تفسير قول الله تعالى: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). سورة البقرة، الآية: ٢٧
التحرير والتنوير - ابن عاشور
التحرير والتنوير - ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ٢٦ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٢٧﴾ [البقرة ٢٦-٢٧]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾
قَدْ يَبْدُو في بادِئِ النَّظَرِ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ مَساقِ الآياتِ السّالِفَةِ ومَساقِ هاتِهِ الآيَةِ فَبَيْنَما كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ ثَناءً عَلى هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ووَصْفَ حالَيِ المُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ والنّاكِبِينَ عَنْ صِراطِهِ وبَيانَ إعْجازِهِ والتَّحَدِّي بِهِ مَعَ ما تَخَلَّلَ وأعْقَبَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ النّافِعَةِ والبَياناتِ البالِغَةِ والتَّمْثِيلاتِ الرّائِعَةِ، إذا بِالكَلامِ قَدْ جاءَ بِخَبَرٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْبَأُ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِشَيْءٍ حَقِيرٍ أوْ غَيْرِ حَقِيرٍ.
فَحَقِيقٌ بِالنّاظِرِ عِنْدَ التَّأمُّلِ أنْ تَظْهَرَ لَهُ المُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ: ذَلِكَ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى تَحَدِّي البُلَغاءِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ النَّظْمِ سَلَكُوا في المُعارَضَةِ طَرِيقَةَ الطَّعْنِ في المَعانِي فَلَبَّسُوا عَلى النّاسِ بِأنَّ في القُرْآنِ مِن سَخِيفِ المَعْنى ما يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وبَذْرِ الخَصِيبِ في تَنْفِيرِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ.
رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلُهُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] قالَ المُشْرِكُونَ أرَأيْتُمْ أيَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ وضَرَبَ بِها المَثَلَ ضَحِكَ اليَهُودُ وقالُوا: ما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ الآيَةَ. والوَجْهُ أنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ونُبَيِّنَ ما انْطَوَتا عَلَيْهِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَفْزَعُونَ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ في التَّشاوُرِ في شَأْنِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم صُوَرًا مِنَ الكَيْدِ والتَّشْغِيبِ فَيَكُونُ قَدْ تَظاهَرَ الفَرِيقانِ عَلى الطَّعْنِ في بَلاغَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِالعَنْكَبُوتِ والذُّبابِ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَمْثِيلَ المُنافِقِينَ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا وكانَ مُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ هاجَتْ أحْناقُهم وضاقَ خِناقُهم فاخْتَلَفُوا هَذِهِ المَطاعِنَ فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ ما نُسِبَ إلَيْهِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ ونَزَلَتِ الآيَةُ لِلرَّدِّ عَلى الفَرِيقَيْنِ ووَضَحَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
فَيَحْتَمِلُ أنَّ ذَلِكَ قالَهُ عُلَماءُ اليَهُودِ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في البَلاغَةِ، أوْ قَدْ قالُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِفُنُونِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُكابِرَةً وتَجاهُلًا. وكَوْنُ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودَ هو المُوافِقُ لِكَوْنِ السُّورَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وكانَ أشَدَّ المُعانِدِينَ فِيها هُمُ اليَهُودُ، ولِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ اليَهُودِ، ولِأنَّ اليَهُودَ قَدْ شاعَ بَيْنَهُمُ التَّشاؤُمُ والغُلُوُّ في الحَذَرِ مِن مَدْلُولاتِ الألْفاظِ حَتّى اشْتَهَرُوا بِاسْتِعْمالِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِالشَّتْمِ والذَّمِّ كَقَوْلِهِمْ ”راعِنا“، قالَ تَعالى ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] كَما ورَدَ تَفْسِيرُهُ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن شَأْنِ العَرَبِ. وإمّا أنْ يَكُونَ قائِلُهُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ مِثْلِهِ في كَلامِ بُلَغائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: أجْرَأُ مِن ذُبابَةٍ، وأسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، وأضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ. وهَذا الِاحْتِمالُ أدَلُّ، عَلى أنَّهم ما قالُوا: ما هَذا التَّمْثِيلُ ؟ إلّا مُكابَرَةً ومُعانِدَةً، فَإنَّهم لَمّا غُلِبُوا بِالتَّحَدِّي وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ تَعَلَّقُوا في مَعاذِيرِهِمْ بِهاتِهِ السَّفاسِفِ، والمُكابِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ، والمَحْجُوجُ المَبْهُوتُ يَسْتَعْوِجُ المُسْتَقِيمَ ويُخْفِي الواضِحَ، وإلى هَذا الثّانِي يَنْزِعُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وهو أوْفَقُ بِالسِّياقِ.
والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَزالُوا يُلْقُونَ الشُّبَهَ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ ويُشِيعُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِواسِطَةِ المُنافِقِينَ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الواقِعِ فِيها التَّمْثِيلُ الَّذِي أنْكَرُوهُ فَإنَّ البِدارَ بِالرَّدِّ عَلى مَن في مَقالِهِ شُبْهَةٌ رائِحَةٌ يَكُونُ أقْطَعَ لِشُبْهَتِهِ مِن تَأْخِيرِهِ زَمانًا.
قُلْنا: الوَجْهُ في تَأْخِيرِ نُزُولِها أنْ يَقَعَ الرَّدُّ بَعْدَ الإتْيانِ بِأمْثالٍ مُعْجَبَةٍ اقْتَضاها مَقامُ تَشْبِيهِ الهَيْئاتِ، فَذَلِكَ كَما يَمْنَعُ الكَرِيمُ عَدُوَّهُ مِن عَطاءٍ فَيَلْمِزُهُ المَمْنُوعُ بِلَمْزِ البُخْلِ، أوْ يَتَأخَّرُ الكَمِيُّ عَنْ ساحَةِ القِتالِ مَكِيدَةً فَيَظُنُّهُ ناسٌ جُبْنًا فَيُسِرُّها الأوَّلُ في نَفْسِهِ حَتّى يَأْتِيَهُ القاصِدُ فَيُعْطَيهِ عَطاءً جَزْلًا، والثّانِي حَتّى يَكُرَّ كَرَّةً تَكُونُ القاضِيَةَ عَلى قَرْنِهِ. فَكَذَلِكَ لَمّا أتى القُرْآنُ بِأعْظَمِ الأمْثالِ وأرْوَعِها وهي قَوْلُهُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أتى إثْرَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَهَذا يُبَيِّنُ لَكَ مُناسِبَةَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ غَفَلَ عَنْ بَيانِهِ المُفَسِّرُونَ.
والمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا الشَّبَهُ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المُرَكَّبِ مِنَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] لِأنَّ المَعْنِيَّ هُنا ما طَعَنُوا بِهِ في تَشابِيهِ القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] ومَوْقِعُ إنَّ هُنا بَيِّنٌ.
وأمّا الإتْيانُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَمًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ فَلِأنَّ هَذا العَلَمَ جامِعٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَذِكْرُهُ أوْقَعُ في الإقْناعِ بِأنَّ كَلامَهُ هو أعْلى كَلامٍ في مُراعاةِ ما هو حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا إبْطالٌ لِتَمْوِيهِهِمْ بِأنَّ اشْتِمالَ القُرْآنِ عَلى مِثْلِ هَذا المَثَلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَحْيِيَ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مِن هَذا القَبِيلِ.
ولِهَذا أيْضًا اخْتِيرَ أنْ يَكُونَ المُسْنَدُ خُصُوصَ فِعْلِ الِاسْتِحْياءِ زِيادَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم أنْكَرُوا التَّمْثِيلَ بِهاتِهِ الأشْياءِ لِمُراعاةِ كَراهَةِ النّاسِ، ومِثْلُ هَذا ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِحْياءِ كَما سَنُبَيِّنُهُ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الخالِقَ لا يَسْتَحْيِي مِن ذَلِكَ إذْ لَيْسَ مِمّا يُسْتَحْيى مِنهُ، ولِأنَّ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى خالِقِها والمُتَصَرِّفِ فِيها، وقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِحْياءِ هُنا مُحاكاةً لِقَوْلِهِمْ أما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ.
