(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). سورة البقرة، الآية: ١٧٣
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ذَلِكَ أنَّ الإذْنَ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ ما هي الطَّيِّباتُ فَجاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ مُبَيِّنًا المُحَرَّماتِ وهي أضْدادُ الطَّيِّباتِ، لِتُعْرَفَ الطَّيِّباتُ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الحَصْرِ، وإنَّما سَلَكَ طَرِيقَ بَيانِ ضِدَّ الطَّيِّباتِ لِلِاخْتِصارِ؛ فَإنَّ المُحَرَّماتِ قَلِيلَةٌ، ولِأنَّ في هَذا الحَصْرِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّباتِ وأحَلُّوا المَيْتَةَ والدَّمَ، ولَمّا كانَ القَصْرُ هُنا حَقِيقِيًّا لِأنَّ المُخاطَبَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وهم لا يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ما يُشْرَعُ لَهم، لَمْ يَكُنْ في هَذا القَصْرِ قَلْبُ اعْتِقادِ أحَدٍ وإنَّما حَصَلَ الرَّدُّ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ. وإنَّما بِمَعْنى ”ما وإلّا“ أيْ ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا المَيْتَةَ وما عُطِفَ عَلَيْها، ومَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ أنَّ المَقْصُودَ ما حَرَّمَ مِنَ المَأْكُولاتِ.
والحَرامُ: المَمْنُوعُ مَنعًا شَدِيدًا.
والمَيْتَةُ بِالتَّخْفِيفِ هي في أصْلِ اللُّغَةِ الذّاتُ الَّتِي أصابَها المَوْتُ فَمُخَفَّفُها ومُشَدَّدُها سَواءٌ كالمَيِّتِ والمَيْتِ، ثُمَّ خُصَّ المُخَفَّفُ مَعَ التَّأْنِيثِ بِالدّابَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ ذَكاتُها إذا ماتَتْ بِدُونِ ذَكاةٍ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن نَقْلِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ قِبَلَ الشَّرْعِ وهو الظّاهِرُ بِدَلِيلِ إطْلاقِها في القُرْآنِ عَلى هَذا المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ المَيْتَةَ بِتَخْفِيفِ الياءِ وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ.
وإضافَةُ التَّحْرِيمِ إلى ذاتِ المَيْتَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها هو مِنَ المَسْألَةِ المُلَقَّبَةِ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، ومَحْمَلُهُ عَلى تَحْرِيمِ ما يُقْصَدُ مِن تِلْكَ العَيْنِ بِاعْتِبارِ نَوْعِها نَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أوْ بِاعْتِبارِ المَقامِ نَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَيُقَدَّرُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُضافٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أوْ يُقالُ: أُقِيمَ اسْمُ الذّاتِ مَقامَ الفِعْلِ المَقْصُودِ مِنها لِلْمُبالَغَةِ، فَإذا تَعَيَّنَ ما تَقْصِدُ لَهُ قُصِرَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ عَلى ذَلِكَ، وإلّا عُمِّمَ احْتِياطًا، فَنَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مُتَعَيَّنٌ لِحُرْمَةِ تَزَوُّجِهِنَّ وما هو مِن تَوابِعِ ذَلِكَ كَما اقْتَضاهُ السِّياقُ، فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ يَحْرُمَ تَقْبِيلُهُنَّ أوْ مُحادَثَتُهُنَّ، ونَحْوُ: فاجْتَنِبُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَيْسِرِ والأزْلامُ مُتَعَيَّنٌ لِاجْتِنابِ اللَّعِبِ بِها دُونَ نَجاسَةِ ذَواتِها، والمَيْتَةُ هُنا عامٌّ؛ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ، فَتَحْرِيمُ أكْلِ المَيْتَةِ هو نَصُّ الآيَةِ وصَرِيحُها لِوُقُوعِ فِعْلِ حَرَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وهَذا القَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، واخْتَلَفُوا فِيما عَدا الأكْلِ مِن الِانْتِفاعِ بِأجْزاءِ المَيْتَةِ كالِانْتِفاعِ بِصُوفِها وما لا يَتَّصِلُ بِلَحْمِها مِمّا كانَ يُنْتَزَعُ مِنها في وقْتِ حَياتِها، فَقالَ مالِكٌ: يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ، ولا يُنْتَفَعُ بِقَرْنِها وأظْلافِها ورِيشِها وأنْيابِها لِأنَّ فِيها حَياةً إلّا نابَ الفِيلِ المُسَمّى العاجَ، ولَيْسَ دَلِيلُهُ عَلى هَذا التَّحْرِيمِ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ أُخِذَ بِدَلالَةِ الإشارَةِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ أكْلِ المَيْتَةِ أشارَ إلى خَباثَةِ لَحْمِها وما في مَعْناها، وقالَ الشّافِعِيُّ: يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِكُلِّ أجْزاءِ المَيْتَةِ، ولا دَلِيلَ لَهُ مِن فِعْلِ حَرَّمَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ في حَيِّزِ الإثْباتِ لا عُمُومَ لَهُ، ولِأنَّ لَفْظَ المَيْتَةِ كُلٌّ ولَيْسَ كُلِّيًّا فَلَيْسَ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَيَرْجِعُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ إلى مَسْألَةِ الخِلافِ في الأخْذِ بِأوائِلِ الأسْماءِ أوْ أواخِرِها وهي مَسْألَةٌ تَرْجِعُ إلى إعْمالِ دَلِيلِ الِاحْتِياطِ وفِيهِ مَراتِبُ وعَلَيْهِ قَرائِنُ ولا أحْسُبَها مُتَوافِرَةً هُنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِالمَيْتَةِ بِوَجْهٍ ولا يُطْعَمُها الكِلابُ ولا الجَوارِحُ، لِأنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها وقَدْ حَرَّمَها اللَّهُ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا مُعَلَّقًا بِعَيْنِها مُؤَكَّدًا بِهِ حُكْمُ الحَظْرِ، فَقَوْلُهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِ مالِكٍ فِيما عَدا اسْتِدْلالَهُ.
