(وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ). سورة البقرة، الآية: ١٦٣
التحرير والتنوير - ابن عاشور ١٣٩٣ هـ
التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١] .
والمُناسَبَةُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يَنالُهم عَلى الشِّرْكِ مِنَ اللَّعْنَةِ والخُلُودِ في النّارِ بَيَّنَ أنَّ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ وأشْرَكُوا هو إلَهٌ واحِدٌ وفي هَذا العَطْفِ زِيادَةُ تَرْجِيحٍ لِما انْتَمَيْناهُ مِن كَوْنِ المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ.
والخِطابُ بِكافِ الجَمْعِ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى خِطابُهُ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ أوْ بَعْدَهُ مِن كُلِّ قارِئٍ لِلْقُرْآنِ وسامِعٍ فالضَّمِيرُ عامٌّ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ لِأنَّهم جَهِلُوا أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا.
والإلَهُ في كَلامِ العَرَبِ هو المَعْبُودُ ولِذَلِكَ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ عِنْدَهم وأُطْلِقَ لَفْظُ الإلَهِ عَلى كُلِّ صَنَمٍ عَبَدُوهُ وهو إطْلاقٌ ناشِئٌ عَنِ الضَّلالِ في حَقِيقَةِ الإلَهِ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يُغْنِي عَنْ نَفْسِهِ ولا عَنْ عابِدِهِ شَيْئًا عَبَثٌ وغَلَطٌ، فَوَصْفُ الإلَهِ هُنا بِالواحِدِ لِأنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ هو المَعْبُودُ بِحَقٍّ فَلَيْسَ إطْلاقُ الإلَهِ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ نَقَلًا في لُغَةِ الإسْلامِ ولَكِنَّهُ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ.
وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن إطْلاقِ جَمْعِ الآلِهَةِ عَلى أصْنامِهِمْ فَهو في مَقامِ التَّغْلِيطِ لِزَعْمِهِمْ نَحْوُ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والقَرِينَةُ هي الجَمْعُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطْلَقْ في القُرْآنِ الإلَهُ بِالإفْرادِ عَلى المَعْبُودِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِهَذا تَسْتَغْنِي عَنْ إكْدادِ عَقْلِكَ في تَكَلُّفاتٍ تَكَلَّفَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .
والإخْبارُ عَنْ إلَهِكم بِـ إلَهٍ تَكْرِيرٌ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِواحِدٍ والمَقْصُودُ: وإلَهُكم واحِدٌ لَكِنَّهُ وسَّطَ لَفْظَ إلَهٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ في المُخْبَرِ عَنْهُ كَما تَقُولُ: عالَمُ المَدِينَةِ عالَمٌ فائِقٌ. ولِيَجِيءَ ما كانَ أصْلُهُ خَبَرًا مَجِيءَ النَّعْتِ فَيُفِيدُ أنَّهُ وصْفٌ ثابِتٌ لِلْمَوْصُوفِ لِأنَّهُ صارَ نَعْتًا
إذْ أصْلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ وصْفًا ثابِتًا وأصْلُ الخَبَرِ أنْ يَكُونَ وصْفًا حادِثًا، وهَذا اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في فَصِيحِ الكَلامِ أنْ يُعادَ الِاسْمُ أوِ الفِعْلُ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِيُبْنى عَلَيْهِ وصْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ كَقَوْلِهِ إلَهًا واحِدًا وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى. . . . والتَّنْكِيرُ في إلَهٍ لِلنَّوْعِيَّةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، ولَيْسَ لِلْإفْرادِ لِأنَّ الإفْرادَ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ واحِدٌ خِلافًا لِصاحِبِ المِفْتاحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] إذْ جَعَلَ التَّنْكِيرَ في إلَهٍ لِلْإفْرادِ وجَعَلَ تَفْسِيرَهُ بِالواحِدِ بَيانًا لِلْوَحْدَةِ لِأنَّ المَصِيرَ إلى الإفْرادِ في القَصْدِ مِنَ التَّنْكِيرِ مَصِيرٌ لا يَخْتارُهُ البَلِيغُ ما وجَدَ عَنْهُ مَندُوحَةً.