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى مَعانٍ حَقِيرَةٍ غَيْرَ مُخِلٍّ بِالبَلاغَةِ فَما بالُنا نَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ النَّقْدِ قَدْ نَقَدُوا مِن كَلامِ البُلَغاءِ ما اشْتَمَلَ عَلى مَثَلٍ هَذا كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
مِن عِزِّهِمْ حَجَرَتْ كُلَيْبٌ بَيْتَها زَرْبًا كَأنَّهُمُ لَدَيْهِ القُمَّلُ
وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
أماتَكُمُ مِن قَبْلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ ∗∗∗ وجَرَّكُمُ مِن خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ
وقَوْلِ الطِّرِمّاحِ:
ولَوْ أنَّ بُرْغُوثًا عَلى ظَهْرِ قَمْلَةٍ ∗∗∗ يَكُرُّ عَلى ضَبْعَيْ تَمِيمٍ لَوَلَّتِ
قُلْتُ: أُصُولُ الِانْتِقادِ الأدَبِيِّ تُؤَوَّلُ إلى بَيانِ ما لا يَحْسُنُ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلامُ الأدِيبِ مِن جانِبِ صِناعَةِ الكَلامِ، ومِن جانِبِ صُوَرِ المَعانِي، ومِن جانِبِ المُسْتَحْسَنِ مِنها والمَكْرُوهِ، وهَذا النَّوْعُ الثّالِثُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العَوائِدِ ومَدارِكِ العُقُولِ وأصالَةِ الأفْهامِ بِحَسَبِ الغالِبِ مِن أحْوالِ أهْلِ صِناعَةِ الأدَبِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَقْبُولًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أخِرَيْنِ، ومَقْبُولًا في عَصْرٍ مَرْفُوضًا في غَيْرِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يُخاطِبُ المَلِكَ النُّعْمانَ:
فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي ∗∗∗ وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ
فَإنَّ تَشْبِيهَ المَلِكِ بِاللَّيْلِ لَوْ وقَعَ في زَمانِ المُوَلَّدِينَ لَعُدَّ مِنَ الجَفاءِ أوِ العَجْرَفَةِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالحَيَّةِ في الإقْدامِ وإهْلاكِ العَدُوِّ في قَوْلِ ذِي الإصْبَعِ:
عَذِيرَ الحَيِّ مِن عَدَوا ∗∗∗ نَ كانُوا حَيَّةَ الأرْضِ
وقَوْلِ النّابِغَةِ في رِثاءِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
ماذا رُزِئْنا بِهِ مِن حَيَّةٍ ذَكَرٍ ∗∗∗ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ
وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ الجَهْمِ مَدَحَ الخَلِيفَةَ المُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ:
أنْتَ كالكَلْبِ في وفائِكَ بِالعَهْ ∗∗∗ دِ وكالتَّيْسِ في قِراعِ الخُطُوبِ
وأنَّهُ لَمّا سَكَنَ بَغْدادَ وعَلِقَتْ نَضارَةُ النّاسِ بِخَيالِهِ قالَ في أوَّلِ ما قالَهُ:
عُيُونُ المَها بَيْنَ الرَّصافَةِ والجِسْرِ ∗∗∗ جَلَبْنَ الهَوى مِن حَيْثُ أدْرِي ولا أدْرِي
وقَدِ انْتَقَدَ بَشّارٌ عَلى كُثَيِّرٍ قَوْلَهُ:
ألا إنَّما لَيْلى عَصا خَيْزُرانَةٌ ∗∗∗ إذا لَمَسُوها بِالأكُفِّ تَلِينُ
فَقالَ، لَوْ جَعَلَها عَصا مُخٍّ أوْ عَصا زُبْدٍ لَما تَجاوَزَ مِن أنْ تَكُونَ عَصا، عَلى أنَّ بَشّارًا هو القائِلُ:
إذا قامَتْ لِجارَتِها تَثَنَّتْ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامَها مِن خَيْزُرانِ
وشَبَّهَ بِشارٌ عَبْدَةَ بِالحَيَّةِ في قَوْلِهِ:
وكَأنَّها لَمّا مَشَتْ ∗∗∗ أيْمٌ تَأوَّدَ في كَثِيبْ
والِاسْتِحْياءُ والحَياءُ واحِدٌ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَقْدَمَ واسْتَأْخَرَ واسْتَجابَ. وهو انْقِباضُ النَّفْسِ مِن صُدُورِ فِعْلٍ أوْ تَلَقِّيهِ لِاسْتِشْعارِ أنَّهُ لا يَلِيقُ أوْ لا يَحْسُنُ في مُتَعارَفِ أمْثالِهِ، فَهو هَيْئَةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ هي مِن قَبِيلِ الِانْفِعالِ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الوَجْهِ، وفي الإمْساكِ عَنْ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ.
والِاسْتِحْياءُ هُنا مَنفِيٌّ عَنْ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في صِحَّةِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ، والتَّعَلُّلُ لِذَلِكَ بِأنَّ نَفْيَ الوَصْفِ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الِاتِّصافِ تَعَلُّلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
والضَّرْبُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الوَضْعِ والجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ خَيْمَةً وضَرَبَ بَيْتًا. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً ∗∗∗ بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ
وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنْزَلُ
أيْ جَعَلَ شَيْئًا مَثَلًا أيْ شَبَهًا، قالَ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ لا تَجْعَلُوا لَهُ مُماثِلًا مِن خَلْقِهِ، فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ضَرَبَ مُشْتَقًّا مِنَ الضَّرْبِ بِمَعْنى المُماثِلِ فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِأنَّ مَثَلًا مُرادِفٌ مَصْدَرَ فِعْلِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، والمَعْنى: لا يَسْتَحْيِي أنْ يُشَبِّهَ بِشَيْءٍ ما. والمَثَلُ المَثِيلُ والمُشابِهُ، وغَلَبَ عَلى مُماثَلَةِ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وتَقَدَّمَ هُناكَ مَعْنى ضَرْبِ المَثَلِ بِالمَعْنى الآخَرِ، وتَنْكِيرُ (مَثَلًا) لِلتَّنْوِيعِ بِقَرِينَةِ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ (بَعُوضَةً) فَما فَوْقَها.
وما إبْهامِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالنَّكِرَةِ فَتُؤَكِّدُ مَعْناها مِن تَنْوِيعٍ أوْ تَفْخِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ، نَحْوِ: لِأمْرٍ ما، وأعْطاهُ شَيْئًا ما. والأظْهَرُ أنَّها مَزِيدَةٌ لِتَكُونَ دَلالَتُها عَلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ، وقِيلَ اسْمٌ بِمَعْنى النَّكِرَةِ المُبْهَمَةِ.
وبَعُوضَةً بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن قَوْلِهِ مَثَلًا والبَعُوضَةُ واحِدَةُ البَعُوضِ وهي حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ طائِرَةٌ ذاتُ خُرْطُومٍ دَقِيقٍ تَحُومُ عَلى الإنْسانِ لِتَمْتَصَّ بِخُرْطُومِها مِن دَمِهِ غِذاءً لَها، وتُعْرَفُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ بِالخُمُوشِ، وأهْلُ تُونِسَ يُسَمُّونَهُ النّامُوسَ واحِدَتُهُ النّامُوسَةُ وقَدْ جُعِلَتْ هُنا مَثَلًا لِشِدَّةِ الضَّعْفِ والحَقارَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَما فَوْقَها﴾ عُطِفَ عَلى بَعُوضَةً وأصْلُ (فَوْقَ) اسْمٌ لِلْمَكانِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ فَهو اسْمٌ مُبْهَمٌ، فَلِذَلِكَ كانَ مُلازِمًا لِلْإضافَةِ لِأنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو مِن أسْماءِ الجِهاتِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في المُتَجاوِزِ غَيْرَهُ في صِفَةٍ تَجاوُزًا ظاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ عَلى ما هو مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ في مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى التَّغَلُّبِ والزِّيادَةِ في صِفَةٍ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَحامِدِ أوْ مِنَ المَذامِّ، يُقالُ: فُلانٌ خَسِيسٌ وفَوْقَ الخَسِيسِ وفُلانٌ شُجاعٌ وفَوْقَ الشُّجاعِ، وتَقُولُ أُعْطِيَ فُلانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أيْ زائِدًا عَلى حَقِّهِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أيْ ما هو أشَدُّ مِنَ البَعُوضَةِ في الحَقارَةِ وما هو أكْبَرُ حَجْمًا.
ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ» رَواهُ مُسْلِمٌ، يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِنَ الشَّوْكَةِ في الأذى مِثْلَ نُخْبَةِ النَّمْلَةِ - كَما جاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ - أوْ ما هو أشَدُّ مِنَ الشَّوْكَةِ مِثْلُ الوَخْزِ بِسِكِّينٍ، وهَذا مِن تَصارِيفِ لَفْظِ فَوْقَ في الكَلامِ، ولِذَلِكَ كانَ لِاخْتِيارِهِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ لَفْظِ أقَلَّ، ودُونَ لَفْظِ أقْوى مَثَلًا مَوْقِعٌ مِن بَلِيغِ الإيجازِ.
والفاءُ عاطِفَةٌ ما فَوْقَها عَلى بَعُوضَةً أفادَتْ تَشْرِيكَهُما في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِما، وحَقُّها أنْ تُفِيدَ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ، ولَكِنَّها هُنا لا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وإنَّما اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى التَّدَرُّجِ في الرُّتَبِ بَيْنَ مَفاعِيلِ (﴿أنْ يَضْرِبَ﴾) ولا تُفِيدُ أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يَكُونُ بِالبَعُوضَةِ ويَعْقُبُهُ ضَرْبُهُ بِما فَوْقَها بَلِ المُرادُ بَيانُ المَثَلِ بِأنَّهُ البَعُوضَةُ وما يَتَدَرَّجُ في مَراتِبِ القُوَّةِ زائِدًا عَلَيْها دَرَجَةً تَلِي دَرَجَةً، فالفاءُ في مِثْلِ هَذا مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ الإطْلاقُ عَنِ القَيْدِ لِأنَّ الفاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي هو اتِّصالٌ خاصٌّ، فاسْتُعْمِلَتْ في مُطْلَقِ الِاتِّصالِ، أوْ هي مُسْتَعارَةٌ لِلتَّدَرُّجِ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّعْقِيبِ في التَّأخُّرِ في التَّعَقُّلِ كَما أنَّ التَّعْقِيبَ تَأخُّرٌ في الحُصُولِ، ومِنهُ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ.
والمَعْنى أنْ يَضْرِبَ البَعُوضَةَ مَثَلًا فَيَضْرِبَ ما فَوْقَها أيْ ما هو دَرَجَةٌ أُخْرى أيْ أحْقَرَ مِنَ البَعُوضَةِ مِثْلَ الذَّرَّةِ، وأعْظَمَ مِنها مِثْلَ العَنْكَبُوتِ والحِمارِ.