وأمّا جِلْدُ المَيْتَةِ فَلَهُ شِبْهٌ مِن جِهَةٍ ظاهِرِهِ كَشِبْهِ الشَّعْرِ والصُّوفِ، ومِن جِهَةِ باطِنِهِ كَشِبْهِ اللَّحْمِ، ولِتَعارُضِ هَذَيْنِ الشِّبْهَيْنِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الِانْتِفاعِ بِجِلْدِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَ فَقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا يَطْهُرُ جِلْدُ المَيْتَةِ بِالدَّبْغِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ ما عَدا جِلْدَ الخِنْزِيرِ، لِأنَّهُ مُحَرَّمُ العَيْنِ، ونُسِبَ هَذا إلى الزُّهْرِيِّ، وألْحَقَ الشّافِعِيُّ جِلْدَ الكَلْبِ بِجِلْدِ الخِنْزِيرِ، وقالَ مالِكٌ: يَطْهُرُ ظاهِرُ الجِلْدِ بِالدَّبْغِ لِأنَّهُ يَصِيرُ صُلْبًا لا يُداخِلُهُ ما يُجاوِرُهُ، وأمّا باطِنُهُ فَلا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ ولِذَلِكَ قالَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ جِلْدِ المَيْتَةِ المَدْبُوغِ في غَيْرِ وضْعِ الماءِ فِيهِ، ومَنَعَ أنْ يُصَلّى بِهِ أوْ عَلَيْهِ، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ أرْجَحُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى شاةً مَيْتَةً كانَتْ لِمَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: هَلّا أخَذْتُمْ إهابَها فَدَبَغْتُمُوهُ فانْتَفَعْتُمْ بِهِ»، ولِما جاءَ في الحَدِيثِ الآخَرِ مِن قَوْلِهِ «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، ويَظْهَرُ أنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ لَمْ يَبْلُغا مَبْلَغَ الصِّحَّةِ عِنْدَ مالِكٍ ولَكِنَّ صِحَّتَهُما ثَبَتَتْ عِنْدَ غَيْرِهِ، والقِياسُ يَقْتَضِي طَهارَةَ الجِلْدِ المَدْبُوغِ لِأنَّ الدَّبْغَ يُزِيلُ ما في الجِلْدِ مِن تَوَقُّعِ العُفُونَةِ العارِضَةِ لِلْحَيَوانِ غَيْرِ المُذَكّى فَهو مُزِيلٌ لِمَعْنى القَذارَةِ والخَباثَةِ العارِضَتَيْنِ لِلْمَيْتَةِ.
ويُسْتَثْنى مِن عُمُومِ المَيْتَةِ مَيْتَةُ الحُوتِ ونَحْوِهِ مِن دَوابِّ البَحْرِ الَّتِي لا تَعِيشُ في البَرِّ وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
واعْلَمْ أنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ فِيما أرى هي أنَّ الحَيَوانَ لا يَمُوتُ غالِبًا إلّا وقَدْ أُصِيبَ بِعِلَّةٍ والعِلَلُ مُخْتَلِفَةٌ وهي تَتْرُكُ في لَحْمِ الحَيَوانِ أجْزاءً مِنها فَإذا أكَلَها الإنْسانُ قَدْ يُخالِطُ جُزْءًا مِن دَمِهِ جَراثِيمُ الأمْراضِ، مَعَ أنَّ الدَّمَ الَّذِي في الحَيَوانِ إذا وقَفَتْ دَوْرَتُهُ غُلِّبَتْ فِيهِ الأجْزاءُ الضّارَّةُ عَلى الأجْزاءِ النّافِعَةِ، ولِذَلِكَ شُرِعَتِ الذَّكاةُ لِأنَّ المُذَكّى ماتَ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ غالِبًا ولِأنَّ إراقَةَ الدَّمِ الَّذِي فِيهِ تَجْعَلُ لَحْمَهُ نَقِيًّا مِمّا يُخْشى مِنهُ أضْرارٌ.
ومِن أجْلِ هَذا قالَ مالِكٌ في الجَنِينِ: أنَّ ذَكاتَهُ ذَكاةُ أُمِّهِ؛ لِأنَّهُ لِاتِّصالِهِ بِأجْزاءِ أمِّهِ صارَ اسْتِفْراغُ دَمِ أُمِّهِ اسْتِفْراغًا لِدَمِهِ، ولِذَلِكَ يَمُوتُ بِمَوْتِها فَسَلِمَ مِن عاهَةِ المَيْتَةِ وهو مَدْلُولُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ الجَنِينُ إذا خَرَجَ مَيْتًا فاعْتَبَرَ أنَّهُ مَيْتَةٌ لَمْ يُذَكَّ، وتَناوَلَ الحَدِيثُ بِما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ، ولَكِنَّ القِياسَ الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَأْيِيدِ مَذْهَبِ مالِكٍ لا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا.
وقَدْ ألْحَقَ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِالحُوتِ الجَرادَ تُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ لِأنَّهُ تَتَعَذَّرُ ذَكاتُهُ وهو قَوْلُ ابْنِ نافِعٍ وابْنِ عَبْدِ الحَكِيمِ مِنَ المالِكِيَّةِ تَمَسُّكًا بِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ كُنّا نَأْكُلُ الجَرادَ مَعَهُ» اهـ.
وسَواءٌ كانَ مَعَهُ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِنَأْكُلُ أمْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ضَمِيرِكُنّا فَهو يَقْتَضِي الإباحَةَ إمّا بِأكْلِهِ ﷺ إيّاهُ وإمّا بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ فَتُخَصُّ بِهِ الآيَةُ لِأنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وأمّا حَدِيثُ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» فَلا يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ كَما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، ومَنَعَهُ مالِكٌ وجُمْهُورُ أصْحابِهِ إلّا أنْ يُذَكّى ذَكاةَ أمْثالِهِ كالطَّرْحِ في الماءِ السّاخْنِ أوْ قَطْعِ ما لا يَعِيشُ بِقَطْعِهِ.
ولَعَلَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَضْعَفَ الحَدِيثَ الَّذِي في مُسْلِمٍ أوْ حَمَلَهُ عَلى الِاضْطِرارِ في السَّفَرِ أوْ حَمَلَهُ عَلى أنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ الذَّكاةِ قالَ ابْنُ وهْبٍ: إنَّ ضَمَّ الجَرادِ في غَرائِرَ فَضَمُّهُ ذَلِكَ ذَكاةٌ لَهُ، وقَدْ ذَكَرَ في المُوَطَّأِ حَدِيثَ عُمَرَ وقَوْلَ كَعْبِ الأحْبارِ في الجَرادِ إنَّهُ مِنَ الحُوتِ وبَيَّنْتُ تَوَهُّمَ كَعْبِ الأحْبارِ في كِتابِي المُسَمّى ”كَشْفُ المُغَطّى عَلى المُوَطّا“ .
