقيل: صَلَى النارَ: دخل فيها، وأَصْلَاهَا غيرَهُ، قال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً﴾ [النساء : 30] ، ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم : 70] ، قيل: جمع صَالٍ، والصَّلَاءُ يقال للوقود وللشّواء. والصَّلاةُ، قال كثير من أهل اللّغة: هي الدّعاء، والتّبريك والتّمجيد(٣) ، يقال: صَلَّيْتُ عليه، أي: دعوت له وزكّيت، وقال عليه السلام: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فَلْيُصَلِّ»(٤) أي: ليدع لأهله، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة : 103] ، ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب : 56] ، ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة : 99] ، وصَلَاةُ اللهِ للمسلمين هو في التّحقيق: تزكيته إيّاهم. وقال: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة : 157] ، ومن الملائكة هي الدّعاء والاستغفار، كما هي من النّاس(٥) . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ﴾ [الأحزاب : 56] ، والصَّلَاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها: الدّعاء، وسمّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمّنه، والصَّلَاةُ من العبادات التي لم تنفكّ شريعة منها، وإن اختلفت صورها بحسب شرع فشرع. ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء : 103] ، وقال بعضهم: أصلُ الصَّلَاةِ من الصَّلَى(٦) ، قال: ومعنى صَلَّى الرّجلُ، أي: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة الصَّلَى الذي هو نار الله الموقدة. وبناء صَلَّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويسمّى موضع العبادة الصَّلَاةَ، ولذلك سمّيت الكنائس صَلَوَاتٌ، كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ﴾ [الحج : 40] ، وكلّ موضع مدح الله تعالى بفعل الصَّلَاةِ أو حثّ عليه ذكر بلفظ الإقامة، نحو: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء : 162] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 43] ، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة : 277] ، ولم يقل: المُصَلِّينَ إلّا في المنافقين، نحو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون : 4-5] ، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى﴾ [التوبة : 54] ، وإنما خصّ لفظ الإقامة تنبيها أنّ المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا روي (أنّ المُصَلِّينَ كثير والمقيمين لها قليل)(٧) ، وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر : 43] ، أي: من أتباع النّبيّين، وقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة : 31] ، تنبيها أنه لم يكن ممّن يُصَلِّي، أي يأتي بهيئتها فضلا عمّن يقيمها. وقوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال : 35] ، فتسمية صَلَاتِهِمْ مكاء وتصدية تنبيه على إبطال صلاتهم، وأنّ فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تمكو وتصدي، وفائدة تكرار الصلاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون : 1-2] إلى آخر القصّة حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون : 9] ، فإنّا نذكره فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله(٨) .
(١) وهي قراءة ابن عامر وشعبة. انظر: الإتحاف ص 186.
(٢) انظر: العين 7/ 154.
(٣) ونقل هذا السخاوي في القول البديع ص 11، وهو قول الخازرنجي صاحب تكملة العين. انظر تفسير الرازي 2/ 29.
(٤) الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصلّ» أخرجه مسلم في النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي برقم (1431) ، وأحمد في المسند 3/ 392، وانظر: شرح السنة 6/ 375.
(٥) قال السخاوي: نقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الربّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وقيل: صلاة الملائكة الدعاء. انظر: القول البديع ص 10.
- وردّ هذا القول ابن القيم في جلاء الأفهام ص 81.
(٦) صلاء النار: حرّها.
(٧) ومثله قول عمر رضي الله عنه: الموسم كثير، والحج قليل، ذكره المؤلف في مقدمة تفسيره ص 157.
(٨) قال البقاعي: ولمّا كانت الصلاة من أجلّ ما عهد فيه من أمر الدين وآكده، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ التي وصفوا بالخشوع فيها يُحافِظُونَ أي: يجدّدون تعهدها بغاية جهدهم، لا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها. ا. هـ. نظم الدرر: 1 3/ 109.
رحم
رحم
الرَّحِمُ: رَحِمُ المرأة، وامرأة رَحُومٌ تشتكي رحمها. ومنه استعير الرَّحِمُ للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، يقال: رَحِمٌ ورُحْمٌ.قال تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف : 81] ، والرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارة في الرّقّة المجرّدة، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقّة، نحو: رَحِمَ الله فلانا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلّا الإحسان المجرّد دون الرّقّة، وعلى هذا روي أنّ الرَّحْمَةَ من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميّين رقّة وتعطّف. وعلى هذا قول النّبيّ ﷺ ذاكرا عن ربّه «أنّه لمّا خلق الرَّحِمَ قال له: أنا الرّحمن، وأنت الرّحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتتّه»(١) فذلك إشارة إلى ما تقدّم، وهو أنّ الرَّحْمَةَ منطوية على معنيين: الرّقّة والإحسان، فركّز تعالى في طبائع الناس الرّقّة، وتفرّد بالإحسان، فصار كما أنّ لفظ الرَّحِمِ من الرّحمة، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما. والرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ، نحو: ندمان ونديم، ولا يطلق الرَّحْمَنُ إلّا على الله تعالى من حيث إنّ معناه لا يصحّ إلّا له، إذ هو الذي وسع كلّ شيء رَحْمَةً، والرَّحِيمُ يستعمل في غيره وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة : 182] ، وقال في صفة النبيّ ﷺ: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة : 128] ، وقيل: إنّ الله تعالى: هو رحمن الدّنيا، ورحيم الآخرة، وذلك أنّ إحسانه في الدّنيا يعمّ المؤمنين والكافرين، وفي الآخرة يختصّ بالمؤمنين، وعلى هذا قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف : 156] ، تنبيها أنها في الدّنيا عامّة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصّة بالمؤمني
(١) الحديث، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح، انظر: عارضة الأحوذي 8/ 10، وأخرجه الحاكم 4/ 157 وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد برقم 1680، وأبو داود في الزكاة برقم 1694، باب صلة الرحم. وانظر: شرح السنة 1/ 179- 180.
هدى
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
هدى
الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت.
نحو: أهديت الهديّة، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات : 23] ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج : 4] . قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التّهكّم مبالغة في المعنى كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21] وقول الشاعر:
457- تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأوّل: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه : 50] .
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء : 73] .
الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس : 9] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت : 69] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ [مريم : 76] ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة : 213] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة : 213] .
الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد : 5] ، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف : 43] إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا(٢) .
وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله(٣) . ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52] ، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة : 24] ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد : 7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56] وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التّوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرّابعة التي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة. نحو قوله عزّ وجلّ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٤) [آل عمران : 86] وكقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [النحل : 107] وكلّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختصّ من الدّعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتّوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عزّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة : 272] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل : 81] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر : 36] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر : 37] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس : 99] ، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء : 97] ، أي: طالب الهدى ومتحرّيه هو الذي يوفّقه ويَهْدِيهِ إلى طريق الجنّة لا من ضادّه، فيتحرّى طريق الضّلال والكفر كقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ [التوبة : 37] ، وفي أخرى الظَّالِمِينَ [التوبة : 109] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] الكاذب الكفّار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإنّ ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هِدَايَتَهُ لم يهده، كقولك: من لم يقبل هَدِيَّتِي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيّتي لم أعطه، ومن رغب عنّي لم أرغب فيه، وعلى هذا النحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] وفي أخرى: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة : 80] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ [يونس : 35] ، وقد قرئ: يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى(٥) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف : 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل : 73] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان : 3] ، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ(٦) ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف : 30] ، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص : 56] ، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن : 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران : 101] ، ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : 87] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس : 35] وقال: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات : 18-19] .
وما عدّي بنفسه نحو: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] ، ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات : 118] ، ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء : 88] ، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء : 168] ، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس : 43] ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 175] .
ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين: تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ. فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة : 109] ، وَالْكافِرِينَ [التوبة : 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت : 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ(٧) [البقرة : 142-143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة : 6] ، ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء : 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب : 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد : 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة : 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً.
والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 2] ، ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة : 5] ، ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 185] ، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة : 38] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾ [الأنعام : 71] ، ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 138] ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام : 35] ، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل : 37] ، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة : 16] .
والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام : 97] ، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء : 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 53] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 150] ، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران : 20] ، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة : 137] .
ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة : 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل : 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل : 24] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه : 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(٨) [البقرة : 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 49] .
والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت. قال الأخفش(٩) : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة : 196] ، ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة : 95] ، ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة : 2] ، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح : 25] .
والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل : 35] ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل : 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:
467- وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا(١٠)
والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.
(١) العجز لعمرو بن معديكرب، وشطره: [وخيل قد دلفت لها بخيل] .
وهو في ديوانه ص 149، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، والمقتضب 2/ 20، وتفسير الطبري 1/ 310.
(٢) الآية: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ، وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
(٣) قد نقل ابن القيم هذه الهدايات الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/ 35- 37.
(٤) الآية: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.
(٦) مجاز القرآن 2/ 299.
(٧) الآيتان: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
(٨) الآيتان: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
(٩) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.
(١٠) البيت يروى: وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه
وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.