* * *
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾
الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ دُونَ الحُصُولِيِّ أيْ لِتَعْقِيبِ الكَلامِ المُفَصَّلِ عَلى الكَلامِ المُجْمَلِ عَطَفَتِ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: لا يَسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ كَما تَقَدَّمَ، ولَمّا كانَ في النّاسِ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ وكِلا الفَرِيقَيْنِ تَلَقّى ذَلِكَ المَثَلَ واخْتَلَفَتْ حالُهم في الِانْتِفاعِ بِهِ، نَشَأ في الكَلامِ إجْمالٌ مُقَدَّرٌ اقْتَضى تَفْصِيلَ حالِهِمْ. وإنَّما عَطَفَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّفْصِيلَ حاصِلٌ عَقِبَ الإجْمالِ.
و(أمّا) حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلٍ مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. ولَمّا كانَ الإجْمالُ يَقْتَضِي اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِتَفْصِيلِهِ كانَ التَّصَدِّي لِتَفْصِيلِهِ بِمَنزِلَةِ سُؤالٍ مَفْرُوضٍ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَقُولُ: إنْ شِئْتَ تَفْصِيلَهُ فَتَفْصِيلُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَلِذَلِكَ كانَتْ (أمّا) مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْها الفاءُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّها كَجَوابِ شَرْطٍ، وقَدْ تَخْلُو عَنْ مَعْنى التَّفْصِيلِ في خُصُوصِ قَوْلِ العَرَبِ: أمّا بَعْدُ فَتَتَمَحَّضُ لِلشَّرْطِ وذَلِكَ في التَّحْقِيقِ لِخَفاءِ مَعْنى التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَرَقُّبِ السّامِعِ كَلامًا بَعْدَ كَلامِهِ الأوَّلِ.
وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، وتَلَقَّفَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَعْدَهُ وهو عِنْدِي تَقْدِيرُ مَعْنًى لِتَصْحِيحِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِها، وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ لِأنَّ دَعْوى قَصْدِ عُمُومِ الشَّرْطِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ، فَإذا جِيءَ بِأداةِ التَّفْصِيلِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ اهْتِمامِ المُتَكَلِّمِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الكَلامِ الَّتِي سَمّاها الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْكِيدًا وما هو إلّا دَلالَةُ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، عَلى أنَّ مَضْمُونَهُ مُحَقَّقٌ ولَوْلا ذَلِكَ لَما اهْتَمَّ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَضْلُ قَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنْ يُقالَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ بِدُونِ (أمّا) والفاءِ. وجَعَلَ تَفْصِيلَ النّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمَيْنِ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّشْرِيعِ والتَّنْزِيلِ قِسْمانِ ابْتِداءً: مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ هُنا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِثَباتِ إيمانِهِمْ وتَأْيِيسِ الَّذِينَ أرادُوا إلْقاءَ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنَّ قُلُوبَهم لا مَدْخَلَ فِيها لِذَلِكَ الشَّكِّ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا إمّا خُصُوصُ المُشْرِكِينَ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ غالِبًا، وإمّا ما يَشْمَلُهم ويَشْمَلُ اليَهُودَ بِناءً عَلى ما سَلَفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِـ (يَعْلَمُونَ) تَعْرِيضًا بِأنَّ الكافِرِينَ إنَّما قالُوا ما قالُوا عِنادًا ومُكابَرَةً وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ أصابَ المَحَزَّ، كَيْفَ وهَمَ أهْلُ اللِّسانِ وفُرْسانُ البَيانِ، ولَكِنْ شَأْنُ المُعانِدِ المُكابِرِ أنْ يَقُولَ ما لا يَعْتَقِدُ؛ حَسَدًا وعِنادًا. وضَمِيرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَثَلِ. والحَقُّ تَرْجِعُ مَعانِيهِ إلى مُوافَقَةِ الشَّيْءِ لِما يَحِقُّ أنْ يَقَعَ وهو هُنا المُوافِقُ لِإصابَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ. و﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ حالٌ مِنَ (الحَقِّ) و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ لا كَما زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّوابِ فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ مِن كَلامِ مَن يَقَعُ مِنهُ الخَطَأُ.
وأصْلُ ماذا كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وذا اسْمِ الإشارَةِ، ولِذَلِكَ كانَ أصْلُها أنْ يُسْألَ بِها عَنْ شَيْءٍ مُشارٍ إلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ ”ماذا“ مُشِيرًا إلى شَيْءٍ حاضِرٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ما هَذا، غَيْرَ أنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا فِيهِ فاسْتَعْمَلُوهُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُرَكَّبًا مِن كَلِمَتَيْنِ وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ غَيْرِ الإشارَةِ حَتّى تَصِيرَ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، نَحْوَ ماذا التَّوانِي، أوْ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلْإشارَةِ مَوْقِعٌ نَحْوَ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٣٩] ولِذَلِكَ يَقُولُ النُّحاةُ: إنَّ ذا مُلْغاةٌ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.
وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِيها تَوَسُّعًا أقْوى فَيَجْعَلُونَ ذا اسْمًا مَوْصُولًا وذَلِكَ حِينَ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنْهُ مَعْرُوفًا لِلْمُخاطَبِ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ فَلِذَلِكَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ جُمْلَةً أوْ نَحْوَها هي صِلَةٌ ويَجْعَلُونَ ذا مَوْصُولًا نَحْوَ ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ يَصِحُّ إعْرابُهُ مُبْتَدَأً ويَصِحُّ إعْرابُهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا إذا وقَعَ بَعْدَهُ فِعْلٌ. والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارِيٌّ أيْ جُعِلَ الكَلامُ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ كِنايَةً بِهِ عَنِ الإنْكارِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُنْكَرَ يُسْتَفْهَمُ عَنْ حُصُولِهِ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في الإنْكارِ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، ومِثْلُهُ لا يُجابُ بِشَيْءٍ غالِبًا لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الِاسْتِعْلامُ. وقَدْ يُلاحَظُ فِيهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ فَيُجابُ بِجَوابٍ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ الكِنائِيَّ لا يَمْنَعُ مِن إرادَةِ المَعْنى الأصْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بِهَذا مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وانْتَصَبَ قَوْلُهُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ مِن (هَذا) لِأنَّهُ مُبْهَمٌ فَحُقَّ لَهُ التَّمْيِيزُ وهو نَظِيرُ التَّمْيِيزِ لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِمْ (رُبَّهُ رَجُلًا) .
* * *
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المَعْكُوسِ لِأنَّ مَعْنى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِما مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ السّالِفَتَيْنِ إجْمالًا فَإنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ هُدًى، وقَوْلَ الكافِرِينَ (﴿ماذا أرادَ اللَّهُ﴾) الخَ ضَلالٌ، والأظْهَرُ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا كَما تَقَدَّمَ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمْ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ حِكْمَةِ ما أرادَ اللَّهُ بِتِلْكَ الأمْثالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ وبَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ الإنْكارِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا مِن عَدَمِ المانِعِ مِن جَمْعِ المَعْنَيَيْنِ الكِنائِيِّ والأصْلِيِّ.
وكَوْنُ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُضَلَّلِ والمَهْدِيِّ كَثِيرًا في نَفْسِهِ، لا يُنافِي نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] لِأنَّ قُوَّةَ الشُّكْرِ الَّتِي اقْتَضاها صِيغَةُ المُبالَغَةِ، أخَصُّ في الِاهْتِداءِ.
والفاسِقُ لَفْظٌ مِن مَنقُولاتِ الشَّرِيعَةِ، أصْلُهُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الفِسْقِ بِكَسْرِ الفاءِ، وحَقِيقَةُ الفِسْقِ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ مِن قِشْرِها وهو عاهَةٌ أوْ رَداءَةٌ في الثَّمَرِ، فَهو خُرُوجٌ مَذْمُومٌ يُعَدُّ مِنَ الأدْواءِ مِثْلَ ما قالَ النّابِغَةُ:
صِغارُ النَّوى مَكْنُوزَةٌ لَيْسَ قِشْرُها إذا طارَ قِشْرُ التَّمْرِ عَنْها بِطائِرِ
قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في كَلامِهِمْ في غَيْرِ هَذا المَعْنى حَتّى نَقَلَهُ القُرْآنُ لِلْخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى الجازِمِ بِارْتِكابِ المَعاصِي الكَبائِرِ، فَوَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في كَلامِ المُسْلِمِينَ: قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ إبِلًا:
فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا ∗∗∗ يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا
والفِسْقُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَبْلُغُ بَعْضُها إلى الكُفْرِ. وقَدْ أُطْلِقَ الفِسْقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى جَمِيعِها لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ هو ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والفُقَهاءِ وهو أنَّ الفِسْقَ غَيْرُ الكُفْرِ وأنَّ المَعاصِيَ وإنْ كَثُرَتْ لا تُزِيلُ الإيمانَ وهو الحَقُّ، وقَدْ لَقَّبَ اللَّهُ اليَهُودَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ بِالفاسِقِينَ، وأحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ هُنا، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِجُمْهُورٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُراعًى فِيهِ أنَّهُ الَّذِي مَكَّنَ الضّالِّينَ مِنَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ بِما خَلَقَ لَهم مِنَ العُقُولِ وما فَصَلَ لَهم مِن أسْبابِ الخَيْرِ وضِدِّهِ.