وأمّا الدَّمُ فَإنَّما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَأْكُلُ الدَّمَ، كانُوا يَأْخُذُونَ المَباعِرَ فَيَمْلَئُونَها دَمًا ثُمَّ يَشْوُونَها بِالنّارِ ويَأْكُلُونَها، وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ الدَّمِ أنَّ شُرْبَهُ يُورِثُ ضَراوَةً في الإنْسانِ فَتَغْلُظُ طِباعُهُ ويَصِيرُ كالحَيَوانِ المُفْتَرِسِ، وهَذا مُنافٍ لِمَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ، لِأنَّها جاءَتْ لِإتْمامِ مَكارِمِ الأخْلاقِ وإبْعادِ الإنْسانِ عَنِ التَّهَوُّرِ والهَمَجِيَّةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ في بَعْضِ الآياتِ بِالمَسْفُوحِ أيِ المِهْراقِ، لِأنَّهُ كَثِيرٌ لَوْ تَناوَلَهُ الإنْسانُ اعْتادَهُ ولَوِ اعْتادَهُ أوْرَثَهُ ضَراوَةً، ولِذا عَفَّتِ الشَّرِيعَةُ عَمّا يَبْقى في العُرُوقِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّمِ المَسْفُوحِ بِالذَّبْحِ أوِ النَّحْرِ، وقاسَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ نَجاسَةَ الدَّمِ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِهِ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، ومَدارِكُهم في ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، ولَعَلَّهم رَأوْا مَعَ ذَلِكَ أنَّ فِيهِ قَذارَةً.
والدَّمُ مَعْرُوفٌ مَدْلُولُهُ في اللُّغَةِ وهو إفْرازٌ مِنَ المُفْرَزاتِ النّاشِئَةِ عَنِ الغِذاءِ وبِهِ الحَياةُ وأصْلُ خِلْقَتِهِ في الجَسَدِ آتٍ مِنَ انْقِلابِ دَمِ الحَيْضِ في رَحِمِ الحامِلِ إلى جَسَدِ الجَنِينِ بِواسِطَةِ المُصْرانِ المُتَّصِلِ بَيْنَ الرَّحِمِ وجَسَدِ الجَنِينِ وهو الَّذِي يُقْطَعُ حِينَ الوِلادَةِ، وتَجَدُّدُهُ في جَسَدِ الحَيَوانِ بَعْدَ بُرُوزِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ يَكُونُ مِنَ الأغْذِيَةِ بِواسِطَةِ هَضْمِ الكَبِدِ لِلْغِذاءِ المُنْحَدَرِ إلَيْها مِنَ المَعِدَةِ بَعْدَ هَضْمِهِ في المَعِدَةِ ويَخْرُجُ مِنَ الكَبِدِ مَعَ عِرْقٍ فِيها فَيَصْعَدُ إلى القَلْبِ الَّذِي يَدْفَعُهُ إلى الشَّرايِينِ وهي العُرُوقُ الغَلِيظَةُ وإلى العُرُوقِ الرَّقِيقَةِ بِقُوَّةِ حَرَكَةِ القَلْبِ بِالفَتْحِ والإغْلاقِ حَرَكَةً ماكِينِيَّةً هَوائِيَّةً، ثُمَّ يَدُورُ الدَّمُ في العُرُوقِ مُتَنَقِّلًا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ القَلْبِ وتَنَفُّسِ الرِّئَةِ وبِذَلِكَ الدَّوَرانِ يَسْلَمُ مِنَ التَّعَفُّنِ فَلِذَلِكَ إذا تَعَطَّلَتْ دَوْرَتُهُ حِصَّةً طَوِيلَةً ماتَ الحَيَوانُ.
ولَحْمُ الخِنْزِيرِ هو لَحْمُ الحَيَوانِ المَعْرُوفِ بِهَذا الِاسْمِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ العَرَبَ كانُوا يَأْكُلُونَ الخِنْزِيرَ الوَحْشِيَّ دُونَ الإنْسِيِّ، أيْ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا تَرْبِيَةَ الخَنازِيرِ وإذا كانَ التَّحْرِيمُ وارِدًا عَلى الخِنْزِيرِ الوَحْشِيِّ فالخِنْزِيرُ الإنْسِيُّ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ أوْ مُساوٍ لِلْوَحْشِيِّ.
وذِكْرُ اللَّحْمِ هُنا لِأنَّهُ المَقْصُودُ لِلْأكْلِ فَلا دَلالَةَ في ذِكْرِهِ عَلى إباحَةِ شَيْءٍ آخَرَ مِنهُ ولا عَلى عَدَمِها، فَإنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِبَعْضِ الجِسْمِ عَلى جَمِيعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ زَكَرِيّا ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] وأمّا نَجاسَتُهُ ونَجاسَةُ شَعْرِهِ أوْ إباحَتُها فَذَلِكَ غَرَضٌ آخَرُ وهو لَيْسَ المُرادَ مِنَ الآيَةِ. وقَدْ قِيلَ في وجْهِ ذِكْرِ اللَّحْمِ هُنا وتَرْكِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وجُوهٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ المَقْصِدَ الدَّلالَةُ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ ذُكِّيَ أمْ لَمْ يُذَكَّ اهـ. ومُرادُهُ بِهَذا ألّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ إنَّما يُحَرَّمُ إذا كانَ مَيْتَةً وفِيهِ بُعْدٌ، وقالَ الألُوسِيُّ: خَصَّهُ لِإظْهارِ حُرْمَتِهِ، لِأنَّهم فَضَّلُوهُ عَلى سائِرِ اللُّحُومِ فَرُبَّما اسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ اهـ. يُرِيدُ أنَّ ذِكْرَهُ لِزِيادَةِ التَّغْلِيظِ أيْ ذَلِكَ اللَّحْمَ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ بِشَراهَةٍ، ولا أحْسَبُ ذَلِكَ، لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجادُوا لَحْمَ الخِنْزِيرِ هُمُ الرُّومُ دُونَ العَرَبِ، وعِنْدِي أنَّ إقْحامَ لَفْظِ اللَّحْمِ هُنا إمّا مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ في الفَصاحَةِ وإمّا لِلْإيماءِ إلى طَهارَةِ ذاتِهِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، وإنَّما المُحَرَّمُ أكْلُهُ لِئَلّا يُفْضِيَ تَحْرِيمُهُ لِلنّاسِ إلى قَتْلِهِ أوْ تَعْذِيبِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ مالِكٍ بِطَهارَةِ عَيْنِ الخِنْزِيرِ كَسائِرِ الحَيَوانِ الحَيِّ، وإمّا لِلتَّرْخِيصِ في الِانْتِفاعِ بِشَعْرِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَغْرِزُونَ بِهِ الجِلْدَ.
وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ أنَّهُ يَتَناوَلُ القاذُوراتِ بِإفْراطٍ فَتَنْشَأُ في لَحْمِهِ دُودَةٌ مِمّا يَقْتاتُهُ لا تَهْضِمُها مَعِدَتُهُ فَإذا أُصِيبَ بِها آكِلُهُ قَتَلَتْهُ.
ومِن عَجِيبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ المُفَسِّرُونَ والفُقَهاءُ البَحْثُ في حُرْمَةِ خِنْزِيرِ الماءِ وهي مَسْألَةٌ فارِغَةٌ إذْ أسْماءُ أنْواعِ الحُوتِ رُوعِيَتْ فِيها المُشابَهَةُ كَما سَمُّوا بَعْضَ الحُوتِ فَرَسَ البَحْرِ وبَعْضَهُ حَمامَ البَحْرِ وكَلْبَ البَحْرِ، فَكَيْفَ يَقُولُ أحَدٌ بِتَأْثِيرِ الأسْماءِ والألْقابِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وفي المُدَوَّنَةِ تَوَقَّفَ مالِكٌ أنْ يُجِيبَ في خِنْزِيرِ الماءِ وقالَ: أنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ. قالَ ابْنُ شَأْسٍ: رَأى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَوَقُّفَ مالِكٍ حَقِيقَةٌ لِعُمُومِ ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ولَحْمَ الخِنْزِيرِ ورَأى بَعْضُهم أنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ فِيهِ، وإنَّما امْتَنَعَ مِنَ الجَوابِ إنْكارًا عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتَهم إيّاهُ خِنْزِيرًا ولِذَلِكَ قالَ: أنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا يَعْنِي أنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا وأنَّهُ لا يَنْبَغِي تَسْمِيَتُهُ خِنْزِيرًا، ثُمَّ السُّؤالُ عَنْ أكْلِهِ حَتّى يَقُولَ قائِلُونَ أكَلُوا لَحْمَ الخِنْزِيرِ، أيْ فَيَرْجِعُ كَلامُ مالِكٍ إلى صَوْنِ ألْفاظِ الشَّرِيعَةِ ألّا يُتَلاعَبَ بِها، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ مَنَعَ أكْلَ خِنْزِيرِ البَحْرِ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ أخْذًا بِأنَّهُ سُمِّيَ خِنْزِيرًا، وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ وهو المَعْرُوفُ بِصاحِبِ الرَّأْيِ، ومِن أيْنَ لَنا ألّا يَكُونَ لِذَلِكَ الحُوتِ اسْمٌ آخَرُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ فَيَكُونُ أكْلُهُ مُحَرَّمًا عَلى فَرِيقٍ ومُباحًا لِفَرِيقٍ ؟
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ ما أُعْلِنَ بِهِ أوْ نُودِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو مَأْخُوذٌ مِن أهَلَّ إذا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالكَلامِ، ومِثْلُهُ اسْتَهَلَّ ويَقُولُونَ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صارِخًا إذا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالبُكاءِ، وأهَلَّ بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ إذا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ: هَلّا لَقَصْدِ التَّنْبِيهِ المُسْتَلْزِمِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وهَلا أيْضًا اسْمُ صَوْتٍ لِزَجْرِ الخَيْلِ، وقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الهِلالِ، لِأنَّهم كانُوا إذا رَأوُا الهِلالَ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وهو عِنْدِي مِن تَلْفِيقاتِ اللُّغَوِيِّينَ وأهْلِ الِاشْتِقاقِ، ولَعَلَّ اسْمَ الهِلالِ إنْ كانَ مُشْتَقًّا وكانُوا يُصِيحُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وهو الَّذِي اشْتَقَّ مِن هَلَّ وأهَّلَ بِمَعْنى رَفَعَ صَوْتَهُ، لِأنَّ تَصارِيفَ أهَلَّ أكْثَرُ، ولِأنَّهم سَمَّوُا الهِلالَ شَهْرًا مِنَ الشُّهْرَةِ كَما سَيَأْتِي.
وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحَتْ أوْ نَحَرَتْ لِلصَّنَمِ صاحُوا بِاسْمِ الصَّنَمِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقالُوا: بِاسْمِ اللّاتِ أوْ بِاسْمِ العُزّى أوْ نَحْوِهِما، وكَذَلِكَ كانَ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ آلِهَةً إذا قُرِّبَتْ لَها القَرابِينُ، وكانَ نِداءُ المَعْبُودِ ودُعاؤُهُ عِنْدَ الذَّبْحِ إلَيْهِ عِنْدَ اليُونانِ كَما جاءَ في الإلْياذَةِ لِهُومِيرُوسَ.
فَأُهِلَّ في الآيَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أيْ ما أهَلَّ عَلَيْهِ المُهِلُّ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ، وضُمِّنَ أُهِلَّ مَعْنى تُقُرِّبَ فَعُدِّيَ لِمُتَعَلِّقِهِ بِالباءِ وبِاللّامِ مِثْلُ تُقُرِّبَ، فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى ما أُهِلَّ، وفائِدَةُ هَذا التَّضْمِينِ تَحْرِيمُ ما تُقُرِّبَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ نُودِيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ أمْ لا، والمُرادُ بِغَيْرِ اللَّهِ الأصْنامُ ونَحْوُها.
وأمّا ما يَذْبَحُهُ سُودانُ بَلَدِنا بِنِيَّةِ أنَّ الجِنَّ تَشْرَبُ دَمَهُ ولا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ زَعْمًا بِأنَّ الجِنَّ تَفِرُّ مِن نُورانِيَّةِ اسْمِ اللَّهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُهُ وإنْ كانَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مُسْلِمِينَ ولا يُخْرِجُهم ذَلِكَ عَنِ الإسْلامِ.