وقَوْلُهُ لا إلَهَ إلّا هو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ وتَنْصِيصٌ عَلَيْها لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ الكَمالَ كَقَوْلِهِمْ في المُبالَغَةِ: هو نَسِيجُ وحْدِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ إلَهَ المُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما يَتَوَهَّمُهُ المُشْرِكُونَ ألا تَرى إلى قَوْلِ أبِي سُفْيانَ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم.
وقَدْ أفادَتْ جُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو التَّوْحِيدَ لِأنَّها نَفَتْ حَقِيقَةَ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وخَبَرُ ”لا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما في ”لا“ مِن مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ كُلَّ سامِعٍ يَعْلَمُ أنَّ المُرادَ نَفْيُ هَذِهِ الحَقِيقَةِ فالتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ إلّا هو. وقَدْ عَرَضَتْ حَيْرَةٌ لِلنُّحاةِ في تَقْدِيرِ الخَبَرِ في هاتِهِ الكَلِمَةِ لِأنَّ تَقْدِيرَ مَوْجُودٍ يُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ إلَهٌ لَيْسَ هو مَوْجُودًا في وقْتِ التَّكَلُّمِ بِهاتِهِ الجُمْلَةِ، وأنا أُجِيبُ بِأنَّ المَقْصُودَ إبْطالُ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ رَدًّا عَلى الَّذِينَ ادَّعَوْا آلِهَةً مَوْجُودَةً الآنَ وأمّا انْتِفاءُ وُجُودِ إلَهٍ في المُسْتَقْبَلِ فَمَعْلُومٌ لِأنَّ الأجْناسَ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ لا يُتَرَقَّبُ وجُودُها مِن بَعْدُ لِأنَّ مُثْبِتِي الآلِهَةَ يُثْبِتُونَ لَها القِدَمَ فَلا يُتَوَهَّمُ تَزايُدُها، ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لا تَقْدِيرَ لِخَبَرٍ هُنا وأنَّ أصْلَ لا إلَهَ إلّا هو هو إلَهٌ فَقَدَّمَ إلَهَ وأخَّرَ هو لِأجْلِ الحَصْرِ بِإلّا وذَكَرُوا أنَّهُ ألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً، وهَذا تَكَلُّفٌ والحَقُّ عِنْدِي أنَّ المُقَدَّراتِ لا مَفاهِيمَ لَها فَلَيْسَ تَقْدِيرُ: لا إلَهَ مَوْجُودٌ بِمَنزِلَةِ النُّطْقِ بِقَوْلِكَ لا إلَهَ مَوْجُودٌ بَلْ إنَّ التَّقْدِيرَ لِإظْهارِ مَعانِي الكَلامِ وتَقْرِيبِ الفَهْمِ وإلّا فَإنَّ ”لا“ النّافِيَةَ إذا نَفَتِ النَّكِرَةَ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ أيْ نَفْيِ تَحَقُّقِ الحَقِيقَةِ فَمَعْنى لا إلَهَ انْتِفاءُ الأُلُوهِيَّةِ إلّا اللَّهُ أيْ إلّا لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وصْفانِ لِلضَّمِيرِ، أيِ المُنْعِمِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ ودَقائِقِها وهُما وصْفانِ لِلْمَدْحِ وفِيهِما تَلْمِيحٌ لِدَلِيلِ الأُلُوهِيَّةِ والِانْفِرادِ بِها لِأنَّهُ مِنهم، وغَيْرُهُ لَيْسَ بِمُنْعِمٍ ولَيْسَ في الصِّفَتَيْنِ دَلالَةٌ عَلى الحَصْرِ ولَكِنَّهُما تَعْرِيضٌ بِهِ هُنا لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإبْطالِ أُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ فَكانَ ما يَذْكُرُ مِنَ الأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ هو في مَعْنى قَصْرِها عَلَيْهِ تَعالى، وفي الجَمْعِ بَيْنَ وصْفَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ عَلى أنَّ في ذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَنِ إغاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ فَإنَّهم أبَوْا وصْفَ اللَّهِ بِالرَّحْمَنِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ إلّا هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الإلَهِ المَنفِيِّ أيْ أنَّ جِنْسَ الإلَهِ مَنفِيٌّ إلّا هَذا الفَرْدَ، وخَبَرُ ”لا“ في مِثْلِ هاتِهِ المَواضِعِ يَكْثُرُ حَذْفُهُ لِأنَّ لا التَّبْرِئَةِ مُفِيدَةٌ لِنَفْيِ الجِنْسِ فالفائِدَةُ حاصِلَةٌ مِنها ولا تَحْتاجُ لِلْخَبَرِ إلّا إذا أُرِيدَ تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِحالَةٍ نَحْوَ: لا رَجُلَ في الدّارِ غَيْرَ أنَّهم لَمّا كَرِهُوا بَقاءَ صُورَةِ اسْمٍ وحَرْفٍ بِلا خَبَرٍ ذَكَرُوا مَعَ اسْمِ لا خَبَرًا ألا تَرى أنَّهم إذا وجَدُوا شَيْئًا يَسُدُّ مَسَدَّ الخَبَرِ في الصُّورَةِ حَذَفُوا الخَبَرَ مَعَ ”لا“ نَحْوَ الِاسْتِثْناءِ في: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ونَحْوَ التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: لا نَسَبَ اليَوْمَ ولا خُلَّةَ. ولِأبِي حَيّانَ هُنا تَكَلُّفاتٌ.
وقَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ زِيادَةٌ في الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم قالُوا ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
الدر المصون - السمين الحلبي ٧٥٦ هـ
الدر المصون للسمين الحلبي — السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {وإلهكم إله وَاحِدٌ} : خبرٌ المبتدأ، و «واحدٌ» صفةٌ، وهو الخبرُ في الحقيقةِ لأنه محطُّ الفائدةِ، ألا ترى أنه لو اقْتُصِر على ما قبلَه لم يُفِدْ وهذا يُشْبِهُ الحال الموطِّئةَ نحو: مررتُ بزيد رجلاً صالحاً، فرجلاً حالٌ وليست مقصودةً، إنما المقصودُ وَصْفُها.
قوله: {إِلاَّ هُوَ} رفعُ «هو» على أنَّه بدلٌ من اسم «لا» على المحلِّ، إذ محلُّه الرفعُ على الابتداءِ أو هو بَدَلٌ مِنْ «لا» وما عَمِلَتْ فيه لأنَّها وما بعدَها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ولا يجوزُ أن يكونَ «هو» خبرَ لا التبرئة لِما عَرَفْتَ أنها لا تَعْمَلُ في المعارفِ بل الخبرُ محذوفٌ أي: لا إله لنا، هذا إذا فَرَّعنا على أنَّ «لا» المبنيَّ معها اسمُها عاملةٌ في الخبر، أمَّا إذا جَعَلْنا الخبرَ مرفوعاً بما كان عليه قبل دخولِ لا وليس لها فيه عملٌ - وهو مذهبُ سيبويه - فكان ينبغي أَنْ يكونَ «هو» خبراً إلا أنه مَنَعَ من ذلك كونُ المبتدأِ نكرةً والخبرُ معرفةً وهو ممنوعٌ إلا في ضرائِر الشعرِ في بعضِ الأبوابِ.
واستشكل الشيخُ كونَه بدلاً مِنْ «إله» قال: «لأنه لم يُمْكِنْ تكريرُ العاملِ لا تقولُ:» لا رجلَ لا زيدَ «، والذي يظهر لي أنه ليس بدلاً من» اله «ولا مِنْ» رجل «في قولك» لا رجلَ إلا زيدٌ، إنما هو بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في الخبرِ المحذوفِ فإذا قُلْنا: «لا رجلَ إلا زيدٌ» فالتقدير: لا رجلَ كائنٌ أو موجودٌ إلا زيد، فزيدٌ بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في الخبر لا من «رجل» ، فليس بدلاً على موضعِ اسم لا، وإنما هو بدلٌ مرفوعٌ من ضمير مرفوع، ذلك الضميرُ هو عائدٌ على اسم [لا] ، ولولا تصريحُ النَّحْويين أنَّه بدلٌ على الموضع من اسم «لا» لتأوَّلْنا كلامهم على ما تقدَّم تأويلُه «. وهذا الذي قالَه غيرُ مشكل لأنهم لم يقولوا: هو بدلٌ من اسمِ لا على اللفظِ حتى يَلْزَمَهم تكريرُ العاملِ، وإنما كان يُشْكِلُ لو أجازوا إبدالَه من اسمِ» لا «على اللفظِ وهم لم يُجِيزوا ذلك لعدمِ إمكانِ تكريرِ العاملِ، ولذلك مَنَعوا وجهَ البدلِ في قولِهم {لا إله إلا اللهَ} وجعلوه انتصاباً على الاستثناء، وأجازوه في قولك:» لا رجلَ في الدارِ إلا صاحباً لك «لأنه يمكنُ فيه تكريرُ العاملِ.