وفِي اخْتِيارِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ صِحَّةِ إسْنادِهِ لِفِعْلِ الضّالِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ضَلالٌ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى صارَ كالجِبِلَّةِ فِيهِمْ، فَهم مَأْيُوسٌ مِنِ اهْتِدائِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مَنظُورٌ فِيهِ إلى خَلْقِ أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ كُلَّهم بِالهُدى وهي مَسْألَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها في عِلْمِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ إمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ لِلْفِسْقِ تَأْثِيرًا في زِيادَةِ الضَّلالِ لِأنَّ الفِسْقَ يَرِينُ عَلى القُلُوبِ ويُكْسِبُ النُّفُوسَ ظُلْمَةً فَتَتَساقَطُ في الضَّلالِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى عَلى التَّعاقُبِ، حَتّى يَصِيرَ لَها دُرْبَةً. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْلِيقُ عَلى وصْفِ المُشْتَقِّ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ فاسِقُونَ وما مِن فاسِقٍ إلّا وهو ضالٌّ فَما ثَبَتَ الضَّلالُ إلّا بِثُبُوتِ الفِسْقِ عَلى نَحْوِ طَرِيقَةِ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ، وإمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الضَّلالَ والفِسْقَ أخَوانِ، فَحَيْثُما تَحَقَّقَ أحَدُهُما أنْبَأ بِتَحَقُّقِ الآخَرِ عَلى نَحْوِ قِياسِ المُساواةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الفاسِقِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ المَشْهُورُ فَلا يَكُونُ لَهُ إيذانٌ بِتَعْلِيلٍ. وإمّا لِبَيانِ أنَّ الإضْلالَ المُتَكَيَّفَ في إنْكارِ الأمْثالِ إضْلالٌ مَعَ غَباوَةٍ فَلا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ عُرِفُوا بِهَذا الوَصْفِ.
والقَوْلُ في مَذاهِبِ عُلَماءِ الإسْلامِ في الفِسْقِ وتَأْثِيرِهِ في الإيمانِ لَيْسَ هَذا مَقامُ بَيانِهِ إذْ لَيْسَ هو المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ. فَإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ المَثَلِ كانَ القَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ﴾ إلَخْ بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَحْصُلَ تَمْيِيزُ المُرادِ مِنَ المُضَلَّلِ والمُهْتَدِي. وإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى اليَهُودِ كانَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا أيْ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وهُمُ الطّاعِنُونَ فِيهِ وأشَدُّهم ضَلالًا هُمُ الفاسِقُونَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ أبْعَدُ عَنِ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ لِأنَّهم في شِرْكِهِمْ، وأمّا اليَهُودُ فَهم أهْلُ كِتابٍ وشَأْنُهم أنْ يَعْلَمُوا أفانِينَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وضَرْبَ الأمْثالِ، فَإنْكارُهم إيّاها غايَةُ الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ لا ضَلالَ سِواهُ.
وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ إلى آخِرِهِ صِفَةٌ لِـ الفاسِقِينَ لِتَقْرِيرِ اتِّصافِهِمْ بِالفِسْقِ لِأنَّ هاتِهِ الخِلالَ مِن أكْبَرِ أنْواعِ الفُسُوقِ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَقْطُوعَةً مُسْتَأْنَفَةً عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وقَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ خَبَرٌ وهي مَعَ ذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنى تَوْصِيفِ الفاسِقِينَ بِتِلْكَ الخِلالِ؛ إذِ الِاسْتِئْنافُ لَمّا ورَدَ إثْرَ حِكايَةِ حالٍ عَنِ الفاسِقِينَ تَعَيَّنَ في حُكْمِ البَلاغَةِ أنْ تَكُونَ هاتِهِ الصِّلَةُ مِن صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لِلُزُومِ الِاتِّحادِ في الجامِعِ الخَيالِيِّ، وإلّا لَصارَ الكَلامُ مُقَطَّعًا مَنتُوفًا فَلَيْسَ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ إلّا اخْتِلافُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَواحِدٌ، فَلِذَلِكَ كانَ إعْرابُهُ صِفَةً أرْجَحَ أوْ مُتَعَيِّنًا إذْ لا داعِيَ إلى اعْتِبارِ القَطْعِ.
ومَجِيءُ المَوْصُولِ هُنا لِلتَّعْرِيفِ بِالمُرادِ مِنَ الفاسِقِينَ أيِ الفاسِقِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ الثَّلاثِ فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الفاسِقِينَ اليَهُودُ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ وهم قَدْ عُرِفُوا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِلَةُ المَوْصُولِ كَما سَنُبَيِّنُهُ هُنا، بَلْ هم قَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ كُتُبُ أنْبِيائِهِمْ بِأنَّهم نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ فَناسَبَ أنْ يُجْعَلَ النَّقْضُ صِلَةً لِاشْتِهارِهِمْ بِها، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِذَلِكَ أنَّ الطَّعْنَ في هَذا المَثَلِ جَرَّهم إلى زِيادَةِ الطَّعْنِ في الإسْلامِ فازْدادُوا بِذَلِكَ ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمُ السّابِقِ في تَغْيِيرِ دِينِهِمْ وفي كُفْرِهِمْ بِعِيسى، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَضَلالُهم لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، عَلى أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وأكْثَرُ الرَّدِّ في الآياتِ المَدَنِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى أهْلِ الكِتابِ.
والنَّقْضُ في اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ في فَسْخِ وحَلِّ ما رُكِّبَ ووُصِلَ، بِفِعْلٍ يُعاكِسُ الفِعْلَ الَّذِي كانَ بِهِ التَّرْكِيبُ، وإنَّما زِدْتُ قَوْلِي بِفِعْلٍ إلَخْ؛ لِيَخْرُجَ القَطْعُ والحَرْقُ فَيُقالُ نَقَضَ الحَبْلَ إذا حَلَّ ما كانَ أبْرَمَهُ، ونَقَضَ الغَزْلَ ونَقَضَ البِناءَ.
وقَدِ اسْتُعْمِلَ النَّقْضُ هُنا مَجازًا في إبْطالِ العَهْدِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى عَهْدِ اللَّهِ وهي اسْتِعارَةٌ مِن مُخْتَرَعاتِ القُرْآنِ بُنِيَتْ عَلى ما شاعَ في كَلامِ العَرَبِ في تَشْبِيهِ العَهْدِ وكُلِّ ما فِيهِ وصْلٌ بِالحَبْلِ، وهو تَشْبِيهٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ التَّيِّهانِ الأنْصارِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ حِبالًا ونَحْنُ قاطِعُوها فَنَخْشى إنْ أعَزَّكَ اللَّهُ وأظْهَرَكَ أنْ تَرْجِعَ إلى قَوْمِكَ يُرِيدُ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وكانَ الشّائِعُ في الكَلامِ إطْلاقَ لَفْظِ القَطْعِ والصَّرْمِ وما في مَعْناهُما عَلى إبْطالِ العَهْدِ أيْضًا في كَلامِهِمْ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وإنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأجْمِلِي
وقالَ لَبِيدٌ:
أوَلَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوارُ بِأنَّنِي ∗∗∗ وصّالُ عَقْدِ حَبائِلٍ جَذّامُها
وقالَ:
بَلْ ما تَذَكَّرَ مِن نَوارَ وقَدْ نَأتْ ∗∗∗ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُها ورِمامُها
وقالَ:
فاقْطَعْ لُبانَةَ مَن تَعَرَّضَ وصْلُهُ ∗∗∗ فَلَشَرُّ واصِلِ خُلَّةٍ صَرّامُها
ووَجْهُ اخْتِيارِ اسْتِعارَةِ النَّقْضِ الَّذِي هو حَلُّ طَيّاتِ الحَبْلِ إلى إبْطالِ العَهْدِ أنَّها تَمْثِيلٌ لِإبْطالِ العَهْدِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا وفي أزْمِنَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ ومُعالَجَةٍ. والنَّقْضُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى الإبْطالِ مِنَ القَطْعِ والصَّرْمِ ونَحْوِهِما لِأنَّ في النَّقْضِ إفْسادًا لِهَيْئَةِ الحَبْلِ وزَوالَ رَجاءِ عَوْدِها وأمّا القَطْعُ فَهو تَجْزِئَةٌ.
وفِي النَّقْضِ رَمْزٌ إلى اسْتِعارَةٍ مَكْنِيَّةٍ لِأنَّ النَّقْضَ مِن رَوادِفِ الحَبْلِ فاجْتَمَعَ هُنا اسْتِعارَتانِ مَكْنِيَّةٌ وتَصْرِيحِيَّةٌ وهَذِهِ الأخِيرَةُ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ أنَّ ما يُرْمَزُ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ المَطْرُوحِ في المَكْنِيَّةِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى حَقِيقِيٍّ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ وذَلِكَ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلْمُشَبَّهِ المَذْكُورِ في صُورَةِ المَكْنِيَّةِ رَدِيفٌ يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِرَدِيفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَطْرُوحِ، مِثْلُ إثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: أظْفارُ المَنِيَّةِ. وإثْباتِ المَخالِبِ والنّابِ لِلْكُماةِ في قَوْلِ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:
فَلَمّا اشْتَدَّتِ الهَيْجاءُ كُنّا ∗∗∗ أشَدَّ مُخالِبًا وأحَدَّ نابا
وإثْباتُ اليَدِ لِلشَّمالِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
. وقَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى مَجازِيٍّ إذا كانَ لِلْمُشَبَّهِ في المَكْنِيَّةِ رَدِيفٌ يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِرَدِيفِ المُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ نَحْوُ: (﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾)، وقَدْ زِدْنا أنَّها تَمْثِيلِيَّةٌ أيْضًا، والبَلِيغُ لا يُفْلِتُ هاتِهِ الِاسْتِعارَةَ مَهْما تَأْتِ لَهُ ولا يَتَكَلَّفُ لَها مَهْما عَسِرَتْ، فَلَيْسَ الجَوازُ المَذْكُورُ في قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ إلّا جَوازًا في الجُمْلَةِ أيْ بِالنَّظَرِ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ.