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ: الأظْهَرُ جَوازُ أكْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلَخْ الفاءُ فِيهِ لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ لا لِتَفْرِيعِ المَعْنى، فَإنَّ مَعْنى رَفْعِ الحَرَجِ عَنِ المُضْطَرِّ لا يَنْشَأُ عَنِ التَّحْرِيمِ، والمُضْطَرُّ هو الَّذِي ألْجَأتْهُ الضَّرُورَةُ أيِ الحاجَةُ أيِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ حالٌ، والبَغْيُ الظُّلْمُ، والعُدْوانُ المُحارَبَةُ والقِتالُ، ومَجِيءُ هَذِهِ الحالِ هُنا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُضْطَرِّ في حالِ إباحَةِ هاتِهِ المُحَرَّماتِ لَهُ بِأنَّهُ بِأكْلِها يَكُونُ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ، لِأنَّ الضَّرُورَةَ تُلْجِئُ إلى البَغْيِ والِاعْتِداءِ فالآيَةُ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الرُّخْصَةِ وهي رَفْعُ البَغْيِ والعُدْوانِ بَيْنَ الأُمَّةِ، وهي أيْضًا إيماءٌ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ وهي الحاجَةُ الَّتِي يَشْعُرُ عِنْدَها مَن لَمْ يَكُنْ دَأبُهُ البَغْيَ والعُدْوانَ بِأنَّهُ سَيَبْغِي ويَعْتَدِي وهَذا تَحْدِيدٌ مُنْضَبِطٌ، فَإنَّ النّاسَ مُتَفاوِتُونَ في تَحَمُّلِ الجُوعِ ولِتَفاوُتِ الأمْزِجَةِ في مُقاوَمَتِهِ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن يُحَدِّدُ الضَّرُورَةَ بِخَشْيَةِ الهَلاكِ ومُرادُهُمُ الإفْضاءُ إلى المَوْتِ والمَرَضِ وإلّا فَإنَّ حالَةَ الإشْرافِ عَلى المَوْتِ لا يَنْفَعُ عِنْدَها الأكْلُ، فَعُلِمَ أنَّ نَفْيَ الإثْمِ عَنِ المُضْطَرِّ فِيما يَتَناوَلُهُ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَنُوطٌ بِحالَةِ الِاضْطِرارِ، فَإذا تَناوَلَ ما أزالَ بِهِ الضَّرُورَةَ فَقَدْ عادَ التَّحْرِيمُ كَما كانَ، فالجائِعُ يَأْكُلُ مَن هاتِهِ المُحَرَّماتِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَها أكْلًا يُغْنِيهِ عَنِ الجُوعِ وإذا خافَ أنْ تَسْتَمِرَّ بِهِ الحاجَةُ كَمَن تَوَسَّطَ فَلاةً في سَفَرٍ أنْ يَتَزَوَّدَ مِن بَعْضِ هاتِهِ الأشْياءِ حَتّى إنِ اسْتَغْنى عَنْها طَرَحَها، لِأنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَتَّفِقُ لَهُ وِجْدانُها مَرَّةً أُخْرى، ومِن عَجَبِ الخِلافِ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنْ يُنْسَبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ أنَّ المُضْطَرَّ لا يَشْبَعُ ولا يَتَزَوَّدُ خِلافًا لِمالِكٍ في ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّهُ خِلافٌ لَفْظِيٌّ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ فَكَيْفَ يَأْمُرُ الجائِعَ بِالبَقاءِ عَلى بَعْضِ جُوعِهِ ويَأْمُرُ السّائِرَ بِالإلْقاءِ بِنَفْسِهِ إلى التَّهْلُكَةِ إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ ؟ وقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ بِتَفاسِيرَ أُخْرى: فَعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ غَيْرُ الباغِي والعادِي عَلى الإمامِ لا عاصٍ بِسَفَرِهِ فَلا رُخْصَةَ لَهُ فَلا يَجُوزُ لَهُ أكْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، فَأجابَ المالِكِيَّةَ: بِأنَّ عِصْيانَهُ بِالسَّفَرِ لا يَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ أكْبَرَ وهي إتْلافُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ أكْلِ ما ذُكِرَ وهو إلْجاءٌ مَكِينٌ.
ومِمّا اخْتَلَفُوا في قِياسِهِ عَلى ضَرُورَةِ الجُوعِ ضَرُورَةُ التَّداوِي، فَقِيلَ لا يُتَداوى بِهاتِهِ المُحَرَّماتِ ولا بِشَيْءِ مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ كالخَمْرِ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، ولَمْ يَزَلِ النّاسُ يَسْتَشْكِلُونَهُ لِاتِّحادِ العِلَّةِ وهي حِفْظُ الحَياةِ، وعِنْدِي أنَّ وجْهَهُ أنَّ تَحَقُّقَ العِلَّةِ فِيهِ مُنْتَفٍ إذْ لَمْ يَبْلُغِ العِلْمُ بِخَصائِصِ الأدْوِيَةِ ظَنَّ نَفْعِها كُلِّها إلّا ما جُرِّبَ مِنها، وكَمْ مِن أغْلاطٍ كانَتْ لِلْمُتَطَبِّبِينَ في خَصائِصِ الدَّواءِ، ونَقَلَ الفَخْرُ عَنْ بَعْضِهِمْ إباحَةَ تَناوُلِ المُحَرَّماتِ في الأدْوِيَةِ، وعِنْدِي أنَّهُ إذا وقَعَ قُوَّةُ ظَنِّ الأطِبّاءِ الثِّقاتِ بِنَفْعِ الدَّواءِ المُحَرَّمِ مِن مَرَضٍ عَظِيمٍ وتَعَيُّنِهِ أوْ غَلَبَ ذَلِكَ في التَّجْرِبَةِ فالجَوازُ قِياسًا عَلى أكْلِ المُضْطَرِّ وإلّا فَلا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: فَمَنِ اضْطِرَّ بِكَسْرِ الطّاءِ، لِأنَّ أصْلَهُ اضْطُرِرَ بِراءَيْنِ أُولاهُما مَكْسُورَةٌ فَلَمّا أُرِيدَ إدْغامُ الرّاءِ الأُولى في الثّانِيَةِ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الطّاءِ بَعْدَ طَرْحِ حَرَكَةِ الطّاءِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ الِامْتِنانُ، أيْ إنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَلا جَرَمَ أنْ يَغْفِرَ لِلْمُضْطَرِّ أكْلَ المَيْتَةِ لِأنَّهُ رَحِيمٌ بِالنّاسِ، فالمَغْفِرَةُ هُنا بِمَعْنى التَّجاوُزِ عَمّا تُمْكِنُ المُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى تَجاوُزِ الذَّنْبِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ في رُؤْيا القَلِيبِ وفي نَزْعِهِ ضَعْفٌ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ رَفْعَ الإثْمِ عَنِ المُضْطَرِّ حُكْمٌ يُناسِبُ مَنِ اتَّصَفَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة} : الجمهُور قرؤوا «حَرَّم» مشدَّد مبنياً للفاعِلِ، «الميتة» نصباً، على أنَّ «ما» كافةٌ مهيِّئَةٌ لإِنَّ في الدخولِ على هذه الجملَةِ الفعليةِ، وفاعلُ «حَرَّم» ضَمِيرُ اللَّهِ تعالى. و «الميتةَ» مفعولٌ به. وابنُ أبي عبلة برفع الميتة وما بعدَها. وتخريجُ هذه القراءةِ سهلٌ، وهو أن تكونَ «ما» موصولةً، و «حَرَّمَ» صلتها، والفاعلُ ضميرُ اللَّهِ تعالى، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، تقديرُهُ: حَرَّمه، والموصولُ وصلتُه في محلِّ نصبٍ اسمُ «إنَّ» و «الميتةُ» خبرُها.
