التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة، الآية: ١٦١

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). سورة البقرة، الآية: ١٦١

التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لِإفادَةِ حالِ فَرِيقٍ آخَرَ مُشارِكٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ في اسْتِحْقاقِ لَعْنَةِ اللَّهِ واللّاعِنِينَ وهي لَعْنَةٌ أُخْرى.

وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الكُفْرَ يُطْلَقُ كَثِيرًا في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ قالَ تَعالى ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ قُرِنُوا سابِقًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ قالَ تَعالى ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَلَمّا اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِبَيانِ لَعْنَةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ عُقُوبَةِ المُشْرِكِينَ أيْضًا فالقَوْلُ في الِاسْتِئْنافِ هُنا كالقَوْلِ في الِاسْتِئْنافِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] مِن كَوْنِهِ بَيانِيًّا أوْ مُجَرَّدًا.

وقالَ الفَخْرُ: الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ وهو شامِلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُمُونَ وغَيْرِهِمْ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أيْ لِما فِيها مِن تَعْمِيمِ الحُكْمِ بَعْدَ إناطَتِهِ بِبَعْضِ الأفْرادِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وماتُوا عَلى ذَلِكَ وأنَّهُ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً ثُمَّ لَعَنْتَهم أمْواتًا، وهو بَعِيدٌ عَنْ مَعْنى الآيَةِ لِأنَّ إعادَةَ ”وكَفَرُوا“ لا نُكْتَةَ لَها لِلِاسْتِغْناءِ بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ ماتُوا وهم كُفّارٌ، عَلى أنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ مَفادُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَعَ اسْتِثْنائِها، واللَّعْنَةُ لا يَظْهَرُ أثَرُها إلّا بَعْدَ المَوْتِ فَلا مَعْنى لِجَعْلِها لَعْنَتَيْنِ، ولِأنَّ تَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ هُنا المُشْرِكُونَ لِتَظْهَرَ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ.

وإنَّما قالَ هُنا والنّاسِ أجْمَعِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُهم أهْلُ الكِتابِ وسائِرُ المُتَدَيِّنِينَ المُوَحِّدِينَ لِلْخالِقِ بِخِلافِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ فَإنَّما يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والصّالِحُونَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ كَما تَقَدَّمَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، وعُمُومُ النّاسِ عُرْفِيٌّ أيِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُهُ خالِدِينَ فِيها تَصْرِيحٌ بِلازِمِ اللَّعْنَةِ الدّائِمَةِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ لِجَهَنَّمَ لِأنَّها مَعْرُوفَةٌ مِنَ المُقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّعْنَةِ ويُرادَ أثَرُها ولازِمُها.

وقَوْلُهُ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ أيْ لِأنَّ كُفْرَهم عَظِيمٌ يَصُدَّهم عَنْ خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلافِ كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ، نَظَرَهُ نَظْرَةً أمْهَلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ولا هم يُمْهَلُونَ في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ القَتْلِ إذْ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ دُونَ الجِزْيَةِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وهي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ.

وقِيلَ يُنْظَرُونَ هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما يَتَعَدّى بِإلى؛ أيْ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ والتَّحْقِيرِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ هُنا لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٥٩] فالمَقْصُودُ التَّجَدُّدُ لِيَكُونُوا غَيْرَ آيِسِينَ مِنَ التَّوْبَةِ.

الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ


مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
كفر

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

كفر

الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:

387- ألقت ذكاء يمينها في كافر(١)

والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:

388- كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ(٢)

وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء : 94] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء : 99] ، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان : 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل : 40] ، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة : 152] ، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [الشعراء : 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم : 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم : 44] ، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل : 83] ، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة : 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [النور : 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة : 102] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة : 275-276](٣) وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران : 97](٤) والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف : 15] ، وقال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ : 17] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات : 7] ، فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف : 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس : 17] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ : 13] ، وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان : 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء : 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق : 24] وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة : 276] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر : 3] ، ﴿إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح : 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم : 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح : 29] ، وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] .

والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس : 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟

والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر : 14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء : 137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران : 72](٥) ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة»(٦) .

ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل : 106] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة : 256] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...

الآية [العنكبوت : 25] ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم : 22] ، وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد : 20] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع(٧) ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله تعالى بدلالة قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح : 29] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.

والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ﴿ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة : 89] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة : 89] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة : 65] ، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء : 31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود : 114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [آل عمران : 195] ، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر : 35] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:

389- ألقت ذكاء يمينها في كافر(٨)

وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:

390- كالكرم إذ نادى من الكافور(٩)

والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان : 5] 

(١) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما

وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر

والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.

(٢) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.

(٣) الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.

(٤) الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.

(٥) قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

(٦) قال الراغب في كتاب «الذريعة» : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها.

والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 44.

(٧) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454.