وهَذا الَّذِي هو مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ في صُورَةِ المَكْنِيَّةِ وغَيْرِها قَدْ يَقْطَعُ عَنِ الرَّبْطِ بِالمَكْنِيَّةِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُسْتَقِلَّةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا تَذْكُرُ مَعَهُ لَفَظًا يُرادُ تَشْبِيهُهُ بِمُشَبَّهٍ بِهِ مُضْمَرٍ نَحْوُ أنْ تَقُولَ: فُلانٌ يَنْقُضُ ما أبْرَمَ.
وقَدْ يُرْبَطُ بِالمَكْنِيَّةِ وذَلِكَ حَيْثُ يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِمُشَبَّهٍ بِهِ مُضْمَرٍ كَما في الآيَةِ حَيْثُ ذُكِرَ النَّقْضُ مَعَ العَهْدِ. وقَدْ يُرْبَطُ بِمُصَرَّحَةٍ وذَلِكَ حَيْثُ يُذْكَرُ مَعَ لَفْظِ المُشَبَّهِ بِهِ الَّذِي الرّادِفُ مِن تَوابِعِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ حِبالًا نَحْنُ قاطِعُوها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وهَذِهِ الِاعْتِباراتُ مُتَداخِلَةٌ لا مُتَضادَّةٌ إذْ قَدْ يَصِحُّ في المَوْضِعِ اعْتِبارانِ مِنها أوْ جَمِيعُها، وإنَّما التَّقْسِيمُ بِالنَّظَرِ إلى ما يَنْظُرُ إلَيْهِ البَلِيغُ أوَّلَ النَّظَرِ.
واعْلَمْ أنَّ رَدِيفَ المُشَبَّهِ بِهِ في المَكْنِيَّةِ إذا اعْتُبِرَ اسْتِعارَةً في ذاتِهِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ اعْتِبارَهُ ذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ رَمْزًا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ كالنَّقْضِ فَإنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ إبْطالُ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ مِن رَوادِفِ الحَبْلِ، لَكِنْ لَمّا كانَ إيذانُهُ بِالحَبْلِ سابِقًا عِنْدَ سَماعِ لَفْظِهِ لِسَبْقِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ إلى ذِهْنِ السّامِعِ حَتّى يَتَأمَّلَ في القَرِينَةِ كَفى ذَلِكَ السَّبْقُ دَلِيلًا ورَمْزًا عَلى المُشَبَّهِ بِهِ المُضْمَرِ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ الرَّمْزُ لَمْ يَضُرَّ فَهْمُ الِاسْتِعارَةِ في ذَلِكَ اللَّفْظِ. وأجابَ عَبْدُ الحَكِيمِ بِأنَّ كَوْنَهُ رادِفًا بَعْدَ كَوْنِهِ اسْتِعارَةً بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا شُبِّهَ بِهِ الرّادِفُ وسُمِّيَ بِهِ صارَ رادِفًا ادِّعائِيًّا وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
و﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ هو ما عَهِدَ بِهِ أيْ ما أوْصى بِرَعْيِهِ وحِفاظِهِ، ومَعانِي العَهْدِ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرَةٌ وتَصْرِيفُهُ عُرْفِيٌّ. قالَ الزَّجّاجُ قالَ بَعْضُهم: ما أدْرِي ما العَهْدُ، ومَرْجِعُ مَعانِيهِ إلى المُعاوَدَةِ والمُحافَظَةِ والمُراجَعَةِ والِافْتِقادِ ولا أدْرِي أيَّ مَعانِيهِ أصْلٌ لِبَقِيَّتِها، وغالِبُ ظَنِّي أنَّها مُتَفَرِّعٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، والأقْرَبُ أنَّ أصْلَها هو العَهْدُ مَصْدَرُ عَهِدَهُ عَهْدًا إذا تَذَكَّرَهُ وراجَعَ إلَيْهِ نَفْسَهُ يَقُولُونَ عَهِدْتُكَ كَذا أيْ أتَذَكَّرُ فِيكَ كَذا وعَهْدِي بِكَ كَذا، وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ولا يَسْألُ عَمّا عَهِدَ أيْ عَمّا عَهِدَ وتَرَكَ في البَيْتِ، ومِنهُ قَوْلُهم: في عَهْدِ فُلانٍ أيْ زَمانِهِ لِأنَّهُ يُقالُ لِلزَّمانِ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وشَرٌّ لا يَنْساهُ النّاسُ، وتَعَهَّدَ المَكانَ أوْ فُلانًا وتَعاهَدَهُ إذا افْتَقَدَهُ وأحْدَثَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ بَعْدَ تَرْكِ العَهْدِ والوَصِيَّةِ، ومِنهُ ولِيُّ العَهْدِ.
والعَهْدُ اليَمِينُ والعَهْدُ الِالتِزامُ بِشَيْءٍ، يُقالُ عَهِدَ إلَيْهِ وتَعَهَّدَ إلَيْهِ لِأنَّها أُمُورٌ لا يَزالُ صاحِبُها يَتَذَكَّرُها ويُراعِيها في مَواقِعِ الِاحْتِرازِ عَنْ خَفْرِها. وسُمِّيَ المَوْضِعُ الَّذِي يَتَراجَعُهُ النّاسُ بَعْدَ البُعْدِ عَنْهُ مَعْهَدًا.
والعَهْدُ في الآيَةِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي آدَمَ أنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] الآيَةَ، فَنَقْضُهُ يَشْمَلُ الشِّرْكَ وقَدْ وصَفَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ بِنَقْضِ العَهْدِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] الآيَةَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. وفُسِّرَ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِمْ أنَّهم إذا بُعِثَ بِعْدَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] الآياتِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ أخْذُ العَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ. وفُسِّرَ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ في تَفاسِيرَ أُخْرى بَعِيدَةٍ. والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ هو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن إقامَةِ الدِّينِ وتَأْيِيدِ الرُّسُلِ وأنْ لا يَسْفِكَ بَعْضُهم دِماءَ بَعْضٍ وأنْ يُؤْمِنُوا بِالدِّينِ كُلِّهِ، وقَدْ ذَكَّرَهُمُ القُرْآنُ بِعُهُودِ اللَّهِ تَعالى ونَقْضِهِمْ إيّاها في غَيْرِ ما آيَةٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠] إلى قَوْلِهِ ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] بَلْ إنَّ كُتُبَهم قَدْ صَرَّحَتْ بِعُهُودِ اللَّهِ تَعالى لَهم وأنْحَتْ عَلَيْهِمْ نَقْضَهم لَها وجَعَلَتْ ذَلِكَ إنْذارًا بِما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ المَصائِبِ كَما في كِتابِ أرْمِيا ومَراثِي أرْمِيا وغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ صارَ لَفْظُ العَهْدِ عِنْدَهم لَقَبًا لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وصْفًا لِـ الفاسِقِينَ وكانَ المُرادُ مِنَ الفاسِقِينَ اليَهُودَ كَما عَلِمْتَ كانَ ذِكْرُ العَهْدِ إيماءً إلى أنَّ الفاسِقِينَ هُنا هم، وتَسْجِيلًا عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا الوَصْفُ مِن قَبْلِ اليَوْمِ بِشَهادَةِ كُتُبِهِمْ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ فَكانَ لِاخْتِيارِ لَفْظِ العَهْدِ هُنا وقْعٌ عَظِيمٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المِفْتاحِ الَّذِي يُوضَعُ في حَلِّ اللُّغْزِ لِيُشِيرَ لِلْمَقْصُودِ، فَهو العَهْدُ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] والمِيثاقُ مِفْعالٌ وهو يَكُونُ لِلْآلَةِ كَثِيرًا كَمِرْقاةٍ ومِرْآةٍ ومِحْراثٍ. قالَ الخَفاجِيُّ كَأنَّهُ إشْباعٌ لِلْمِفْعَلِ، ولِلْمَصْدَرِ أيْضًا نَحْوَ المِيلادِ والمِيعادِ وهو الأظْهَرُ هُنا. والضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ أيْ مِن بَعْدِ تَوْكِيدِ العَهْدِ وتَوْثِيقِهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعَهْدِ عَهْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ، كانَ تَوْكِيدُ كُلِّ ما يَفْرِضُهُ المُخاطَبُ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ العُهُودِ وما تَأخَّرَ عَنْهُ، فَهو عَلى حَدِّ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالمِيثاقُ إذَنْ عَهْدٌ آخَرُ اعْتُبِرَ مُؤَكِّدًا لِعَهْدٍ سَبَقَهُ أوْ لَحِقَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ قِيلَ: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ هو قُرابَةُ الأرْحامِ، يَعْنِي وحَيْثُ تَرَجَّحَ أنَّ المُرادَ بِهِ بَعْضُ عَمَلِ اليَهُودِ فَذَلِكَ إذْ تَقاتَلُوا وأخْرَجُوا كَثِيرًا مِنهم مِن دِيارِهِمْ، ولَمْ تَزَلِ التَّوْراةُ تُوصِي بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وقِيلَ: الإعْراضُ عَنْ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ هو مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: اقْتِرانُ القَوْلِ بِالعَمَلِ. وقِيلَ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأنْبِياءِ في الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ. وقالَ البَغَوِيُّ يَعْنِي بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ. وأقُولُ تَكْمِيلًا لِهَذا: إنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِمّا شَرَعَ لِلنّاسِ مُنْذُ النَّشْأةِ إلى خَتْمِ الرِّسالَةِ واحِدٌ وهو إبْلاغُ البَشَرِ إلى الغايَةِ الَّتِي خُلِقُوا لَها وحِفْظُ نِظامِ عالَمِهِمْ وضَبْطُ تَصَرُّفاتِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَعْتَوِرُهُ خَلَلٌ، وإنَّما اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ تَهَيُّئِ البَشَرِ لِتَلَقِّي مُرادِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قَلَّما اخْتَلَفَتِ الأُصُولُ الأساسِيَّةُ لِلشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، قالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. وإنَّما اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ في تَفارِيعِ أُصُولِها اخْتِلافًا مُراعًى فِيهِ مَبْلَغَ طاقَةِ البَشَرِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالنّاسِ ورَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ حَتّى في حَمْلِهِمْ عَلى مَصالِحِهِمْ لِيَكُونَ تَلَقِّيهِمْ لِذَلِكَ أسْهَلَ، وعَمَلُهم بِهِ أدْوَمَ، إلى أنْ جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في وقْتٍ راهَقَ فِيهِ البَشَرُ مَبْلَغَ غايَةِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، وجاءَهم دِينٌ تُناسِبُ أحْكامُهُ وأُصُولُهُ اسْتِعْدادَهُمُ الفِكْرِيَّ وإنْ تَخالَفَتِ الأعْصارُ وتَباعَدَتِ الأقْطارُ، فَكانَ دِينًا عامًّا لِجَمِيعِ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الشَّرائِعُ السّابِقَةُ تَمْهِيدًا لَهُ لِتُهَيِّئَ البَشَرَ لِقَبُولِ تَعالِيمِهِ وتَفارِيعِها الَّتِي هي غايَةُ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، ولِذا قالَ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فَما مِن شَرِيعَةٍ سَلَفَتْ إلّا وهي حَلْقَةٌ مِن سِلْسِلَةٍ جُعِلَتْ وصْلَةً لِلْعُرْوَةِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها وهي عُرْوَةُ الإسْلامِ، فَمَتى بَلَغَها النّاسُ فَقَدْ فَصَمُوا ما قَبْلَها مِنَ الحِلَقِ وبَلَغُوا المُرادَ، ومَتى انْقَطَعُوا في أثْناءِ بَعْضِ الحِلَقِ فَقَدْ قَطَعُوا ما أرادَ اللَّهُ وصْلَهُ، فاليَهُودُ لَمّا زَعَمُوا أنَّهم لا يَحِلُّ لَهُمُ العُدُولُ عَنْ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ قَدْ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ فَفَرَّقُوا مُجْتَمَعَهُ.
والفَسادُ في الأرْضِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ عُكُوفُ قَوْمٍ عَلى دِينٍ قَدِ اضْمَحَلَّ وقْتُ العَمَلِ بِهِ وأصْبَحَ غَيْرَ صالِحٍ لِما أرادَ اللَّهُ مِنَ البَشَرِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ شَرِيعَةً مِنَ الشَّرائِعِ خاصَّةً وقابِلَةً لِلنَّسْخِ إلّا وقَدْ أرادَ مِنها إصْلاحَ طائِفَةٍ مِنَ البَشَرِ مُعَيَّنَةٍ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ في عِلْمِهِ، وما نَسَخَ دِينًا إلّا لِتَمامِ وقْتِ صُلُوحِيَّتِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ، فالتَّصْمِيمُ عَلى عَدَمِ تَلَقِّي النّاسِخِ وعَلى مُلازَمَةِ المَنسُوخِ هو عَمَلٌ بِما لَمْ يَبْقَ فِيهِ صَلاحٌ لِلْبَشَرِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ كَمُداواةِ المَرِيضِ بِدَواءٍ كانَ وُصِفَ لَهُ في حالَةٍ تَبَدَّلَتْ مِن أحْوالِ مَرَضِهِ حَتّى أتى دِينُ الإسْلامِ عامًّا دائِمًا لِأنَّهُ صالِحٌ لِلْكُلِّ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّهم ظَنُّوا أنْفُسَهم رابِحِينَ وهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] وذِكْرُ الخُسْرانِ تَخْيِيلٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِعارَةُ في ذاتِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في (﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾) فَهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّها مُوَجَّهَةٌ إلى اليَهُودِ لِما عَلِمْتَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ولِما عَلِمْتَ مِن كَثْرَةِ إطْلاقِ وصْفِ الفاسِقِينَ عَلى اليَهُودِ، وإنْ كانَ الَّذِينَ طَعَنُوا في أمْثالِ القُرْآنِ فَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، كَما تَقَدَّمَ، وكانَ القُرْآنُ قَدْ وصَفَ المُشْرِكِينَ في سُورَةِ الرَّعْدِ - وهي مَكِّيَّةٌ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] فالمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ لا مَحالَةَ فَذَلِكَ كُلُّهُ لا يُناكِدُ جَعْلَ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ مُوَجَّهَةً إلى اليَهُودِ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ المُفَسِّرَ حَمْلُهُ أيِ القُرْآنِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ كَما يُوهِمُهُ صَنِيعُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَتّى كانَ آيُ القُرْآنِ عِنْدَهم قَوالِبَ تُفَرَّغُ فِيها مَعانٍ مُتَّحِدَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِضِدِّ هَذِهِ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] الآيَةَ في سُورَةِ الرَّعْدِ واعْلَمْ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها في بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ أوِ المُشْرِكِينَ هو وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وهو أيْضًا مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعْلَمَ سامِعُوهُ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ هَؤُلاءِ المَذْمُومِينَ فِيما أوْجَبَ ذَمَّهم وسَبَّبَ وعِيدَهم هو آخِذٌ بِحَظٍّ مِمّا نالَهم مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مِقْدارِ المُشارَكَةِ في المُوجِبِ.
الدر المصون - السمين الحلبي
الدر المصون للسمين الحلبي - السمين الحلبي (٧٥٦ هـ)
قوله تعالى: {الذين يَنقُضُونَ} . . فيه أربعة أوجهٍ، أحدُها: أنْ يكونَ نعتاً للفاسِقين. والثاني: أنه منصوبٌ على الذمِّ. والثالث أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ من قوله: {أولئك هُمُ الخاسرون} . والرابع: أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الفاسقون.
والنَّقْضُ: حَلُّ تركيب الشيءِ والرجوعُ به إلى الحالة الأولى. والعهدُ في كلامِهم على معانٍ منها: الوصيةُ والضمانُ والاكتفاءُ والأمرُ. والخَسار: النقصانُ في ميزان أو غيره، قال جرير: 316 - إنَّ سَليطاً في الخسار إنَّهْ ... أولادُ قومٍ خُلِقوا أَقِنَّهْ
وخَسَرْتُ الشيء بالفتح وأَخَسَرْتُه نَقَصْتُه، والخُسْران والخَسار والخيسرى كلُّه بمعنى الهلاك.
و «مِنْ بعد» متعلقٌ ب «يَنْقْضُون» ، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، وقيل: زائدةٌ وليس بشيء. و «ميثاقَه» الضميرُ فيه يجوزُ أن يعودَ على العهدِ، وأن يعودَ على اسم الله تعالى، فهو على الأول مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، وعلى الثاني مضافٌ للفاعل، والميثاقُ مصدرٌ كالميلادِ والميعادِ بمعنى الولادةِ والوَعْد، وقال ابنُ عطية: «وهو اسمٌ في موضعِ المصدرِ كقولِهِ:
317 - أكُفْراً بعدَ رَدِّ الموتِ عني ... وبعد عطائِك المئةَ الرِّتاعا
أي: إعطائك» ، ولا حاجة تدعُو إلى ذلك. والمادةُ تَدُلُّ على الشَدِّ والربطِ وجمعُه مواثيق ومياثِق وأنشد ابن الأعرابي:
318 - حِمىً لا يَحُلُّ الدهرُ إلا بإذنِنا ... ولا نَسْأَل الأقوامَ عهدَ المَيَاثِقِ
و «يقطعونَ» عطف على «ينقصون» فهي صلةٌ أيضاً، و «ما» موصولةٌ، و {أَمَرَ الله بِهِ} صلتُها وعائدُها. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكونَ مصدرِيَّةً لعَوْدِ الضميرِ عليها إلا عند أَبي الحسن وابن السراج، وهي مفعولةٌ بيَقْطَعون.