وقرأ أبو جعفر: «حُرَّم» مبنياً للمفعولِ، فتحتملُ «ما» في هذه القراءةِ وجهين، أحدُهما: أن تكونَ «ما» مهيِّئَةً، و «الميتةُ» مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه والثاني: أن تكون موصولةً، فمفعولُ «حَرَّمَ» القائم مقامَ الفاعلِ ضميرٌ مستكنٌ يعود على «ما» الموصولةِ، و «الميتةُ» خبرُ «إنَّ» .
وقرأ أبو عبدِ الرحمن السُّلَّمي: «حَرُمَ» بضمِّ الراء مخففةً، و «الميتةُ» رفعاً «و» ما «تحتملُ الوجهين أيضاً، فتكونُ مهيئةً، و» الميتةُ «فاعلٌ بحَرُم، أو موصولةً، والفاعلُ ضميرٌ يعودُ على» ما «، وهي اسمُ» إنَّ «، و» الميتةُ «خبرُها.
والجمهورُ على تخفيفِ» المَيْتَة «في جميع القرآنِ، وأبو جَعْفَرٍ بالتشديدِ وهو الأصل، وهذا كما تقدَّم في أنَّ» المَيْت «مخفَّفٌ من» الميِّت «وأن أصلَه: مَيْوِت، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند قولِهِ {وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} [الآية: 27] في آلِ عمران. ويُحْكَى عن قدماءِ النحاة أن» المَيْت «بالتخفيف مَنْ فارقَتْ روحُهُ جسدَه، وبالتشديد مَنْ عايَنَ أسبابَ الموتِ ولم يَمُتْ. وحكى ابنُ عطية عن أبي حاتم أنَّ ما قد ماتَ يُقالان فيه، وما لم يَمُتْ بعدُ لا يقال فيه بالتخفيفِ، ثم قال:» ولم يَقْرَأ أحدٌ بتخفيفِ ما لم يَمُتْ إلا ما رَوَى البزي عن ابنِ كثير: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: 17] . وأمَّا قولُه:
816 - إذا ما ماتَ مَيْتٌ من تميمٍ ... فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِىءْ بِزادِ
[فقد حُمِل على مَنْ شارَفَ الموتَ، وحَمْلُه على الميتِ حقيقةً أبلغُ في الهجاء] .
وأصل «مَيِّتة» : مَيْوِتَة، فَأُعِلَّتْ بقَلْبِ الواوِ ياءً وإدغامِ الياءِ فيها، وقال الكوفيون: أصلُه: مَوِيت، ووزنُه فَعيل.
واللحمُ معروفٌ، وجمعه لُحوم ولُحْمان، يُقال: لَحُمَ الرجلُ بالضم لحامةً فهو لَحِيم، أي: غَلُظَ، ولَحِمَ بالكسر يَلْحَم بالفتح فهو لَحِم: اشتاق إلى اللَّحْم وألحمَ الناسُ فهو لاحِمٌ، أي: أَطعَمَهم اللحمَ، وأَلْحَمَ كثُر عنده اللحمُ.
والخنزير حيوانٌ معروفٌ، وفي نونِه قولانِ؛ أصحُّهما أنَّها أصليةٌ ووزنُه فِعْليل كغِرْبيب. والثاني: أنها زائدةٌ اشتقُّوه من خَزَر العَيْنِ أي: ضيقها لأنه كذلك يَنْظُر. وقيل: الخَزَرُ النظرُ بمؤخَّرِ العَيْنِ، يقال: هو أَخْزَرُ بيِّنُ الخَزَرِ.
قوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ} «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، ومَحَلُّهما: إمَّا النصبُ وإمَّا لرفعُ عطفاً على «الميِّتة» ، والرفعُ: إمَّا على خبر إنَّ، وإمَّا على الفاعلية على حَسَبِ ما تقدَّم من القراءاتِ. و «أُهِلَّ» مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ هو الجارُّ والمجرورُ في «به» ، والضميرُ يعودُ على «ما» ، والباءُ بمعنى «في» . ولا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: في ذَبْحِه، لأنَّ المعنى وما صَحَّ في ذَبْحِه لغَيْرِ اللهِ. والإِهلالُ: مصدرُ أَهَلَّ أي: صَرَخَ ورفَع صوتَه ومنه: الهِلال لأنه يُصرَخُ عند رؤيتِه، واستهَلَّ الصبيُّ. قال ابن أحمر:
817 - يُهِلُّ بالغَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرُ قال النابغة:
818 - أو دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ متى يَرَها يَهِلُّ ويَسْجُدُ
وقال:
819 - تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقتلى هُذَيْلٍ ... وترى الذئبَ لها يَسْتَهِلُّ
قوله: {فَمَنِ اضطر} في «مَنْ» وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي، فعلى الأولِ يكونُ «اضطُرَّ» في محلِّ جَزْم بها.
وقوله: {فلا إِثْمَ} جوابُ الشرطِ، والفاءُ فيه لازمةٌ. وعلى الثاني لا محلَّ لقولِه: «اضطُّرَّ» من الإِعرابِ لوقوعهِ صلةً، ودخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً للموصولِ بالشرطِ. ومحلُّ {فلا إِثْمَ عَلَيْهِ} الجزمُ على الأولِ والرفعُ على الثاني.
والجمهورُ على «اضْطُرَّ» بضمِّ الطاءِ وهي أصلُها، وقرأ أبو جعفر بكسرها لأنَّ الأصل: «اضْطُرِرَ» بكسرِ الراءِ الأولى، فلمّا أُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ نُقِلَت حركتُها إلى الطاءِ بعد سَلْبِها حَرَكَتَها. وقرأ ابن محيصن: «اطُّرَّ» بإدغام الضادِ في الطاء. وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألةِ بأشبعَ مِنْ هذا عند قولِه: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار} [البقرة: 126] .