(٨) تقدم قريبا ص 714.

(٩) الشطر تقدّم قر يبا ص 714.

موت

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

موت

أنواع الموت بحسب أنواع الحياة: فالأوّل: ما هو بإزاء القوَّة النامية الموجودة في الإنسان والحيوانات والنّبات. نحو قوله تعالى: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الروم : 19] ، ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [ق : 11] .

الثاني: زوال القوّة الحاسَّة. قال: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ [مريم : 23] ، ﴿أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم : 66] .

الثالث: زوال القوَّة العاقلة، وهي الجهالة.

نحو: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام : 122] ، وإيّاه قصد بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل : 80] .

الرابع: الحزن المكدِّر للحياة، وإيّاه قصد بقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ

بِمَيِّتٍ [إبراهيم : 17] .

الخامس: المنامُ، فقيل: النّوم مَوْتٌ خفيف، والموت نوم ثقيل، وعلى هذا النحو سمّاهما الله تعالى توفِّيا. فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام : 60] ، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر : 42] ، وقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ [آل عمران : 169] فقد قيل: نفي الموت هو عن أرواحهم فإنه نبّه على تنعّمهم، وقيل: نفى عنهم الحزن المذكور في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ [إبراهيم : 17] ، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران : 185] فعبارة عن زوال القوّة الحيوانيَّة وإبانة الرُّوح عن الجسد، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر : 30] فقد قيل: معناه: ستموت، تنبيها أن لا بدّ لأحد من الموت كما قيل:

429- والموت حتم في رقاب العباد(١)

وقيل: بل الميّت هاهنا ليس بإشارة إلى إبانة الرُّوح عن الجسد، بل هو إشارة إلى ما يعتري الإنسان في كلّ حال من التّحلُّل والنَّقص، فإن البشر ما دام في الدّنيا يموت جزءا فجزءا، كما قال الشاعر:

430- يموت جزءا فجزءا(٢)

وقد عَبَّرَ قوم عن هذا المعنى بِالْمَائِتِ، وفصلوا بين الميّت والمائت، فقالوا: المائت هو المتحلّل، قال القاضي عليّ بن عبد العزيز(٣) : ليس في لغتنا مائت على حسب ما قالوه، والْمَيْتُ: مخفَّف عن الميِّت، وإنما يقال: موتٌ مائتٌ، كقولك: شِعْرٌ شَاعِرٌ، وسَيْلٌ سَائِلٌ، ويقال: بَلَدٌ مَيِّتٌ ومَيْتٌ، قال تعالى: ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر : 9] ، ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ [الزخرف : 11] وَالمَيْتةُ من الحَيوان: ما زال روحه بغير تذكية، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة : 3] ، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام : 145] والْمَوَتَانُ بإزاء الحيوان، وهي الأرض التي لم تَحْيَ للزَّرع، وأرض مَوات. ووقع في الإبل مَوَتَانٌ كثير، وناقة مُميتةٌ، ومُميتٌ: مات ولدها، وإِمَاتَةُ الخمر: كناية عن طَبْخها، والمُسْتَمِيتُ المتعرِّض للموت، قال الشاعر:

431- فأعطيت الجعالة مستميتا(٤)

والمَوْتَةُ: شِبه الجنون، كأنه من موْتِ العلم والعقل، ومنه: رجل مَوْتَانُ القلب، وامرأة مَوْتانةٌ.

(١) هذا عجز بيت، وقبله: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد

منخرق الكفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد

قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد

وهذه الأبيات كان زيد بن علي يتمثل بها، وهي في البيان والتبيين 4/ 58- 59، والشطر في عمدة الحفاظ (موت) ، وهي لمحمد بن عبد الله في زهر الآداب 1/ 39.

(٢) لم أجده.

(٣) القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، كان قاضي القضاة بالري، وهو من الفقهاء الشافعية. وصاحب القصيدة الشهيرة التي يقول فيها: يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

توفي سنة 366 هـ. انظر: أخباره في وفيات الأعيان 3/ 278، وطبقات الشافعية 3/ 459، ومعجم الأدباء 14/ 14.

(٤) هذا شطر بيت لشقيق بن سليك الأسدي، وعجزه: خفيف الحاذ من فتيان جرم

وهو في شرح الحماسة للتبريزي 2/ 142، وقد تقدّم في مادة (جعل) .

لعن

مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)

لعن

اللَّعْنُ: الطّرد والإبعاد على سبيل السّخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدّنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره. قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود : 18] ، ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ [النور : 7] ، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [المائدة : 78] ، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة : 159] . واللُّعْنَةُ: الذي يلتعن كثيرا، واللُّعَنَةُ الذي يلعن كثيرا(١) ، والْتَعَنَ فلان: لعن نفسه.

والتَّلَاعُنُ والْمُلَاعَنَةُ: أن يلعن كلّ واحد منهما نفسه أو صاحبه.

(١) راجع مادة (ب رم) .