قوله: {أَن يُوصَلَ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: الجرُّ على البدلِ من الضمير في «به» أي: ما أمرَ اللهُ بوَصْلِهِ، كقول امرئ القيس:
319 - أمِنْ ذِكْرِ ليلى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرُ عنها خَطْوَةً وتَبُوصُ
أي: أمِنْ نَأْيِها. والنصبُ وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه بدلٌ من ما أمر اللهُ بدلُ اشتمالٍ. والثاني: أنه مفعولٌ من أجله، فقدَّره المهدوي: كراهةَ أن يُوصل، وقدَّرَهُ غيرُه: أن لا يُوصلَ. والرفع [على] أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ أي هو أن يُوصلَ، وهذا بعيدٌ جداً، وإنْ كان أبو البقاء ذَكَرَهُ.
و {يُفْسِدُونَ} عطفٌ على الصلةِ أيضاً و {فِي الأرض} متعلِّقٌ به. وقولُه {أولئك هُمُ الخاسرون} كقولِهِ: {وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 5] . وقد تقدَّم أنه يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ خبراً عن {الذين يَنقُضُونَ} إذا جُعِلَ مبتدأً، وإنْ لم يُجْعَلْ مبتدأ فهي مستأنفةٌ فلا محلَّ لها حينئذٍ. وتقدم معنى الخَسار، والأمرُ: طلبُ الأعلى من الأدنى.
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني
نقض
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
نقض
النَّقْضُ: انْتِثَارُ العَقْدِ مِنَ البِنَاءِ والحَبْلِ، والعِقْدِ، وهو ضِدُّ الإِبْرَامِ، يقال: نَقَضْتُ البِنَاءَ والحَبْلَ والعِقْدَ، وقد انْتَقَضَ انْتِقَاضاً، والنِّقْضُ المَنْقُوضُ، وذلك في الشِّعْر أكثرُ، والنَّقْضُ كَذَلِكَ، وذلك في البِنَاء أكثرُ(١) ، ومنه قيل للبعير المهزول: نِقْضٌ، ومُنْتَقِض الأَرْضِ من الكَمْأَةِ نِقْضٌ، ومن نَقْضِ الحَبْل والعِقْد استُعِيرَ نَقْضُ العَهْدِ. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ [الأنفال : 56] ، ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة : 27] ، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل : 91] ومنه المُنَاقَضَةُ في الكلام، وفي الشِّعْرِ كنَقَائِضِ جَرِيرٍ والفرزدقِ(٢) ، والنَّقِيضَانِ مِنَ الكلامِ: ما لا يصحُّ أحدُهما مَعَ الآخَرِ. نحو: هو كذا، وليس بكذا في شيءٍ واحدٍ وحالٍ واحدةٍ، ومنه: انْتَقَضَتِ القُرْحَةُ، وانْتَقَضَتِ الدَّجَاجَةُ: صَوَّتَتْ عند وَقْتِ البَيْضِ، وحقيقةُ الانْتِقَاضِ ليس الصَّوَتَ إنما هو انْتِقَاضُهَا في نَفْسِهَا لِكَيْ يكونَ منها الصَّوْتُ في ذلك الوَقْتِ، فَعُبِّرَ عن الصَّوْتِ بِهِ، وقوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح : 3] أي: كَسَرَهُ حتى صار له نَقِيضٌ، والإِنْقَاضُ.
صَوْتٌ لزَجْرِ القَعُودِ، قال الشاعر:
451- أَعْلَمْتُهَا الإِنْقَاضَ بَعْدَ القَرْقَرَة(٣)
ونَقِيضُ المَفَاصِلِ: صَوْتُهَا.
(١) قال التبريزي: والنّقض: مصدر نقضت الحبل والعهد، والبناء أنقضه نقضا. تهذيب إصلاح المنطق 1/ 82.
(٢) وقد جمعها أبو عبيدة في كتاب، وهو مطبوع.
(٣) هذا عجز بيت، وشطره: ربّ عجوز من أناس شهبرة
وهو لشظّاظ لص من بني ضبة، والرجز في اللسان (نقض) ، والمجمل 3/ 882.
عهد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
عهد
العَهْدُ: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمّي الموثق الذي يلزم مراعاته عَهْداً.
قال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء : 34] ، أي: أوفوا بحفظ الأيمان، قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : 124] ، أي: لا أجعل عهدي لمن كان ظالما، قال: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة : 111] . وعَهِدَ فلان إلى فلان يَعْهَدُ(١) ، أي: ألقى إليه العهد وأوصاه بحفظه، قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ﴾ [طه : 115] ، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس : 60] ، ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا﴾ [آل عمران : 183] ، ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ﴾ [البقرة : 125] . وعَهْدُ اللهِ تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسّنّة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشّرع كالنّذور وما يجري مجراها، وعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة : 75] ، ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة : 100] ، ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب : 15] . والْمُعَاهَدُ في عرف الشّرع يختصّ بمن يدخل من الكفّار في عَهْدِ المسلمين، وكذلك ذو الْعَهْدِ، قال ﷺ: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عَهْدٍ في عَهْدِهِ»(٢) وباعتبار الحفظ قيل للوثيقة بين المتعاقدين: عُهْدَةٌ، وقولهم: في هذا الأمر عُهْدَةٌ لما أمر به أن يستوثق منه، وللتّفقّد(٣) قيل للمطر: عَهْدٌ، وعِهَادٌ، وروضة مَعْهُودَةٌ: أصابها العِهَادُ.
(١) انظر: الأفعال 1/ 306.
(٢) الحديث عن عليّ عن النبيّ ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويردّ عليهم أقصاها، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» أخرجه أبو داود في الديات برقم 4530، وانظر معالم السنن 4/ 16، وأخرجه النسائي في القسامة 8/ 24 وحسّنه ابن حجر في الفتح 12/ 262، وأخرجه أبو يعلى.
وانظر: مجمع الزوائد 6/ 296.
(٣) في اللسان: تعهّد الشيء: تفقّده.
بعد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
بعد
البُعْد: ضد القرب، وليس لهما حدّ محدود، وإنما ذلك بحسب اعتبار المكان بغيره، يقال ذلك في المحسوس، وهو الأكثر، وفي المعقول نحو قوله تعالى: ﴿ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً﴾ [النساء : 167] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت : 44] ، يقال: بعد: إذا تباعد، وهو بعيد، ﴿وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود : 83] ، وبَعِدَ: مات، والبعد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو: ﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود : 95] ، وقد قال النابغة:
59- في الأدنى وفي البعد(١)
.
والبَعَدُ والبُعْدُ يقال فيه وفي ضد القرب، قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون : 41] ، ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون : 44] ، وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ : 8] ، أي: الضلال الذي يصعب الرجوع منه إلى الهدى تشبيها بمن ضلّ عن محجّة الطريق بعدا متناهيا، فلا يكاد يرجى له العود إليها، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود : 89] ، أي: تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن يأتيكم ما أتاهم من العذاب.
(بَعْد) : يقال في مقابلة قبل، ونستوفي أنواعه في باب (قبل) إن شاء الله تعالى.
(١) تمام البيت: فتلك تبلغني النعمان إنّ له ... فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد
وهو للنابغة الذبياني من معلقته، انظر ديوانه ص 33، وشرح المعلقات للنحاس 2/ 166.
وثق
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
وثق
وَثِقْتُ به أَثِقُ ثِقَةً: سكنت إليه واعتمدت عليه، وأَوْثَقْتُهُ: شددته، والوَثَاقُ والوِثَاقُ: اسمان لما يُوثَقُ به الشيء، والوُثْقَى: تأنيث الأَوْثَق. قال تعالى: ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر : 26] ، ﴿حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ [محمد : 4] والمِيثاقُ: عقد مؤكّد بيمين وعهد، قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران : 81] ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب : 7] ، ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء : 154] والمَوْثِقُ الاسم منه. قال: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ إلى قوله: ﴿مَوْثِقَهُمْ﴾ [يوسف : 66](١) . والوُثْقَى قريبة من الموثق، قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ [البقرة : 256] وقالوا رجل ثِقَةٌ، وقوم ثِقَةٌ، ويستعار للموثوق به، وناقة مُوثَقَة الخلق: محكمته.
(١) الآية: قالَ: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ، فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ: اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ.
قطع
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
قطع
القَطْعُ: فصل الشيء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة، فمن ذلك قَطْعُ الأعضاء نحو قوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف : 124] ، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة : 38] وقوله: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد : 15] وقَطْعُ الثوب، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ [الحج : 19] وقَطْعُ الطَّريقِ يقال على وجهين: أحدهما: يراد به السّير والسّلوك، والثاني: يراد به الغصب من المارّة والسالكين للطّريق نحو قوله: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ [العنكبوت : 29] وذلك إشارة إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف : 45] ، وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل : 24] وإنما سمّي ذلك قطع الطريق، لأنه يؤدّي إلى انْقِطَاعِ الناس عن الطريق، فجعل ذلك قطعا للطريق، وقَطْعُ الماء بالسّباحة: عبوره، وقَطْعُ الوصل: هو الهجران، وقَطْعُ الرَّحِمِ يكون بالهجران، ومنع البرّ. قال تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [محمد : 22] ، وقال: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة : 27] ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج : 15] وقد قيل: ليقطع حبله حتى يقع، وقد قيل: ليقطع أجله بالاختناق، وهو معنى قول ابن عباس: ثمّ ليختنق(١) ، وقَطْعُ الأمرِ: فصله، ومنه قوله: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً﴾ [النمل : 32] ، وقوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ [آل عمران : 127] أي: يهلك جماعة منهم.