وقرأ أبو عمرو وعاصمٌ وحمزةٌ بكسرِ نون «مَنْ» على أصلِ التقاءِ الساكنين، وضَمَّها الباقون إتباعاً لضمِّ الثالث. وليس هذا الخلافُ مقصوراً على هذه الكلمةِ، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين، وضُمَّ الثالثُ ضَمَّاً لازماً نحو: {وَلَقَدِ استهزىء} [الأنعام: 10] {قُلِ ادعوا} [الإسراء: 110] قالتِ اخْرُجْ جرى الخلافُ المذكورُ. إلاَّ أنَّ أبا عمروٍ خرجَ عن أصلِه في {أو} [المزمل: 3] و {قل} [110: الإسراء] فضمَّهما، وابنَ ذكوان خرجَ عن أصلِه فكسر التنوين خاصة نحو: {مَحْظُوراً انظر} [20-21: الإسراء] ، واختُلف عنه في: {بِرَحْمَةٍ ادخلوا} [الأعراف: 49] ، واختُلف عنه في: {خَبِيثَةٍ اجتثت} [إبراهيم: 26] ، وسيأتي بيان الحكمةِ في ذلك عند ذكره إنْ شاء الله تعالى.
قوله: {غَيْرَ بَاغٍ} نصبٌ على الحالِ، واختُلِفَ في صاحبها، فالظاهر أنه هو الضميرُ المستتر في «اضطُرَّ» ، وجَعَلَه القاضي وأبو بكر الرازي من فاعل فعلٍ محذوفٍ بعد قولِه: «اضطُرَّ» ، قالا: تقديرُه: فمَنْ اضطُرَّ فأكلَ غيرَ باغ، كأنهما قصدا بذلك أن يَجْعلاه قيداً في الأكلِ لا في الاضطرارِ.
قال الشيخ «ولا يتعيَّن ما قالاه، إذا يُحْتَملُ أَنْ يكونَ هذا المقدَّرُ بعد قولِه: {غَيْرَ بِاغٍ وَلاَ عَادٍ} بل هو الظاهرُ والأَولى، لأنَّ في تقديره قبل» غيرَ باغ «فصلاً بين ما ظاهرُه الاتصالُ بما بعده، وليس ذلك في تقديره بعد قوله:» غيرَ باغ «.
و» عادٍ «اسمُ فاعلٍ من عدا يَعْدُو إذا تجاوزَ حَدَّه، والأصلُ: عادِوٌ، فَقُلبت الواوُ ياءٌ لانكسارِ ما قبلها كغازٍ من الغَزْو. وهذا هو الصحيحُ، وفيه قولٌ ثانٍ: أنه مقلوبٌ من عادَ يعودُ فهو عائدٌ، فَقُدِّمَتِ اللامُ على العينِ فصارِ اللفظُ: عادِو، فأُعِلَّ بما تقدَّم، ووزنُه: فالِع، كقولهم: شاكٍ في شائِك من الشوكة، وهارٍ والأصل هائر، لأنه من هار يَهُور، قال أبو البقاء:» ولو جاء في غيرِ القرآن منصوباً عطفاً على موضعِ «غير» جاز «يعني فكان يقال: ولا عادياً.
وقد اختلف القُرَّاء في حركةِ التقاء الساكنين مِنْ نحو: {فَمَنِ اضْطُرَّ} ، وبابِِِِه فأبو عمرو وحمزة وعاصم على كسرِ الأولِ منهما، والباقون على الضم إلا ما يُسْتثنى لبعضهم. وضابطُ محلِّ اختلافهم: كلُّ ساكنين التقيا من كلمتين ثالثُ ثانيهما مضمومٌ ضمةً لازمةً، نحو:» فَمَنِ اضطُرَّ « {فَمَنِ اضطُرَّ} {أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً} [المزمل: 3] {وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] {قُلِ ادعوا الله} [الإسراء: 110] {أَنِ اعبدوا} [المائدة: 117] {وَلَقَدِ استهزىء} [الأنعام: 10] » محظوراً انظر «: وفُهِم من قولي» كلمتين «الاحترازُ من أن يُفْصَلَ بينهما بكلمةٍ أخرى نحو: {إِنِ الحكم} [الأنعام: 57] فإنَّ هذا وإنْ صَدَقَ عليه أنَّ الثالثَ مضمومٌ ضماً لازماً؛ إلا أنه قد فُصِلَ بينهما بكلمةٍ أخرى وهي أل المعرفة. ومِنْ قولي:» ضمةً لازمةً «الاحترازُ من نحو: {أَنِ امشوا} [ص: 26] فإنَّ الشين أصلُها الكسرُ، فَمَنْ كَسَرَ فعلى أصلِ التقاءِ الساكنين، ومَنْ ضَمَّ فللإِتباع.
واسْتُثْنِي لأبي عمروٍ موضعان فضمَّهما: وهما:» قُل ادْعُوا «» أو انْقُصْ منه «، واسْتُثْنِي لابن ذكوان عن ابن عامر التنوينُ فكسره نحو:» محظوراً نظر «، واختلف عنه في لفظتين: {خَبِيثَةٍ اجتثت} [إبراهيم: 26] {بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة} [الأعراف: 49] / والمقصودُ بذلك الجمعُ بين اللغتين.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
هلل
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
هلل
الْهِلَالُ: القمر في أوّل ليلة والثّانية، ثم يقال له القمر، ولا يقال: له هِلَالٌ، وجمعه: أَهِلَّةٌ، قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ [البقرة : 189] وقد كانوا سألوه عن علّة تَهَلُّلِهِ وتغيّره. وشبّه به في الهيئة السّنان الذي يصاد به وله شعبتان كرمي الهلال، وضرب من الحيّات، والماء المستدير القليل في أسفل الرّكيّ، وطرف الرّحا، فيقال لكلّ واحد منهما: هِلَالٌ، وأَهَلَّ الهلال: رؤي، واسْتَهَلَّ: طلب رؤيته. ثم قد يعبّر عن الْإِهْلَالِ بِالاسْتِهْلَالِ نحو: الإجابة والاستجابة، والإهْلالُ: رفع الصّوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لكلّ صوت، وبه شبّه إِهْلَالُ الصّبيّ، وقوله: ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 173] أي: ما ذكر عليه غير اسم الله، وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام، وقيل: الْإِهْلَالُ والتَّهَلُّلُ: أن يقول لا إله إلّا الله، ومن هذه الجملة ركّبت هذه اللّفظة كقولهم: التّبسمل والبسملة(١) ، والتّحولق والحوقلة إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، ومنه الْإِهْلَالُ بالحجّ، وتَهَلَّلَ السّحاب ببرقه: تلألأ، ويشبّه في ذلك بالهلال، وثوب مُهَلَّلٌ: سخيف النّسج، ومنه شعر مُهَلْهَلٌ.