قوله: {الرحمن الرحيم} فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يكونَ بدلاً من» هو «بدلَ ظاهرٍ من مضمر، إلاَّ أنَّ هذا يؤدي إلى البدلِ بالمشتقات وهو قليلٌ، ويمكن.
الجوابُ عنه بأن هاتين الصفتين جَرَتا مجرى الجوامِد/ ولا سيما عند مَنْ يجعلُ «الرحمنُ» علماً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البسملة. الثاني: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو الرحمنُ، وحَسَّن حذفَه توالي اللفظ ب «هو» مرتين. الثالث: أن يكونَ خبراً ثالثاً لقولِه: «وإلهُكم» أَخْبر عنه بقولِه: «إله واحد» ، وبقولِه: «لا إله إلا هو» ، وبقولِه: «الرحمن الرحيم» ، وذلك عند مَنْ يرى تعديدَ الخبر مطلقاً، الرابع: أن يكونَ صفةً لقولِه: «هو» وذلك عند الكسائي فإنه يُجيز وصفَ الضمير الغائبِ بصفةِ المَدْحِ، فاشترطَ في وصفِ الضمير هذين الشرطين: أن يكونَ غائباً وأن تكونَ الصفةُ صفةَ مدحٍ، وإنْ كانَ الشيخُ جمالُ الدين بن مالك أَطْلَقَ عنه جوازَ وصفِ ضمير الغائب. ولا يجوزُ أَنْ يكون خبراً ل «هو» هذه المذكورةِ لأنَّ المستثنى ليس بجملةٍ.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أله
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
أله
الله: قيل: أصله إله فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصّ بالباري تعالى، ولتخصصه به قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم : 65] . وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمّوا الشمس إِلَاهَة(١) لاتخاذهم إياها معبودا.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عبد، وقيل: تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود(٢) . وقيل: هو من: أَلِهَ، أي: تحيّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: (كلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضلّ هناك تصاريف اللغات) وذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله»(٣) .
وقيل: أصله: ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إمّا بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإمّا بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها(٤) ، وعليه دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء : 44] .
وقيل: أصله من: لاه يلوه لياها، أي: احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام : 103] ، والمشار إليه بالباطن في قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ [الحديد : 3] . وإِلَهٌ حقّه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أنّ هاهنا معبودات جمعوه، فقالوا: الآلهة. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ [الأنبياء : 43] ، وقال: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف : 127] وقرئ: (وإلاهتك)(٥) أي: عبادتك. ولاه أنت، أي: لله، وحذف إحدى اللامين.
«اللهم» قيل: معناه: يا الله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره(٦) ، وخصّ بدعاء الله، وقيل: تقديره: يا الله أمّنا بخير(٧) ، مركّب تركيب حيّهلا.
(١) وقال في ذلك ابن مالك في مثلّثه: والشمس سمّاها صدوق النبأة ... إلاهة واضممه للإضراب
(٢) وفي ذلك يقول الفقيه محمد سيد بن أبت اليعقوبي الشنقيطي رحمه الله: الله مشتق وقيل: مرتجل ... وهو أعرف المعرّفات جل
أله أي: عبد، أو من الأله ... وهو اعتماد الخلق أو من الوله
أو المحجّب عن العيان ... من: لاهت العروس في البنيان
أو أله الحيران من قول العرب ... أو من: ألهت، أي: سكنت للأرب.
(٣) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 59 من قوله عن ابن عباس بلفظ: «تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في الله» .
وجاء أحاديث كثيرة بمعناها قال العجلوني: وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح.
راجع: كشف الخفاء 1/ 311، والنهاية في غريب الحديث 1/ 63.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ: (أله) .
(٥) وبها قرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحاك، وهي قراءة شاذة، راجع: القرطبي 7/ 262.
(٦) وهذا قول الخليل رحمه الله، انظر: اللسان (أله) ، ومعاني الفراء 1/ 203، والغريبين للهروي 1/ 79.