وقطْعُ دابرِ الإنسان: هو إفناء نوعه. قال: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام : 45] ، و﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر : 66] ، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة : 110] أي: إلا أن يموتوا، وقيل: إلا أن يتوبوا توبة بها تَنْقَطِعُ قلوبهم ندما على تفريطهم، وقِطْعٌ مِنَ اللّيْل: قطعة منه. قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود : 81] . والقَطِيعُ من الغنم جمعه قُطْعَانٌ، وذلك كالصّرمة والفرقة، وغير ذلك من أسماء الجماعة المشتقّة من معنى القطع(٢) ، والْقَطِيعُ: السّوط، وأصاب بئرهم قُطْعٌ أي: انقطع ماؤها، ومَقَاطِعُ الأودية: مآخيرها.
(١) أخرج الحاكم وصححه وغيره عن ابن عباس قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ قال: فليربط حبلا إِلَى السَّماءِ إلى سماء بيته؟؟؟ السقف، ثُمَّ لْيَقْطَعْ قال: ثم يختنق به حتى يموت.
انظر: الدر المنثور 6/ 15، والمستدرك.
(٢) انظر: جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر ص 359.
أمر
أمر
الأَمْرُ: الشأن، وجمعه أُمُور، ومصدر أمرته: إذا كلّفته أن يفعل شيئا، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود : 123] ، وقال: قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران : 154] ، ﴿أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة : 275] ويقال للإبداع: أمر، نحو: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف : 54] ، ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق وقد حمل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ [فصلت : 12] وعلى ذلك حمل الحكماء قوله: قُلِ: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء : 85] أي: من إبداعه، وقوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل : 40] فإشارة إلى إبداعه، وعبّر عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدّم فيه فيما بيننا بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: ﴿وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ﴾ [القمر : 50] ، فعبّر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا.
والأمر: التقدم بالشيء سواء كان ذلك بقولهم: افعل وليفعل، أو كان ذلك بلفظ خبر نحو: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة : 228] ، أو كان بإشارة أو غير ذلك، ألا ترى أنّه قد سمّى ما رأى إبراهيم في المنام من ذبح ابنه أمرا حيث قال: ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات : 102] فسمّى ما رآه في المنام من تعاطي الذبح أمرا(١) .
وقوله تعالى: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود : 97] فعامّ في أقواله وأفعاله، وقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل : 1] إشارة إلى القيامة، فذكره بأعمّ الألفاظ، وقوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف : 18] أي: ما تأمر النفس الأمّارة بالسوء.
وقيل: أَمِرَ القومُ: كثروا، وذلك لأنّ القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بدّ لهم من سائس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر:
26- لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم(٢)
وقوله تعالى: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء : 16] أي: أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه: كثّرناهم.
وقال أبو عمرو: لا يقال: أمرت بالتخفيف في معنى كثّرت، وإنما يقال: أمّرت وآمرت.
وقال أبو عبيدة: قد يقال: أمرت(٣) بالتخفيف نحو: «خير المال مهرة مأمورة وسكّة مأبورة»(٤) وفعله: أمرت.
وقرئ: (أَمَّرْنَا)(٥) أي: جعلناهم أمراء، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم، ولذلك قيل: لا خير في كثرة الأمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام : 123] ، وقرئ: (آمَرْنَا)(٦) بمعنى: أكثرنا.
والائْتِمَارُ: قبول الأمر، ويقال للتشاور: ائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص : 20] . قال الشاعر:
27- وآمرت نفسي أيّ أمريّ أفعل(٧)
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف : 71] أي: منكرا، من قولهم: أَمِرَ الأَمْرُ، أي: كَبُرَ وكَثُرَ كقولهم: استفحل الأمر.
وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء : 59] قيل: عنى الأمراء في زمن النبيّ عليه الصلاة والسلام.
وقيل: الأئمة من أهل البيت(٨) ، وقيل: الآمرون بالمعروف، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ووجه ذلك: أنّ أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة: الأنبياء، وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم، والولاة، وحكمهم على ظاهر الكافّة دون باطنهم، والحكماء، وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر، والوعظة، وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم.
(١) قال قتادة: رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقّ، إذا رأوا شيئا فعلوه. انظر: الدر المنثور 7/ 105.
(٢) الشطر للأفوه الأودي، وتتمته: ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وهو في الحماسة البصرية 2/ 69، وأمالي القالي 2/ 228، والاختيارين ص 77. وديوانه ص 10.
(٣) راجع: مجاز القرآن 1/ 373، والغريبين 1/ 85، وتفسير القرطبي 10/ 233.
(٤) الحديث أخرجه أحمد في مسنده 3/ 468، وفيه: «خير مال المرء له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» . ورجال إسناده ثقات، واختلف في صحبة سويد، قال ابن حبان: يروي المراسيل لكن جاء في رواية: سمعت رسول الله يقول، ففيها إثبات السماع: انظر: الإصابة 2/ 101، ومجمع الزوائد 5/ 261.
المأمورة: الكثيرة، والسكة: الطريقة من النخل، المأبورة: الملقّحة.
(٥) وهي قراءة الحسن ومجاهد وأبي عثمان النهدي وأبي رجاء وأبي العالية، وهي قراءة شاذة.
(٦) وهي قراءة يعقوب، ورويت عن ابن كثير وأبي عمرو وعاصم من غير طريق الطيبة. راجع: الإتحاف ص 282.
(٧) هذا عجز بيت لكعب بن زهير، وشطره الأول: أنخت قلوصي واكتلأت بعينها
وهو في ديوانه ص 55، والحجة في القراءات للفارسي 1/ 319، وأساس البلاغة (كلأ) .
(٨) وهذا قول الشيعة.
وصل
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ)
وصل
الِاتِّصَالُ: اتّحادُ الأشياء بعضها ببعض كاتّحاد طرفي الدائرة، ويضادّ الانفصال، ويستعمل الوَصْلُ في الأعيان، وفي المعاني.
يقال: وَصَلْتُ فلاناً. قال الله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة : 27] ، وقوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [النساء : 90] أي: ينسبون. يقال: فلان مُتَّصِلٌ بفلان: إذا كان بينهما نسبة، أو مصاهرة، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص : 51] أي: أكثرنا لهم القول مَوْصُولًا بعضُهُ ببعض، ومَوْصِلُ البعيرِ: كلّ موضعين حصل بينهما وُصْلَةٌ نحو: ما بين العجز والفخذ، وقوله: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ [المائدة : 103] وهو أنّ أحدهم كان إذا ولدت له شاته ذكرا وأنثى قالوا: وَصَلَتْ أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، وقيل: الوَصِيلَةُ: العمارة والخصب، والوَصِيلَةُ: الأرضُ الواسعة، ويقال: هذا وَصْلُ هذا. أي صِلَتُهُ.
حاشية
فسد
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
فسد
الفَسَادُ: خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضادّه الصّلاح، ويستعمل ذلك في النّفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فَسَدَ فَسَاداً وفُسُوداً(١) ، وأَفْسَدَهُ غيره. قال تعالى: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون : 71] ، ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء : 22] ، ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم : 41] ، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة : 11] ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة : 12] ، ﴿لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة : 205] ، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ [النمل : 34] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة : 220] .
(١) انظر: الأفعال 4/ 18.
أرض
مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني ٥٠٢ هـ
أرض
الأرض: الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعةً في القرآن(١) ، ويعبّر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قال الشاعر في صفة فرس:
12- وأحمر كالديباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول(٢)
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد : 17] عبارة عن كلّ تكوين بعد إفساد وعودٍ بعد بدء، ولذلك قال بعض المفسرين(٣) : يعني به تليين القلوب بعد قساوتها.
ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت(٤) ، وتأرّض النبت: تمكّن على الأرض فكثر، وتأرّض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأَرَضَة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض(٥) ، يقال: أُرِضَتِ الخشبة فهي مأروضة.
(١) انظر: المجمل 1/ 92.
(٢) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات شعره ص 62، وشمس العلوم 1/ 72. وعجزه في المجمل 1/ 92.
(٣) وهذا قول صالح المري كما أخرجه عنه ابن المبارك في الزهد ص 88.
(٤) انظر: المجمل 2/ 92، والعين 7/ 55.
(٥) راجع اللسان (أرض) 7/ 113، والعين 7/ 56.
وقال الزمخشري: يقال: هو أفسد من الأرضة. راجع أساس البلاغة ص 5.
الجذر
مفردات ألفاظ القرآن
×
خسر
الخُسْرُ والخُسْرَان: انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان، فيقال: خَسِرَ فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، قال تعالى: ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات : 12] ، ويستعمل ذلك في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه في الدّنيا وهو الأكثر، وفي المقتنيات النّفسيّة كالصّحّة والسّلامة، والعقل والإيمان، والثّواب، وهو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين، وقال: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر : 15] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [البقرة : 121] ، وقوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ- إلى- أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة : 27] ، وقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [المائدة : 30] ، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن : 9] ، يجوز أن يكون إشارة إلى تحرّي العدالة في الوزن، وترك الحيف فيما يتعاطاه في الوزن، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى تعاطي ما لا يكون به ميزانه في القيامة خاسرا، فيكون ممّن قال فيه: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف : 9] ، وكلا المعنيين يتلازمان، وكلّ خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير، دون الخسران المتعلّق بالمقتنيات الدّنيويّة والتّجارات البشريّة.