هَلْ: حرف استخبار، إما على سبيل الاستفهام، وذلك لا يكون من الله عزّ وجلّ: قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام : 148] وإمّا على التّقرير تنبيها، أو تبكيتا، أو نفيا. نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم : 98] . وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] ، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك : 3] كلّ ذلك تنبيه على النّفي. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة : 210] ، ﴿لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النحل : 33] ، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [الزخرف : 66] ، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ : 33] ، ﴿هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء : 3] قيل: ذلك تنبيه على قدرة الله، وتخويف من سطوته.
(١) وهذا يسمّى في اللغة النحت. انظر الصاحبي ص 461، والمزهر 1/ 482.
بغي
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بغي
البَغْي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله عزّ وجل: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة : 48] ، وقال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة : 47] . والبَغْيُ على ضربين:
- أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع.
- والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الحقّ بيّن والباطل بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه»(١) ، ولأنّ البغي قد يكون محمودا ومذموما، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى : 42] ، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق.
وأَبْغَيْتُك: أعنتك على طلبه، وبَغَى الجرح: تجاوز الحدّ في فساده، وبَغَتِ المرأة بِغَاءً: إذا فجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. قال عزّ وجلّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور : 33] ، وبَغَتِ السماء: تجاوزت في المطر حدّ المحتاج إليه، وبَغَى: تكبّر، وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له، ويستعمل ذلك في أي أمر كان. قال تعالى: ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى : 42] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس : 23] ، ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج : 60] ، ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص : 76] ، وقال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات : 9] ، فالبغي في أكثر المواضع مذموم، وقوله: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ [البقرة : 173] ، أي: غير طالب ما ليس له طلبه ولا متجاوز لما رسم له.
قال الحسن: غير متناول للذّة ولا متجاوز سدّ الجوعة(٢) .
وقال مجاهد رحمه الله: غير باغ على إمام ولا عاد في المعصية طريق الحق(٣) .
وأمّا الابتغاء فقد خصّ بالاجتهاد في الطلب، فمتى كان الطلب لشيء محمود فالابتغاء فيه محمود نحو: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء : 28] ، و﴿ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ [الليل : 20] ، وقولهم: يَنْبغي مطاوع بغى. فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا؟
فيقال على وجهين: أحدهما ما يكون مسخّرا للفعل، نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب، والثاني: على معنى الاستئهال، نحو: فلان ينبغي أن يعطى لكرمه، وقوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس : 69] ، على الأول، فإنّ معناه لا يتسخّر ولا يتسهّل له، ألا ترى أنّ لسانه لم يكن يجري به، وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص : 35] .
(١) الحديث يروى عن النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه» . وهذه الرواية الصحيحة، والحديث أخرجه البخاري في الإيمان (انظر فتح الباري 1/ 116) ، ومسلم في المساقاة رقم (1599) .
(٢) ومثله عن الشعبي والنخعي قالا: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قدر ما يقيمه. راجع الدر المنثور 1/ 408.
(٣) أخرج هذا عن مجاهد البيهقي في المعرفة والسنن وابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهم. انظر: الدر المنثور 1/ 408.
الجذر
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
أثم
الإثم والأثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب(١) ، وجمعه آثام، ولتضمنه لمعنى البطء قال الشاعر:
6- جماليّةٍ تغتلي بالرّادف
إذا كذّب الآثمات الهجير(٢)
وقوله تعالى: ﴿فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة : 219] أي: في تناولهما إبطاء عن الخيرات.
وقد أَثِمَ إثماً وأثاماً فهو آثِمٌ وأَثِمٌ وأَثِيمٌ. وتأثَّم: خرج من إثمه، كقولهم: تحوّب وتحرّج: خرج من حوبه وحرجه، أي: ضيقه.
وتسمية الكذب إثماً لكون الكذب من جملة الإثم، وذلك كتسمية الإنسان حيواناً لكونه من جملته.
وقوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة : 206] أي: حملته عزته على فعل ما يؤثمه، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ [الفرقان : 68] أي: عذاباً، فسمّاه أثاماً لما كان منه، وذلك كتسمية النبات والشحم ندىً لما كانا منه في قول الشاعر:
7- تعلّى الندى في متنه وتحدّرا(٣) وقيل: معنى: «يلق أثاماً» أي: يحمله ذلك على ارتكاب آثام، وذلك لاستدعاء الأمور الصغيرة إلى الكبيرة، وعلى الوجهين حمل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم : 59] .
والآثم: المتحمّل الإثم، قال تعالى: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة : 283] .
وقوبل الإثم بالبرّ، فقال ﷺ: «البرّ ما اطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك»(٤) وهذا القول منه حكم البرّ والإثم لا تفسيرهما.
وقوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم : 12] أي: آثم، وقوله: ﴿يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ [المائدة : 62] .
قيل: أشار بالإثم إلى نحو قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ [المائدة : 44] ، وبالعدوان إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة : 45] ، فالإثم أعمّ من العدوان.
(١) يقال: أثمت الناقة المشي تأثمه إثماً: أبطأت. انظر: اللسان (أثم) .
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص 87، واللسان (أثم) . وعجزه في المجمل 1/ 87.
(٣) هذا عجز بيت لعمرو بن أحمر، وشطره: [كثور العداب الفرد يضربه الندى] .
وهو في ديوانه ص 84، واللسان (ندى) .
(٤) الحديث عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: «جئت تسأل عن البرّ؟ قلت: نعم.
قال: البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» أخرجه أحمد في المسند 4/ 228، وفيه أيوب بن عبد الله بن مكرز. قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه.
ووثقه ابن حبان. وأخرجه الدارمي 2/ 322. وانظر: مجمع الزوائد 1/ 182. ذكره النووي في الأربعين وقال: حديث حسن رويناه في مسند أحمد والدارمي بإسناد حسن، راجع الأربعين النووية ص 53.