(٧) وهذا قول الفراء، ذكره في معاني القرآن 1/ 203.
وحد
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
وحد
الوحدة: الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتّة، ثمّ يطلق على كلّ موجود حتى إنه ما من عدد إلّا ويصحّ أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستّة أوجه: الأوّل ما كان واحدا في الجنس، أو في النّوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النّوع.
الثاني: ما كان واحدا بالاتّصال، إمّا من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد، وإمّا من حيث الصّناعة، كقولك: حرفة واحدة.
الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره، إمّا في الخلقة كقولك: الشّمس واحدة، وإمّا في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره، وكقولك: نسيج وحده.
الرابع: ما كان واحدا لامتناع التّجزّي فيه، إمّا لصغره كالهباء، وإمّا لصلابته كالألماس.
الخامس: للمبدإ، إمّا لمبدإ العدد كقولك: واحد اثنان، وإمّا لمبدإ الخطّ كقولك: النّقطة الواحدة. والوحدة في كلّها عارضة، وإذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه: هو الذي لا يصحّ عليه التّجزّي ولا التكثّر(١) ، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر : 45] ، والوحد المفرد، ويوصف به غير الله تعالى، كقول الشاعر:
456- على مستأنس وحد(٢)
وأحد مطلقا لا يوصف به غير الله تعالى، وقد تقدّم فيما مضى(٣) ، ويقال: فلان لا واحد له، كقولك: هو نسيج وحده، وفي الذّمّ يقال: هو عيير وحده، وجحيش وحده، وإذا أريد ذمّ أقلّ من ذلك قيل: رجيل وحده.
(١) انظر: الأسماء والصفات ص 29، والمنهاج في شعب الإيمان 1/ 189.
ذكر المؤلف أنّ الواحد يستعمل على ستة أوجه، ثم ذكر منها خمسة فقط، وكذا نقله عنه الفيروزآبادي في البصائر 5/ 170، ولم يذكر السادس، وكذا السمين في العمدة.
(٢) تمام البيت: كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد
وهو للنابغة في ديوانه ص 31.
(٣) انظر: مادة (أح د) .
رحم
مفردات ألفاظ القرآن — الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
رحم
الرَّحِمُ: رَحِمُ المرأة، وامرأة رَحُومٌ تشتكي رحمها. ومنه استعير الرَّحِمُ للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، يقال: رَحِمٌ ورُحْمٌ.
قال تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف : 81] ، والرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارة في الرّقّة المجرّدة، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقّة، نحو: رَحِمَ الله فلانا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلّا الإحسان المجرّد دون الرّقّة، وعلى هذا روي أنّ الرَّحْمَةَ من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميّين رقّة وتعطّف. وعلى هذا قول النّبيّ ﷺ ذاكرا عن ربّه «أنّه لمّا خلق الرَّحِمَ قال له: أنا الرّحمن، وأنت الرّحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتتّه»(١) فذلك إشارة إلى ما تقدّم، وهو أنّ الرَّحْمَةَ منطوية على معنيين: الرّقّة والإحسان، فركّز تعالى في طبائع الناس الرّقّة، وتفرّد بالإحسان، فصار كما أنّ لفظ الرَّحِمِ من الرّحمة، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما. والرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ، نحو: ندمان ونديم، ولا يطلق الرَّحْمَنُ إلّا على الله تعالى من حيث إنّ معناه لا يصحّ إلّا له، إذ هو الذي وسع كلّ شيء رَحْمَةً، والرَّحِيمُ يستعمل في غيره وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة : 182] ، وقال في صفة النبيّ ﷺ: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة : 128] ، وقيل: إنّ الله تعالى: هو رحمن الدّنيا، ورحيم الآخرة، وذلك أنّ إحسانه في الدّنيا يعمّ المؤمنين والكافرين، وفي الآخرة يختصّ بالمؤمنين، وعلى هذا قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف : 156] ، تنبيها أنها في الدّنيا عامّة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصّة بالمؤمنين.
(١) الحديث، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح، انظر: عارضة الأحوذي 8/ 10، وأخرجه الحاكم 4/ 157 وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد برقم 1680، وأبو داود في الزكاة برقم 1694، باب صلة الرحم. وانظر: شرح السنة 1/ 179- 180.